خمس أغان للألم

الشاعر: نازك الملائكة · البحر: السريع

«خمس أغان للألم» من شعر نازك الملائكة، من العصر الحديث، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر السريع، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

1 — مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ

ساقي مآقينا كؤوسَ الأرَقْ — نحنُ وجدناهُ على دَرْبنا

ذاتَ صباحٍ مَطِيرْ — ونحنُ أعطيناهُ من حُبّنا

رَبْتَةَ إشفاقٍ وركنًا صغيرْ — ينبِضُ في قلبنا

** — فلم يَعُد يتركُنا أو يغيبْ

عن دَرْبنا مَرّهْ — يتبعُنا ملءَ الوجودِ الرحيبْ

يا ليتَنا لم نَسقِهِ قَطْرهْ — ذاكَ الصَّباحَ الكئيبْ

مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ — ساقي مآقينا كؤوس الأرَقْ

2 — مِن أينَ يأتينا الأَلمْ?

من أَينَ يأتينا? — آخَى رؤانا من قِدَمْ

ورَعى قوافينا — **

أمسِ اصْطحبناهُ إلى لُجج المياهْ — وهناكَ كسّرناه بدّدْناهُ في موج البُحَيرهْ

لم نُبْقِ منه آهةً لم نُبْقِ عَبْرهْ — ولقد حَسِبْنا أنّنا عُدْنا بمنجًى من أذَاهْ

ما عاد يُلْقي الحُزْنَ في بَسَماتنا — أو يخْبئ الغُصَصَ المريرةَ خلف أغنيَّاتِنا

** — ثم استلمنا وردةً حمراءَ دافئةَ العبيرْ

أحبابُنا بعثوا بها عبْرَ البحارْ — ماذا توقّعناهُ فيها? غبطةٌ ورِضًا قريرْ

لكنّها انتفضَتْ وسالتْ أدمعًا عطْشى حِرَارْ — وسَقَتْ أصابعَنا الحزيناتِ النَّغَمْ

إنّا نحبّك يا ألمْ — **

من أينَ يأتينا الألم? — من أين يأتينا?

آخى رؤانا من قِدَمْ — ورَعَى قوافينا

إنّا له عَطَشٌ وفَمْ — يحيا ويَسْقينا

3 — أليسَ في إمكاننا أن نَغْلِبَ الألمْ?

نُرْجِئْهُ إلى صباحٍ قادمٍ? أو أمْسِيهْ — نشغُلُهُ? نُقْنعهُ بلعبةٍ? بأغنيهْ?

بقصّةٍ قديمةٍ منسيّةِ النَّغَمْ? — **

ومَن عَسَاهُ أن يكون ذلك الألمْ? — طفلٌ صغيرٌ ناعمٌ مُستْفهِم العيونْ

تسْكته تهويدةٌ ورَبْتَةٌ حَنونْ — وإن تبسّمنا وغنّينا له يَنَمْ

** — يا أصبعًا أهدى لنا الدموع والنَّدَمْ

مَن غيرهُ أغلقَ في وجه أسانا قلبَهُ — ثم أتانا باكيًا يسألُ أن نُحبّهُ?

ومن سواهُ وزّعَ الجراحَ وابتسَمْ? — **

هذا الصغيرُ... إنّه أبرَأ مَنْ ظَلَمْ — عدوّنا المحبّ أو صديقنا اللدودْ

يا طَعْنةً تريدُ أن نمنحَها خُدودْ — دون اختلاجٍ عاتبٍ ودونما ألمْ

** — يا طفلَنا الصغيرَ سَامحْنا يدًا وفَمْ

تحفِرُ في عُيوننا معابرًا للأدمعِ — وتَسْتَثيرُ جُرْحَنا في موضعٍ وموضعِ

إنّا غَفَرْنا الذنبَ والإيذاء من قِدَمْ — 4

كيف ننسىَ الألَمْ — كيف ننساهُ?

من يُضيءُ لنا — ليلَ ذكراهُ?

سوف نشربُهُ سوف نأكلُهُ — وسنقفو شُرودَ خُطَاه

وإذا نِمنا كان هيكلُهُ — هو آخرَ شيءٍ نَرَاهْ

** — وملامحُهُ هي أوّلَ ما

سوف نُبْصرُهُ في الصباحْ — وسنحملُهُ مَعَنا حيثُما

حملتنا المُنى والجراحْ — **

سنُبيحُ له أن يُقيم السُّدودْ — بين أشواقنا والقَمَرْ

بين حُرْقتنا وغديرٍ بَرُودْ — بين أعيننا والنَّظَرْ

** — وسنسمح أن يَنْشُر البَلْوى

والأسَى في مآقينا — وسنُؤْويه في ثِنْيةٍ نَشْوَى

من ضلوع أغانينا — **

وأخيرًا ستجرفُهُ الوديانْ — ويوسّدُهُ الصُّبَّيْر

وسيهبِطُ واديَنَا النسيان — يا أسانا, مساءَ الخَيْرْ!

** — سوف ننسى الألم

سوف ننساهُ — إنّنا بالرضا

قد سقيناهُ — 5

نحن توّجناكَ في تهويمةِ الفجْرِ إلهَا — وعلى مذبحكَ الفضيّ مرّغْنَا الجِبَاهَا

يا هَوانا يا ألَمْ — ومن الكَتّانِ والسِّمْسِمِ أحرقنا بخورَا

ثمّ قَدّمْنا القرابينَ ورتّلْنَا سُطورَا — بابليَّاتِ النَّغَمْ

** — نحنُ شَيّدنا لكَ المعبَدَ جُدرانًا شَذيّهْ

ورَششنا أرضَهُ بالزَّيتِ والخمرِ النَّقيَّهْ — والدموع المُحرِقهْ

نحن أشعلنا لكَ النيرانَ من سَعف النخيلِ — وأسانا وَهشيم القمح في ليلٍ طويلِ

بشفاهٍ مُطْبَقَهْ — **

نحنُ رتّلْنَا ونادَيْنا وقدّمْنا النذورْ: — بَلَحٌ من بابلِ السَّكْرَى وخُبْزٌ وخمورْ

وورودٌ فَرِحَهْ — ثمّ صلّينا لعينيك وقرّبنا ضحيّهْ

وجَمَعْنا قطَراتِ الأدمُعِ الحرّى السخيّهْ — وَصنَعْنا مَسْبَحَهْ

** — أنتَ يا مَنْ كفُّهُ أعطتْ لحونًا وأغاني

يا دموعًا تمنحُ الحكمةَ, يا نبْعَ معانِ — يا ثَرَاءً وخُصوبَهْ

يا حنانًا قاسيًا يا نقمةً تقطُرُ رحْمَه — نحنُ خبّأناكَ في أحلامنا في كلّ نغْمهْ

من أغانينا الكئيبهْ

البحر والقافية

القصيدة على بحر السريع. بحر خفيف سريع الإيقاع كما يدلّ اسمه، يصلح للموضوعات الخفيفة والقصص.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الرحيب: الرَّحِيبُ : المتّسع؛ مكان رحيبٌ/ رحيبُ الباع، أي سَخِيٌّ/ رحيبُ البطن، أي أكولٌ/ الرحيبُ الصّدْر، هو الصبور؛ حَرِيٌّ برئيس القوم أن يكونَ حليماً رحيبَ الصَّدر ج رُحُبٌ مؤ رَحِيبَةٌ ج رَحَائِبُ.
  • الكئيب: [ك أ ب]. (صِيغَةُ فَعِيل). "وَجَدْتُهُ كَئِيباً" : حَزِيناً، مُنْكَسِرَ النَّفْسِ، مُغْتَمّاً.
  • دربنا: درب: الدَّرْبُ: مَعروف. قَالُوا: الدَّرْبُ بابُ السِّكَّة الواسِعُ؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: الواسِعة، وَهُوَ أَيضاً البابُ الأَكبَر، وَالْمَعْنَى واحدٌ، والجمع دِرابٌ. أَنشد سِيبَوَيْهِ: مِثْل الكِلابِ، تَهِرُّ عِنْدَ دِرابِ …
  • ساقي: السَّاقِي : فا.-: من يُقَدِّمُ الشّرابَ ج سُقَاةُ.
  • قلبنا: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ …
  • ليتنا: ليت: لاتَه حَقَّه يَليتُه لَيْتاً، وأَلاتَه: نَقَصه، والأُولى أَعلى. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصْ …
  • مطير: المَطِيرُ : ذو المَطر؛ جاء في يوم مَطِير، أي ماطر.-: ما أصابه المطرُ؛ وادٍ مطيرٌ، أي نزل فيه المطر.

قصائد ذات صلة

  • أجراس سوداء
  • أسطورة عينين
  • أسفار
  • مأساة الأطفال
  • مرثية للانسان
  • أنشودة الأموات
  • أسطورة نهر النسيان
  • كآبة الفصول الأربعة