صلاة الأشباح
الشاعر: نازك الملائكة · البحر: المقتضب
«صلاة الأشباح» من شعر نازك الملائكة، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر المقتضب، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تململت الساعةُ البارده — على البرج, في الظلمة الخامدهْ
ومدّتْ يدا من نُحاسْ — يدًا كالأساطير بوذا يحرّكُها في احتراسْ
يدَ الرَّجل المنتصبْ — على ساعة البرج, في صمته السرمديّ
يحدّقُ في وجْمة المكتئبْ — وتقذفُ عيناهُ سيلَ الظلامِ الدَّجِيّ
على القلعة الراقدهْ — على الميّتين الذينَ عيونُهُمُ لا تموت
تظَلّ تحدَّقُ, ينطقُ فيها السكوتْ — وقالتْ يد الرَّجُلِ المنتصِب:
"صلاةٌ, صلاهْ!" — ودبّتْ حياهْ
هناكَ على البُرْج, في الحَرَس المُتْعَبينْ — فساروا يجرّونَ فوق الثَّرَى في أناهْ
ظلالَهُمُ الحانيات التي عَقَفَتْها السنينْ — ظلالَهُمُ في الظلام العميقِ الحزينْ
وعادتْ يدُ الرجل المنتصِبْ — تُشير: "صلاةٌ, صلاهْ!"
فيمتزجُ الصوتُ بالضجّة الداويهْ, — صدى موكبِ الحَرَسِ المقتربْ
يدُقّ على كلّ بابٍ ويصرخُ بالنائمينْ — فيبرُزُ من كلّ بابٍ شَبَحْ
هزيلٌ شَحِبْ, — يَجُرّ رَمَادَ السنينْ,
يكاد الدُّجى ينتحبْ — على وَجْهِهِ الجُمْجُمِيّ الحزينْ
وسار هنالكَ موكبُهُمْ في سُكونْ — يدبّونَ في الطُّرقاتِ الغريبةِ, لا يُدْركونْ
لماذا يسيرونَ? ماذا عسى أن يكونْ? — تلوَّتْ حوالَيْهمُ ظُلُماتُ الدروبْ
أفاعيَ زاحفةً ونُيُوبْ — وساروا يجرّون أسرارَهُمْ في شُحُوب
وتهمسُ أصواتهم بنشيدٍ رهيبْ, — نشيدِ الذينَ عيونُهُمُ لا تموتْ,
نشيد لذاك الإلهِ العجيبْ — وأغنيةٌ ليد الرَّجُلِ المنتصبْ
على البرج كالعنكبوتْ — يدٌ من نحاسْ
يحرّكها في احتراسْ — فترسل صيحَتها في الدياجي
"صلاةٌ, صلاهْ" — وفي آخر الموكب الشَّبَحيّ المُخيفْ
رأى حارس شَبَحَيْن — يسيرانِ لا يُدْركان متى كان ذاك وأيْن?
تحُزّ الرّياح ذراعيهما في الظلام الكثيفْ — وما زال في الشَّبَحينِ بقايا حياهْ
ولكنّ عينيهما في انطفاءْ — ولفظُ "صلاة صلاهْ"
يضِجّ بسَمْعَيْهما في ظلام المساءْ — "ألستَ ترى"
"خُذْهما!" — ثم ساد السكون العميق
ولم يَبْقَ من شَبَح في الطريق — وفي المعْبَد البرْهميّ الكبير
وحيثُ الغموضُ المُثيرْ — وحيثُ غرابةُ بوذا تلُفّ المكانْ
يُصلّي الذينَ عيونُهُم لا تموتْ — ويَرْقُبُهم ذلكَ العنكبوتْ
على البرج مستغْرَقًا في سكوتْ, — فيرتفعُ الصوت ضخْمًا, عميق الصدى, كالزمان
ويرتجفُ الشَّبَحانْ — "من القلعةِ الرطبةِ الباردهْ"
"ومن ظُلُمات البيوت" — "من الشُرَف الماردهْ"
"من البرجِ, حيثُ يدُ العنبكوتْ" — "تُشيرُ لنا في سكوتْ"
"من الطرقات التي َتعْلِك الظُلْمَةَ الصامتهْ" — "أتيناكَ نسحَب أسرارَنا الباهتهْ"
"أتيناكَ, نحن عبيدَ الزمانْ" — "وأسرَاه نحن الذينَ عيونُهُم لا تموتْ"
"أتينا نَجُرّ الهوانْ" — "ونسألُكَ الصفْحَ عن هذه الأعين المُذْنبهْ"
"ترسّبَ في عُمْق أعماقها كلُّ حزْنِ السنينْ" — "وصوتُ ضمائرِنا المُتعَبَهْ"
"أجشٌّ رهيبُ الرّنينْ" — "أتيناكَ يا من يذُرّ السُّهادْ"
"على أعينِ المُذْنبينْ" — "على أعينِ الهاربينْ"
"إلى أمسِهِم ليلوذوا هناك بتلّ رمَادْ" — "من الغَدِ ذي الأعين الخُضرِ. يا من نراهْ"
"صباحَ مساءَ يسوقُ الزمانْ" — "يحدّق, عيناه لا تغفوان"
"وكفَّاه مَطْويّتانْ" — "على ألفِ سرٍّ. أتينا نُمرِّغ هذي الجباهْ"
"على أرض معبدِهِ في خُشُوعْ" — "نُناديهِ, دونَ دموعْ,"
"ونصرخ: آهْ!" — "تعِبْنا فدعْنا ننامْ"
"فلا نسْمع الصوتَ يَهْتف فينا: "صلاهْ!" — "إذا دقَّتِ الساعة الثانيهْ,"
"ولا يطرق الحَرَس الكالحونْ" — "على كل باب بأيديهم الباليه"
"وقد أكلتْها القُرونْ" — "ولم تُبْق منها سوى كومة من عظامْ"
"تعبنا... فدعنا ننامْ.." — "ننامُ, وننسى يد الرجل العنكبوتْ"
"على ساحة البرج. تنثُرُ فوق البيوتْ" — "تعاويذَ لعنتها الحاقدهْ"
"حنانك بوذا, على الأعينِ الساهدهْ" — "ودعها أخيرًا تموتْ"
وفي المعبد البرهمي الكبيرْ — تحرّكَ بوذا المثيرْ
ومدّ ذراعيه للشبحَيْنْ — يُبارك رأسيْهما المُتْعَبيْنْ
ويصرخُ بالحَرَس الأشقياءْ — وبالرَّجُلِ المنتصبْ
على البرْج في كبرياءْ, — "أعيدوهما!"
ثم لفَّ السكونُ المكانْ — ولم يبقَ إلا المساءْ,
وبوذا, ووجه الزمانْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المقتضب. بحر نادر قليل الورود، سُمّي مقتضبًا لأنه اقتُطِع من المنسرح.
تفعيلاته: مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الألف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- احتراس: [ح ر س]. (مصدر اِحْتَرَسَ). "هُو في اِحْتِرَاسٍ شَدِيدٍ مِنْ هُجُومِهِ" : أَيْ في تَحفُّظٍ وَاحْترازٍ.
- البارده: البَارِدُ : فا--: منخفِض الحرارة؛ في الشتاء يكون الطقس باردًا.-: الطيِّب الهانىء؛ تمتع بعيش بارد.-: السهل، نال غنيمة باردة.-: الضعيف الواهي، أدلى بحجة باردة.-: الغثُّ الرخيص؛ كان حديثه باردًا/ الحرب الباردة حرب كلامية وإ …
- الحرس: حرس: حَرَسَ الشَّيْءَ يَحْرُسُه ويَحْرِسُه حَرْساً: حَفِظَهُ؛ وَهُمُ الحُرَّاسُ والحَرَسُ والأَحْراسُ. واحْتَرس مِنْهُ: تَحَرَّزَ. وتَحَرَّسْتُ مِنْ فُلَانٍ واحْتَرَسْتُ مِنْهُ بِمَعْنًى أَي تَحَفَّظْتُ مِنْهُ. وَفِي الْ …
- السرمدي: السَّرْمَدِيُّ : المنسوبُ إلى السَّرمَدِ؛ أَحبَّهَا حُبّاً سَرْمَدِيّاً.
- المكتئب: المُكْتَئِبُ : فا.-: ذُو الكآبة، أي المتغيّر النفس المنكسر من شدّة الحزن والهمّ؛ هو مكتئب لإخفاقه في عمله. - اللونِ: ضاربٌ لونه إلى السَّواد.