المهرولون
الشاعر: نزار قباني · البحر: المديد
«المهرولون» من شعر نزار قباني، من العصر الحديث، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
(1) — سقطت آخر جدران الحياء
وفرحنا.. — ورقصنا..
وتباركنا بتوقيع سلام الجبناء — لم يعد يرعبنا شىء
ولا يخجلنا شىء — فقد يبست فينا عروق الكبرياء..
(2) — سقطت..
للمرة الخمسين .. عذريتنا — دون أن نهتز.. أو نصرخ
أو يرعبنا مرأى الدماء — ودخلنا فى زمان الهرولة
ووقفنا بالطوابير كأغنام أمام المقصلة — وركضنا .. ولهثنا..
وتسابقنا لتقبيل حذاء .. القتلة — (3)
جوعوا أطفالنا خمسين عاما — ورموا فى آخر الصوم الينا
بصلة... — (4)
سقطت غرناطة — للمرة الخمسين .. من أيدى العرب
سقط التاريخ من أيدى العرب — سقطت أعمدة الروح وأفخاذ القبيلة
سقطت كل مواويل البطولة — سقطت أشبيليا..
سقطت انطاكية — سقطت حطين من غير قتال
سقطت عمورية — سقطت مريم فى أيدى الميليشيات
فما من رجل ينقذ الرمز السماوى — ولا ثم رجولة....
(5) — سقطت آخر محظياتنا
فى يد الروم، فعن ماذا ندافع؟ — لم يعد فى قصرنا جارية واحدة
تصنع القهوة .. والجنس — فعن ماذا ندافع ؟؟
(6) — لم يعد فى يدنا..
أندلس واحدة نملكها — سرقوا الأبواب
والحيطان — الزوجات .. والأولاد..
والزيتون والزيت — وأحجار الشوارع
سرقوا عيسى بن مريم — وهو مازال رضيعا
سرقوا ذاكرة الليمون — والمشمش.. والنعناع منا
وقناديل الجوامع... — (7)
تركوا علبة سردين بأيدينا — تسمى (غزة)...
عظمة يابسة تدعى (أريحا).. — فندقا يدعى فلسطين
بلا سقف ولا أعمدة — تركونا جسدا دون عظام
ويدا دون أصابع — (8)
لم يعد ثمة أطلال لكى نبكى عليها — كيف .. تبكى أمة
أخذوا منها المدامع ؟؟ — (9)
بعد هذا الغزل السرى فى أوسلو — خرجنا عاقرين
وهبونا وطنا أصغر من حبة قمح — وطنا نبلعه من غير ماء
كحبوب الأسبرين !!... — (10)
بعد خمسين سنة — نجلس الآن على الأرض الخراب
ما لنا مأوى .. كآلاف الكلاب !! — (11)
بعد خمسين سنةى.. — ما وجدنا وطنا نسكنه
الا السراب. — ليس صلحا..
ذلك الصلح الذى أدخل كالخنجر فينا.. — انه فعل اغتصاب !!...
(12) — ما تفيد الهرولة؟
ما تفيد الهرولة؟ — عندما يبقى ضمير الشعب حيا
كفتيل قنبلة — (13)
كم حلمنا بسلام أخضر — وهلال أبيض
وبحر أزرق — وقلوع مرسلة
ووجدنا فجأة أنفسنا فى مزبلة!! — (14)
من ترى يسألهم — عن سلام الجبناء ؟؟
لا سلام الأقويا القادرين — من ترى يسألهم ؟
عن سلام البيع بالتقسيط — والتأجير بالتقسيط
والصفقات... — والتجار.. والمستثمرين؟
من ترى يسألهم؟ — عن سلام الميتين..
أسكتوا الشارع — واغتالوا جميع الأسئلة..
وجميع السائلين... — (15)
وتزوجنا بلا حب — من الأنثى التى ذات يوم أكلت أولادنا
مضغت أكبادنا.. — وأخذناها الى شهر العسل..
وسكرنا ... ورقصنا.. — واستعدنا كل ما نحفظ من شعر الغزل
ثم أنجبنا - لسوء الحظ - أولادا معاقين — لهم شكل الضفادع
وتشردنا على أرصفة الحزن — فلا من بلد نحضنه
أو من ولد !! — (16)
لم يكن فى العرس رقص عربى — أو طعام عربى
أو غناء عربى — أو حياء عربى
فلقد غاب عن الزفة أولاد البلد. — لن تساوى كل توقيعات أوسلوا خردلة!!..
(17) — كان نصف المهر بالدولار
كان الخاتم الماسى بالدولار — كانت أجرة المأذون بالدولار
والكعكة كانت هبة من أمريكا.. — وغطاء العرس والأزهار والشمع
وموسيقى المارينز... — كلها قد صنعت فى أمريكا ...
(18) — وانتهى العرس... ولم تحضر فلسطين الفرح
بل رأت صورتها مبثوثة عبر كل الأقنية — ورأت دمعتها تعبر أمواج المحيط..
نحو شيكاغو .. وجيرسى .. وميامى.. — وهى مثل الطائر المذبوح تصرخ:
ليس هذا العرس عرسى.. — ليس هذا الثوب ثوبى..
ليس هذا العار عارى.. — أبدا... يا أمريكا...
أبدا ... يا أمريكا ... — أبدا ... يا أمريكا
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجبناء: لجب: اللَّجَبُ: الصَّوْتُ والصِّياحُ والجَلَبة، تقول: لَجِبَ، الكسر. واللَّجَبُ: ارتفاعُ الأَصواتِ واخْتِلاطُها؛ قال زهير: عزيزٌ إِذا حَلَّ الـحَليفانِ حَولَهُ، * بذِي لَجَبٍ لَجَّاتُه وصَواهِلُهْ وفي الحديث: أَنه كَثُرَ … (لسان العرب)
- الخمسين: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ … (لسان العرب)
- الكبرياء: برأ: البارئُ: مِن أَسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وَاللَّهُ البارئُ الذَّارِئُ. وَفِي التنزيلِ العزِيزِ: الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ. وقالَ تعَالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ. قَالَ: البارئُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لَا عَنْ … (لسان العرب)
- بتوقيع: وَقَعَ: وقَع عَلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ يَقَعُ وَقْعاً ووُقُوعاً: سقَطَ، ووَقَعَ الشيءُ مِنْ يَدِي كَذَلِكَ، وأَوْقَعَه غيرُه ووَقَعْتُ مِنْ كَذَا وَعَنْ كَذَا وَقْعاً، ووَقَعَ المطرُ بالأَرض، وَلَا يُقَالُ سَقَطَ؛ هَذَا ق … (لسان العرب)
- جدران: جدر: هُوَ جَدِيرٌ بِكَذَا وَلِكَذَا أَي خَلِيقٌ لَهُ، وَالْجَمْعُ جَدِيرُونَ وجُدَراءُ، والأُنثى جَدِيرَةٌ. وَقَدْ جَدُرَ جَدارَة، وإِنه لمَجْدَرَةٌ أَن يَفْعَلَ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ، وَإِنَّهَا لمَجْدَرَة … (لسان العرب)
- عروق: عرق: العَرَق: مَا جَرَى مِنْ أُصول الشَّعْرِ مِنْ مَاءِ الْجَلْدِ، اسْمُ لِلْجِنْسِ لَا يَجْمَعُ، هُوَ فِي الْحَيَوَانِ أَصل وَفِيمَا سِوَاهُ مُسْتَعَارٌ، عَرِق عَرَقاً. وَرَجُل عُرَقٌ: كَثِيرُ العَرَق. فأَما فُعَلَةٌ فَ … (لسان العرب)