حورية النهر
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: المتقارب
«حورية النهر» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 49 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حورية النهر — نفوس معذبه هائمة
تخبط في الظلمة القاتمة — أجد لها الليل أحزانها
و تذكار أيامها الباسمة — فسارت تفتش عن حبها
و تنشد لذاتها الدائمة — و أسرى بها تحت جنح الظلام
زوارق في اللجة الغائمة — إذا ما تلوث على الشاطئين
من النهر أمواجه اللاطمه — و أرسى على مائه زورق
تؤرجحه النسمة الحالمة — أطلت على النهر حورية
فأغوته بالنظرة الساهمة — فأغواره و هي أوطانها
بواك على فقدها نادمة — و أمواجه و هي أترابها
جئت تحت أقدامها لاثمه — أحورية النهر غضي العيون
و كوني بملاحة راحمه — تسيرين في زورق من ظلال
فتدفعه النسمة الناعمة — و مجدافك اخترته من ضي
اء النجوم على اللجة القاتمة — و أطربت النهر و الضفتين
أغان و قيثارة ناغمة — لقد حق أن تسحر الكائنات
وتستل آهاتها الجاثمة — فأوتارها شعرك العسجدي
و أنت الموقعة الباسمة — رأى النهر مصرع ملاحه
بعينيك أيتها الظالمة — رآك فهيأ مجدافه
و أسلم زورقه للظلام — يثير إذا سار عزم الميا
ه فتطلق عن جانبيه السهام — طغى الموج و ارتد يطوي الظلال
فلم يبق للعين إلا القتام — فيا زورقا من ظلال تلاشى
بحورية ليس ترعى الذمام — أخلفت ملاحنا وحده
و للموج في الشاطئين احتدام — و حورية النهر ما خلفت
سوى أغنيات تثير الغرام — يجاري اختلاجاتها زورق
و موج و قلب حواه الهيام — و نهر تمازج أمواهه
و يحملها رغوة إذ تنام — و نجم يعشى الدجى ضوءه
كنبع على ثغره العشب نام — و يقتاف آثارها زورق
و ملاحه الشارد المستهام — يطالعه طيف حورية
من الموج يختال في الابتسام — فمن كل صوب سرى خالها
هناك و إن سار ألفى الظلام — أوهما يرى لا فذا صوتها
ينتهي فتعيد المياه الكلام — و لاحت له أعين مشفقات
محدقة من وراء الغمام — تنادي به ظللتك الخطوب
و قادتك نحو الردى و الحمام — و لكن أذنيه لم تسمعا
حديث السماوات حيث السلام — جرى وهو ليس له غاية
سوى أن يجدف حتى الصباح — و يقفو على الماء ضوء النجوم
و يصرع أشجانه بالنواح — لقد حطم الليل مجدافه
و هيض الشراع بعصف الرياح — وقد أطفأ الموج مصباحه
فصاح و لم يجد ذاك الصياح — تبرمت يا ليل بالبائسين
فزل و اترك الصبح يأسو الجراح — و نادى وقد مد كلتا يديه
لقد حان يا أرض عنك الرواح — فيا شاطئا كان مأوى الغريب
إذا مل طول السرى فاسترح — وداعا وداع الشقي الحزين
سيسر إلى الموت بعد الكفاح — و يا زمج الماء خدن السفين
سمير الشراع الطروب الصداح — كلانا يحن إلى تربه
فطر لي فإني مهيض الجناح — و يا أنجم الليل يا عودي
إذا القلب في الليل بالداء طاح — إذا ما خبا نوركن الوضيء
أسى و تألق نجم الصباح — فحدثنه عن فتى في الدجى
طواه العباب وحب الملاح — رأى -ويح عينيه- حورية
فجن بها ساعة ثم راح — فقد يخبر النجم عنه الرعاة
فيبكون حزنا و تبكي البطاح — و مات الشقي الحزين فعادت
تكفنه بالشراع الرياح
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اللاطمه: لاَطَمَ يُلاَطِمُ مُلاَطَمَةً ولِطَاماً :- ـه: لطم أحدُهما الآخر، أي ضرب خدّه بالكفِّ مبسوطةً؛ اشتدّت الرِّيحُ ولاطمت أمواج البحر بعضُها بعضاً.
- تخبط: تَخَبَّطَ يتَخَبَّطُ تَخَبُّطاً :- ـه الشيطانُ: أصابه بشيءٍ من الجنون والخبل الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلَّا كمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. - ت البلادُ: وقعت فيها الفتن …
- تذكار: جمع: ـات. [ذ ك ر]. (مصدر ذَكَّرَ). 1."أَحْتَفِظُ بِتَذْكَارِ ذَلِكَ اليَوْمِ الجَمِيلِ الَّذِي قَضَيْنَاهُ سَوِيّاً" : مَا يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ مِنِ انْطِبَاعٍ أَوْ ذِكْرىً. 2."عَادَ بِتَذْكَارَاتٍ مِنْ رِحْلَتِهِ": …
- تلوث: تَلَوَّثَ يَتَلَوَّثُ تَلَوُّثاً : تلَطَّخَ؛ تلوث حذاؤه بالطين.-: توسَّخ أو تقذَّر؛ تلَوَّث جوُّ المدينة بدخان المعامل.
- تنشد: تَنَشَّدَ يَتَنَشَّدُ تَنَشُّدًا :- الأخبار: طلبها ليعلمها من حيثُ لا يعلم الناس؛ يتَنشَّدُ أخبار الناس الخاصّة.