أنا الأرض
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أنا الأرض..يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها
احرثوا جسدي ..!أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس
مرّوا على جسديأيّها العابرون على جسدي
لن تمرّواأنا الأرضُ في جسدٍ
لن تمرّواأنا الأرض في صحوها
لن تمرّواأنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها
لن تمرّوالن تمرّوا
لن تمرّوا!-----------------
-1-في شهر آذار، في سنة الإنتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات. وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق النهائي آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي.
أنا الأرضوالأرض أنت
خديجةُ! لا تغلقي البابلا تدخلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيلسنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل.وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ. سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ. للطباشير فوق الأصابع لونُ العصافيرِ. في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها.
-2-أُسمّي الترابَ امتداداً لروحي
أُسمّي يديّ رصيفَ الجروحأُسمّي الحصى أجنحة
أسمّي العصافير لوزاً وتينوأستلّ من تينة الصدر غصناً
وأقذفهُ كالحجرْوأنسفُ دبّابةَ الفاتحين.
-3-وفي شهر آذار، قبل ثلاثين عاما وخمس حروب،
وُلدتُ على كومة من حشيش القبور المضيء.أبي كان في قبضة الإنجليز. وأمي تربّي جديلتها وامتدادي على العشب. كنت أحبّ "جراح الحبيب" و أجمعها في جيوبي، فتذبلُ عند الظهيرة، مرّ الرصاص على قمري الليلكي فلم ينكسر،
غير أنّ الزمان يمرّ على قمري الليلكي فيسقطُ سهواً...وفي شهر آذار نمتدّ في الأرض
في شهر آذار تنتشرُ الأرض فينامواعيد غامضةً
واحتفالاً بسيطاًونكتشف البحر تحت النوافذ
والقمر الليلكي على السروفي شهر آذار ندخلُ أوّل سجنٍ وندخلُ أوّل حبّ
وتنهمرُ الذكريات على قريةً في السياجوُلدنا هناك ولم نتجاوز ظلال السفرجل
كيف تفرّين من سُبُلي يا ظلال السفرجل؟في شهر آذار ندخلُ أوّل حبٍّ
وندخلُ أوّل سجنٍوتنبلجُ الذكريات عشاءً من اللغة العربية:
قال لي الحبّ يوماً: دخلت إلى الحلم وحدي فضعتُ وضاع بي الحلم. قلت تكاثرْ!تر النهر يمشي إليك.
وفي شهر آذار تكتشف الأرض أنهارها.-4-
بلادي البعيدة عنّي.. كقلبي!بلادي القريبة مني.. كسجني!
لماذا أغنّيمكاناً، ووجهي مكانْ؟
لماذا أغنّيلطفل ينامُ على الزعفران؟
وفي طرف النوم خنجروأُمي تناولني صدرها
وتموتُ أماميبنسمةِ عنبر؟
-5-وفي شهر آذار تستيقظ الخيل
سيّدتي الأرض!أيّ نشيدٍ سيمشي على بطنك المتموّج، بعدي؟
وأيّ نشيدٍ يلائم هذا الندى والبخوركأنّ الهياكل تستفسرُ الآن عن أنبياء فلسطين في بدئها المتواصل
هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة-هذا نشيدي
أخضر مثل النبات يغطّي مساميره وقيوديوهذا نشيدي
وهذا صعودُ الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس.في شهر آذار تستيقظ الخيلُ.
سيّدتي الأرض!والقمم اللّولبية تبسطها الخيلُ سجّادةً للصلاةِ السريعةِ
بين الرماح وبين دمي.نصف دائرةٍ ترجعُ الخيلُ قوسا
ويلمعُ وجهي ووجهك حيفا وعُرساوفي شهر آذار ينخفضُ البحر عن أرضنا المستطيلة مثل
وللموج أن يحبس الموج ... أن يتموّج...أنيتزوّج .. أو يتضرّح بالقطن
أرجوك سيّدتي الأرض أن تسكنيني وأن تسكنين صهيلكأرجوك أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات بين البنفسج والبندقية
أرجوك سيدتي الأرض أن تخصبي عمري المتمايل بين سؤالين: كيف؟ وأين؟وهذا ربيعي الطليعي
وهذا ربيعي النهائيّفي شهر آذار زوّجتُ الأرضُ أشجارها.
-6-كأنّي أعود إلى ما مضى
كأنّي أسيرُ أماميوبين البلاط وبين الرضا
أعيدُ انسجاميأنا ولد الكلمات البسيطة
وشهيدُ الخريطةأنا زهرةُ المشمش العائلية.
فيا أيّها القابضون على طرف المستحيلمن البدء حتّى الجليل
أعيدوا إليّ يديّأعيدوا إليّ الهويّة!
-7-وفي شهر آذار تأتي الظلال حريرية والغزاة بدون ظلال
وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البناتوواضحة كالحقول
العصافير ظلّ الحقول على القلب والكلمات.خديجة!
- أين حفيداتك الذاهباتُ إلى حبّهن الجديد؟- ذهبن ليقطفن بعض الحجارة-
قالت خديجة وهي تحثّ الندى خلفهنّ.وفي شهر آذار يمشي التراب دماً طازجاً في الظهيرة. خمس بناتٍ يخبّئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة. يقرأن مطلع أنشودةٍ على دوالي الخليل، ويكتبن خمس رسائل:
تحيا بلاديمن الصفر حتّى الجليل
ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة.خديجةُ! لا تغلقي الباب خلفك
لا تذهبي في السحابستمطر هذا النهار
ستمطرُ هذا النهار رصاصاًستمطرُ هذا النهار!
وفي شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدّمويّة: خمسُ بناتٍ على باب مدرسةٍ ابتدائية يقتحمن جنود المظلاّت. يسطعُ بيتٌ من الشعر أخضر... أخضر. خمسُ بناتٍ على باب مدرسة إبتدائيّة ينكسرن مرايامراياالبناتُ مرايا البلاد على القلب..
في شهر آذار أحرقت الأرض أزهارها.-8-
أنا شاهدُ المذبحةوشهيد الخريطة
أنا ولد الكلماتُ البسيطةرأيتُ الحصى أجنحة
رأيت الندى أسلحةعندما أغلقوا باب قلبي عليّاً
وأقاموا الحواجز فيّاومنع التجوّل
صار قلبي حارةْوضلوعي حجارةْ
وأطلّ القرنفلوأطلّ القرنفل
-9-وفي شهر آذار رائحةٌ للنباتات. هذا زواجُ العناصر. "آذار أقسى الشهور" وأكثرها شبقاً. أيّ سيفٍ سيعبرُ بين شهيقي وبين زفيري ولا يتكسّرُ ! هذا عناقي الزّراعيّ في ذروة الحب. هذا انطلاقي إلى العمر.
فاشتبكي يا نباتات واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودة حلمي إلى جسديسوف تنفجرُ الأرضُ حين أُحقّقُ هذا الصراخ المكبّل بالريّ والخجل القرويّ.
وفي شهر آذار نأتي إلى هوس الذكريات، وتنمو علينا النباتات صاعدةىً في اتّجاهات كلّ البدايات. هذا نموُّ التداعي. أُسمّي صعودي إلى الزنزلخت التداعي. رأيت فتاةً على شاطئ البحر قبل ثلاثين عاماً وقلتُ: أنا الموجُ، فابتعدتُ في التداعي. رأيتُ شهيدين يستمعان إلى البحر:عكّا تجئ مع الموج.عكّا تروح مع الموج. وابتعدا في التداعي.
ومالت خديجة نحو الندى، فاحترقت. خديجة! لا تغلقي الباب!إن الشعوب ستدخلُ هذا الكتاب وتأفل شمسُ أريحا بدونِ طقوس.
فيا وطن الأنبياء...تكامل!ويا وطن الزراعين.. تكاملْ!
ويا وطن الشهداء.. . تكامل!ويا وطن الضائعين .. تكامل!
فكلّ شعاب الجبال امتدادٌ لهذا النشيد.وكلّ الأناشيد فيك امتدادٌ لزيتونة زمّلتني.
-10-مساءٌ صغيرٌ على قريةٍ مهملة
وعيناك نائمتانأعودُ ثلاثين عاماً
وخمس حروبٍوأشهدُ أنّ الزمانْ
يخبّئ لي سنبلةيغنّي المغنّي
عن النار والغرباءوكان المساءُ مساء
وكان المغنّي يغنّيويستجوبونه:
لماذا تغنّي؟يردّ عليهم:
لأنّي أغنّي.....
وقد فتّشوا صدرهُفلم يجدوا غير قلبه
وقد فتّشوا قلبهفلم يجدوا غير شعبه
وقد فتشوا صوتهفلم يجدوا غير حزنه
وقد فتّشوا حزنهفلم يجدوا غير سجنه
وقد فتّشوا سجنهفلم يجدوا غيرهم في القيود
وراء التّلالينامُ المغنّي وحيداً
وفي شهر آذارتصعدُ منه الظلال
-11-أنا الأملُ والسهلُ والرحبُ قالت لي الأرضُ والعشبُ مثل التحيّة في الفجر
هذا احتمالُ الذهاب إلى العمر خلف خديجة. لم يزرعوني لكي يحصدونييريد الهواء الجليليّ أن يتكلّم عنّي، فينعسُ عند خديجة
يريد الغزال الجليليّ أن يهدم اليوم سجني، فيحرسُ ظلّ خديجة وهي تميل على نارها.يا خديجةُ! إنّي رأيتُ .. وصدّقتُ رؤياي تأخذني في مداها وتأخذني في هواها. أنا العاشق الأبديّ، السجين البديهيّ. يقتبس البرتقالُ اخضراري ويصبحُ هاجسَ يافا
أنا الأرضُ منذ عرفت خديجةلم يعرفوني لكي يقتلوني
بوسع النبات الجليليّ أن يترعرع بين أصابع كفّي ويرسم هذا المكان الموزّع بين اجتهادي وحبّ خديجةهذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر من شهر آذار حتّى رحيل الهواء عن الأرض
هذا الترابُ ترابيوهذا السحابُ سحابي
وهذا جبين خديجةأنا العاشقُ الأبديّ السجينُ البديهيّ
رائحة الأرض توقظني في الصباح المبكّر..قيدي الحديديّ يوقظها في المساء المبكّر
هذا احتمال الذهابُ الجديد إلى العمر،لا يسأل الذاهبون إلى العمر عن عمرهم
يسألون عن الأرض: هل نهضتطفلتي الأرض!
هل عرفوك لكي يذبحوك؟وهل قيّدوك بأحلامنا فانحدرت إلى جرحنا في الشتاء؟
وهل عرفوك لكي يذبحوكوهل قيّدوك بأحلامهم فارتفعت إلى حلمنا في الربيع؟
عن القصيدة
«أنا الأرض» من شعر محمود درويش، من العصر الحديث، وتقع في ١٠٣ بيتًا. ورويّها حرف الدال.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.