بانتظار غودو

الشاعر: نزار قباني · البحر: البسيط

«بانتظار غودو» من شعر نزار قباني، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

1 — ننتظرُ القطارْ

ننتظرُ المسافرَ الخفيَّ كالأقدارْ — يخرجُ من عباءةِ السنينْ

يخرجُ من بدرٍ ، من اليرموكِ ، — من حطّينْ ..

يخرجُ .. — من سيفِ صلاحِ الدّينْ ..

من سنةِ العشرينْ — ونحنُ مرصوصونَ ..

في محطّةِ التاريخِ ، كالسّردينْ .. — يا سيّداتي سادتي :

هل تعرفونَ ما حُريّةُ السّردينْ ؟ — حينَ يكونُ المرءُ مضطرّاً

لأن يقولَ رغمَ أنفهِ : (آمينْ) — حينَ يكونُ الجرحُ مضطرّاً

لأن يُقبّلَ السكّينْ .. — يا سيّداتي سادتي :

من سنةِ العشرينْ — ونحنُ كالدجاجِ في أقفاصنا

ننظرُ في بلاهةٍ — إلى خطوطِ سكّةِ الحديدْ

أفقيّةٌ حياتُنا .. — مثلَ خطوطِ سكّةِ الحديدْ

ضيّقةٌ .. ضيّقةٌ — مثلَ خطوطِ السكّةِ الحديدْ

ساعاتُنا واقفةٌ — لا اللهُ يأتينا .. ولا موزّعُ البريدْ

من سنةِ العشرينْ ، حتى سنةِ السبعينْ — نجلسُ في انتظارِ وجهِ الملكِ السعيدْ

كلُّ الملوكِ يشبهونَ بعضَهمْ — والملكُ القديمُ ، مثلُ الملكِ الجديدْ

2 — ننتظرُ القطارْ

ونحملُ البيارقَ الحمراءَ ، والأزهارْ — تمضغُنا مكبّراتُ الصوتِ في الليلِ

وفي النهارْ — تنشرُنا إذاعةُ الدولةِ بالمنشارْ

إنتبهوا ! — إنتبهوا !

خمسينَ يوماً - ربّما - تأخّرَ القطارْ — خمسينَ عاماً - ربّما - تأخّرَ القطارْ

تقيّحتْ أفخاذُنا من كثرةِ الجلوسْ — تقيّحَتْ ..

في رأسنا الأفكارْ — وصارَ لحمُ ظهرِنا

جزءاً من الجدارْ — جاؤوا بنا عشرينَ ألفَ مرّةً

تحتَ عويلِ الريحِ والأمطارْ — واستأجروا الباصاتِ كي تنقلنا

ووزّعوا الأدوار .. — وعلّمونا .. كالقرودِ الرقصَ

والعزفَ على المزمارْ — ودرّبونا ..

- ككلابِ الصيد - كيفَ ننحني — للقادمِ المسكونِ بالدهشةِ والأسرارْ

إذا أتى القطارْ .. — 3

لم نَرَهُ .. — لكنَّ مَن رأوهُ فوقَ الشاشةِ الصغيرهْ

يبتلعُ الزجاجَ .. — أو يسيرُ كالهنودِ فوقَ النارْ

ويُخرجُ الأرانبَ البيضاءَ من جيوبهِ — ويقلبُ الفحمَ إلى نُضارْ

يؤكّدونَ أنّهُ .. — من أولياءِ اللهِ .. جلَّ شأنُهُ

وأنَّ نورَ وجههِ يحيِّرُ الأبصارْ .. — وأنّهُ سيحملُ القمحَ إلى بيوتنا

والسمنَ .. والطحينَ .. بالقنطارْ — ويجعلُ العميانَ يبصرونْ

ويجعلُ الأمواتَ ينهضونْ — ويزرعُ الحنطةَ في البحارْ

وأنّهُ - في سنواتِ حكمهِ - — يُدخلنا لجنّةٍ ..

من تحتها تنسكبُ الأنهارْ — لم نرَهُ ..

ولم نقبّلْ يدهُ — لكنَّ مَن تبرّكوا يوماً بهِ ..

قالوا بأنَّ صوتَهُ — يُحرّكُ الأحجارْ ..

وأنّهُ .. — وأنّهُ ..

هوَ العزيزُ الواحدُ القهّارْ .. — 4

ننتظرُ القطارْ — مكسورةٌ - منذُ أتَينا - ساعةُ الزمانْ

والوقتُ لا يمرُّ .. — والثواني ما لها سيقانْ

تعلكُنا .. — تنهشُنا ..

مكبّراتُ الصوتِ بالأسنانْ .. — إنتبهوا !

إنتبهوا ! — لا أحدٌ يقدرُ أن يغادرَ المكانْ

ليشتري جريدةً .. — أو كعكةً ..

أو قطعةً صُغرى من اللبانْ — لربّه ، لا أحدٌ ، يقدرُ أن يقولَ :

(يا ربّاه) — لا أحدٌ ..

يقدرُ أن يدخلَ ، حتّى ، دورةَ المياهْ .. — تعالَ يا غودو ..

وخلّصنا من الطغاةِ والطغيانْ — ومن أبي جهلٍ ، ومن ظُلمِ أبي سُفيانْ

فنحنُ محبوسونَ في محطّةِ التاريخِ كالخرفانْ — أولادُنا ناموا على أكتافِنا ..

رئاتُنا .. تسمّمَتْ بالفحمِ والدخانْ — والعَرْضَحَالاتُ التي نحملُها

عن قلَّةِ الدواءْ .. — والغلاء ..

والحِرمان .. — صادَرَها مرافقو السلطانْ

تعالَ يا غودو .. وجفِّفْ دمعَنا — وأنقذِ الإنسانَ من مخالبِ الإنسانْ

5 — تعالَ يا غودو ..

فقد تخشَّبتْ أقدامُنا انتظارْ — وصارَ جلدُ وجهِنا ..

كقطعةِ الآثارْ .. — تبخّرتْ أنهارُنا

وهاجَرَتْ جبالُنا — وجَفّتِ البحارْ

وأصبحتْ أعمارُنا ليسَ لها أعمارْ — تعالَ يا غودو .. فإنَّ أرضَنا

ترفضُ أن تزورَها الأمطارْ — ترفضُ أن تكُبرَ في ترابِنا الأشجارْ

تعالَ .. فالنساءُ لا يحبلنَ .. — والحليبُ لا يدرُّ في الأبقارْ

إن لم تجئْ من أجلنا نحنُ .. — فمن أجلِ الملايينِ من الصّغارْ

من أجلِ شعبٍ طيّبٍ .. — ما زالَ في أحلامهِ

يُقرقشُ الأحجارْ — يقرقشُ المعلّقاتِ العشرَ ..

والجرائدَ القديمهْ — ونشرةَ الأخبارْ ..

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الخفي: (خَفِيَ) الْخَاءُ وَالْفَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ مُتَضَادَّانِ. فَالْأَوَّلُ السَّتْرُ، وَالثَّانِي الْإِظْهَارُ. فَالْأَوَّلُ خَفِيَ الشَّيْءُ يَخْفَى ؛ وَأَخْفَيْتُهُ، وَهُوَ فِي خِفْيَةٍ وَخَفَاءٍ، إِذ …
  • السردين: السَّرْدِينُ : نوعٌ من السَّمك الصَّغير يُملَّحُ ويحفَظُ، منسوبٌ إلى جزيرة سردينية (معـ).
  • القطار: القِطَارُ :- من الإبل وغيرها: عددٌ منها بعضه خلف بعض على نسق واحد؛ جاءت الإبل قطاراً.-. مجموعة من مَرْكَبات السكَّة الحديدية تجرّها قاطرة؛ قِطارُ شحن للبضائع/ قطارُ رُكّاب/ قطارٌ سريع/ فاتَها قِطار الزَّوَاج، أي فاتتها ف …

قصائد ذات صلة

  • يوميات مريض ممنوع من الكتابة
  • يوميات قرصَان
  • يوميات إمرأة
  • يوميات رجل مهزوم
  • يد
  • يدي
  • يا زوجة الخليفة
  • يجوز أن تكوني