حليفُ سُهادٍ ليلُهُ كنهاره
الشاعر: ابن الرومي · البحر: الطويل
«حليفُ سُهادٍ ليلُهُ كنهاره» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حليفُ سُهادٍ ليلُهُ كنهاره — يبيتُ شِعارُ الهمِّ دونَ شعارهِ
أصابتْهُ من رَيْب الزمان مُصيبة ٌ — كَؤودٌ لها ما بعدها من حذاره
رَزِيَّة ُ خالٍ كان للدهرِ جُنَّة ً — إذا الدهر أَنحَى مُرْهفات شِفارهِ
وكان إذا عُدَّ الخُؤول فَعُدِّدتْ — مَساعيه لم تغْضِ الجُفون لعارِه
ألا مات من مات الوفاء بموته — فأعوزَ من يوفي بذمة جاره
ألا مات من مات السماح بموته — وكلُّ عطاء نقدُهُ كضِماره
فأيُّ قِرًى تَقرِي الليالي ضيوفَها — وقد عَطَّلت ما عَطَّلتْ من عِشاره
فتًى كان يَهدي الجودُ قصدَ سبيله — وحاشاه من أسراره وبِداره
فتى كان لا يطوي على الغدر كَشْحَه — ولا تسأمُ الأيامُ يومَ فَخاره
فتى كان كالعذراء في ظلِ خدرها — وكالأسد الرِّئبال في ظل داره
مضى قد تناهَى سُؤْدُداً غير أنه — مضى نَصَفاً قد لاح شَيْبُ عذاره
خبا قمرُ الدنيا لحين اتساقه — فيا أسَفاً هلاّ لحين سِراره
علاه كسوفُ البدر عند تمامه — مُلِحٌّ به حتى هوى في مَغاره
رُزِئناه يومَ الأربِعاء ولم تزل — فَواقرُ هذا الدهر يوم دبَارِهِ
بنفسيَ من لم تُقْض بعضُ حقوقِه — ولم تفْنَ أيدينا بطول اعتواره
بنفسيَ من لم يؤذِنا بأنينه — ولم يؤذ جارَيْ بيتِه بجواره
حبيبٌ دَعاه مُستزيراً حبيبُهُ — فخف له مستبشراً بمزاره
وقصَّر شكواه فكانت كأنها — طريقٌ أراهُ كيفَ وجْهُ اختصاره
ولم تَطُلِ البلوى عليه لعلمه — بتسليمه فيما مضى واصطباره
تبلج عند الموت وابيضّ وجههُ — تبلُّجَ ضوء الفجر عند انفجاره
فشكَّكَنا في موته غير أنه — أبان لنا في طرفه وانكساره
فلو كان يدري قبرُهُ من يحِلُّهُ — تفرَّجَ بالترحيب قبل احتفاره
أعِلاَّ نُعلَّتْكَ الرَّوائحُ صَوْبَها — وأنْهلَكَ الغادي رَويَّ قطارِهِ
بحسبِك بل حسب المُريديَ بالرَّدى — جوى حَزَنٍ يَصلى فؤادي بناره
على أنه لا حسْبَ لي بعدما أتتْ — عليه الليالي من مَزيد المكاره
فلا يُبْقِ مكروه عليَّ فإنني — لكلّ كريهٍ نالني غير كاره
أعِلاَّن مَنْ أغشَى ليؤنس وَحدتي — ويدْحَر عني الهم عند احتضاره
أعِلاَّنُمن يُصْغي لسمع شَكِيَّتي — وأصْغي إلى مردوده وحواره
أعِلاَّنُمن أُفشِي إليه سريرتي — فآمنَ من إدلاله واغتراره
ومن ذا يُحامي عن ذِماريَ غائباً — أشدَّ محاماة ِ امرىء ٍ عن ذِماره
ومن ذا تظلُّ النفسُ عند مغيبه — معلَّقة ً آمالها بانتظاره
نهاري لدْن فارقتني لك موحِشٌ — وليلي فقيدُ النوم حتى انحسارِهِ
عليَّ خشوع ظاهر واستكانة — كأني أسير كانع في إساره
أيسكن مسلوبٌ سكينة َ ليله — ويأَنس مفجوع بأُنس نَهاره
يُقاسي زفيراً دائباً في صعوده — يُراح ودمعاً دائباً في انحداره
أَلاَ تَعِسَ الدهرُ المُفرِّق بيننا — وإن كان كلٌّ عاثراً بعِثاره
ألحَّ علينا مولَعاً بسَراتنا — كما أَولع الجاني بخير ثِماره
أرى الدهرَ لا يأْوي لعوْلة مُعْوِلٍ — ولا يَرعوي للصوت عند انسماره
يصول فلا يرثي لثُكل كبيرة ٍ — ولا يُتْم طفلٍ يا لَسُوء اقتدارِه
ألا بؤس لِلأُمِّ التي هدَّ رُكنها — بواحدها المُخْلي عٍراصَ دِيارِه
ويا بؤس لِلأُخْت الشقِيَّة بعدهُ — من الحَزَنِ الباقي وطول استعاره
ويا بؤس للطِّفلِ الصغير وشادنٍ — تعجَّلَ بؤس اليُتْم قبل اتغارِهِ
مُحَمَّدُكُمْ قد بَتَّ ريحانَ صدره — ونازعه في الليل فضل إزاره
أبا قاسمٍكم قد فالك لُبُّهُ — على فضلة من حلمه ووقاره
فظل يناغيك الكلام بمنطقٍ — رقيق الحواشي زانه بافتراره
سقى الغيثُ ميتاً خُطَّ بالدَّيْر قبرُهُ — فواراهُ إلاَّ سُؤْدُداً لم يوارِه
بأقرب دارٍ لا أرى الدهرَ وجهَهُ — فيا بُعدَ مرآهويا قُرْبَ داره
عَداهُ البِلى أن يستجيب لدعوتي — وقد يُنجّدُ الملهوفُ عند اضطراره
وكنت إذا استنجدتُهُ فدعوتُهُ — دعوتُ نصيراً نصرُهُ كانتصاره
فوالله لا أنساهُ حتى أرى لهُ — شبيهاً على أسبابه ونجاره
ولو أنني أيضاً رأيتُ شبيههُ — لما كان إلا مُغرياً بادِّكاره
فلو كان هذا الموت قِرناً أُطيقهُ — لما فاتني أخرى الليالي بثاره
ولوْ قَبِلتْ مني الليالي فداءهُ — لفَاديتُها من تالدي بخيارِه
فأنِّى تُفاديني المنايا بمثله — وكَيْسُ المنايا كيسُها في اختيارِه
ألا ليتَما كنَّا كغادٍ ورائحٍ — وكان رواحي لاحقاً بابتكارِه
عليك سلام الله حياً وميتاً — تباشرتِ الموتى بقرب جواره
أبى َ ليَ أن أسْلاك ما دمتُ باقياً — حُلُولك من قلبي مكينَ قراره
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بموته: [م و ت]. "مَاتَ مَوْتَةً شَنِيعَةً" : أَيْ مَوْتاً ...
- تقري: تَقَرَّى يَتَقَرَّى تَقَرَّ تَقَرِّيًا [ قرو]:-: تتبع؛ تقرَّاه بالنظرحتى غاب عن عينيه/ يغتلي فيهم ارتيابي حتى ** تَتَقَرَّاهُمُ يَدَايَ بلمس - البلادَ: تتبعها أرضاً أرضاً وسار فيها، ينظر حالها وأمرها؛ تقرَّى الحاكم أحوال …
- جاره: الجَارَّة . قطعة بحريّة تجرُّ وارءها قطعةً أخرى؛ تعطّلت الباخرة في عرْض البحر فأرسِلتْ إليِها جارّة.
- حذاره: حَذَارِ : اسم فعل أمر بِمعنى احْذَرْ.
- سبيله: السَّبيلُ : الطريق وما وضح منه قلْ هذِه سَبيلِيَ أَدْعُو إلَى اللهِ عَلى بَصِيرةٍ -: السَّبَبُ والوُصْلَة يَقول يَالَيْتني اتخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبيلا -: الحِيلَة وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ .-: الح …
- سهاد: السُّهَادُ : مصـ.-: الأرَقُ؛ أَرِقت وما هذا السُّهَادُ المُؤَرِّق ** وما بيَ من سُقمٍ وما بي مَعْشَق