في عيادةٍ نفسية
الشاعر: إحسان البني · البحر: المديد
«في عيادةٍ نفسية» من شعر إحسان البني، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
1- ويسألني — طبيب النفس والأعصاب عن نفسي
عن الأيام في الأسبوع — عن يومي وعن أمسي
ويرقبني — بنظرة حاذقٍ يرتاب في نطقي وفي همسي
ويسألني عن الأعدادِ عن تاريخي المنسي — وينبش ضمن أعماقي عن العقد
وعن سببٍ لأحزاني التي تبدو بلا سبب — أقول: بأنَّ أيامي تساوتْ في رتابتها من الميلاد للأبدِ
فسبتي شابه اثنينيكئيبُ مثلما أحدي — أعيش كضفدعٍ أعمى أصمِّ الأذن مرتعد
تساوى في وحولِ القهر ماضٍ عشــته بغد — من الميلادِ للأبدِ
*** — 2- ويسألني عن المطرِ
أفيد بأنَّه دمع السماء ومأتم القمرِ — الذي يبكي من البشرعلى البشرِ
على الأطفال في مدنٍ من الإرهاب والخطرِ — من السادية العمياء في جيشٍ من التترِ
وفي قبرٍ جماعيٍ به نتفُ من البشر — على أطلالِ جدرانٍ من الحجرِ
وأكواخٍ تهاوتْ فوقَ أهليها بلا نذرِِ — على جيشٍ من الأيتام منتشرِ بأرض العالم الثالث
ذرته مجازر الشيطانتحت الريح والمطرِ — بلا أســــرِ
*** — 3- ويسألنيطبيب النفس في عجبِ
عن الحبِ — وعن شعرٍ رقيق اللون في أدبي
وعن ذاتيةٍ تطغى على كتبي — فكيف تسلل الإنسان للبرج الخرافي الذي يعلو
عن الصخبِ؟ — أقول: بأنني كالبحرِ في حزنيوفي طربي
أعيش تجاربي طفلاً بريئاً جامح الغضب — أحاور تارةً نفسي
وأكسر تارةً لعبي — وأصفو حين يصفو النوأو أبكي بلا سببِ
وأرغي تارةً أخرى من الإرهاقِ والتعبِ — أجبني يا طبيبَ النفس من يقوى ؟
بهذا العصرِأن يشكو من التعب ؟ — وأن يرغي من الغضبِ
ومن حربٍ نمارسها بلا سببِ — ليملأ أزرق العينينِ موقدهوخزنته
بأطنانٍ من البترول والذهبِ — لينعم طفله المتخوم بالتفاح والعنبِ
بآلافٍ من اللعبِ — نخلِّف جيش أيتامٍ من العرب
فوا عجبي !!و واعجبي !! — ***
4-ليلعب تاجر البارود لعبته — ويربي من دماء الشرق ثروته
يوظفنا — ليقتل بعضنا بعضا
وينهب بعضنا بعضا — ويجعل من أخي سيفاً على عنقي وسَّيافا
ويعطيني أنا سوطاً لأجلده ويدعو ذاك إنصافا — ويقسم جمعنا شيعاً مشتتةوأحلافا
ويجلس بيننا حكماً فضولياًوعرَّافا — وينهب من خزائننا ملاييناًوآلافا
*** — 5-نزيف الجرح ( يا دكتور ) في لبنان أرهقنا
وأدمانا — ونهر الدم في بوبــيان والأهوارَ مزدحمُ
بقتلانا — وإسرائيل ترقبنامصفقةً ، مشجعةً
لكلِّ معقد سفاح ينهش من خلايانا — تقرر في بلاد الغرب أن نحيا تماسيحاًوحملانا
وقوداً في أتونِ النارِ تدفعنايد الجلادِ — أفراداً وقطعانا
زرافاتٍ ووحدانا — تقرر أنْ نعيش العمر إرهاباً وأحزانا
وأنْ نرضى بإسرائيل ( بالكرباج ) نعشقها — وبالإكراه نمنحها مزيداً من أراضينا
وأنْ نخفي عن الجزارِ شــكوانا — ونلثم راحة الجلاد مغفرةً
ونجثو عنده شكراً وعرفانا — ***
6-فكيف تريد ( يا دكتور ) أنْأنجو من التعبِ؟ — وأنْ أحيا بلا أذنٍ ولا عينٍ بفرن النار واللهبِ ؟
تقول بأنني عصبي ؟ — أجل عصبي
وعين الذئبِ ترصدني تراقبني تحاصرني — تسدّ منافذ الهربِ
تمصّعروقي الحبلى بنار السخط والغضبِ — فكيف ألمُّ أشتاتي ؟
أنا المذعور من قلمي وأوراقي — أنا المذعور من أصداء أنفاسي على كتبي
أنا الجاثي على ركبي — أنا الحاني على أجساد أطفالي من الرعبِ
أجل عصبي أجل عصبي — ***
7- لماذا يا طبيب النفس ترهقنيوتحرجني — وتسحب من فمي ماءًثقيلاً سوف يخنقني
ويشنقني — نزيف الحرف في ثغرييقيدني
وصمت الغرفة البيضاءِ والجدرانتسحقني — عصابيُوبي هوسُ رماديُ يمزقني
عصابيُ وبي خوفُ يعيش معيويقلقني — فأنقذني من الكابوس فالكابوس يقتلني
لأفضل لي بعصر الرعبِ أنْ أنأى وأعتزل — وأكتب في عيونِ الغيدِ شعراً كله غزل
وأشدو فوق متكأي إلى أنْتثمل المقل — أغثني يا طبيب النفس من نفسي أنا خجلُ
أنا المقهور من زمني — أنا المحكوم بالإعدامِ فوق مزابلِ المدنِ
أنا المجنون بالإكراه والمغلول في كفني — أنا المخنوق في دمع اليتامى من بني وطني
أنا المنزوع من بدني
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- المنسي: منس: ابْنُ الأَعرابي: المَنَس النَّشاط. والمَنْسة: المُسِنَّة مِنْ كل شيء.
- الميلاد: المِيلادُ [ولد]: وقتُ الوِلادة؛ مَا بِاخْتِيَارِيَ ميلادِي وَلا هَرَمِي
- تاريخي: [أ ر خ]. (مصدر أَرَّخَ). "قَامَ بِتَأْرِيخِ الأَحْدَاثِ التَّارِيخِيَّةِ " : تَسْجِيلُهَا وَكِتَابَةُ أَحْدَاثِهَا وَوَقَائِعِهَا وَكَيْفَ حَدَثَتْ وَأَسْبَابُهَا فِي الْمَاضِي أَوِ الحَاضِرِ.
- حاذق: الحَاذِقُ : المَاهِرُ في أَمْرٍ من الأُمُور؛ هذا الصانع الكهربائي حَاذِقٌ في صناعته.
- شابه: شَابهَ يُشَابهُ مُشَابَهَةً : ـ ـه: ماثَلَهُ؛ (من شابَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ).