الْبُحَيْرَةُ
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
ليتَ شعري أهكذا نحنُ نمضيفي عُبابٍ إلى شواطئَ غُمْضِ
ونخوضُ الزمانَ في جُنْحِ ليلٍأبديٍّ، يُضني النفوسَ ويُنضِي
وضفافُ الحياةِ ترمقها العَيــنُ فبعضٌ يمرُّ في إِثْرِ بَعْضِ
دون أنْ نملك الرجوعَ إلى مافاتَ منها، ولا الرسوَّ بأرضِ؟!
•••حدثي القلبَ، يا بحيرةُ، ما لي
لا أرى «أولفيرَ» فوق ضفافِكْأوشكَ العامُ أن يمرَّ، وهذا
موعدٌ للقاءِ في مصطافِكْصخرةَ العهد! ويكِ هأنذا عد
تُ، فماذا لديكِ عن أضيافِكْ؟عدتُ وحدي أرعَى الضفافَ بعينٍ
سفكتْ دمعَها الليالي السوافِكْ•••
كنتِ بالأمسِ تهدرين كما أنــت هديرٌ يهزُّ قلبَ السكونِ
وضفافٍ أمواجُها يتداعيــنَ على هذه الصخور الجونِ
والنسيمُ العليل يدفعُ وهنًازَبَدَ الموج للرُّبى والحزونِ
ملقيًا رغوَها على قدميهاليِّنَ المسِّ مستحبَّ الأنينِ
•••أتُرى تذكرين ليلةَ كنَّا
منكِ فوق الأمواج، بين الضفافِوسرى زورقٌ بنا يتهادَى
تحت جنح الدُّجى وسترِ العفافِ؟!في سكونِ، فليس نسمعُ فوق الـ
ـموج إلا أغانيَ المجدافِتتلاقى على الرُّبَى والحوافي
بأناشيدِ موجِك العَزَّافِ؟؟•••
وعلى حين غرةٍ رنَّ صوتٌلم يُعَوَّدْ سماعَه إنسيُّ
هبط الشاطئَ الطروبَ فما يُســمَعُ فيه للهاتفات دَوِيُّ
وإذا الليلُ ساهمٌ سكَنَ النوءُ إليه وأنصتَ اللجِّيُّ
يتلقى عن نبأةِ الصوت نجوىكلماتٍ ألقى بهنَّ نجِيُّ
•••يا زمانًا يَمُرُّ كالطير مهلًا
طائر أنتَ؟ ويكَ، قِفْ طيرانَكْ!أهناءَ الساعاتِ تجري وتعدو
نا عطاشًا، فقفْ بنا جريانَكْ!ويكَ دَعْنَا نمرحْ بأجملِ أيَّا
مٍ ونَلقى، من بعد خوفٍ، أمانَكْوإذا نحن لَذَّة العيش ذقنا
ها ومرَّت بنا فَدُرْ دورانَكْ!•••
بيدَ أنَّ الشقاءَ قد غمر الأرضَ وفاضَ الوجودُ بالتاعسينَا
كلهم ضارعٌ إليك يرجِّيــكَ فأسرعْ! أسرعْ! إلى الضارعينَا
وافترس مُشْقِيَاتِ أيامهم وامضِرحًى تطحن الشقاءَ طحونَا
رحمةً، فاذكر النفوسَ الحزانىوانسَ، يا دهرُ، أنفس الناعمينَا!
•••عبثًا أنشدُ البقاءَ لعهدٍ
يُفْلِتُ اليومَ من يدي ويفرُّوسويعاتِ غبطةٍ ما أراها
ووشيكًا ما تنقضي وتمرُّوأنادي يا ليلةَ الوصل قرِّي
إن بعد السرى يطيب المقرُّأسفًا للصِّبا وغرِّ ليالٍ
ليس يُبقي على صباهنَّ فجرُ•••
فلنحبِّ الغداة ولنحيَ حُبًّاولنكنْ في الحياة بعضًا لبعضِ
ولنسارعْ فنقتفي إثرَ ساعاتٍفقد تؤذنُ النوى بالتقضِّي
إننا في الحياة في عُرْضِ بحرٍليسَ نُلقي المرساةَ فيه بأرضِ
ما به مرفأٌ يَبينُ ولكنْنحن نمضي في لجِّه، وهو يمضِي!
•••أكذا أنتَ، أيها الزمن الحاقـ
ـدُ، تغتال نشوة اللحظاتِ؟حيثُ يُزجِي لنا السعادةَ أموا
جًا من الحبِّ زاخرِ اللجاتِ؟أكذا أنت ذاهبٌ بليالي الـ
ـصفوِ عنَّا سريعةَ الخطواتِ؟أكذا تنقضي ملاوةُ نعما
ها كما ينقضي شقاءُ الحياةِ؟•••
كيف؟ حدِّثْ: أغالها منك صرفٌفي أبيدِ الزَّمانِ حيث طواهَا؟
ويك، قل لي، أليسَ نملك يومًاأن نراها؟ أما تبينُ خطاهَا؟
أتراها ولَّتْ جميعًا، ولمَّاتبقَ حتى آثارُها، أتراهَا؟
أوَذاك الدهر الذي افتنَّ في صوغِ صباها هو الذي قد محاهَا؟
•••أيُّهذا الزمانُ، والعدمُ العا
تي، غريقين في سكونٍ وصمتِأيْ عميقَ اللجات: ماذا بأيا
مِ صبانا؟ ماذا بهن صنعتِ؟حدثيني أما تعيدين ما من
سكرات الغرام منا اختطفتِ؟أوما تُطلقينها من دياجيـ
ـك؟ أما تبعثينها بعد موتِ؟•••
أنتِ يا هذه البحيرةُ، ماذايكتمُ الموجُ فيك والشطآنُ
أيها الغابةُ الظليلةُ رُدِّيأنت، يا من أبقى عليها الزمانُ
وهو يسطيعُ أن يُجدَّك حسنًا!!احفظي لا أصابك النسيانُ!!
قلَّ حفظًا أن تذكري ليلة مــرَّتْ وأنتِ الطبيعةُ الحسَّانُ
•••ليَكُنْ منك، يا بحيرةُ، ما لـ
ـجَّ بك الصمتُ أو جنون اصطخابِكْفي مغانيكِ حالياتٍ تراءَى
ضاحكاتٍ على سفوح هضابِكْفي مروج الصُّنوبر الحوِّ تهفو
سابغاتِ الألياف حول شعابِكْفي نتوءِ الصخور، مشرفة الأعنا
قِ، بيضًا، تُطلُّ فوق عبابِكْ•••
وليكن في العُباب يهدرُ أمواجًا على شاطئيك مثلَ الرعودِ
في انتخابِ الرياح تُعول في الوديانِ إعوالَ قلبيَ المفئودِ
في صدى الجدولِ الموقَّع أنَّاتِ حشاهُ بالجندلِ الجلمودِ
في شذاكِ السريِّ ينشقُ منهالقلبُ رَيَّا فردوسهِ المفقودِ؟!
•••وليكنْ في النسيم ما هبَّ ساريـ
ـهِ بجوبُ الشطآن نحوكِ جوْبَافي جبين النجمِ اللجينيِّ يُلقي
فضَّة الضوءِ في مياهك ذوْبَاوليكن في شتيتِ ما تسمع الأُذْ
نُ، وفيما نراهُ عينًا وقلْبَاليكنْ هاتفٌ من الصوتِ يتلو:
«قد أحبَّا وأخلصا ما أحبَّا»
عن القصيدة
«الْبُحَيْرَةُ» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ٧٢ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.