سرى والدجى كالصدر بالهم ملآن
الشاعر: ابن نباته المصري · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة
«سرى والدجى كالصدر بالهم ملآن» من شعر ابن نباته المصري، من العصر المملوكي، وتقع في 67 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سرى والدجى كالصدر بالهمِّ ملآن — خيالٌ بقلبي منه كالشهب أشجان
فنفَّر عن طرفي الكرَى وأعادَ لي — رسيس غرام وانْقضى وهو غضبان
على حين لم ينضب من النجم قطرة — ولا فاض للظلماءِ للفجرِ طوفان
ولا شفق الأصباح ماء وقهوة — ولا الطير في دوح على العود مرنان
يخيل لي طرفُ المليحة حسنها — لو أن الكرى فيه على الحسنِ إحسان
بروحي من شطَّت فحجبت النوى — شقائق خدَّيها وأقفر نعمان
كأن لم يكن نعمان للغيد منبتاً — فيا حبَّذا قضبٌ لديهِ وكثبان
ويا حبَّذا قضبٌ من البانِ حملها — لذي الثغر تفَّاح وذي الضمّ رمَّان
وكم قيل في البستان غصنٌ وهذه — معاطفها تجلى وفي الغصنِ بستان
وغيداء أمَّا ردفها فهوَ مشبع — رويّ وأما خصرها فهو عريان
وما كنتُ أدري قبل فتك جفونِها — بأن السيوف المشرفية أجفان
ومن عجب محض الأعاريب جاده — تجوع على غِلاَّتهِ وهو شبعان
وأعجب من ذا أنَّ في فمِها الطلا — وإنِّي إلى تلكَ المليحة نشوان
ليَ الله قلباً لا يزال تهيجه — إلى الحبِّ أوطارٌ قدُمنَ وأوطان
أجيراننا بالشعبِ سُقياً لعهدكم — وإن كانَ عهداً حظّنا منه أشجان
ولا زالَ عقد المزْن درًّا بداركم — يفصله من قادح الشوق مرجان
تذكِّرني الأشواق فيكم غزالةً — تفرّ حياً منها إلى البيدِ غزلان
فتاة رأى اللاَّحي عليها مدامعِي — فقال رياضٌ قلت إنَّ وغدران
فبعتُ لها روحِي أتمّ تبايعٍ — فيا حبَّذا لم ذا تفرّق أبدان
ولم أنس مسرى شمسها وهي طلعة — يحفُّ بها شهب الوغى وهو خرصان
إذا هبَّ تلقاء الهوادِج سحرةً — هواءٌ حثا في وجهه الترب غبران
يذبّ كما ذبّ ابن يحيى عن العلى — فلا الأنس دان من حماها ولا الجان
أعمّ الورى جوداً وأبرع منطقاً — فقل في سحاب الجود تزجيه سحبان
ففي صدره الدهناء حلماً إذا اجْتنى — وكفاهُ سيحانٌ علينا وجيجان
يجود وقد أرسَى الوقار بعطفهِ — كما دفع السيل العرمرم ثهلان
ويقضِي على أموالِه فيمينه — على منبع السلسال أوْطف هتَّان
إذا جاءَ بالوجناء كالبيت حاتم — فمن جود مولانا قلاعٌ وبلدان
ومن جودِ مولانا علاً ومناصبٌ — وعلمٌ لنظَّام الثناء وتبيان
ولا عيبَ في نعمائهِ غير أنَّها — لأعناق أحرار البريّة أثمان
ولا عيبَ أيضاً في بديعِ كلامهِ — سوى أنَّه بالحسِ للناسِ فتَّان
خطاب كذوْب الشهد في فمِ ذائقٍ — ولكنه في مهجة الضدّ خطبانُ
رقيق فما الصهبا لديه ذكية — وجزل فما الرمح المدرَّب ملسان
مضى وبدا عبد الرَّحيم وأحمد — فلله آثارٌ كرُمنَ وأعيان
ولله من لفظِ ابن يحيى وفضله — علينا مدَى الأيَّام روحٌ وريحان
وزيرٌ له الحسنى صفاتٌ وكاتبٌ — عليهِ لأوضاع السيادة عنوان
محيط الندَى بالعالمين كأنَّما — لهُ الأرض دارٌ والبرية ضيفان
وكافل أمر الملك حتَّى كأنما — هو الروح والملك المحرّك جثمان
وبالغها في مرتقى المجد رتبةً — تلظّى ولم يظفر بها قبل كيوان
له قلمٌ يجدي ويردي به العِدى — فلله طعَّام اليراعة طعَّانُ
تعلّم سطو الأسد في كرمِ الحيا — زمان سقته السحب والدار حفان
إذا قالَ صاغ الدّر لفظاً وأنعما — كما شهدت أجياد قوم وأذهان
فأسطره نحو الدَّراري سلالمٌ — وإلاَّ فنحو الدّر في البحر أشطان
ويا رُبّ جيش نقعه ونضالهُ — دخان تراعيه الوحوش ونيران
تظلّ به العقبان آلفة القنا — كأنهما وُرْقُ الحمائم والبان
كأنَّ الثرى خدّ من الدمّ مشرق — إذا ما التقى الصفان والخيل خيلان
تلقفت ذاك النضو جمع سلاحه — كما في اليدِ البيضاء للقف ثعبان
يصرّفه البحر الذي البحر كفه — وأنمله أنهار رزقٍ وخلجان
من القوم حلوا كل آفاق دولة — فهم في سماء العزّ والرأي شهبان
ألم ترهم كالشهب لما علوا حموا — ولما حموا أضاؤوا ولما أضوا رانوا
لعدلهمُ صلح الضراغم والظبا — وبين الندى والوفر عبسٌ وذبيان
يرجّح ما بين الكواكب فضلهم — ومن أجل هذا للكواكب ميزان
جمعتم بين الفاروق ما افترق العلى — ونظمتمو أحوالها وهي شدّان
لعمري لقد طبتم وطابت محاتدٌ — وطابت لكم يا زبدة الفضل ألبان
وحسبك يا فرع السيادة والعلى — فنونٌ أضاءت في الفخار وأفنان
تجمَّع في أوصافك اللطف والسطا — كأنَّك في أثنا ثنا حرّ نيسان
وسرّ فقد أحيت محياك آخذاً — كتاب العلى بل سرّ جدك عدنان
رأتك نظير العين في الناس دولة — على رأسِها من صوغ لفظك تيجان
لقد شاءَ ربُّ الناس تفضيل قدرهم — كأنَّك فيهم يا أخا العين إنسان
وإنَّك يا عين الملوك شهابهم — إذا زاغَ في أفقِ المهالك شيطان
وإنَّك للبحرِ الذي كله وفاً — وكلّ حصى شطَّيه في النَّقد عقيان
بدأت بخير طالَ دون تمامه — لحظّي وللأيَّام عدوٌ وعدوان
ودافعني الديوان عن متوفرٍ — ولي فيكَ يا أوفى الخليقة ديوان
فقمْ في ذرى العليا قيام عنايةً — سيمضي بها أزمان ذكرٍ وأزمان
ودونكَ مني كل مشرقة الثنا — لها الأفق مغنى والأهلة جيران
منظمة من كلِّ بيت بودّكم — ففي كلِّ بيت للموالاة سلمان
ولا عيبَ فيها غير راحة نظمها — وحاسدها ذاك المنكل تعبان
يحاول نظماً مع مثاقيل نظمه — كأنَّ يراعاً في الأناملِ قبَّان
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالهم: بأل: البَئِيلُ: الصَّغِيرُ النَّحيفُ الضعيفُ مَثَّلَ الضَّئِيل؛ بَؤُلَ يَبْؤُلُ بَآلَة وبُؤُولَة؛ وَقَالُوا: ضَئِيل بَئِيل، فَذَهَبَ ابْنُ الأَعرابي إِلى أَنه إِتباع، وَهَذَا لَا يَقْوَى لأَنه إِذا وُجِدَ لِلشَّيْءِ مَعْ …
- خديها: خدي: خَدَى البعيرُ وَالْفَرَسُ يَخْدِي خَدْياً وخَدَياناً، فَهُوَ خادٍ: أَسرع وزجَّ بِقَوائِمِه مثلَ وَخَدَ يَخِدُ وخَوَّدَ يُخَوِّدُ كلُّه بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ قَالَ الرَّاعِي: حَتَّى غَدَتْ فِي بَياضِ الصُّبْحِ طَيِّبَةً …
- دوح: دَوَحَ: الدَّوْحةُ: الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُتَّسِعَةُ مِنْ أَيّ الشَّجَرِ كَانَتْ، وَالْجَمْعُ دَوْحٌ، وأَدْواحٌ جَمْعُ الْجَمْعِ؛ وَقَوْلُ الرَّاعِي: غَداةً، وحَوْلَيَّ الثَّرَى فوقَ مَتْنِه، ... مَدَبُّ الأَتِيِّ …
- رسيس: الرَّسِيسُ : مصــ.-: بَدْءُ الشيْءِ أو أثره الباقي؛ رسِيس الحُبِّ/ رسيسُ الحُمَّى.-: الشيْءُ الثابت الذي لزم مكانه؛ إنه ثابت كالجبل الرَّسيس.-: الفَطِنُ العاقل؛ له ولد رسيس/ ريحٌ رسيسةٌ، أي ليِّنة.
- شفق: شفق: الشّفَق والشَّفَقة: الِاسْمُ مِنَ الإِشْفاق. والشَّفَق: الخِيفة. شَفِقَ شَفَقاً، فَهُوَ شَفِقٌ، وَالْجَمْعُ شَفِقُون؛ قَالَ الشَّاعِرُ إسحق بْنُ خَلَفٍ، وَقِيلَ هُوَ لِابْنِ المُعَلَّى: تَهْوى حَياتي، وأَهْوَى مَوْت …
- طوفان: الطُّوفَانُ : السَّيْلُ المُغْرِق؛ هطلت الأَمطار وتحوّلت إلى طوفان. ـ: ما كان كثيراً من كلِّ شيْءٍ؛ تلقّيت في العيد طوفاناً من الرسائل/ انتشر في المدينة طوفانٌ من الشائعات. ـ: الفَيَضانُ العظيم الذي أهلك قوم نوح فَأَخَذَ …