أَتَـــطـــلُبُ لَيــلى وَهــيَ فــيــكَ تَــجَــلَّت
الشاعر: الحراق · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر الحراق، من العصر الحديث، وتقع في 153 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَتَـــطـــلُبُ لَيــلى وَهــيَ فــيــكَ تَــجَــلَّت — وَتَــحــسَــبُهــا غَــيــراً وَغَــيــرُكَ لَيـسَـتِ
فَـــذابـــلُهُ فـــي مِـــلَّةِ الحُــبِّ ظــاهِــرٌ — فَـكُـن فَـطِـنـاً فَـالغـيـرُ عَـيـنُ القَطيعَةِ
أَلَم تَــرَهــا أَلقَــت عَــلَيــكَ جَــمـالَهـا — وَلَو لَم تَـقُـم بِـالذاتِ مِـنـكَ اِضـمَـحَـلَّتِ
تَــقــولُ لَهــا اُدنُ وَهــيَ كُــلَّك ثُــمَّ إِن — حَـــبَـــتـــكَ بِـــوَصــلٍ أَوهَــمَــتــكَ تَــدَلَّتِ
عَــزيــزٌ لِقــاهــا لا يَــنــالُ وِصـالَهـا — سِــوى مَــن يَــرى مَــعـنـىً بِـغَـيـرِ هَـوِيَّةِ
كَــلِفــت بِهــا حَــتّــى فَــنِــيـتُ بِـحُـبِّهـا — فَــلَو أَقــسَــمَــت أَنّــيَ إِيّــاهــا لَبَــرَّتِ
وَغـالَطـتُ فـيـها الناسَ بِالوَهمِ بَعدَما — تَــبَــيَّنــتــهــا حَــقّــاً بِـداخِـلِ بُـردَتـي
وَغَــطَّيــتُهــا عَــنّــي بِــثَــوبِ عَــوالِمــي — وَعَــن حــاسِــدي فــيـهـا لِشِـدَّةِ غـيـرَتـي
بَــديــعَــة حُـسـنٍ أَو بَـدا نـورُ وَجـهِهـا — إِلى أَكــــمَهٍ أَضـــحـــى يَـــرى كُـــلَّ ذَرَّةِ
تــحــلّت بــأنــواع الجــمـال بـأسـرهـا — فــهــام بــهـا أهـل الهـوى حـيـثُ حـلّت
وَحَــلَّت عُــرى صَــبــري عَـلَيـهـا صَـبـابَـة — فَــأَصــبَــحــتُ لا أَرضــى بِـصَـفـوَةِ عُـروَةِ
وَمَـن ذا مِـنَ العُـشّـاقِ يَبلُغُ في الهَوى — مَــرامِــيَ فــيــهـا أَو يُـحـاوِلُ رُتـبَـتـي
وَبـي مِـن هَـواهـا ما لَو أُلقيَ في لَظى — لَذابَــت لَظــى مِــنــهُ بِــأَضـعَـفِ زَفـرَتـي
وَبِـالبَـحـرِ لَو يُـلقـى لَأَصـبَـحَ يـابِـسـاً — وَبِـــالشَـــمِّ دَكَّتـــ وَالسَـــحـــاب لَجَـــفَّتِ
ذَهَــلت بِهــا عَــنّــي فَــلَم أَرَ غَــيـرَهـا — وَهِـــمـــتُ بِهـــا وَجـــداً بِــأَوَّلِ نَــظــرَةِ
وَلَمّــا أَزَل مُــسـتَـطـلِعـاً شَـمـسَ وَجـهِهـا — إِلى أَن تَــراءَت مِــن مَــطــالِعِ صـورَتـي
فَــغــابَ جَـمـيـعـي فـي لَطـافَـةِ حُـسـنِهـا — لأَن كُـنـتُ مَـشـغـوفـاً بِهـا قَـبلَ نَشأَتي
فَــدَع عــاذِلي فـيـهـا المَـلامَ فَـإِنَّمـا — عَـــذابـــي بِهــا عَــذبٌ وَنــاري جَــنَّتــي
وَإِن شِــئتَ لُم فــيــهـا فَـلَسـتُ بِـسـامِـعٍ — دُهـــيـــتُ فَــلَم يَــكُــن إِلَيــكَ تَــلفُّتــي
وَكَــيــفَ أُصــيــخُ لِلمَــلامَــةِ فـي الَّتـي — عَــلَيـهـا جُـيـوبـي فـي الحَـقـيـقَـةِ زُرَّتِ
وَكُــنــتُ بِهــا مُــغـرىً أراهـا حَـبـيـبَـةً — إِذا أَنَّهــا وَاللَه عَــيــنُ حَــقــيــقَـتـي
وَفـيـها اِدّعيت العَين في مَذهَبِ الهَوى — وَقَــطَّعــتُ رَســمــي كَــي أُصــحِّحــَ حُــجَّتــي
وَأَصـبَـحـتُ مَـعـشـوقـاً وَقَـد كُـنـتُ عاشِقاً — لِأَن ظُهــــوري صــــارَ أَعــــظَـــم زَلَّتـــي
بِهــا سَــمِــعَــت أُذنــي وَأَبـصَـرَ نـاظِـري — فَــعــايَــنــتُهـا مِـنـهـا إِلَيـهـا تَـبَـدَّتِ
وَفــي حــالِهــا دارَت عَــليّ كُــؤوســهــا — فَــصِــرتُ بِهــا أَســمــو عَــلى كُــلِّ ذَروَةِ
وَمـا أَبـصَـرَت عَـيـنـايَ لِلخَـمـرِ جـامَهـا — لِأَن جـامَهـا مِـنـهـا لَهـا عَـيـنُ حِكمَتي
تَــلَألَأَ مِــنــهــا كُــلُّ شَـيـءٍ فَـمـا أَرى — سِـوى نـورِهـا الوَقّـادِ فـي كُـلِّ وُجـهَـتي
أَبــاحَ ليَ الخِــمــارَ مِــنــهُ تَــفَــضُّلــاً — جَـنـاهـا فَـصـارَ الشُـربُ ديـنـي وَمِـلَّتـي
فَــإِن شِــئتُهـا صِـرفـاً شَـرِبـتُ وَأَن أَشـأ — مَــزَجــتُ لِأَنَّ الكُــلَّ فــي طَــيِّ قَـبـضَـتـي
وَإِن شِـئتُ أَطـوي الكَـونَ طَـيّاً وَإِن أَشأ — نَــشَــرتُ جَــمـيـعَ الكـائِنـاتِ بِـنَـظـرَتـي
شَــرِبــتُ صَــفــاءً فــي صَـفـاءٍ وَمَـن يَـرِد — مِـنَ القَـومِ شـربـاً لَم يَجِد غَيرَ فَضلَتي
تَــقَــدَّمَ لي عِــنــدَ المُهَــيــمِــنِ سـابِـق — مِـنَ الفَـضـلِ وَاِسـتَـدعـاهُ حُكمُ المَشيئَةِ
فَــلي عِــزَّة المُــلكِ القَــديــمِ لِأَنَّنــي — بِـــعِـــزَّةِ رَبّــي فــي العَــوالِم عِــزَّتــي
وَلي مَــقـعَـدُ التَـنـزيـهِ عَـن كُـلِّ حـادِثٍ — وَلي حَــضـرَةُ التَـجـريـدِ عَـن كُـلِّ شِـركَـةِ
جَــلَســتُ بِــكُــرســيِّ التَــفَـرُّدِ فَـاِسـتَـوى — مِــنَ اللَهِ عَــرشٌ لي عَـلى مـاءِ قُـدرَتـي
تَـرانـي بِـبَـطـنِ الغَـيـبِ إِذ أَنـا ظاهِرٌ — وَمـا ثـمَّ غَـيـري ظـاهِـرٌ حـيـنَ غَـيـبَـتـي
تَــجَــلَّيـتُ مِـن لَوحِ البُـطـونِ وَلَم يَـكُـن — تَــجَــلّى مِـنـهُ غَـيـرُ تَـحـقـيـقِ حِـكـمَـتـي
لِأَنّــيَ قَــبــل الكَــونِ إِذ أَنــا بَـعـدَهُ — وَلَم يَــكُ كَــون غَــيـرُ تَـلويـنِ بَهـجَـتـي
تَـجَـلَّيـتُ قَـبـل بـاِسـمِ لوحِ القَـضا كَما — تَــجَــلَّيــتُ بَــعـد بِـاِسـمِ نـاري وَجَـنَّتـي
تَــرامَــت بِـأَنـواري المَـقـاديـرُ أَنَّنـي — عَــجــيــبٌ بَــدَت فــي كَــثـرَتـي أَحَـدِيَّتـي
وَخَـمـري أَثـارَت فـي الجَـمـيـعِ ضِـياءها — وَحَــقّــاً بِــأَنــواعِ الوُجــودِ اِســتَـبـدَّتِ
مُـــدامٌ تُـــزيــلُ الهَــمَّ وَهــيَ بِــدَنِّهــا — وَيَــنــشَـطُ كُـلُّ الكَـونِ مِـنـهـا بِـنَـفـخَـةِ
تَــراهــا بِــحَـشـوِ الكَـأسِ وَهـيَ زُجـاجَـةٌ — وَلَو لَم تَــكُــن فــيــهِ لَذابَ بِــسُــرعَــةِ
بِهــا هُــوَ مَــمــســوكٌ وَقَــد مَــسَـكَـت بِهِ — تُـــلوِّنُ كَـــأســي مِــن تَــلوّن خَــمــرَتــي
تَــلَطَّفــ مِـنـهـا إِذ سَـرى مِـنـهُ نـورُهـا — فَــتَــحـسَـبُهـا شَـمـسـاً عَـلى البَـدرِ دَرَّتِ
وَمِــن عَــجَـبٍ كَـأسٌ هُـوَ الخَـمـرُ عَـيـنُهـا — وَلكِـــنَّهـــُ يَـــبـــدو عَـــلى شَـــكــلِ دُرَّةِ
فَــيَــحــسَــبُهُ الراؤونَ غَــيــرُ مُــدامَــةٍ — لِشِـــدَّةِ آفـــاتٍ بِـــعَـــيــنِ البَــصــيــرَةِ
وَلَو صَـفَـتِ الأَسـرارُ مِـنـهُـم لَأَبـصَـروا — لَطـــائِفَ أَنـــوارٍ بِـــأَشـــكـــالِ قُـــدرَةِ
بَــدَت بِــرِيــاضِ المُـلكِ أَزهـارُ مـائِهـا — وَبِـالوَهـمِ يَـبـدو الزَهرُ غَير المائِيَّةِ
فَـإِن شِـئتَ أَن تَـنـفـيـهِ فَاِترُك خَواطِراً — تَـجـول لِفِـكـرٍ لَم تَـكُـن فـي الحَـقـيـقَةِ
وَلكِـن أَتَـت مِـن عـالَمِ الحُـسـنِ فَاِستَوَت — عَـلى القَـلبِ عَـيـنـاً وَهـوَ عـالمُ غَـفلَةِ
وَطِـر عَـن حـبـالاتِ التَفكيرِ في الوَرى — لِكَــي لا تُــرى مُــسـتَـوثِـقـا لَم تَـفـلَت
وَكُــن بِــمَــقــامــاتِ الرِجــالِ بِــظـاهِـرٍ — وَلا تَــكُ يَــومــاً حــذوَ كُــلٍّ بِــفِــكــرَةِ
فَــكَـم زاهِـدٍ أَلقـاهُ فـي اللَيـلِ زُهـدُهُ — تـــفـــكّـــرهُ فـــيـــهِ أَتـــاهُ بِــظُــلمَــةِ
وَذى طـــاعَـــةٍ قَـــصّـــت جَــوانِــحُهُ بِهــا — وَعـيـقَ عَـلى المَـولى بِـلَحـظِ الفَـضـيلَةِ
وَلَم يَــصــفُ زُهــدٌ لا وَلا عَــمــلٌ لِمَــن — يَــرى نَــفــسَهُ فــي زُهــدِهــا قَـد تَـرَقَّتِ
لِأَنَّ الَّذي يَـــأتـــي بِـــبـــرّ وَلا يــرى — بِهِ اللَهُ آت فـــاتِـــح بـــاب فِـــتــنَــةِ
وَلَم يَـصـف أَي يُـخـلِص مِـنَ الجَهـلِ أَمرَهُ — وَلَم يُــلفَ إِلّا فــي غَــيــاهِــبِ رَيــبَــةِ
لإِن فَـعَـلنـا مـا لَم نَـرَ اللَهَ فـاعِلاً — عـلى الشَـكِّ بِـالمَـعـبـودِ فـي كُـلِّ وُجهَةِ
لِفُــــقــــدانِ إِخــــلاص بِهِ اللَهُ آمِــــرٌ — وَذلِكَ إِفـــــراد الإِله بِـــــخِـــــدمـــــةِ
وَلَم يَــكُــنِ الإِفــرادُ يَــومــاً لِعـامِـلٍ — إِذا نَــفــســهُ فــي ذلِكَ الفِــعــلِ عَــنَّتِ
لِأَنَّ إِلاهَ العَــــــرشِ عَــــــمَّ وُجــــــودُهُ — وَلَمّــا يَــكُــن شَــيــءٌ سِــواهُ بِــمُــثـبـتِ
وَلَم يُـخـصـصِ الأَعـمـالَ بِـاللَهِ مِن يَرى — شَــريــكــاً لَهُ فــيــهــا بِـمِـثـقـالِ ذَرَّةِ
وَيـــا عَـــجَــبــاً كَــم تَــدّعــي أَحــدِيَــة — وَهــيَ عَــلى التَــحــقــيـقِ غـايَـةُ وَحـدَةِ
وَلَمّـا تَـكُـن فـي اِثـنَـيـنِ وَاللَهُ غـايَةٌ — فَــكَــيــفَ إِذا أَثــبَــتَ نِــســبَــة كَـثـرَةِ
أَلَم تَــرَهُ يَــنـهـى عَـنِ اِثـنَـيـنِ خَـلقـهُ — وَشِــركُ ذَوي التَــثــليــثِ بــادٍ بِــحُــجَّةِ
فَـدَع عَـنـكَ أَقـوالاً تَـرى إِن أَتَـيـتَهـا — أَخــا ظَــمَــإٍ يَــومــاً سَـرابـاً بِـقـيـعَـةِ
وَأَلقِ لَنـــا أُذنَ الفُـــؤادِ مُــصــيــخَــةً — وَعـي القَـولُ مِـنّـي وَاِسـتَـمـع لِنَـصيحَتي
إِذا شِـئتَ أَن تَـلقـى السَـعادَة وَالمُنى — وَتَـــبـــلُغَ مــا عَــنــهُ الرِجــالُ تَــوَلَّتِ
فَــطَهِّر بِــمــاءِ الذِكــرِ قَـلبَـكَ جـاهِـداً — بِــصِــدقِ اللجـا وَاِغـسِـلهُ مِـن كُـلِّ عِـلَّةِ
وَفَـــكِّر بِـــأَمـــرِ الشَـــرعِ أَمــرَكَ كُــلَّهُ — فَــدونَــكَ إِن لَم تَــفــعَــل البـابُ سُـدَّتِ
وَدَع مـا مَـضـى إِن تُـبـتَ لا تَـكتَرِث بِهِ — وَلا تَــلتَــفِــت فــي طــاعَــةٍ لِمَــثـوبَـةِ
وَشَـــمِّر ذُيـــولَ الحَـــزمِ لِلَّهِ طـــالِبــاً — وَلا تَــقـصِـدن حَـظّـاً بِـسَـيـرِ الطَـريـقَـةِ
فَــمَـن عَـمَّهـُ القُـصّـادُ بَـل مَـن عَـمـاهُـمُ — تَــوَجُّهــُهُــم نَــحــوَ الحُــظــوظِ الدَنِــيَّةِ
وَمَــن يَــبــتَــغِ غَــيــرَ الإِلَهَ بِــسَـيـرِهِ — إِلَيـــهِ تَـــراهُ راجِـــعـــاً أَيّ رَجـــعَـــةِ
بِــأَن يَـنـتَهـي لِلوَهـمِ وَالبـاطِـلِ الَّذي — لَهُ نَـــفـــسُهُ عِـــنـــدَ البِـــدايَـــة أَمَّتِ
وَمِـن ثـمَّ كـانَـت عـادَةُ اللَهِ فـي الَّذي — يَـــؤُمُّ سِـــواهُ دائِمــاً نَــيــل خَــيــبَــةِ
فَــيَــحــرِمُهُ مــا أَمّ إِذ هُــوَ لَم يَــكُــن — وَلا يَـــصِـــلنَ لِلَّهِ مِـــن فَـــقـــدِ نِـــيَّةِ
فَــــذا عَــــدمٌ مَــــحـــضٌ وَذا لَم يَـــؤمّه — فَـــصَـــفــقــتُهُ وَاللَهِ أَخــسَــرُ صَــفــقَــةِ
فَــسِــر فـي أَمـانِ اللَهِ لِلحَـقِّ مُـسـرِعـاً — وَكُـن مُـعـرِضـاً عَن ذي الأُمورِ الشَنيعَةِ
كَــــحِــــرصٍ عَـــلى مـــالٍ وَحُـــبِّ وِلايَـــةٍ — وَكَـــثـــرَةُ أَصـــحـــابٍ وَنَــيــل المَــزيَّةِ
وَغِــب عَـن شُهـودِ الذاتِ مِـنـكَ وَوَصـفِهـا — وَصِـــلّ عَـــلى كُـــلٍّ تَـــنَــل كُــلَّ رِفــعَــةِ
وَكُــن مُــفـلِسـاً مِـن رُؤيَـةِ الكَـونِ كُـلِّهِ — تَــكُــن بِــإِلاهِ العَـرشِ أَغـنـى البَـرِيَّةِ
فَلَم يَفتَقِر مَن جاءَ بِالفَقرِ ذا الغِنى — وَلَن يَــغــن مَــن يَــأتـي إِلَيـهِ بِـثَـروَةِ
وَكُـــلُّ مَـــقـــامٍ لا تَـــقُــم بِهِ فِــكــرَةٌ — وَدَع كُـــلَّ حـــالٍ فــيــهِ نَــفــسُــكَ حَــلَّتِ
إِلى أَن تَـرى مـا كُـنـتَ مِن قَبل هارِباً — بِــفِـكـرِكَ مِـنـهُ نَـفـس عَـيـنِ الحَـقـيـقَـةِ
وَتُــبــصِــرُ رَبّــاً قَــد أَحـاطَ بِـمـا تَـرى — وجـوداً عَـلى التَـحـقـيـقِ مِن غَيرِ مَرِيَّةِ
وَتَــنــظُــر نـوراً فـائِضـاً مِـن حَـقـيـقَـةٍ — تـــلَوِّن أَلوانـــاً لِإِظـــهـــارِ حِــكــمَــةِ
وَتَـــعـــلَم أَنَّ الكَـــونَ لَيـــسَ بِــكــائِنٍ — لِأَجــلِ دُخــولِ الكُــلِّ تَــحــتَ المـاهِـيَّةِ
وَتــوقِــنُ أَنَّ الكَــأسَ خَــمـراً وَلا تَـرى — سِـــواهُ فَـــمــا أَحــلى لِقــاءَ الأَحِــبَّةِ
وَإِنَّكـــــَ سِـــــرّاً لِكُــــلٍّ وَالسِــــرُّ ذاتُهُ — وَإِنَّكــَ أَنــتَ العَـيـنُ فـي بَـيـنِ صـنـعَـةِ
وَإِنَّكــــــَ وصــــــول وَلا ثـــــمَّ واصِـــــلٌ — وَلكِــن مَــعــانــي الذاتِ بِـالذاتِ حـفَّتِ
تَـنـاهَـت إِلَيـهـا بَـعـدَمـا اِحتَجَبَت بِها — وَمِــنــهــا التَــنــاهــي كـانَ أَوَّلَ مَـرَّةِ
أَبَـت أَن تَـراهـا عَـيـنـهـا وَهـيَ عَينها — وَفـــي ذا كَـــمـــالُ القُـــدرَةِ الأَزَلِيَّةِ
وَتَــظــهَــر إِن شــاءَت إِلَيـهِ بِـحـال مـا — بِهِ اُحــتِــجِــبَــت عَــنـهـا بِـسَـطـوَةِ عـزَّةِ
بَــدَت بِــجَــمــالٍ مِــن كَــمـالِ صِـفـاتِهـا — فَــأَهــدَت بِهِ مَــن بِــالعِــنــايَــةِ خُــصَّتِ
وَلَو لَم تَـجـل بِـالصِـفـاتِ لَمـا اِهـتَـدى — لِعِــرفــانِهــا وَاللَه فَهــم الخَــليـفَـةِ
لِأَنّ تَـــجـــلِّي الذاتِ بِـــمَـــحــقِ نــورِهِ — جَــمــيــعَ الَّذي يَــبــدو لَهُ بِــالذَتِــيَّةِ
أَلَم تَـــرَهـــا لَمّــا تَــجَــلَّت بِــذاتِهــا — لِطــــورِ كَـــليـــمِ اللَهِ لِلصَـــخـــرِ دَكَّتِ
وَخـــرَّ لِذاكَ الدَكِّ مـــوســـى كَـــليــمــهُ — فَــعَـوَّضَ صَـعـقَ الطـورِ عَـن صَـعـقِ نَـفـخَـةِ
لِأَنَّ تَــجــلّي الذاتِ نَــفــخَــةُ صــورِهــا — بِهِ تــبــدّل التَــلطــيــف كُــلّ كَـثـيـفَـةِ
وَمِــن ثــمَّ كــانَـت نَـشـأَةُ الخَـلقِ أَوَّلاً — تَهــدُّ وَنَــشــأ العَــرض نَــفــخَـةُ بَـعـثَـةِ
فَـتُـدرِكُ مـا لَم تَـدرِ مِـن قَـبـلِ بَـعثِها — وَيَـعـلَمُ مِـنـهُ الغَـيـبُ نَـفـسَ البَـديـهَةِ
لِأَنَّ مُــدرِكَ الأَنــوارِ مِـن عَـيـنِ نـورِهِ — عَــلى قَـدرِهِ يَـبـدو لَهُ فـي الحَـقـيـقَـةِ
أَلَم تَــرَ خَــيــرَ الخَــلقِ أَبــصَـرَ خَـلقَهُ — تَـــنَـــزَّلَ حَــتّــى كــانَ فــي المُــلكِــيَّةِ
وَأَصـــحـــابُهُ لَمّـــا عَـــلَو بِـــاِتِّصـــالِهِ — فَــلَم يَـعُـد مِـنـهُـم واحِـدٌ حُـسـنُ دَحـيَـةِ
وَإِن لَم يَـروا جِـبـريـلَ إِلّا عَـشـيـرَهُـم — عَــلى أَنَّهــُم فــي النــاسِ أَفــضَــلُ أُمَّةِ
فَــكَــيــفَ يَــرى خَــلق حَــقــيـقَـةِ أَحـمَـد — وَلكِـــن يَـــرى ظِـــلّاً مِـــنَ البَـــشَـــرِيَّةِ
لِأَنَّهـــُ صـــونُ السِـــرِّ بَـــل سِــرُّ صَــونِهِ — وَالأَنــوارُ طــرّاً مِـن سَـنـاهُ اِسـتَـمَـدَّتِ
عَــلَيــهِ يَــدورُ القُــطــبُ وَهــوَ بِــسِــرِّهِ — يَــدورُ عَــلَيــهِ الكَــونُ فـي كُـلِّ لَمـحَـةِ
تَـرى حُـكـمَهُ بِـاللَهِ فـي الخَـلقِ نافِذاً — لِأَنَّهـــُ صـــارَ فـــيـــهِــم أَصــلُ نَــشــأَةِ
تَــرقّــى إِلى أَن صــارَ لِلكُــلِّ جــامِـعـاً — لِسِــــرٍّ أَتـــى مِـــن هِـــمَّةـــٍ أَحـــمَـــدِيَّةِ
وَأَصــلُ وُجــودِ الشَــيــءِ رَحــمَـةُ نَـفـسـه — لِذلِكَ كـــــانَ رَحـــــمَــــةً لِلبَــــشَــــرِيَّةِ
وَرَحــمَــتُهُ مِـن رَحـمَـةِ المُـصـطَـفـى أَتَـت — لِأَن سِـــرُّهُ مِـــن سِــرِّ عَــيــنِ الرَحــمَــةِ
لِذلِكَ كــانَ القُــطــبُ يُــبــصِــرُ دائِمــاً — لَهُ سِــرُّ الاِســتِــخــلافِ فــي كُـلِّ بَـرزَةِ
لِأَنَّهــُ عَــن خَــيــرِ الأَنــامِ خَــليــفَــةً — وَهــوَ عَــنِ الرَحــمــنِ خَــيــرُ خَــليــفَــةِ
فَــنــورٌ سَـرى فـي الكَـونِ صـورَة أَحـمَـدٍ — بِهِ تَهـــتَـــدي لِلَّهِ كُـــلُّ بَـــصـــيـــرَتــي
فــهــوّ الهـدى والنـور مـن حـيـث إنـه — عـلى ذاتـه تـجـلى مـعـانـي الحـقـيـقة
فَـــلا مُهـــتَـــدٍ إِلّا بِـــأَضــواءِ نــورِهِ — لِأَنَّ نُــــعــــوتَ النـــورِ بـــابُ الأَدِلَّةِ
وَهــوَ عَــلى التَــحــقـيـقِ وَاللَه وَصـفـه — وَمِـن ثـمَّ كـانَ الفَـتـحُ مِـنـهُ لِحَـضـرَتـي
فَــمَــن حَــفَّهـُ نـورُ الرَسـولِ يَـخـوضُ مِـن — بِـــحـــارِ شُهـــودِ الذاتِ فـــي كُــلِّ لُجَّةِ
وَتــنــهــى إِلَيــهِ فـي الأَنـامِ رِيـاسَـةٌ — قَــدِ اِسـتَـسـلَفَـت فـي عِـزِّهـا كُـلّ رُتـبَـةِ
وَمَــن قَــد أَتــى مِـن غَـيـرِ نـورِ مُـحَـمَّدٍ — فَــــإِقـــدامُهُ فـــي مَهـــوَةِ الغَـــيّ زَلَّتِ
يَــرومُ دُخـولَ الدارِ مِـن غَـيـرِ بـابِهـا — وَيَــطــلُبُ هَــديــاً بِــالأُمــورِ المُـضِـلَّةِ
وَلَولا سَــنـى مِـنـهـا لَمـا وَصَـلَت بِـنـا — سَــنــابِــكَ أَفــراسِ القُــلوبِ المُــجِــدَّةِ
لِنَـحـوِ حِـمـاهـا وَهـيَ فـي مَـنعَةِ الهَوى — وَصَـــونِ شُـــفـــوفٍ مِـــن سُـــيـــوفٍ أَعِــزَّةِ
فَـلِذا اِغـتِـرابـي في اِقتِرابي حَبائِبي — وَهــانَ عَــذابــي إِذ عَــذابــي شِــقـوَتـي
أواري غَــرامــي عَــن هَــواجِــسِ عــاذِلي — فَــتَــكــشِــف عَــن سَـرّي حَـقـائِقَ سـيـرَتـي
وَيَـــعـــذُرُنـــي مِـــنــهُ صَــوانُ تَــجَــلُّدي — فَـتَـعـذرُنـي مِـن سُـرعَـةِ السَـكـبِ عَـبرَتي
وَمـا كُـنـتُ أَدري حـيـنَ أَدري مَـدامِـعـي — بِـأَنَّ سَـرايـا الطَـرفِ مِـن جَـيـشِ رقـبَتي
وَإِن شُـــؤونـــي عَـــن شُـــؤونـــي عَـــبَّرَت — إِذا غَـبّـرَت فـي التـيـهِ أُخـدودُ وَجنَتي
تَـــوَسَّدت مِـــن جِــســمــي الأَمــان لِأَنَّهُ — إِذا مــا فَـنـى فـي الحُـبِّ فـي زيِّ مَـيِّتِ
وَإِنّ حَـــيـــاةَ الروحِ عَـــنـــهُ خِـــفـــيَّةٌ — إِذا أَنَّهـــُ لَمـــا فَـــنـــى فــيــهِ حَــلَّتِ
وَصــارَ بِــسِــرِّ الذَوقِ مِـن عَـيـنِ ذاتِهـا — وَنـــالَ بَـــقــاءً إِذ رَمــى بِــالبَــقِــيَّةِ
وَوافَــقَهــا فــيــمــا يَــعُــمّهُـمـا مَـعـاً — وَدامــا جَــمــيـعـاً بَـيـنَ خَـفـضٍ وَرِفـعَـةِ
فَهــذا بِــعَــيــنِ الذاتِ نــافـى دائِمـاً — وَهـذا بِـنـورِ العَـيـنِ فـي العَينِ مُثبَتِ
فَــأَضــحــى الوَرى لَمّــا رَوى كُـلُّ واحِـدٍ — رِوايَــتَهُ قِــســمَـيـنِ فـي نَـوعِ عِـشـقَـتـي
فَــمِــن قــائِلٍ هــذا يُــحِــبُّ بُــثَــيــنَــة — وَمِــــن قـــائِلٍ هـــذا كـــثـــيـــرُ عَـــزَّةِ
رَأَوا مِــن ثِـيـابـي فـي ثَـبـاتِ تَـوَلُّهـي — فَــأَوقَــعَهُــم فـي الوَهـمِ فَهـم تَـثَـبُّتـي
وَلَمّــا أَبــى كَــنِّيــ يَــكــنُّ هَــوايَ بَــل — يُــذيــعُ جَــمــيــعــاً لِلوُشـاةِ سَـريـرَتـي
وَأَصــبَــحَ أَفــواهــاً تُـنـاجـي بِـكُـلِّ مـا — لَهُ صــارَ إِســمـاعـاً عَـلى خَـلفِ إِمـرَتـي
فَـإِن أَنـهَ نـطـقـي أَنـهَ ما كانَ مُودعاً — سِــواهُ وَذاعَ السِــرَّ مِــن كُــلِّ جُــمـلَتـي
تَــيَــقَّنــتُ إِذ لَم يَــبــقَ مِــنّــي كـاتِـمٌ — بِـأَنّ اِسـتَـتـاري فـي الغَـرامِ فَـضـيحَتي
وَصِــرتُ إِذا لَم يَــسـتُـرِ الشَـمـسَ ظِـلُّهـا — أُصــانِــعُ عَـن دَرءِ الهَـوى بِـصَـنـيـعَـتـي
وَأَعـــلَمُ أَنّـــي بِـــالمَـــعــالِمَ جــاهِــلٌ — وَأُنــكِــرُ فــي كُــلِّ اِخـتِـبـاري خِـبـرَتـي
وَأَســأَل أَهــلَ الحَــيِّ عَــن جــيـرَةٍ لَهـا — لِتَــبـريـدِ تَـبـريـحـي وَإِطـفـاءِ لَوعَـتـي
أُغــالِطُهُــم فـي فِـتـنَـةِ الفَـرقِ إِن فِـت — نَـةُ الجَـمـعِ لَيـسَت في الصَبابَةِ فُرقَتي
بَــدا غَــيُّهــُم مِــن عَـيـنِهِـم فَـتَـواتَـرَت — عَـلَيـهِـم سِهـامُ البَـيـنِ مِـن عَـينِ نُقطَةِ
وَلَو جَـرَّدوا مِـن نُـقـطَـةِ الغَـينِ عَينهُم — لَفــازوا بِــتَــفــريــدٍ بِهِ الذاتُ جَــلَّتِ
وَشـــاهَـــدَ كُـــلّ عَـــيــنــه عَــيــن حُــبِّهِ — وَأَفــضَــلُ خَــلقِ اللَهِ عَــيــنُ الوَسـيـلَةِ
وَلكِــن إِلى أَنــوارِهِ الكُــلُّ يَــنــتَهــي — فَـــفـــيـــهِ حَـــقـــائِقُ الكِـــرامِ تَــرَقَّتِ
عَــــلَيــــهِ صَــــلاةُ اللَهِ ثُـــمَّ سَـــلامُهُ — وَآلِه وَالأَصـــحـــابِ فـــي كُـــلِّ لَحــظَــةِ
وَأَزواجِه وَالتــابِــعــيــنَ جَــمــيــعِهِــم — وَأُمَّتــــــِه الغَــــــرّاءِ أَفـــــضَـــــلُ أُمَّةِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ادن: أدن: المُؤْدَنُ مِنَ النَّاسِ: القصيرُ العنُقِ الضَّيِّقُ المَنْكِبين مَعَ قِصَر الأَلواحِ وَالْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ ضاوِياً. والمُؤْدَنة: طُوَيِّرةٌ صغيرةٌ قصيرةُ العنُق نَحْوُ القُبَّرة. ابْنُ بَرِّي …
- بالذات: ذأت: ذَأَته يَذْأَته ذَأْتاً: خَنَقَه، مِثْلَ دَغَته دَغْتاً. وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: ذَأَته إِذا خَنَقَه أَشَدَّ الخَنْقِ حتى أَدْلَع لسانَه.
- بالوهم: وَهَمَ: الوَهْمُ: مِنْ خَطَراتِ الْقَلْبِ، وَالْجَمْعُ أَوْهامٌ، وَلِلْقَلْبِ وَهْمٌ. وتَوَهَّمَ الشيءَ: تخيَّله وتمثَّلَه، كَانَ فِي الْوُجُودِ أَو لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ: تَوهَّمْتُ الشيءَ وتفَرَّسْتُه وتَوسَّمْتُه وتَبَ …
- تقم: نقمت على الرجل أنقم بالكسر فأنا ناقِمٌ، إذا عتبت عليه. يقال: ما نَقَمْتُ منه إلا الإحسان. وقال الكسائي: نَقِمْتُ بالكسر لغة. ونَقِمْتُ الأمرَ أيضاً ونَقَمْتُهُ، إذا كرهته. وانْتَقَمَ الله منه، أي عاقبه. والاسم منه النقمة …