بابا نويل
الشاعر: رشيد ياسين · البحر: المديد
«بابا نويل» من شعر رشيد ياسين، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بابا نويل ... تناولَتْ من أُمها قنينةََََََ الدواءْ
وقبّلتْ جبينها الذاوي ... وسوَّتْ حولها الغطاءْ
وقبلَ أن تنْدسَّ في فراشها الباردْ ... تغلغلت رطوبة ُ الحجرة في عظامِها
فالتصقتْ بالموقد الهامدْ ... وأرسلتْ عبر الزجاج نظرةًًً حزينه:
كان دويّ ُ مَِرحٌ يُسمعُ في المدينه ... وأسهمٌ نارية ٌ تصعد في الفضاءْ
مُطِلقةًَ في زرقة الليل ِ ... نوافيرَ من الضياءْ !
وفي الزقاق ِ أوقفتْ مركبة ٌ هدبرَها .. ... ثم تعالى لََغَط ٌ خفيفْ
وضاعَ في الجوارْ ... ... فأيقنت أن البيوتَ حولها تستقبلُ الزّوّارْ !
وفجأةً أحست الصمت ثقيِلاً ... وسََرَتْ في جسمها النحيفْ
رعدةُ خوفٍ ، ... وبدا كأنّما الدنيا بما فيها من البهجة والأعيادْ
قد رحلتْ وخلّفتْها ... في عَراءٍ باردٍ ، مخيف !
وفكرّت وهي تُديرُ إصبعاًً مقرورةً ... في كومة الرمادْ :
"هاهي قد حَلَّتْ أخِيراً ليلة ُ الميلادْ ! ... " فهل سيأتي هذه المرّةَ في الموعدْ
" وكيسُه ملآن ُ بالأثواب والُلعَبْ ؟!... ... "لكنني أخاف أن يغلبني النعاسُ والتَعَبْ
"والبردُ يشتدّ ُ ...ولا أحطابَ للموقدْ ! ... " لم أعرف الراحة َ منذ الفجر ِ...
"أصلحت ُ لأُمّي ثوبها العتيقْ .. ... "جففتُ عنها عَرق الحمَّى
"واعددتُ لها الطعامْ.. ... "مسكينةٌ أُمّي !
محاها الداءُ محواً ، لم يَََدع منها سوى العِظامْ ! ... قالت بهمسٍ ، واعتراها شَجَنٌ عميقْ
وأفلتتْ من جفنها عَبْره : ... "لا ! لا أريد لُعبة ً منه ولا رِداءْ !
"سأرتمي ضارعةً أمامهُ .. ... "لعلّه يمنحها الشِفاءْ !
"لكنْ ...أآتٍ هو حقاً هذه المرهْ ؟! ... " أم سيديرُ وجهه عن بابِنا ،
"مثل َ جميع الناس ؟! ... "لا ، هو لن يفعل هذا !...
"كيف ينسى طفلة ً مجروحة الإحساس ْ ... "ترقب أن يجىء منذ عامْ؟!
"لكنني يملؤني الخوف من النعاسْ ! ... "ماذا يقولُ لو رآى منزلنا يسوده الظلامْ ،
"موقده منطفىءٌ وأهلُهُ نيامْ ؟! ... "ألن يعودَ غاضباً ؟..."
....والتمعت ْ في ذهنها فكره ْ : ... "قد تستميل قلبه رسالة ٌ
"أتركها بجانب الشّباكْ ... "لعله يلمحها هناك ْ
"إذا أجال َ طرفهُ في هذه الحجرهْ !" ... ................................................
رأته في منامها يجىءُ ... في زحّافةٍ تجرّها الوعولْ!
كان كما يظهرُ في الصَُوَرْ ... بلحيةٍ كالقطن في بياضِها
وطلعةٍ زهراءَ كالقَمرْ ! ... وثم ذرّاتٌ من الثلج على مِعطفِه المبلولْ.
ربَّتَ في لُطفٍ على مفرِقهِا وخدّها الشاحبْ ... وقال : " لا تبتئسي ، يا طفلتي ،
"ما أنا بالغاضبْ . ... "أعرف عنك كلّ شيء ، كلَّ احزانِكْ .
"وكل ما تَلقيْنَ من إذلال ْ ... "وأنتِ ترتجفين برداً بين أقرانكْ
"بالجورب المثقوب والأسمال ْ! ... " أدري بما كابدت ِ في يومك من نصبْ
"لتدرئي عن أمّك البائسة العناءْ ! ... " لا تحزني ،بنيّتي ..أٌمُك أحضرتُ لها الدواءْ
"وهذه كلّ هداياك ِ، هنا ، في هذه العُلَبْ ! ... في العلبة الأولى رأت ْ
خُفَّينِ ناعمين مشغولينِ بالفراءْ ... وفوجئت في العلبة الأخرى
بمعطف ٍ رأته من خلف الزجاجِ مرةً ... يسبح في الأضواءْ
في أحد المخازن ِ الكبرى ! ... وابتسم الشيخ الودودُ قائلاً ينبرةٍ عذْبَه:
"وهذه العُلبه ... " تضمُ، يا صغيرتي ، الحلوى التي يحبّها الأطفالْ
"أدري ...لقد كتمتِ عني هذه الرغبه ! ... "أكنتِ تخشينَ من الإلحاح في السؤالْ ؟!
ولم تجد عبارة ً تقولها فقبّلت يَدَيهْ ... واجهشت باكيةً فضمّها برقّةٍ إليه ْ
وعندما غادرها بكتْ من السعاده... ... بكت إلى أن غرِقتْ بدمعها الوساده !
............................................... ... في غَبَشِ الفجر استبدتْ نوبةُُ السُعالْ
بأمّها فانتفضتْ مذعورةً ، ... وفجأةً تذكّرتْ قنينة الدواء والهدايا
فالتفتت ملهوفةً تبحث في الزوايا ... ... لكنها لم ترَ في العَتْمةِ من شيءٍ
سوى الحطامِ والأسمالْ ! ... وأطلقتْ شهقة َ حزن ٍ ،
ومضت ترنو بلا حَراكْ ... حين رأتْ وريقةًَ مطوية ً بجانب الشبّاكْ !!
بغداد 1986
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- البارد: برد: البَرْدُ: ضدُّ الْحَرِّ. والبُرودة: نَقِيضُ الْحَرَارَةِ؛ بَرَدَ الشيءُ يبرُدُ بُرودة وَمَاءٌ بَرْدٌ وَبَارِدٌ وبَرُودٌ وبِرادٌ، وَقَدْ بَرَدَه يَبرُدُه بَرْداً وبَرَّدَه: جَعَلَهُ بَارِدًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَ … (لسان العرب)
- الجوار: جور: الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ … (لسان العرب)
- الذاوي: ذأي: ذأو الذَّأْوُ: سيرٌ عنيفٌ. ذأَى يَذْأَى وذأو يَذْؤُو ذأو ذَأْواً: مَرَّ مَرّاً خفِيفاً سَرِيعًا، وَقَالَ: سَارَ سَيراً شَدِيدًا. وذَأَى الإِبلَ يَذْآها وذأو يَذْؤُوها ذأو ذَأْواً وذَأْياً: سَاقَهَا سَوْقاً شَدِيدًا … (لسان العرب)
- الزجاج: زجج: الزُّجُّ: زُجُّ الرُّمْحِ والسَّهم. ابْنُ سِيدَهْ: الزُّجُّ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُرَكَّبُ فِي أَسفل الرمح، والسِّنانُ يُرَكَّبُ عاليَتَه؛ والزُّجُّ تُرْكَزُ بِهِ الرُّمْح فِي الأَرض، والسِّنانُ يُطْعَنُ بِهِ، وَالْ … (لسان العرب)
- الزقاق: زقق: الزَّقّ: مَصْدَرُ زَقَّ الطائرُ الفَرخَ يزُقُّه زَقّاً وزَقْزَقَه غَرّه، وزَقَّه: أَطعمه بفِيه، وزَقَّ بسَلْحه يَزُقُّ زَقّاً وزَقْزَقَ: حذَف، وأَكثر ذَلِكَ فِي الطَّائِرِ؛ قَالَ: يزُقّ زَقّ الكَرَوانِ الأَوْرق والز … (لسان العرب)
- الزوار: زور: الزَّوْرُ: الصَّدْرُ، وَقِيلَ: وَسَطُ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: أَعلى الصَّدْرِ، وَقِيلَ: مُلْتَقَى أَطراف عِظَامِ الصَّدْرِ حَيْثُ اجْتَمَعَتْ، وَقِيلَ: هُوَ جَمَاعَةُ الصَّدْرِ مِنَ الخُفِّ، وَالْجَمْعُ أَزوار. والزَّوَ … (لسان العرب)
- الغطاء: الغِطاءُ: ما تَغَطَّيتَ به. وغطيت الشئ تغطية. وغطيته أيضا أغْطي غَطْياً. وقال: أنا ابن كلابٍ وابن أوسٍ فمن يكُن * قِناعه مَغْطِياً فإنِّي لمُجْتلي وغَطا الليل يَغْطو ويَغْطي، أي أظلم. وغطا الماء. وكل شئ ارتفع وطال على شئ … (الصحاح)
- الهامد: همد: الهَمْدَةُ: السَّكْتةُ. هَمَدَتْ أَصواتُهم أَي سكَنَتْ. ابْنُ سِيدَهْ: هَمَدَ يَهْمُدُ هُمُوداً، فَهُوَ هامِدٌ وهَمِدٌ وهَمِيدٌ: مَاتَ. وأَهْمَدَ: سَكَتَ عَلَى مَا يَكْرَه؛ قَالَ الرَّاعِي: وإِني لأَحْمي الأَنْفَ مِ … (لسان العرب)