بين لحظتين
الشاعر: جميل داري · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة شوق
«بين لحظتين» من شعر جميل داري، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
رحلَ القديمُ بعذبهِ وعذابهِ — وأتى الجديدُ وها أنا في بابهِ
كم كنتُ أسعى أن أمسَّ سماءهُ — لكنّني ما زلتُ طوعَ ترابهِ
كم كانتِ الأحلامُ ساطعةَ الرّؤى — حتى توارَتْ في كهوفِ خرابهِ
وسألتُهُ عني وعمَّا حلَّ بي — أصبحْتُ ريشاً في مهبِّ جوابهِ
لم يكثرثْ بذبولِ عمرٍ آفلٍ — ومضى يردُّ الموتَ عن أسلابهِ
العذبُ عاشَ وماتَ ولم أهنأْ بهِ — وظللتُ مأخوذاً بزيفِ سحابهِ
أما العذابُ فرحلةٌ قسريةٌ — في برّهِ..في بحرهِ وعبابهِ
فكأنَّ هذا القلبَ صبٌّ هائمٌ — فيعيدُ مجدَ هيامهِ وشبابهِ
كانَ الهشيمُ حصادَ قلبٍ خائبٍ — و لكم رعى الأحلامَ في أعشابهِ
الأمسُ غابَ.. وجاءَ يومٌ غيره — وكلاهما بالروحِ ليسَ بآبهِ
ما أقصرَ العمرَ الطويلَ فإنهُ — كدقيقةٍ في حلّهِ وذهابهِ
وتكسَّرتْ كلُّ النوافذِ في يدي — لم أجنِ من عملي سوى أتعابهِ
العمرُ ماضٍ والزمانُ يحثهُ — ويكادُ أن يودي بكلِّ صوابهِ
كم كانَ حلمي ثائراً لا يرعوي — ويؤجّجُ الدنيا بعودِ ثقابهِ
والآنَ قدخمدَ اللهيبُ جميعه — لم يبقَ غيرُ رمادهِ وهبابهِ
كم تسخرُ الأيامُ من شرفاته — أو تُسدلُ الأكفانُ فوقَ قبابهِ
في نصفِ هذا الليلِ يرحلُ عالمٌ — ويجيءُ آخرُ في جميلِ ثيابهِ
وأظلّ أبدأُ من جديدٍ رحلة — عبرَ الزمانِ بشهدهِ وبصابهِ
عانيتُ من زمني الوعيدَ فإنهُ — ما كفَّ يوماً عن قبيحِ خطابهِ
لا فرقَ بينَ قديمهِ وجديدهِ — فكلاهما يقتاتُ من إرهابهِ
الصبرُ ولّى.. لم يعدْ متحمّلا — للصبرِ حدٌّ فاضَ في تسكابهِ
عمرٌ تنصّلَ بغتةً من عمره — وبقيتُ مرميّاً على أعتابهِ
حلّ الغرابُ فلا حمامَ بعالمي — شتّانَ بينَ حمامهِ وغرابهِ
عامٌ مضى.. عامٌ يجيءُ.. كلاهما — مستهترٌ بزميلهِ المتشابهِ
ويقولُ لي عامي الجديدُ:هلا هلا — فأقولُ:هل سأعيشُ في جلبابهِ
فغداً ..غداً ضيفٌ ثقيلٌ قادمٌ — أهلاً بهِ وبمرِّ.. مرِّ شرابهِ
ماذا سأفعلُ غيرَ دفعَ شرورهِ — لا خيرَ يبدو في شريعةِ غابهِ
ماذا سأفعلُ والزمانُ يحثّني — لأكونَ رغمَ الأنفِ من أذنابهِ
لكنني لا أستطيعُ رضاءه — وعليّ ألّبَ كلّ جيشِ كلابهِ
صدري يضيقُ ولا تضيقُ بناته — حتى غدا يبكي طلولَ رحابهِ
كم كانَ يطلعُ منهُ نجمُ قصائدي — تترى ويغفو الحبُّ في أهدابهِ
لا نجمَ بعدَ اليومِ يبدو تِربهُ — فلقد تخلّى اليومَ عن أترابهِ
كلّ الذي في جعبتي ما عادَ لي — روحٌ محطّمةٌ وراءَ إهابهِ
بيني وبين الوقتُ سوءُ تفاهمٍ إيّاكَ والتسآلَ عن أسبابهِ — فالوقتُ يأخذني على تيّاره
ما زلتُ أحسو الشعرَ من أنخابهِ — وأنا الذي لا برَّ لي.. لا بحرَ لي
إني أراني في خضمِّ يبابهِ — الوقتُ يمضي مذعناً مستسلماً
لا فرقَ بين حضورهِ وغيابهِ — كم قد ضحكتُ وكم بكيتُ سدىً سدىً
لم يبقَ لي غيرُ الصّدى ورهابهِ — مرّ القديمُ بعذبهِ وعذابهِ
وأتى الجديدُ وها أنا في بابهِ — قد كنتُ آمل أن يؤجّجَ نجمتي
ما زالَ نجمي مطفأً.. ماذا بهِ..؟ — جاملتهُ.. وفرشتُ أشعاري لهُ
ورجعتُ دونَ ثنائهِ وثوابهِ — بل رحتُ أحلمُ كيفَ أنجو سالماً
فوجدتُ نفسي لقمةً في نابهِ — يجتّرني وكأنّني علفٌ لهُ
ولكمْ خُدعتُ بلطفهِ وعتابهِ — يا أيّها العامُ الجديدُ ..ولا جديدَ
لديكَ غيرَ تفاؤلي وسرابهِ — وغداً ستغدو مثلَ غيرِكَ آفلاً
وأسيرُ كالأعمى وراءَ ضبابهِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بحره: البَحْرَةُ : مجتمع الماء.-: القرية على نهر؛ كنّا نعيش في طفولتنا في بحرة هادئة.-: الروضة المتسعة.- من الأراضي: الواسعة أو المنخفضة.-: مستنقع الماء.-: البركة؛ أقام في باحة الدَّار بحرة رخاميّة. ج بِحارٌ وبِحَرٌ.
- بزيف: زيف: الزَّيفُ: مِنْ وصْفِ الدَّراهم، يُقَالُ: زَافَتْ عَلَيْهِ دَراهِمُه أَي صَارَتْ مَرْدُودةً لغِشٍّ فِيهَا، وَقَدْ زُيِّفَتْ إِذَا رُدَّتْ. ابْنُ سِيدَهْ: زَافَ الدِّرهمُ يَزِيفُ زُيُوفاً وزُيُوفةً: رَدُؤَ، فَهُوَ زَا …
- بعذبه: العَذَبَةُ : طرف الشيءِ؛ مَسَّ الماءَ بعذبة لسانه ليعرف مدى ملوحته/ عَذَبةُ السَّوْط/ عَذَبةُ العِمامة.-: خيط يُرفع به الميزانُ.-: الطُّحلُبُ ج عَذَبٌ.
- ترابه: جمع: أَتْرِبَةٌ. [ت ر ب]. 1."يَرْفَعُ التُّرَابَ بِمِكْنَسَتِهِ" : غُبَارُ الأَرْضِ، أَيْ مَا نَعِمَ مِنْ أَدِيمِهَا. "تَرَاكَمَتِ الأَتْرِبَةُ بِالأَزِقَّةِ" غافر آية 67هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ .(قرآن). 2."و …
- جوابه: الجَوَابُ : ما يكون ردًّا على سؤالٍ أو دعاءٍ أو دعوى أو رسالة أو اعتراض وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ/ كانت أجوبته عن أسئلة الامتحان صحيحة كلّها.-: الرّسالةُ؛ أرسل لابنه …
- خرابه: الخُرَابَةُ : الثُّقْبَة الواسعةُ المستديرة. -: حبلٌ من ليف.-: حجارة عريضة تُثقب وُشَدُّ فيها حبْلٌ / خُرابة الإبرة أي ثَقْبُها / خُرابة الورِك، أي مَغْرِزُ رأس الفخذ / خرابة الأُذُن، أي ثقبها.