مشاهد قبل الخمسين

الشاعر: السيد عبد الله سالم · البحر: الطويل

«مشاهد قبل الخمسين» من شعر السيد عبد الله سالم، وتقع في 1058 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خَمْسُوْنَ عَامًا أَدْرَكَتْنِيْ — أَوْصَدَتْ فِيْ وَجْهِيَ البَابَ

أَخْبَرَتْنِي أَنَّ كَفًّا فَوْقَ خَدِّي — كَانَ حِبْرًا مِنْ رَصَاصٍ أَوْ نَدَى

فَارْفُقْ بِنَا — يَا أَيُّهَا العُمْرُ الجَمِيْلُ

لَمْ أَكُنْ بَالحُبِّ فِيْكَ كَافِرًا — لَكِنَّنِي لَمَّا عَرَفْتُ الغَدْرَ فِيْكَ

قَدْ سَأَلْتُ اللهَ فِيْكَ — فَاسْتَبَقْتَ الخَطْوَ عَنِّي

وَارْتَمَيْتَ فَوْقَ أَغْصَانِ التَّمَنِّي — هَكَذَا كُنَّا

خَمْسُوْنَ عَامًا أَدْرَكَتْنِيْ — أَوْصَدَتْ فِيْ وَجْهِيَ البَابَ.

---- — الأول

نَهْنَهْتُ عَلَى صَدْرِ المَحْبُوبةِ — لا أَدْرِي طَعْمَ اللَّوْعَةِ، لا أَعْرِفُ مَعْنَى الهَجْرِ

وَالجُوعُ رَفِيْقٌ يَهْزِمُنِي — وَيُقَهْقِهُ إِذْ يَنْسَلُّ كَالشَّعْرِ عَلَى وَجْهِي

وَالعَمَّةُ جَنْبَ مَاكِيْنَتِنَا تُعْطِيْنِي إصْبَعَهَا — وَتَقُولُ:

- رَتِّبْ أَشْيَاءَكَ يَا طَيْرَ الفَقْرِ — - وَتَمَرَّنْ أَنْ تَلْعَقَ زَلَطَ الأَرْضِ

- فَالقَادِمُ مِنْ أَيَّامِكَ مَسْكُونٌ بالرُّعْبِ — أَدْرَكْتُ فِي اللَّحَظَاتِ الصَّعْبَةِ طَعْمَ الدَّمْعِ

وَبَرِيْقًا يَأْخُذُنِي مِنْ دِفءِ الثَّدي — وَيلْقِيْنِي عُرْيَانًا فَوقَ حَصِيْرِ الأَرْضِ

أُبَلِّلُ سِجَّادَةَ أَخْوَالِي — وَأَعُودُ

كَالحُزْنِ المَكْتُوبِ عَلَى الشَّطَّيْنِ — وَالجَارَةُ تَأْخُذُنِي

تُطْعِمُنِي القِشْدَةَ، تَمْنَحُنِي — دِفْئًا مَنْسُوْجًا مِنْ لَحْمٍ بَضٍّ وَبَرِئٍ

وَتُعَانِدُ شَهْوَتَهَا — كَيْ أَنْهَلَ مِنْ كَهْفِ الأُنْثَى

أَرْطَالاً مِنْ شَغَفٍ وَحَنِيْنٍ — يَنْسَلِخُ البُرْصُ عَلَى الحَائِطِ

مَزْهُوًّا بِتَكَيُّفِهِ — وَخَلاصٍ مِنْ نَوْبَةِ بَرْدٍ

عَضَّتْ كُلَّ أَنَابِيْبِ الرِّئةِ — فَانْتَهَزَ الحَلاّقُ الفُرْصَةَ كَيْ يَكْوِيْنِي

بِرَحِيْقٍ مَخْتُومٍ — فَأَقُومُ فَوقَ البِرْكَةِ يَسْنِدُنِي

ضِلْعُ امرأةٍ — وحَنِيْنُ الشَّفَةِ إِلَى النَّهْدِ

أَسْتَلْقِي عَلَى السِّجَادَةِ وَحْدِي — وَعُيُونِي

فِي كُلِّ زَوَايَا الجَمْرَةِ — تَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ يَكْفِي كَفَنِي

وَيَكْفِيْنِي. — ---

الثاني — شَرَخَتْ بَابَ الغُرْفَةِ وَتَمَلَّتْ نُوري

هَذَا الكَائِنُ كَاللَّيْمُونَةِ — فَوقَ سَرَابِ الحُزْنِ

يَرْفَعُ كَفًّا لِلْمَلْفُوفَةِ بِالكَفَنِ — وَيُنَادِي بالقَدَمِ العُرْيَانَةِ

أَنْمَاطًا مِنْ دَمْعِ البِنْتِ — وَشَظَايَا قَدْ أَلْقَتْ حَصْوَتَهَا

فَوقَ الفُرْنِ — حَمَلَتْنِي كَالثَّديِ المَحْرُومِ

والنَّاشِفِ مِنْ ظَمَأٍ وَخُضُوعٍ — أَلْزَمَنِي الضَّوْءُ طَرِيْقًا غَيْرِي

وَرَمَانِي كَالمَاعِزِ مِنْ فوق الجَبَلِ — أَهْرَبُ مِنْ ثِقَلِ النَّهْدَيْنِ

كَغَزَالٍ صَادَ الصَّيَّادُ هَوَاهُ — فَانْسَابَ عَلَى التَّلِّ

رِيْمًا مَكْتُومَ الأَنْفَاسِ — والصَّرْخَةُ فِي جَوفِي

قَدْ خَرَجَتْ كَالبَرْقِ — تَسْمَحُ لِامْرَأَةٍ أَعْرِفُ خَطوَتَهَا

أَنْ تَرْتَقَ مِعْصَمَ أَوْهَامِي — وَتُغَنِّي أُغْنِيَةً لا أَفْهًمُهَا

فَأَصُبُّ عَلَى اللَّحْنِ — بَعْضًا مِنْ نِسْمةِ أيَّامِي

وَأَعُودُ — كَمَا الكَلِمَاتِ الصَّعْبةِ فَوقَ الشَّفَةِ

أنْقُرُ مِنْ نَهْدَيْهَا — حَبًّا وَحَلاوَةْ.

--- — الثالث

صَعْبٌ أَنْ اَسْتَلْقِيَ جَنْبَ حَنَانِي — دُونَ

أَنْ تَلْمَسنِي أَنْمُلَةٌ كَالمَلْبَنِ — تَمْضُغُ لَحْظَةَ أَنْ بُحْتُ بالوَجْدِ المَكْتُومِ

بَيْنَ جَدَائِلِهَا — أَعْطَتْنِي وَمْضَةَ غَزَلٍ أَجْهلُ نَكْهَتَهَا

مَنْ عَلَّمَهَا فَتْقَ الرُّوْحِ؟ — وَأَعْطَاهَا المَشْرَطَ كَي تَذْبَحَ كُلَّ جُرُوحِي؟

وَتُجَدِّفُ نَحْوَ الشَّطِّ — لا تَخْضَعُ لِلْخَوْفِ وَلا تَنْسَى

أَنْ تَجْذبَنِي مِنْ أَطْرَافِي البَارِدَةِ — كَي أَنْفَرِطَ عَلَى السَّطْحِ

كَحَبَّاتِ القَمْحِ — أَجْدِلُ مِنْ لَوْنِ الشَّمْسِ المَحْرُوقَةِ فَوقَ أَنَامِلِهَا

حُلْمًا مخفوٍقا باللَّبَنِ — وَبَرَاحًا كَخَيَالِ الأَحْصِنَةِ الهَرْبَانةِ

فِي صَدْرِي — كَيْفَ سَأَلْجُمُهَا؟

وَأُدَارِي فِي غِبْطَتِهَا أَحْزَانِي؟ — لا زِلْتُ أُجَارِي أَنْمُلَةَ البِنْتِ

وَأُفَتِّشُ فِي عَيْنَيْهَا عَنِّي — عَنْ لَهْوِ الطِّفْلِ المَهْمُومِ بِرجُولتِهِ

عَنْ دُنْيَا لَمْ أُدْرِكْ فِي اللَّفْظَةِ — كَيْفَ سَأَغْزِلُهَا؟

رَجُلاً مُكْتَمِلَ الصَّبْوَةِ — لِعْبَتُنَا فَوقَ السَّطْحِ

خَلَّتْ مِنْ قَلْبِي البِّكْرَ — وَغْدًا مَشْهُورَ الأَوْثَانِ.

--- — الرابع

سَأَقُصُّ عَلَيْكَ بُكَاءً قَدْ مَلأَ الدَّارَ — وَعَوِيْلَ الرَّجُلِ

يَتَشَبَّثُ بِالكَفَنِ — "مَاتَتْ مَبْرُوكةْ"

وَتَدَحْرَجَ نَعْشُ المَرْأَةِ قُدَّامِي — أَسْأَلُ رَائِحَةَ الكَفَنِ عَنْهَا

وَأُعَاتِبُ حَجَرًا — بِجوَارِ الحَائِطِ

قَدْ تَرَكَ المرْأَةَ تَسعلُ كُلَّ اللَّيْلِ — حَتَى انْهَارَتْ

وَتَيَبَّسَ عَضَلُ الصَّدْرِ — أَزْمَةُ رَبْوٍ تَأْخُذُها

وَتُعَانقُ فِي غَفْوَتِهَا أَنْفَاسَ المَوْتِ — سَأَقُصُّ عَلَيْكَ خرُوجِي خَلْفَ النَّعْشِ

وَأَوْهَامِي — أَنْ يَخْرُجَ مَلَكٌ مِنْ غُرْفَتِهِ، فَيَلْقَانِي

وَيَمُدُّ جَنَاحَ الرَّحْمةِ، — فَتَعُودُ الجَدَّةُ مِنْ رِحْلتِها

فَأَمُوءُ كَلَيْلِ الأَحْلامِ — يَخْطِفنِي الضَّوءُ فَأَمُوءُ

سَأَكُونَ حَكِيْمًا ضِدَّ الرَّبْوِ — وَأُعَرِّي لِلعَالمِ كُلَّ الأَزَمَاتِ

وَيَصِيْرُ الصَّدْرُ المَكْتُومُ — هَمِّي وَحصَانِي.

--- — الخامس

عَايَنْتُ الظِّلَّ المَمْدُودَ — مِن حَائِطِ جَدِّي

حَتَّى نَهْدِ امْرَأَةٍ أَخْفَتْ سَرْسُوبَ اللَّبَنِ — عَنْ مَاعِزِ وَادِيْنَا

فَانْدَلَقَ اللَّيْلُ عَلَى الأَرْضِ — كَعرْقُوبِ الدَّارِ

يَخْفِي خَوفِي المنْثُور عَلَى البَابِ — مِنْ جِنِّ الشَّارِعِ والرَّجُلِ المسْلُوخِ القَدَمِ

لا يَشْفَعُ لِي مَوَّالِي — أَو آيُ القُرْآنِ

فَالعَتْمَةُ تَأخُذُنِي خَلَفَ الجُدْرَانِ المَهْزُوْمَةِ — بِالعَبَثِ

وَهُنَالِكَ مَائِدَةٌ مِنْ أَجَسَادِ الإنِسِ — يُوَاجِهُهَا غُوْلٌ كَالبُرْكَانِ

لا يِشْبَعُ أَبَدًا مِن غَيْظٍ مَكْتُوْمٍ كَالجَمْرِ — إِنْ تَسْأَلْنِي عَنْ خَوْفِي

فَالأَرْضُ تَضِيْقُ عَلَى الصَّدْرِ — وَالمَاءُ البَارِدُ مِنْ حَوْلِي

حَوَّلَنِي قَشًّا فِيْ اليَمِّ — وعُصْفُوْرًا فِيْ كَفِّ الطِّفْلِ

مَوَّالُ الشَّاعِرِ أَغْفَى فَوْقَ رَبَابَتِهِ — وَحَرِيْمُ السُّلْطَانِ

فِي الشُّرْفَةِ أَخْبَرْنَ الحُرَّاسَ — عَنْ شَبَحٍ

يَغْفُوْ مَهْمُوْمًا فَوْقَ وِسَادَتِهِ — لا يَرْفَعُ طَرَفًا إِلا

لَوْ دَقَّ الشَّاعِرُ نَغَمًا فَوْقَ رَبَابَتِهِ — يَنْظُرُ لِجَوَارٍ حَوْلَ سَرِيْرِ العَرْشِ

وَيَقُوْلُ: — - آيَةُ مُلْكِي نَغَمٌ يَتْبعَهُ الشَّعْبُ

- يَشْدُوْهُ رَغْمَ قَسَاوَتِهِ. — ---

السادس — حَطَّ الهُدْهُدُ مِنْقَارَ الرَّغْبَةِ فِي صَدْرِي

وَتَطَايَرَ شَرَرٌ مِن حَوْلِيْ — تِلْكَ أَوَّلُ فَصْلِ القَمْحِ عَنْ التِّبْنِ

وَخُرُوجُ الحَرْفِ المًفْطُوْمِ — عَنْ ثَدِيْ الأُمِّ

وَتَرَنَّحْتُ وَحِيْدًا بَيْنَ البُوصِ — وَرُكَامِ الطَّيْنِ النَّيِّ

صَفْرَاءٌ كُلُّ أَظَافِرِ قَرْيَتِنَا — وَحَزِيْنٌ يَا دُودَ الأَرْضِ

يَا صَقْرَ الوَادِي المَنْقُوشِ عَلَى القِرْشِ — أَعْرِفُكَ حِيْنَ بَدَأْتُ البَسْمَلَةَ

وَقَرَأْتَ المَأْسَاةَ النَّجْدِيَّةْ — وَ الحَصْوَةُ فِي شَحْمةِ أُذُنِي

كَرَصَاصَةِ صَيَّادٍ فِي قَلْبِ الهُدْهُدِ — وَتَوَاعَدْنَا بَعْدَ قَضَاءِ اللَّوْحِ

أَنْ نَحْفَظَ وِرْدَ اللَّيْلِ — بَعدَ صَلاةِ الفَجْرِ

فَتَنَهَدَ هُدْهُدُنا وَتَرَنَّمَ بِالشِّعْرِ — سَكْرَانٌ يَا فَجْرَ القَرْيَةِ بالعُشْبِ

وَغِنَاءِ الصَّبْيَانِ — وَبَنَاتٍ تَحْتَ الجَرَّةِ حَلَّقْنَ الثَّوْبَ

وَمِلْنَ بالثَّوْبِ الضَّيْقِ عِنْدَ الخِصْرِ — نَحْوَ النَّهْرِ

يَغْرِفْنَ أَعْذَبَ مَقْطَعِ شِعْرٍ فِي الدِّلْتَا — وَيُنَاجِيْنَ الهُدْهُدَ كَي يَنْزِلَ

وَالهُدْهُدُ فِي صَوْمَعَةِ الرَّاهِبِ — يَكْتُبُ عَنْ بَلْقِيْس كَلَّ قَصَائِدِهَا

هّاتِ الوَرْدَةَ يَا............. — وَاضطجِعِي عَلَى الأَرْضِ

فَالفَارِسُ قَبْلَ سُطُوعِ الرَّبِّ — يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ القَلْبِ

وَيُغَازِلُ كُلَّ الوَرْدَاتِ — كُلَّ الحُبِّ.

--- — السابع

شَهْوَةُ مُرْجَانِ البَحْرِ — تُثْقِلُ قَلْبَ الصَّيَّادِ

وَتُغَادِرُ مِنْفَحةَ السَّاقِي — وَالرَّاعِي خَلْفَ الضَّأْنِ تَوَارَى

يَحْسُبُ مَسْأَلَةً عَنْ لَوْنِ الذَّئْبِ — أَيَّامَ المَوْتِ، وَأَيَّامَ الصَّحْوِ

سَأَنْزِلُ وَحْدِي نَحْو شُقُوقِ البَحْرِ — وَأُنَادِي بُلْطِيَّ النَّهْرِ

أَنْ يُلْقِيَ قِشْرَ بَيَاضٍ فَوقَ الشَّطِّ — فَنُجَرْجِرُ قَصَبَةَ بُوصٍ

عَلَّ اللَّيْلَةَ نَحْظَى بِالدِّفْءِ — أَرْمَلَةٌ خَلْفَ سِتَارَةِ مَخْدَعِهَا

تَرْوِي لِلضَّوْءِ الخَافِتِ أَحْزَانَ الوِحْدَةِ — وَتْنَادِي مِنْ شُبَّاكِ الغُرْفَةِ

لِلْقَرْمُوطِ السَّائِبِ خَلْفَ حَدِيْقَتِهَا — تُدَاعِبُ فِي الغَفْوَةِ مَجْهُولاً لِي

وَحَنِيْنِ لِلْبَهْجَةِ — نِصْفُ لِسَانِي حَلِيْبٌ

وَالآخَرُ مِنْ فُلْفُلِهَا المَجْدُولِ — أَسْدَلْتُ عَلَى الغَيْمِ شُرُوقِي

وَتَنَاوَمْتُ — فَانْتَابَ الجَسْدَ المَلْفُوفَ بِأَعْوَادِ البُوصِ

رَعْشَةُ بَرْدٍ — فَتَسَامَيْتُ

وَأَلْقَيْتُ عَلَى الرَّاهِبِ بَعْضًا مِنْ خَلْقِي — وَتَمَنَّيْتُ

لَوْ عَادَتْ كُلُّ زَوَايَا الحُجْرَةِ تَخْنُقُنِي — وَتَبِيْعُ الدِّفْءَ كَمِلْفَحَةٍ فَوقَ البَدَنِ

فَتَنَبَّهَ عُصْفُورٌ فِي الوِكْرِ — وَتَمَدَّدَ كَي يَمْلأَ كُلَّ الأَغْصَانِ

بِدُعَاءِ الكَرَوَانِ. — ----

الثامن — مَدَّتْ بُرْجَ الرَّقَبَةِ فَوقَ قَفَايَا

وَتَعَرَّتْ سَاقٌ كَانَتْ كَالجُمَّيْزَةِ فِي ظَهْرِي — فَأَنَخْتُ بَعِيْرِي بَيْنَ مَدَارَيْنِ

وَتَأَمَّلْتُ سُكُونَ المَعْزُوفَةِ فَوقَ الشَّاشَةِ — غَابَةُ أَشْجَارٍ سوداء

وَعُيُونُ المَاء — وَنُتُوءٌ فِي قُبَّةِ مِسْجِدِهَا زلْزَالٌ

خَرَّطَنِي فِي صَحَرَاءِ الرَّغْبَةِ تُفَّاحًا — وَأَلْقَانِي بَيْنَ سُنُونِ المِشْطِ جَدَائِلَ مُرْجَانٍ

وَبَقَايَا مِنْ عِنَبٍ أَحْمَر — فَوقَ السَّهْلِ أَكَلْنَاهُ

وَبُذُورُ جَوَافَةْ — قَدْ حَكَّتْ جِلْدِي

فَتَنَحْنَحَ قُرْبَ التَّلِّ مَارِدُ أَوهَامِي — فَانْهَدَّ جَدَارٌ كَانَتْ تَبْنِيْهِ

جِنِّيَّةُ دَارِي — كَي يَطْرَحَ حَقْلِي أَعْوَادًا مِنْ قَصَبِ السُّكَّرِ

تَحْصُدُهُ الجِنِّيَّةُ لَيْلَةَ عِيْدِي — لَكِنَّ الحَقْلَ المَدْسُوسَ عَلَى نَارِ الفُرْنِ

قَدْ فَتَحَ خَزَائِنَ سمْسمهِ — وَتَجَلَّى فَوقَ شُطُوطِ الرَّمْلِ

وَأَنَاخَ بَعِيْرًا بَيْنَ مَدَارَيْنِ — تِلْكُ الهُدْهُدةُ الظَّمْآنَةُ لِلحُبِّ

أَنْهَتْ رِحْلَتَهَا الأُولى فَوقَ قَفَايَا — وَتَخَلَّتْ عَنْ خَجَلِ الغُصْنِ

فَوقَ مَدَايَا — أَحْمِلُ قُرْبَانَ طُفُولَتِهَا وَأُسَافِرُ

مِثْل زَمَانِ حِكَايَاتٍ بَرَّيَّةْ — لا أَعْزِفُ مَعْزُوفَةَ عِشْقِي

لَكِنِّي رَغْمَ بَرَاءَةِ أَفْكَارِي — وَخُرُوجِي عَنِ النَّصِّ

أَسْكُنُ كَالعُصْفُوْرَةِ مَكْمَنَهَا — وَأُخَبِّأُ فِي دَفْتَرِ أَفْكَارِي

كُلَّ قَصَائِدِهَا — مَيْمُونٌ حُبُّكِ يَا هُدْهُدَةَ اللَّيْلِ

وَبَرْيءٌ غَزَلُ القُرْصَانَةِ لِلْقُرْصَانِ. — ---

التاسع — أَذْكُرُهَا قَدْ شَكَّتْ صَدْرِي

بِلَهِيْبِ الأُغْنَيَةِ المَجْنُونةْ — وَتَدَلَّتْ مِن سُوْرِ الجَنَّةِ

تَجْذِبُنِي نَحْوَ فَضَاءٍ مِنْ غزْلانِ البَرِّ — وَقِبَابٍ قَدْ أَتْلَفَهَا غَيْبَةُ أَمْطَارِ الشَّرِّ

فَتَأَوَّهَ جَنْبَ البَابِ قِطٌّ — مَشْقُوقُ الشَّفَةِ

مَنْقُوطُ الذَيْلِ — فِي فِيْهِ أَلْفٌ مِنْ أَشْجَارِ السَّنْطِ

يَطْرَحُ أُغْنِيَةً فَوق مَمَرِّ العَطَّارِيْنَ — وَفَوقَ البُسْتَانِ النَّائِمِ جَنْبَ قَصِيْدَتِنَا

بَابُ حَظِيْرَتِنَا — هَلَّلَ إِذْ مَزَّقْتُ خُيُوْطَ الصَّمْتِ

وَانْدَلَقَتْ حَبَّاتُ العَرَقِ — فَوْقَ العُشْبِ النَّاشِفِ

فِي طَاوِلَةِ البهْمِ — وَأَحَاطَ خُطُوْطَ العُمْرِ عَلَى الكَفِّ

أَنِيْنًا — كَصِبْيَانِ الحَقْلِ

هَاهِيَ أَشْوَاكُ التِّيْنِ — وَعَنَاقِيْدُ العِنَبِ

وَالفَأْسُ المُسْنَدَةُ فَوْقَ جَدَارٍ مِنْ لَبَنٍ — وَحِكَايَاتٌ نَرْوِيْهَا بِبَرَاءَةِ أَيَّامِ طُفُوْلَتِنَا

وَبَرَاعَتِنَا فِي الكَذِبِ — وَالقَفْزِ عَلَى الحَبْلِ

وَكِيْزَانُ الذُّرَةِ المَشْوِيَّةِ تَتَطَايَرُ فَوْقَ الكَفِّ — طَنْطَاوِي

قِنْطَارُ مَحَبَّتِنَا — وَالسِّيْجَةُ تَحْتَ السَّنْطَةِ

بَابُ حَظِيْرَتِنَا — مَخْطُوْطٌ فَوْقَ الجَفْنِ.

--- — العاشر

هُنَالِكَ خَلْفَ التَّلِّ — قُوسُ قُزَحٍ لاَزَالَ

يُمَشِّطُ شَعْرَ الأَحْلامِ — وَيَنَامُ عَلَى كَفِّ امرأةٍ

أَخْفَتْ نَكْهَتَهَا عَنْ جِنِّ اللِّيْلِ — إِذْ صَفَّ صُفُوفَ العِشْقِ

لا يَهْمِسُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلا — لَوْ نَادَى مِنْ خَلْف التَّلِّ

رَاهِبُ مَمْلَكةِ الوَجْدِ — وَأَشَارَ لِلْمَوْعُودِ، قَالَ:

- غَرَامَا — فَعَرَفْتُ الأَسْرَارَ المَكْتُوبةَ فَوقَ حَوَائِطِ عُشبِ البَحْرِ

وَطُحلُبِ أَيَّام الفَقْرِ — وَعَزَفْنَا مِنْ رَمْزٍ صُوفِيٍّ

بَعْضًا مِنْ كَلِمَاتِ الوّصْلِ المَخْزُونَةِ — فِي نَبْضِ القَلْبِ

وَطَلَعْنَا مِنْ سَاقِيَةِ الدَّمْعِ — كَبَقَايَا مِنْ مِلْحِ الأَرْضِ

فَوق مصَاطِبِ حَقْلِ الوَالِي — وَنَزَفْنَ الصَّمْغَ بَطِيْئًا فوق الجِذْعِ

وَسَمِعْتُ النَّدَّاهةَ خَلف التَّلِّ — تَنْشُدُ فِي الخَشَبِ النَّاشفِ مِنْ عَظْمِي

أَنْ يَسْطَعَ فوق الدَّرْبِ — وَيُمَنِّي الخَائِفَ مِنِّي

بِالوَعْدِ المَرْصُودِ عَلَى الدَّرْبِ. — ---

11 — "تِلْكَ الأَحْلامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ

فَارْفَعْ سَقْفَ الرَّغْبَةِ فِي الأَحْلامِ — وَمِنْ مصْبَاحِ العَرَقِ

وَزِّعْ أَوْرَاقَ الشَّهْوَةِ بَينَ الشُّبَّانِ — وَتَوَضَّأْ بِاللَّهْفَةِ وَالحُبِّ

حَتْمًا سَتُصَادِفُ خَيْبَةَ أَحْلامِكَ — وَتَعُودَ شَهِيًّا وَحَكِيْمًا

كَبِدَايَةِ عَصْرِ الفرسَانِ" — نَوَّرْتُ كِتَابِي حِيْنَ طَبَعْتُ الوَرْدَةَ

فَوق غُلافِ الذَّاكِرَةِ — وَنَثَرْتُ حُبَيْبَاتِ النُّصْحِ الفِضَّيَّةِ

بَيْنَ زَكَائِبِ أَوْهَامِي — فَالرَّغْبَةُ لا تَنْفَدُ مِنِّي

وَوُجُودُكِ يَمْلأُ كُلَّ كَيَانِي — وَيُرَتَّبُ فوقَ الضَّفَّةِ أَنْهَارِي

فَتَعُودُ الزَّيْنَةُ لَلْيَومِ المَوْعُودِ — فَكَأَنَّ الرَّاهبَ قَدْ أَوْصَى لِلْعَبْدِ المُذْنِبِ

بِالغُفْرَانِ — وَثُبُوتِ الذَنْبِ

أَدْرَكْتُ الآنَ — أَنِّي أَصْغَرُ مِنْ حَبَّةِ خَرْدَلْ

تَذْرُوْنِي الرِّيْحُ — فَأُسَافِرُ

نَحْوَ بِلادٍ مِنْ رَمْلٍ وَسَفَرْجَلْ — أَشْرَبُ كُلَّ عكَارَتِهُمْ

وَأَعُوْدُ — مَسِيْحًا

سَوَّاهُ الحَنْظَلْ — أَشْجَارُ التَّيْنِ

وَالصَّفْصَافَةُ عِنْدَ الجِسْرِ — تَرْحَلُ فِيَّ

أَخْيِلَةً وَمَشَاعِرْ — يَجْهَلُهَا البَرْبَرْ

وَحَثِيْثًا — يَدْخُلُنِي عِطْرُ الصَّنْدَلْ

تَيْنِي يَصْدَأْ — وَكَلامِي يُصْبِحُ مِثْلُ طَنِيْنِ السَّاعَةِ

رَنَّاتٍ لا تَهْدَأْ — فِيْهَا مِنْ طَبْعِ الرَّمْلِ سَرَابٌ

وَخوَاءٌ لا يَظْمَأْ. — ---

12 — وَانْطَفَأَتْ شَمْسُ اللهِ عَلَى عَيْنِي

فَتَمَدَّدَ كَلْبُ الحَارَةِ — يَبْغِي بَرَاحًا أَوْسَعَ مِنْ جُحْرِ الذِّئْبِ

وَيُنَادِمُ فِي الوَحْلِ بَرِيْقَ الخَيْبَةِ وَالظَّنِّ — مَلآنٌ يَا لَيْلَ الخَائِبِ

بِنُبَاحٍ وَعُوَاءٍ وَضَلالٍ لِلأَبَدِ — وَلأَنِّي أَمْسَكْتُ زِمَامَ الضَّوْءِ

وَغَسَلْتُ الرُّوحَ يَقِيْنًا بِالثَّلَجِ وَالبَرَدِ — وَلأَنِّي مثل الرَّيْحَانَةِ

عِطْرِي فَوَّاحٌ — وَاللَّونُ الكَالِحُ لا يَغْزُو أَوْرَاقَ العِطْرِ

فَانْتَبَهَتْ أَمْكِنَةٌ لِغَرَامِي — وَتَنَبَّهَ

فَوقَ الغُصْنِ عصْفُورٌ كَانَ — قَدْ حَطَّ فوقَ أَنَامِلِ أَحْزَانِي

تِلْكَ المَأْسَاةُ كَتَبْنَاهَا — بِالدَّمْعِ المَجْدُولِ، وَاللَّحْنِ المَهْزُومِ

وَتَتَابَعْنَا فِي الدَّرْبِ المَجْهُولِ — نَقْعَى عصفُورٌ خلف غُرابٍ

وَيَمَامٌ فِي حَلْقِ الثُّعْبَانِ — مَأْسَاةُ اللَّيْلِ المَنْثُورِ

قَدْ تَمَّتْ — وَانْطَفَأَتْ شَمْسُ اللهِ

وَعَبْدُ اللهِ — قَدْ أَمْسَكَ مِنْسَأَتَهُ

يَخْطُو نحو بَرَاحِ اللهِ — فَاغْفِرْ يَا رَبُّ

وَازْرَعْ فِي صَدْرِي — بُرْجَا حَمَامٍ، غَابَةَ رُمَّانٍ

وَصَبَايَا مِنْ ظَهْرِي. — ---

13 — تَسَّاقَطُ مِنِّي حَبَّاتُ الحلْمِ

وَأُدَارِي فِي الثَّوْبِ الأَبْيَضِ حُزْنِي — أَكْبُو وَأَقُومُ

وَالهَمُّ تخُومُ — لا أَرْضَى أَنْ يُكْسَرَ فَخْذِي

أَوْ تَرْفَعَ آهٌ مُقْلَتَهَا فِي عَيْنِي — فَالكَفُّ صَغِيْرٌ لَكِنِّي

أَمْلِكُ وَعْدًا وَحَنِيْنًا — وَلَدَيَّ أَلْفُ طَرِيْقٍ وَطَرِيْقَةْ

فِي القلبِ مَجَامِرُ شوْقٍ — وَاللَّحْظُ المَنْثُورُ عَلَى الطُّرُقَاتِ

أَدْخَلَنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ — وَأَجَّلَنِي حَتَّى أَدْخُلَ بَابَ الشِّعْرِ

فِي بَطْنِ حصَانٍ خَشَبِيٍّ عِنْدَ السَّاحِلِ — وَأَمَام الأَسْوَارِ المُغْلَقَةِ

أَلْقَانِي ذَرَّةَ رِيْحٍ أَعْبُرُ كَيْفَ أَشَاءُ — وَأُسَابِقُ أَنْفَاسَ الضَّوءِ

إِصْرَارِي مَرْكَبَةٌ مِنْ فِضَّةْ — وَذِرَاعِي مِجْدَافُ لِلْبَرِّ

أَكْبُو وَأُوَاصِلُ — وَالعُمْرُ فَوَاصِلُ.

--- — 14

مَا الرَّوحُ المَمْسُوْسَةُ إِلاَّ وَتَرٌ — مَشْدُودٌ بِيْنَ اللَّحْنَيْنِ

وَطَرِيْقٌ عَبَّدَهُ الرَّاكِبُ مِئْذَنَةً — كَيْ يَرْحَلَ فِي غَسَقِ الأَشْيَاءِ

كَالطَّيْفِ المَسْحُورِ — يَنْكَأُ جُرْحَ المَوجُوعَةِ، وَيُسَافِرُ

كَلَهِيْبٍ بَيْنَ المَذْكُورَةِ وَالمَذْكُورِ — فِي كُتُبِ اللَّاهُوتِ

يَجْمَعُ تَحْتَ الحَلَّةِ عَيْنَ العَفْرِيْتِ — وَيَخْلِطُها بِالمِسْكِ، وَيَقُولُ:

- فَلْنَقْرَأْ آخِرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَتِي التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَنِ — فَيَنْسَكِبُ عَلَى الكَتِفِ كُوبُ اليَنْسُونِ

وَتَنْدَلِقُ الدَّهْشَةُ فِي عَيْنِي — ويُطَارِدُ خَوفِي نَبْضَ القَلْبِ

فَكَأَنَّ القَاعِدَ فَوقَ المَسْنَدِ — شَيْطَانٌ مَدَّ جَدَائِلَ نَارٍ فِي الجَسَدِ

تَوَارَيْتُ عَنْ نَفْسِي — وَأَنْكَرْتُ مَا كُنْتُ أَنْكِرُهُ ذَات مَسَاءٍ

وَدَخَلْتُ بَابًا لِلسِّحْرِ — أَجْمَعُ مَا أَقْدِرُ مِنْ تَعَاوِيْذٍ

وَأُدَوِّنُهَا خَلْفَ البَابِ — فَيَقُولُ المَاشِطُ لِي:

- لَوْ شِئتً دَرْسًا فِي الطَّبِّ أَعْطَيْنَاكَ — - لَوْ شِئْتَ نَامُوسًا فِي الشِّعْرِ وَلَّيْنَاكَ

- فَتَعَالَى قَبْلَ الظُلْمَةِ — - وَتَمَدَّدَ كَالطُّوفَانِ

رَاحِلَةٌ عَنِّي الذِّكْرَى — وَمُخْتَلٌّ زِئْبَقُهُ الأَحْمَر

مَخُتُونٌ كَالأَفْعَى — وَيُمَنِّيْنِي بالسُّمِّ الحُلْوِ.

--- — 15

مَا اخْتَرْتُ طَرِيْقِي لَكِنِّي — رَتَّبْتُ الأَشْيَاءَ المَكُتُوْبَةَ فِي دَفْتَرِ أَحْزَانِي

فِي القَلْبِ حَنِيْنُ الجُمَّيْزَةِ وَالجَرَّةِ والزِّيْرِ — وَالكَفُّ صَغِيْرٌ، مَشَّطْتُ أَنَامِلَهُ؛

كَيْ تَحْمِلَ جَرْعَةَ مَاءٍ لِلظَّمْآنِ، — وَتَبْعَثَ فِي الجَسَدِ البَارِدِ دِفْءَ النَّشْوَةِ،

وَبَرَاحَ العِشْقِ، — وَتَشْفِي كُلَّ جِرَاحَ النَّفِسِ

وَالنَّفْسُ الأمَّارَةُ بالحُبِّ — أَوْصَتْنِي أَنْ أَكْتُبَ فَوق النَّجْمَةِ

أَشْعَارَ الفُرْسِ — وَأَشْبُكُ فِي الشَّصِّ القَلْبَ

كَي أَصْطَادَ الصُّوْرَةَ مِنْ جَوْفِ محَارٍ — وَأُعَاوِدُ تَشْكِيْلَ اللَّوْنِ

وَأُغَادِرُ بَحْرًا فِي اللَّحْنِ إِلَى بَحرٍ فِي اللَّحْنِ — وَأَصُونُ النحْوَ وَالصَّرْفَ

قَالَتْ لِي أُنْثَى النَّحوِ: — - أَرضُ الطِّبِّ بَرَاحُ الشِّعْرِ

- فَتَدَاوَى — - بِالكَلِمِ المنْقُوشِ عَلَى قَبْرِ الهِندِيِّ

- وتَعَلَّمْ لُغَةَ التُرْكِ — - فالقَادِمُ مِنْ شَرْقِ الأَرْضِ

- مَوْصُولٌ بالقَلْب — فَغَرَسْتُ الرُّمْحَ قَلْبَ الشَّهْنَامَةِ وَتَعَمدْتُ

أَنْ أَفْقَأَ عَيْنَ الغَرْبِ — وَأُمَارِسَ فِي الطِبِّ طُقُوسًا

جَاءَتْ مِنْ كُتُبِ العَرَبِ — وَأُغَافِلَ نَخْلَ النَّهْرَيْنِ

كَيْ تَسْطَعَ بَغْدَادُ — تَشْدُو أُنْشُوْدَةَ مَطَرِ.

--- — 16

قُبْلَتُهَا الأُوْلَى خَلْف ملاءتنا البَيْضَاء — وَامْرَأَةٌ فِيْ ثَوْبٍ أَبْيَض

تَخْفِي لَحْظَةَ ضَعْفِي وَسُقُوْطِي — وَتَمدُّ يَدَيْهَا نَحْوِي

تَصْفَعُ تِلْكَ القُبْلَةَ بِالجَهْرِ — نَهْرٌ مِنْ عَسَلٍ قَدْ مَسَّ الشَّفَتَيْنِ

وَتَدَحْرَجَ نُوْرٌ فِي الخَطِّ الفَاصِلِ — بَيْنَ يَدَيَّ وَالخَدَّيْنِ

وَرَبِيْعٌ قَدْ أَلْقَى مَوَاسِمَهُ — فَوقَ جُفُونِ القَادِمَةِ مِنْ خَلْف الجِسْرِ

تَسْكُنْ بَيْنَ حَدَائِقِ أَضْلاعِي — وَتُخَرْبِشُ فِيْ العُمْرِ

أَحْلامًا وَبَلاغًا فِضَّيًّا — فَوْقَ الأَوْرَاقِ المَرْصُوصَةِ فَوْقَ الرَّفِّ

وَأُعُدُّ أَصَابِعَهَا المَدْسُوسَةَ فِيْ صَدْرِي — هَلْ تَرَكَتْ إصْبَعَهَا مَغْرُوْسًا فِيْ عَقْلِي؟

وَاجْتَازَتْ فِيْ لَحْظَةِ صَفْوٍ — ذَاكَ السُّوْرَ المَحْذُوْرَ عَلَىْ البِنْتِ؟

فَانْخَطَفَتْ نَشْوَتُهَا وَتَمَلَّتْ شَفَتَيَّ — مَا بَالُ المَاءِ عَلَىْ الشَّفَةِ

أَيْقَظَنِي!؟ — وَتَسَلَّلَ خَوْفُ الصَّائِمِ مِنْ فِطْرٍ

نَحْوَ سُقُوطٍ فِيْ خَيَّةِ وِزْرٍ — هَذِي الأُوْزِيْرِيَّةُ كَانَتْ تَسْمَحُ لِي

أَنْ أَسْرِقَ نَشْوَتَهَا وَأُضَلِّلَ نَكْهَتَهَا — بِالعِطْرِ المَنْثُوْرِ عَلَى شُرْفَتِهَا

وَأَمُرَّ سَرِيْعًا بَيْنَ جَدَائِلِهَا — فَتَخَفَّفَ مِنْ وَطْأَةِ شَوْقِيْ يَا......

بِعِنَاقٍ — بِلَهِيْبٍ

يَسْكُنُ ضحْكَتَهَا. — ---

17 — وَحِيْدٌ

وَالقَبْرُ قَدْ ضَاقَتْ مَنَاكِبُهُ عَلَىْ الرَّاقِدِ — فَانْسَلَّ

مِنْ ثُقْبِ العَيْنِ — يَسْأَلُ الأَوْرَاقَ عَنْ صفصافَةٍ عَرَّتْ

سَمَاءَ البِنْتِ وَانْخَطَفَتْ — فِي لَحْظَةِ التَّأْبِيْنِ مِنْ دَرْبٍ

قَدْ تَدَحْرَجَ خَلف بئْرٍ مِنْ ظُنُوْنِي — وَحِيْدٌ

أَسْأَلُ الظِّلَّ الَّذِي أَخْفَى مَنَاجِيْلِي — وَسَاقَ البهْمَ لِلْكَهْفِ يَذْبَحُهَا

بِسِكِّيْنٍ مِنَ الأَحْجَارِ والثَّوْمِ — وَأَحْرَقَ حَقْلَنَا المَمْلُوءَ بالعدسِ

وَنَادَى فِيْ مَرَاكِبِنَا — أَنْ طِيْرِي عَلَى الشَّطِّ

فَالشَّمْسُ قَدْ غَابَتْ مِنَ الغَرْبِ — وَالظِّلُّ قَدْ طَالَ مَوَاعِيْدِي

وَحِيْدٌ — وَالكَهْفُ وَالظِّلُّ طَرِيْقَانِ، طَلِيْقَانِ

فَاخْتَارَ الكَهْفَ لِلأُنْثَى — وَظِلِّي – مثلما – أَنْهَارُ جَنَّتِنَا

سَيَسْقِيْ الكُلَّ أَحْلامًا وَأَوْهَامًا — وَقَدْ يَكْسُو بَرِيْقَ الحُلَّةِ الزَّرْقَاء

تِلْكَ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ — وَبَيْنَ بَرَاثِنِ الذَّئْبِ

فَلا تَسْهُوْ عَنْ المَاعِزْ — وَاخْلَعْ الرَّمْزَ عَنْ الرَّمْزِ

فَمِشْطُ الرَّاعِيْ مَوَّالٌ عَلَىْ الخِصْرِ — وَحِيْدٌ

أَسْكُبُ الزَّيْتَ عَلَىْ السَّمْنِ — لَعَلَّ المَوْكِبَ المَلَكِيَّ يَلْقَانِي أَمِيْرًا

فِيْ أَوَّلِ السَّطْرِ — وَيَشْطُبُنِي

إذَا غَامَتْ حُرُوفُ القَهْرِ فِي النَّصِّ — وَلَيْلُ النَّدْهَةِ الأُوْلَى

سَيَعْجِنُ مِنْ أَنَامِلِهَا — حُبَيْبَاتٍ مِنَ الخَرَزِ

وَأَجْوِلَةً مِنَ الحُزْنِ — فَأَسْبِقُهَا لِكَهْفِ الخَوْفِ مَجْنُونًا

وَأَسْكُنُهَا كَظِلِّ اللِّيْلَةِ الحُبْلَى — بِأَنْوَاءٍ مِنَ الخَزِّ.

--- — 18

المَرْأَةُ الَّتِي اسْتَحَتْ مِنْ قَمِيْصِ نَوْمِهَا — قَدَّتْ قَمِيْصِيَ مِنْ دُبُرٍ

غَلَّقَتْ دُوْنِيَ الأَبْوَابَ قَالَتْ: — هَيْتَ لَكْ

وَاسْتَبَقْنَا سُلَّمَ الأَحْدَاثِ نَحْوَ مَنْزِلٍ — فِيْ ظِلِّهِ المَكَائِدُ الَّتِي

مَلَّ الفُؤَادُ وَقْعَهَا فَوْقَ الطَّرِيْقِ — وَارْتَطَمْتُ فِيْ جدَارٍ مِنْ حَلِيْبٍ

أَرْجُمُ الظُّنُونَ بِالحَنِيْنِ — لَيْتَهَا لَمَّا أَرَاحَتْ صَدْرَهَا فَوْقَ السَّرِيْرِ

لَمْلَمَتْنِي كَوْمَةً مِنَ العَبِيْرِ — قُلْتُ لِلْبِنْتِ الَّتِي حَكَّتْ فَانُوسِي

هَذَا قَمِيْصِي مِنْ دُبُر — فَانْظُرِي دَارَ العَزِيْزِ

وَافْتَحِي بَيْنِي وَبَيْنكِ آيَةً — كَيْ تَنْظُرِيْنَ المَوْكِبَ المَلَكيَّ بِالبَهْوِ

حَيْثُ المَوَالِي أَطْفَأُوا فُرْنَ الخَبِيْزِ — بَعْدَ أَنْ دَارَ عَلَى الجَسَدِ الجَمِيْلِ

مِنْ رَحَى الأَيَّامِ عِطْرُ السَّلْسَبِيْلِ — فَانْفَرَطتُ فَوقَ سُلَّمِ الحِكَايَاتِ

أَيْقُوْنَةً لِلْعَاشِقِيْنَ — مَاذَا أَقُولُ لِلَّتِي فَرَكَتْ ذِرَاعِي

بَيْنَ أَعْوَادِ القَصَبْ؟ — وَارْتَمَتْ كَالرِّيْحِ فَوْقِي تَنْقُرُ التُّوتَ الشَّهِيَّ

حَتَّى ارْتَوَتْ كُلُّ الصَّحَارِي — مِنْ نَدَاهَا البَرْبَرِيِّ

فَانْزَوَيْتُ جَنْبَ سَاقِيَةٍ تَنِزُّ طَمْيَهَا بَيْنَ يَدَيَّ — وَارْتَجَفْتُ مِثل نَايٍ عَلَى شَطِّ القَنَاةِ

مِثْلمَا أَفْعَى تَلَوَّنَ بالصَّدِيْدِ جِلْدُهَا — عَلَى كَفِّي عَلامَاتٌ مِنَ الجَسَدِ المُفَارِقِ مُقْلَتِي

عَلَى كَتِفِي بَقَايَا مِنْ جَدَائِلِها — وَلَيْلُ الخَوْفِ يَمْنَعُنِي لَذِيْذَ النَّوْمِ يَا أُنْثَى

فَلَيْتَ المَوْكِبَ المَلَكِيَّ يَسْبِقُنِي — إِلَى حَارَاتِ مَوْلاتِي

فَيَقْفلُ الأَبْوَابَ مِنْ حَرَجٍ — وَيَأْتِي بِالمَتَارِيْسِ الَّتِي فِي حَرْبِهِ كَانَتْ سَلامَا

قُلْتُ لِلْبِنْتِ الَّتِي نَامَتْ طَوِيْلاً فِي مَتَاهَاتِي — أَنَا مَا كُنْتُ مَكْتُوْبَا فِي أُغْنِيَةٍ

وَلا كُنْتُ عَلَى البَالِ — وَمَا جِئْتُ عَلَى أَطْرَافِ مُقْلَتِكِ

إِلاَّ إِذَا شِئْتِ — وَسَوَّيْتِ بَنَانِي فَوْقَ مِعْصَمِكِ

أَنَا لا كُنْتُ صِدِّيْقًا وَلا كُنْتُ — سَأُنْكِرُ كُلَّ أَفْعَالِي

فَهَذَا قَمِيْصِي مِنْ دُبُرٍ — وَأَنْتِ خَلْفَ أَضْلاعِي

أَظَافِرُكِ كَسِكِّيْنٍ تُمَزِقُنِي — وَتَعْزَقُ خَلْفَ الدَّارِ بُسْتَانِي

وَتَمْنَحُنِي سَلاسِلَ مِنْ ضَفَائِرِهَا — كَأَنِّي فَوقَ الفُرْنِ إِبْرِيْقٌ

وَفَهْدٌ دُونَ أَسْنَانٍ — فَلا تَنْسَيْ إِذَا الأَيَّامُ خَلَّتْنَا

غَرِيْبَيْنِ عَلَى أَوْتَارِ مَوَّالٍ — بِأَنِّي كُنْتُ أَلْقَاكِ كَفَرْخٍ

بَلَّلَ الدَّمْعُ جَنَاحِيْهِ — وَأَسْتَلْقِي عَلَى كَفِّ النِّتُوْءَاتِ الَّتِي صُفَّتْ عَلَى جَسَدِي.

--- — 19

ثَلاثَةُ أَعْمِدَةٍ فِيْ البَهْوِ تُمَاطِلُكَ — أَوَّلُهَا مِنْ رَمْلِ الرُّوْحِ وَبَنَانِ القُبَّرَةِ

المَسْكُوْنَةِ بِالحِلْبَةِ والزَّيْتُونِ — أَسْفَلُهُ حَوْضٌ مَرْصُودٌ بَيْنَ طَرِيْقَيْنِ

شَقتهُ الأَيْدِي المَغْلُوْلَةُ بِالأَرْحَامِ — وَعَلَيْهِ تَمُرُّ آلافُ النَّجْمَاتِ تُنَاظِرُهُ

تَسْأَلُهُ عَنْ حَجَرٍ تَمَّ بِنَاؤُهُ قَبْلَ — أَنْ يَسْقُطَ رَمْزُ المقْصَلَةِ عَلَى الأَرْضِ

وَتُنَادِمُهُ مُعْجِزَةٌ حَطَّتْ أَوْتَادَ الرَّحْمَةِ — فِي قَلْبِ الثَّوْرِ المَخْمُورِ

فَانْخَمَدَتْ جَذْوَةُ قَسْوَتِهِ، وَتَغَنَّى — ثَلاثَةُ أَعْمِدَةٍ فِي البَهْوِ تُغَازِلُكَ

وَالثَّانِي كَالقَوْسِ المَنْقُوشِ تَحْتَ نَوَافِذِ أَجْدَادِي — يَسْبِقُ دَقَّ الطَّبْلِ

فِي عِيْدِ الفِطْرِ — وَيُسَاوِمُ كُلَّ مَسَاءٍ عِطْرَ امْرَأَةٍ

فَكَّتْ حَبْلَ السِّرِّ عَلَى الأَسْفَلْتِ — وَتَمَطَّتْ كَالنَّاقَةِ جَنْبَ نَوَاعِيْرِ الوَادِي

أَسْرَابُ غِلالٍ تَأْتِيْهِ كُلَّ صَبَاحٍ خَلْفَ الجُرْنِ — وَتَمِدُّ بُسَاطَ الطَّاعَةِ هَيْمَانَةً

بِاللَّوْنِ الشَّفَقِيِّ عَلَى وَجْنَتِهِ — وَبَرِيْقِ العَرَقِ النَّازِفِ مِنْ جَبْهَتِهِ

فَيَقُولُ لَلْكَلْبِ النَّائِمِ — لا تَشْرَحْ كُلَّ مَصَائِبِكَ

لا تَنْبَحْ — فَثَلاثَةُ أَعْمِدَةٍ فِي البَهْوِ تُحَاصِرُكَ

ثَالِثُ أَعْمِدَةِ الدَّارِ — كَنْزٌ قَدْ أَخْفَاهُ الوَالِي قَبْلِ رَحِيْلِ مَمَالِيْكِ الدِّلْتَا

وَعَلِيْهِ عَثَرْنَا قُرْبَ الشَّارِعِ — قَدْ أَوْسَعَنِي حُبًّا وَحَنَانَا

وَتَغَلْغَلَ حَتَّى الشُّرْيَانِ — فِي الصُّبْحِ لَمَحْنَاهُ قَدْ حَطَّ فَوٌض المَدْرَسَةِ

وَأَنَارَ القَلْبَ بالحِكْمَةِ والنُّورِ — وَتَنَدَّتْ شَفَتَاهُ بِاللُّغَةِ المُزْدَانَةِ

بِآيَاتِ كِتَابِ اللهِ — ثَلاثَةُ أَعْمِدَةٍ فِي البَهْوِ تُلازِمُنِي

فِقْهُ اللُّغَةِ المَهْجُورَةِ — وَغَرَامِي بِالطِّبِّ

وَنِدَاءُ البِنْتِ المَلْفُوفَةِ بالسِّحْرِ — وَبَهَاءُ اللهِ.

--- — 20

سَيِّدِي عَزَّازُ يَا قُفْلَ الحَقِيْقَةِ — يَا نُوْرَ الطَّرِيْقَةِ

يَا أَوَّلَ الخَطْوِ فَوْقَ المَاءِ وَالطَّيَرَانِ — يَا نَشْوَةَ المُشْتَاقِ لِلْقُبْلَةِ الأُوْلَى

أَرْسَلْتَ طَيْفَكَ المَّسْحُوْرِ لِلْبِئْرِ — تَنْشُدُ الفَجْرَ المُنِيْرَ

لِلْحَيَارَى فِيْ دُرُوْبٍ مِنْ هَجِيْرِ — يَنْزِلُوْنَ نَحْوَ المَقَامِ

رَاغِبِيْنَ فِيْ الوَسَامَةِ والقَسَامَةِ وَالسَّلامِ — يَكْشِفُوْنَ عَنْ رُؤُوْسِ البَرِّ طَيْرًا

خَاشِعًا بَيْنَ النَّدَامَةِ وَالغَمَامِ — يَغْسِلُوْنَ القَلْبَ بِالشَّمْعِ السَّعِيْرِ

يَنْزِفُوْنَ الجُرْحَ فِي آهٍ وَ آهٍ — مِنْ عَبِيْرِ

تِلْكَ الأَكُفُّ السُّوْدُ تَدْرِي — كَيْفَ تَرْشُقُ بِالسِّهَامِ نَزْرًا عَسِيْرَا

سَيِّدِي عَزَّازُ يَا قُفْلَ الحَقِيْقَةِ — يَا نُوْرَ الطَّرِيْقَةِ

يَا أَوَّلَ الخَطْوِ فَوْقَ المَاءِ وَالطَّيَرَانِ — جِئْتَ لِلْأَرْضِ البَرِيْئَةْ

حُلْمًا بَرِيْئَا — فَانْثَنَوا فَوْقَ المَقَامِ

يَكْتُبُوْنَ العَفْوَ بِالدَّمْعِ الحَرَامِ. — ---

21 — عَامُ الأَحْزَانِ

نَقَّرَ القَلْبَ فَأَوْجَعَهُ — وَاخْتَارَ أَنْ يَمْضِي عَلَى دَرْبِهِ

مَنْ أَرْضَعَهُ — وَمَشَيْتُ فِيْ دَرْبٍ طَوِيْلٍ مُقْفِرٍ

مَا كُنْتُ قَبْلَ العَامِ أَدْرِي مَوْضِعَهُ — ذَابَتْ جُفُوْنِي، وَاخْتَفَتْ خَلْفَ الدُّمُوْعِ

عِنْدَمَا شَقَّتْ حِجَابَ السِّتْرِ — أَلْقَتْ رَأْسَهَا بَيْنَ الشُّمُوْعِ

وَانْطَفَى فِيْ القَلْبِ نُوْرِي — نَادَى المُنَادِي بِاسْمِهَا

فَانْشَقَّ بِئْرٌ مِنَ الدَّمْعِ الحَزِيْنِ — وَالْتَفَتُّ، أَسْأَلُ الجُدْرَانَ عَنْهَا

عَنْ أَيْقُوْنَةٍ، لا أَنِيْ أَهْفُو إِلَيْهَا — أَشْتَهِيْهَا إِنْ أَنَا غِبْتُ

وَإِنْ غَابَتْ تَرَانِي — كَمَا عُوْدٍ عَلَى رَفٍّ قَدِيْمِ

كَبَعْضٍ مِنْ بَقَايَا ذِكْرَيَاتٍ مِنْ أَنِيْنِ — أَسْأَلُ الجُدْرَانَ عَنْهَا

هَلْ يَعُوْدُ الوَرْدُ بِالأَنْسَامِ يَوْمًا؟ — هَلْ يَعُوْدُ؟

فَانْحَنَتْ جُدْرَانُ بَيْتِي — أَطْلَقَتْ مِنْ وَجْدِهَا بَرْدًا عَسِيْرَا

وَانْثَنَتْ فَوْقَ السَّرِيْرِ، قَبَّلَتْ شَالَهَا — وَالدَّمْعُ مِنِّي أَغْرَقَ شَالَ الحَرِيْرِ

يَا بَسْمَةَ الأُمِّ الَّتِي كَانَتْ، وَغَابَتْ — وَدَّعَتْنِي حِيْنَ قَالَتْ:

أَنْتَ لِيْ قَلْبٌ حَنُوْنُ — عَيْنُهَا حِيْنَهَا قَالَتْ:

قَبِّلْ بَنَاتَكَ، وَاحْتَفِي بالفَتَى — فَاللَّيْلُ أَقْبَلَ آخِرُهْ

وَانْتَهَى وَقْتُ الصَّلاةْ. — 22

قَدْ طَلَعْنَا مِنْ شُقُوْقِ الأَرْضِ — يَا وَرْدَ الشُّطُوْطِ

نَصْنَعُ الأَحْدَاثَ بِالحُزْنِ الرَّقِيْقِ — هَاهُنَا مِلْحُ الدُّمُوْعِ

وَالطَّرِيْقُ الصَّعْبُ قَدْ مَلَّ الرُّجُوْعَ — فَانْتَهَيْنَا بَيْنَ أَمْوَاجِ الحَيَاةِ

نَجْمَعُ الأَشْوَاكَ مِنْ دَرْبٍ لِدَرْبِ — ثُمَّ نَمْضِي فِيْ طَرِيْقٍ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شُمُوْعِ

مَا لِلْمُنَى خَلَّتْ سُدُوْدًا بَيْنَنَا — لَمَّا قَدْ طَلَعْنَا مِنْ شُقُوْقِ الأَرْضِ

نَرْوِي المَدَى أَحْدَاقُنَا — هَا هُوَ الفَجْرُ الصَّدِيْقُ

قَدْ تَوَارَى خَلْفَ أَسْتَارِ الغُيُوْمِ — يَغْزِلُ اللَّحْنَ الرَّحِيْبَ

فَانْتَوَيْنَا أَنْ نَلُمَّ الصَّعْبَ زَادًا لِلْمَسِيْرِ — أَنْ نَصِيْرَ،

لا نَصِيْرَ — غَيْرُ كَفٍّ سَوْفَ تَبْنِي مَنْ مَحَارَاتِ البِحَارِ

لِلرِّجَالِ أَلْفَ دَرْبٍ لِلْمَصِيْرِ — لَوْ أَطَعْنَا الصَّمْتَ يَوْمًا

كُنَّا كَالحَصَى فَوْقَ الدُّرُوْبِ — كَأَوْرَاقٍ عَلَى دَرْبِ الخَرِيْفِ

إِنِّي أَرَاكِ الآنَ يَا نَفْسِي عَلَى نَفْسِ الطَّرِيْقِ — تَنْثُرِيْنَ الحَبَّ مِنْ دَارٍ لِدَارِ

تَزْرَعِيْنَ الخَطْوَ بالدَّرْبِ الصَّعِيْبِ — إِذْ كَأَنَّ الحُرَّ قَدْ مَلَّ الرَّحِيْلَ

فَانْتَحَى شَطًّا — لَكِنَّهُ شَطَّ الغَرِيْقِ

لا تَلُومِي الدَّرْبَ مِنْ طُوْلِ المَسِيْرِ — فَالمُنَى دَرْبٌ طَوِيْلٌ

وَالسَّنا فِيْهِ قَلِيْلٌ — فَاصْعَدِي صَعْبَ التِّلالِ

وَاتْرُكِي لِلْحُلْمِ نَافِذَةَ العُبُوْرِ — كَيْ يَمُرَّ مِنْ هُنَا نُوْرُ الصَّدِيْقِ

نُوْرٌ رَقِيْقٌ. — ---

23 — فَتَحَتْ ضَرْبَةُ فَأْسٍ بَطْنَ اللَّيْلِ

وَتَغَلْغَلَ حُزْنُ الأَمْسِ بَدِيْعًا — وَانْسَابَ اليَوْمَ عَلَى أَوْرَاقِ الوَرْدِ

يَشْطُبُ لَحْظَةَ مِيْلادِ الفَرَحِ — مِنْ دَفْتَرِ يَوْمِيَّاتِ البَلَدِ

مَنْ بَاحَ وَأَتَاحَ؟ — كَبِدِي لِلْفِتْنَةِ بِيْنَ ضَوَاحِي مَكْلَمَةٍ

أَنْشَأَهَا اللِّصُّ عَلَى السَّاحَةِ — وَتَغَنَّى فِي أَوَّلِهَا مِزْمَارُ الدَّهْشَةِ

بِالكَذِبِ — وَتَمَطَّى حَتَّى غَطَّى كُلَّ الأَرْكَانِ

بِبَرِيْقِ الوَعْدِ المَغْلُوْطِ — وَالمَخْلُوْطِ

بَالحِنَّةِ وَدِمَاءِ الحِقْدِ — فَتَسَرَّبَ لِلْيَأْسِ فُؤَادِي

وَتَسَلَّى بِدُمُوْعٍ كَالنَّهْرِ — يَا مَنْ كُنْتَ عَلَى جُرْحِ الأَيَّامِ تُوَاسِيْنِي

أَنْسَاكَ فَتَأتِيْنِي — فَوْقَ الشُّرْفَةِ تَصْدَحُ بِالوَعْدِ

وَتُلَمْلِمُ لِيْ مِنْ نُوْرِ الجُرْحِ — فَجْرًا ذّهَبِيَّ الطَّرْحِ.

--- — 24

لَيْلَةُ الإِسْرَاءِ فِيْ الشَّهْرِ الكَرِيْمِ — أَثْلَجَتْ صَدْرًا

أَدْرَكَ الأَحْزَانَ فِيْ كَهْفٍ لَئِيْمِ — كَمْ أَطَلَّ فِيْ عُيُوْنِ الصَّبْرِ!؟

يَنْوِي أَنْ يَظَلَّ خَلْفَ قُضْبَانِ الهُمُوْمِ — يَسْاَلُ الأَيَّامَ عَنْ فَجْرٍ خَبَا

عِنْدَ إعْجَافِ البُطُوْنِ — يَا لَيْلَةَ الإسْرَاءِ فِيْ الشَّهْرِ الكَرِيْمِ

صَدْرُهَا المَثْلُوْجُ بِالآهَاتِ — قَدْ مَدَّ الأَمَانِي بُرْعُمًا

كَلِبْلابٍ عَلَى شُرْفَةِ الأَحْلامِ — يَرْجُو مَوْضِعًا

كَيْ تَصْنَعَ الأَغْصَانُ فِيْهِ وَرْدَةً — ألا لَيْتَهُ لَمَّا انْحَنَى مِنْ صَفْعَةِ الأَقْدَارِ

مَا غَابَتْ عَنْ أَجْفَانِهِ — مَا قَدْ أَوْدَعَا

بَابَ النِّهَارِ — وَاشْتَهَيْنَاكِ

يَا لِيْلَةَ الإِسْرَاءِ فِي الشَّهْرِ الكَرِيْمِ — أُنْشُوْدَةٌ فَاضَتْ عَلَى الكَوْنِ الَّذِي

كُنَّا لَظَاهُ — قَدْ تَوَارَيْنَا وَرَاءَ الخَوْفِ

نَمْسَحُ الإخْفَاقَ عَنْ عَيْنٍ — وَنَخْطِفُ مِنْ شَذَاهُ

بَعْضَ أَوْهَامٍ تَرَاءَتْ — بَعْدَ أَوْكَارِ الأَنِيْنِ

وَارْتَمَيْنَا فَوْقَ صَدْرَكِ المَثْلُوجِ يَا أُمِّي — وَالطَّرْحَةُ السَّوْدَاءُ خَلَّتْ بَيْنَنَا

طَرْفًا كَئِيْبَ النَّظْرَةِ! — مَالَكِ يَا شَهْقَةَ الوَعْدِ الَّتِي طَالَتْ

وَانْزَوَتْ فَوقَ بَسْمَةِ الشِّفَاهِ؟ — أَوْكَلْتِ بِالقَلْبِ دَمْعَةً

فَانْثَنَى مِنْ لَهْفَةٍ — يَغْزِلُ الأَيَّامَ سَوْسَنِيَّاتٍ مِنْ رِضًا

كَيْ تَمُرَّ — لَيْلَةُ الإسْرَاءِ فِي الشَّهْرِ الكَرِيْمِ

لَيْلَةً مِنْ نَدَى. — ---

25 — سَجَدَتْ لِلْوَرْدِ كُلُّ الكَلِمَاتِ

وَتَغَنَّتْ أَنْهَارُ البَلْدَةِ — بِالوَتَرِ المَشْدُوْدِ

بَيْنَ القَلْبِ وَأَوْرَاقِ الوَرْدَاتِ — مَنْ سَيَسِدُّ اللُّغَةَ المَحْفُوْفَةَ بِالخَطَرِ

بَابَ أَنِيْنٍ؟ — وَيَسُدُّ مَسَارِبَ شَيْطَانِ اللَّيْلِ

أَنْ يَهْمِسَ لِلْعَيْنِ المَمْسُوْسَةِ بِالحُزْنِ — كَيْ تَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ؟

يَا مَنْ أَوْدَعْتَ الحِكْمَةَ فِعْلَ النَّمْلَةِ — سَوَّيْتَ الأَرْضَ مَسَالِكَ لِيْ

سَوَّيْتَ فَضَاءً لِبَرَاحِ العِشْقِ — هَلْ تَكْفِي كَفِّي أَنْ تَمْسَحَ دَمْعَةَ حُزْنٍ

فِيْ قَلْبِ الأُمِّ؟ — هَلْ يَعْقِلُ عَقْلِي اللُّغْزَ المَكْتُوْبَ

عَلَى بَابِ العَرْشِ؟ — لِلْفُقَرَاءِ الأَرْضُ

وَسَمَاءُ الرَّبِّ — سَجَدَتْ لِلْكَلِمَةِ كُلُّ الوَرْدَاتِ

وَتَعَرَّتْ فَوْقَ لِسَانِي فَوَاصِلُ سُخْطٍ — وَرَجَاءُ

أَسْأَلُهَا تِلْكَ اللَّحْظَةَ — هَلْ مَرَّتْ مِنْ بَيْنَ أَنَامِلِهَا

أَوْجَاعُ المَقْهُوْرِيْنَ عَلَى الدَّرْبِ؟ — هَلْ حَنَّتْ أَحْرُفُهَا

لِلْجَبَلِ السَّاكِنِ فِيْ القَلْبِ؟ — آهٍ مِنْ لَحْظَةِ صِدْقٍ أَرْسُمُهَا

فَوْقَ سَمَاءِكَ يَا رَبِّيْ — وَأُنَمْنِمُهَا كَالعَاشِقِ

فَوْقَ سِكُوْنِ الحُبِّ. — ---

26 — رَنَّتْ عَلَى الأَرْضِ الخَلاخِيْلُ

وَالخَيْلُ رَدَّتْ أَمْرَهَا لِلرِّيْحِ — تَعْصِفُ بِالَّذِي خَلْفَ الجُسُوْرِ قَدْ بَنَى

قَصْرًا مِنْ جَمَاجِمِ الحَمَامِ — لَيْتَهَا لَمَّا أَتَاهَا أَمْرُنَا الخَيْلَ

خَلَّتْ نَوَاصِيَهَا بَرَاحَ الخَيْرِ وَانْسَلَّتْ — كَمَا طَيْفِ مَحْبُوْبٍ

كَمَا عَلَى الأَرْضِ سَالَتْ دَمْعَةُ الفَقْرِ — تُخَمِّشُ الحَصَيَاتِ بِاللَّحْنِ وَالكَفِّ

وَتَنْقُشُ فَوْقَ صَدْرِي — سُؤَالَهَا المَحْذُوْر:

- هَلْ تَنْبُتُ الأَصْدَافُ مِنْ دَمْعَةِ الفَقْرِ؟ — - هَلْ تَرْحَمُ الأَوْتَارُ جَفْنَهُ المَقْرُوْح؟

يَا فَجْرُ قَرْيَتِي: — - كَمْ سَأَلْتُ اللَّيْلَ عَنْكَ مَا أَجَابَ!؟

- كَمْ طَلَبْتُ العَفْوَ مِنْكَ..............!؟ — وَالنُّجُوْمُ قَدْ عَاهَدَتْ عَيْنِي أَنْ لا غِيَابَ

فَاحْتَمَلْتُ الأَرْضَ فَوْقَ كَفٍّ مِنْ عَذَابِ — وَالْتَفَتٌّ أَسْأَلُ عَنْ كِتَابِي

فَهَلْ رَنَّتْ عَلَى الأَرْضِ الخَلاخِيْلُ؟ — وَهَلْ طَابَ الهَوَى

فِي حِكَايَاتِ الفَتَى؟ — لَمَّا أَطَلَّ فَوْقَ أَطْرَافِ السَّرَابِ؟

وَاسْتَهَلَّ أَمْرُهُ — أَنْ تَخلَّى عَنْ بِدَايَاتِ الشَّبَابِ؟

وَحْدَهُ — يَجْمَعُ الأَصْدَافَ مِنْ جَوْفِ الرِّمَالِ

وَانْثَنَى يَبْنِي مِنْ خَيَالاتِ المُنَى — شَكْلَ بَيْتٍ، يَجْمَعُ الأَحْبَابَ مِنْ بَابٍ لِبَابِ

فَوْقَهُ رَسْمٌ عَلَى شَكْلِ الهِلالِ — تَحْتَهُ مُفْتَاحٌ عَلَى شَكْلِ الرَّبَابِ

لَكِنَّهُ — رَنَّتْ عَلَى الأَرْضِ الخَلاخِيْلُ

مَا ارْتَوَتْ مِنْ رِيْقِهِ — خَيْلُ القَصْيْدَةِ

وَانْزَوَتْ فِيْ الخَوْفِ شَكْوَةُ الفَقِيْرِ — جَنْبَ سُوْرِ قَصْرٍ لِلأَمِيْرِ.

--- — 27

فَاعْلَمِيْ أَنِّي أَرَاهُ مِنْ هُنَا — قَبْرَ النَّبِيْ

يَا وَرْدَةً أَعْطَيْتُهَا قَلْبَ النَّدَى — أَوْرَاقُهَا البَيْضَاءُ تُوْرِقُ مِنْ شِغَافِ المُهْجَةِ

أَعْطَيْتُهَا كُلَّ الَّذِي......................... — فَاسْتَكَانَتْ فِيْ غَمَامِي

فَا عْلَمِيْ يَا أُمِّي أَنِّيْ أَرَاهُ مِنْ هُنَا — قَبْرَ النَّبِيْ

لا تَرْدِّيْ عَنْ عُيُوِنِيْ دَمْعَهَا — وَاتْرُكِيْنِيْ فَوقَ أَرْضِ الحُزْنِ هَا هُنَا

أَرْمِي الجِمَارَ عَلَى الزَّمَانِ — لَعَلَّكِ

تَنْسِيْنَ مِنِّي غَفْوَتِي — لَوْ أَنَّ لِيْ أَمْرُ الرِّيَاحِ

لَوْ أَنَّ لِيْ مَوْجُ البِحَارِ — مِنْ أَجْلِكِ

لَوْ أَنَّ لِيْ — لَوْ أَنَّ لِيْ

أَعْطَيْتُكِ كُلَّ الَّذِيْ............................. — حَمَلْتُكِ فِي الذِّكْرَيَاتِ خُرَافَةً

حَمَلْتُكِ فَوقَ الأَكُفِّ ضَرَاعَةً — نَحْوَ النَّبِيْ

فَاعْلَمِي يَا أُمِّي أَنِّيْ أَشْتَهِيْ — لَوْ عَادَ لِلأَيَّامِ عُمْرِيْ

كُنْتِ أَنْتِ................... — لِلنَّبِيْ

كُنْتُ نَجَّرْتُ حَيَاتِيْ مَرْكَبًا — تَرْكَبِيْنَهُ نَحْوَ النَّبِيْ

فَاغْفِرِيْ لِيْ — وَانْقُرِيْ بَابَ الرَّجَاءِ

عَلَّكِ — وَاعْلَمِيْ أَنِّيْ أَرَاهُ مِنْ هُنَا

قَبْرَ النَّبِيْ — وَأَرَاكِ عِنْدَ الرَّوْضَةِ الخَضْرَاءِ

قَدْ وَدَّعْتِ أَوْجَاعَ الزَّمَانِ — بَيْنَ عَيْنَيْكِ الضِّيَاءُ

وَانْشِرَاحُ الصَّدْرِ مِنْ آيِ الكِتَابِ — تَنْثُرِيْنَ المِسْكَ حُبًّا

فَوْقَ أَكْتَافِ الشَّبَابِ. — ---

28 — وَتَرَكْتِ القَلْبَ عَلَى مَوْجِدَةِ الحُبِّ

جَنْبَ السَّاقِيَةِ القِبْلِيَّةِ — يَنْكُشُ بِأَظَافِرِهِ الأَرْضَ

وَيُدَارِيْ فِيْ كُمِّ الجِلْبَابِ — دَمْعَتَهُ الأُوْلَى فِيْ الحُبِّ

أَمَلٌ بَدَّدَهُ الهَجْرُ — فَاتَّكَأَ عَلَى الجِذْعِ

عِنْدَ طَرِيْقِ البَاشَا — وَانْتَظَرَ الطَّيْفَ يَمُرُّ عَلَى أَحْصِنَةِ الصَّبْرِ

مَا جَاءَ — هُنَا تَحْتَ النَّارَنْجِ كُنَّا

أَعْطَيْنَا الكَفَّ الذَاكِرَةَ العَطْشَى لِلْعِطْرِ — بَعْضَ العِطْرِ

وَكَتَبْنَ عَلَى الجِذْعِ الحَرْفِيْنِ — حَرْفَ السِّيْنِ وَحَرْفَ السِّيْنِ

وَبَدَأْنَا مِشْوَارًا فِيْ اللُّغَةِ المَكْتُوْمَةِ — بَيْنَ القَلْبَيْنِ

نَفْضَحُ لَهْفَتَنَا بالنَّظَرَاتِ — وَنُخَبِّئُ فِيْ الأَرْضِ عُيُوْنَ الشَّوْقِ

وَتَحْتَ النَّارَنْجِ — عِنْدَ طَرِيْقِ البَاشَا

سَالَتْ فِتْنَتُنَا أَحْدَاقًا بِيْنَ الأَوْرَاقِ — هُنَالِكَ شَمْعَةُ وَعْدٍ أَشْعَلْنَاهَا

مَنْ أَطْفَأَهَا؟ — هُنَالِكَ لَوْعَةُ قَلْبٍ أَخْفَيْنَاهَا

مَنْ أَحْيَاهَا؟ — فِيْ النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنْ عُمْرِي

وَأُمِّي — مَازَالَتْ تَسْأَلُنِي عَنْ قِصَّةِ حُزْنِي؟

عَنْ وَعْدٍ لِفَتَاةٍ — كَانَتْ تَحْتَ النَّارَنْجِ

عِنْدَ طَرِيْقِ البَاشَا — قَدْ أَعْطَتْنِيْ؟

يَا أُمِّيْ: — تِلْكَ الأَيَّامُ سَرَابٌ يَتَسَرَّبُ بَيْنَ أَنَامِلِنَا

لا يَتْرُكْ فِيْ الكَفِّ غَيْرَ الذِّكْرَى وَالدَّمْعِ — وَبَقَايَا مِنْ وَجْدٍ بِالقَلْبِ

أَوْ بَعْضَ الكَلِمَاتِ — يَا أُمِّي:

غَيْرُكِ يَأْخُذُنِيْ خَارِجَ عُنْوَانِي — يُعْطِيْنِي رَسْمًا غَيْرَ الرَّسْمِ

وَشَرَابًا غَيْرَ العِطْرِ — وَيَحْفُرُ فِيْ الجَسَدِ الأَوْهَامَ

وَأَنْتَ — يَا مَنْ صَلَّيْتِ العَصْرَ عَلَى العُشْبِ

كَيْ نَحْفَظَ مَوْعِدَنَا — وَقَرَأْتَ حُرُوْفَ السَّاعَةِ بِالغَلَطِ

كَيْ تُثْمِرَ أَوْقَاتِيْ — مَالَكَ عِنْدِي غَيْرُ الكَفِّ

فَالْثُمْهَا وَاتْرُكْ تَحْتَ النَّارَنْجِ — حَرْفَيْنِ

حَرْفَ السِّيْنِ وَحَرْفَ السِّيْنِ. — ---

29 — عُدْتُ إِلَيْكِ

وَالدَّمْعَةُ تَمْلأُ عَيْنَيْكِ — فِيْ الكَفِّ جَوَازُ السَّفَرِ

وَشِهَادَاتٌ تُثْبِتُ أَنِّي أَصْلُحُ لِلسَّفَرِ — قَالَ الرَّجُلُ

وِعِقَالٌ أَبْيْضُ كَحَمَامِ الحَرَمِ: — ( أَبْهَا ) سَتَكُوْنَ بِلادَكَ

فَتَعَجَّلْ لَمَّ الأَوْرَاقِ — نَاسٌ وَبِلادٌ

سَأُغَادِرُ — نَاسٌ وَبِلادٌ

سَأُقَابِلُ — فَلِمَاذَا الدَّمْعَةُ يَا أُمِّي؟

وَلِمَاذَا أَرَاكِ فَوْقَ سَرِيْرِ الوَجْدِ — تَتَّكِئِيْنَ عَلَى الكَتِفِ الأَسْمَرِ

فَكَأَنَّكِ وَالكَتِفَ المَهْزُوْمَةَ مِنْ ثِقَلِ الزَّمَنِ — تِمْثَالاً عَفَّرَهُ العَصْفُ

فَتَدَلَّى صَوْبَ الأَرْضِ — يَبْحَثُ عَنْ مُتَّكَأٍ

لِلْبَاقِي مِنْ أَيَّامِ العُمْرِ — وَهَتَفْتِ:

فَلْتَمْلأْ أَرْضَ الشَّارِعِ بالأَوْلادِ — وَلْيُصْبِحْ كُلُّ هَشِيْمِ الأَرْضِ

رَوْضًا وَغَنَاءَا — وَلْيَحْفَظْكَ إِلَهِي مِنْ ظُلْمِ الحَاكِمِ وَالأَعْدَاءِ

وَالدَّمْعَةُ تَسْبَحُ فَوْقَ الخَدِّ — تَسْبِقُ دَمْعَ الأَبِّ

هَلْ تَتْرُكُنَا تَحْتَ سَمَاءِ الرَّبِّ — جِذْعَيْ نَخْلٍ

يَنْخَرُ سُوْسُ الأَرْضِ الكَعْبَيْنِ؟ — وَكَعُوْدَيْ بُوْصٍ طَوَّحَتْهُمَا رِيْحُ الشَّيْبِ

فَانْحَنَيَا — وَاشْتِبَكَا فِيْ رَعْشَةِ آخِرِ أَيَّامِ العُمْرِ؟

مَالِيَ — أَوْدَعْتُ حَنَانَ العَالَمِ فِيْ قَلْبِي

فَارْتَعَدَتْ أَوْصَالِي! — وَانْفَجَرَتْ أحْزَانِي!

وَانْهَالَ عَلَيَّ شَجَنٌ لا أَعْرِفْ — كَيْفَ أُدَارِيْهِ، لا؟

وَلا؟ — وَكَأَنِّي صِرْتُ حَرِيْقًا مِنْ غَيْرِ شِتَاءٍ

يَلْفَحُنِيْ الشَّرْدُ؛ فَأُغَنِّي — أَلْمَالُ سَرَابُ المَاءِ

وَالحَبْلُ السُّرِّيُّ المَوْصُوْلُ — بَيْنِي وَدُعَاءِ الأُمِّ

يَنْبِضُ أَبَدَ الدَّهْرِ — بَرَكَاتٍ لِلرَّحِمِ.

--- — 30

أَلْمَحُ صُفْرَةَ شَمْسٍ تَمْرَحُ فِيْ العَيْنَيْنِ — مِنْ لَحْظَةِ مِيْلادِ الدَّبْكَةِ فَوْقَ الكَفِّ

حَتَّى يَخْرُجَ فَجْرُ الأُنْثَى مِنْ مَكْمَنِهِ — وَيُطَبْطِبُ رَأْسَ المَحْرُوْمِ مِنَ العِشْقِ

أَدْرَكْتُ أَنْ مَهْمَا اللَّيْلُ يَطُوْلُ — تُوْلَدُ شَمْسٌ فِيْ كَبِدِي

أَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ القَمْحِ عُوْدًا مِنْ صَنْدَلٍ — وَرِيَاحًا تَصْبِغُ وَجْهَ المَوْجَةِ

وَتَرُدُّ المَرْكَبَ لِلْبَحْرِ — قَالَ: لَنْ يَفْلَحَ فِيْ الأَرْضِ

وَتَرٌ مَشْدُوْدٌ فِيْ ضِدَّيْنِ — فَلْتُخْرِجْ مَا فِيْ الصَّدْرِ

وَلْتَسْكُبْ زَخَّاتِ الحِقْدِ عَلَى النَّهْرِ — نَفْرِقُ سَوَادَ القَلْبِ وَأَبْيَضَهُ

يَاعَمُّ: فَاحَتْ رَائِحَةُ العَفَنِ عَلَى الجَسَدِ — وَتَنَادَى خَلْفَ السُّوْرِ نِسَاءُ الكَفَنِ

يَنْسِجْنَ بَرَاءَةَ قَلْبِي مِنْ عَطَنِ — يَمْسَحْنَ عَلَى وِرْكِي

كَيْ أَسْطَعَ كَالمِصْبَاحِ عَلَى وَجْهِ الظُّلَمِ — وَوَسَاوِسُ خَوْفٍ تَصْدَحُ فِيْ الرِّيْحِ

هَلْ يَصْلُحُ لِلطِّبِّ؟ — مَنْ يَحْمِلُ كَأْسًا مِنْ خَزَفٍ؟

وَيَلُفُّ حِزَامًا فَوْقَ البَطْنِ؟ — يَنْدَهُ نَدْهَةَ فَلاَّحٍ عِنْدَ القَيْظِ؟

أَخْجَلّهُ التَعَبُ — فَتَوَارَى تَحْتَ الجُمَّيْزَةِ يَفْتِلُ أَحْلامَ البَدَنِ

يَخْلِطُهَا بَالوَعِدِ المَكْتُوْبِ — بِيْنَ البَسْمَلَةِ وَرَغِيْفِ العَيْشِ

علَّ مَلائِكَةً يَأَتْوِنَ الحُلْمَ — يَبْنُوْنَ قُصوْرَ الجَنَّةِ خَلَفَ التِبْنِ

فَيَعُوْدُ القَصَبُ إِلَى الحَقْلِ. — ---

31 — فَتَحْتُ خَزَائِنَ أَسْرَارَكِ

كَيْ يَشْتَاقَ الجَهْرُ حُضُوْرَ السِّرِّ — وَيُسَافِرَ عَبْرَ نُفُوْسٍ عَاشَتْ

تَمْنَحُ لِلظُّلْمَةِ أَشْكَالَ النُّوْرِ — وَتُبَادِلُ رَغْبَتَهَا كِتْمَانًا وَأَنِيْنَا

وَأَنَا الوَاحِدُ كُنْتُ — مِثْلَ الصَّمْتِ أَتَدَحْرَجُ فَوْقَ الصَّدْرِ

أَشُمُّ عَبِيْرَ النَّبْضِ — شَلاَّلاً يَرْمَحُ فِيْ الأَوْرِدَةِ المُنْتَفِخَةِ بِالرَّغْبَةِ

أَعْرِفُهَا قَبْضَةَ كَفٍّ — تَعْفَقُ كَتِفِي

فِيْ رَجْفَةِ خِصْرٍ عِنْدَ النَّهْرِ — فِيْ هَمْسَةِ أَوْرَاقِ الوَرْدَةِ فَوْقَ الخَدِّ

أَعْرِفُهَا كَاللَّوْزَةِ تَفْتَحُ — بُرْكَانَ الأَحْلامِ

كَنْزَ البُسْتَانِ — وَتُغَطِّي خَلايَا البَدَنِ بِالعَسَلِ

وَبَابًا تَفْتَحُ لِلشَّيْطَانِ — أَدْخُلُ

لا أَدْخُلُ — أَهْجِمُ

أَهْرَبُ — زَمَنٌ يَتَسَرَّبُ فِيْ الأَزْمَانِ المُعْتِمَةِ

وَيُجَرْجِرُ ظِلِّي، تَدْهَسَهُ الخَيْلُ الهَرْبَانَةُ — مِنْ مَذْبَحَةِ القَلْعَةِ

يَرْمِيْنِي عُشْبًا فَوْقَ حَدَائِقِ سُلْطَانِ التَّتَرِ — فَأَصِيْرُ طَرِيْقًا لِلقَادِمِ

عِنْدَ الفَجْرِ — أَصْهِلَ

وَأُغَنِّي — قَبْلَ بُلُوْغِ الشَّطِّ

فَتِحِنُّ الوَرْدَةُ لِلصَّخْرِ — وَتُنَادِيْنِي كَيْ أَعْبُرَ وَحْدَي

كُلَّ مَرَافِيْءِ نَكْسَتِنَا — أَضْحَكُ

أَبْكِيْ — فَاللَّيْلَةُ أَخِرُ سَطْرٍ فِيْ كُرَّاسَةِ خَيْبَتِنَا.

--- — 32

مِنْ خَلْفِ البَابِ — وَقُدَّامِي

صِوَرٌ تَمْرَحُ كَالأحْزَانِ — تَجْذِبُ طَرْفَ الحُلْمِ أَمَامِي

تَنْدَهُ مَا ظَلَّ طَوِيْلاً أَخْفِيْهِ — بَيْنَ ثَنَايَا القَلْبِ

أَخْشَى لَوْ بَانَ! — يَمْزِجُ دَمْعَ العَيْنِ خَرَابَا

يَكْشِفُ خَبَثَ غَرَامِ — أَرَاكَ

قَدْ شَمَّرْتَ السَّاعِدَ عَطْشَانًا — تَعْزَقُ حَقْلَ المُشْمُشِ

وَتُسَوِّي الشَّفَتَيْنِ عَلَى الشَّفَتَيْنِ — وَكَأَنَّ الشَّمْسَ

قَدْ خَرَّتْ تَسْجُدُ عِنْدَ البَابِ — تَمْنَحُكَ شَظَايَا الوَعْدِ

وَتَبُوسَ الكَفَّ المَفْروْدَ عَلَى البَطْنِ — أَرَاكَ

قَدْ خَمَّشْتَ الظَّهْرَ — وَطَبَعْتَ عَلَى الكَتِفَيْنِ

كَلِمَاتٍ مِنْ زَمَنِ الفَوْضَى — وَالصَّدْرُ النَّابِضُ بِالرَّغْبَةِ فِيْكَ

قَدْ أَدَّى مَا أَمْلَتْهُ الرَّغْبَةُ فِيْهِ — فَارْتَجَفَتْ أَزْهَارٌ تَحْتَ الإِبِطِ

وَانْطَفَأَتْ نَارُ الرَّغْبَةِ فِي طَرْفِ الغِبْطَةِ — وَالْتَأَمَتْ أَعْضَاءُ الهَيْمَانِ عَلَى الهَيْمَانَةِ

نَامَتْ — تِلْكَ الهَيْمَانَةُ فِيْ هَمْسِ الوَعْدِ

أَرَاكَ — تَمْضُغُ حَبَّاتِ العَلَكِ المَمْزُوْجَةِ بِعَبِيْرِ الأُنْثَى

وَتُشَاكِسُ خِصْلاتِ الشَّعْرِ — المَفْرُوْكَةِ بَيْنَ الخَدَّيْنِ

وَالطِّفْلَةُ كَالمَوْجَةِ حَلَّتْ فِطْنَتَهَا — أَلْقَتْ فِي الشَّطِّ بَرَائَتَهَا

وَتَمَادَتْ فِي فَضْحِ اللَّحْظَةِ — حَتَّى كَبُرَتْ

صَارَتْ أَشْهَى مِنْ أَشْجَارِ اللَّوْزِ — هَلْ نَسْأَلُ كَيْفَ النَّبْتَةُ صَارَتْ

فِيْ لَحْظَةِ صَمْتٍ — أَكْبَرَ مِنْ ضِلْعِ النَّخْلَةِ؟

وَأَبْهَى مِنْ نُوْرِ الحُسْنِ؟ — وَانْسَابَتْ فِيْكَ

كَاللَّمْحَةِ فِيْ غَمْضَةِ عَيْنِ — كَاللَّهْجَةِ فِي ثَغْرِ الفَنِّ

أَرَاكَ — وَقَدْ شَيَّعْتَ غَزَالَكَ يَسْرَحُ فِي الوَادِي

يَقْطِفُ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ — ثُمَّ يُوَارِي سَوْءَةَ فِعْلَتِهِ

فِي كَهْفِ الكَلِمَاتِ — يَا لَكِ مِنْ وَغْدٍ

أَشْرَقَ فوْقَ الظُّلُمَاتِ — وَتَرنَّمَ بِاللَّحْنِ المَغْزُولِ

عَلَى الشَّفَةِ الحَيْرَى — المَخْطُوْفَةِ

مِنْ نَهَمٍ — وَالمَفْتُوْنَةِ بِالرَّغَبَاتِ

أَوَّاهٌ مِنْكِ — وَمِنْ أَيَّامٍ فَاتَتْ

فَوْقَ رَصِيْفِ العُمْرِ — تَنْسَاهَا

فَتَلْقَاكَ عَلَى الطُّرُقَاتِ — أَرَاكَ

وَاللَّحْظَةُ ذِكْرَى وَحِوَارٌ — لَوْ بَانَ

هَانَ — هَانَ.

--- — 33

يَصْفَعُنِي الرَّجُلُ المَلْفُوْفُ — بِعَبَاءَةِ أَحْزَانِ الصَّمْتِ

حِيْنَ يُتَمْتِمُ بِالكَلِمَاتِ — وَيُبَسْمِلُ

حَتَّى يَصِيْرَ بُكَائِي أَوْسَعَ مِنْ صَمْتِ الخَوْفِ — وَحِيْنَ أُلامِسُ وَحْدِي

هَمْسَ الحَقِّ — - لا تَكْذِبْ –

أَدْخُلُ جَوْفَ عَبَاءَتِهِ وَأُنَادِمُ — أَشْكَالاً مِنْ جِنِّ الأَرْضِ

وَعَفَارِيْتًا لَمْ أَعْهْدْ فِيْهَا المَكْرَ — وَلا اللُّؤْمَ

لَكِنِّي حِيْنَ — أَفْتَحُ بَابَ السِّرِّ

أَرَاهَا تَخْرُجُ كَالظَّنِّ مِنِّي — وَتُمَازِحُنِي

مَالِي وَضَيَاعُ الوَطَنِ — - لا تَحْزَنْ –

قَالَ المَمْلُوكُ لِي: — الأَرْضُ سَيَمْلأُ هَا الغِرْبَانُ

وَتَفِيْضُ النَّارُ عَلَى الشُّطْآنِ — فَالقَلْعَةُ بَاضَتْ فَرْخَتُهَا

وَانْشَرَخَتْ كُلُّ الجُدْرَانِ — وَالعَدْلُ تَدَلَّى فَوْقَ الحَائِطِ

كَالصُّلْبَانِ — فَاجْمَعْ أَمْتِعَةَ الوَالِي، وَاخْرُجْ

كَيْ تَعْبُرَ جِسْرَ الغِرْبَانِ — - لا تَصْرُخْ –

تِلْكَ الأَرْضُ شَرَارَاتٌ مِنْ ثَوْرَةِ جَوْعَانِ — وَبَقَايَا مِنْ عَصْرِ الطُّوفَانِ

فَاكْتُبْ فِي الصَّخْرِ — بَالنَّابِ، بِالظُّفْرِ

أَوْلَ تَارِيْخِ الهِجْرَةِ مِنْ كَهْفِ الصَّيَّادِ — نَحْوَ الوَادِي

فَاكْتُبْ فِي الفَجْرِ — حَرْفَ الفَقْرِ

وَاهْرَبْ كَالفِئْرَانِ — أَرَانِي

أَدْخُلُ جَوْفَ عَبَاءَتِهِ وَأُنَادِي — يَا سَفَرَ التَّارِيْخِ

مَالِي قَدْ عُدْتُ وَحِيْدًا فَوْقَ الصَّفَحَاتِ — وَفَرِيْدًا كالنَّغَمَاتِ

أَذْكُرُ دَرْسَ التَّارِيْخِ — وَالرَّجُلُ المَلْفُوْفُ

القَابِعُ فَوْقَ الدِّكْةِ — لا زَالَ يُنَاوِرُ أَحْدَاثَ الطُّوفَانِ

يَمْنَحُنِي الفَكَّةَ مِن مَالِ القُرْصَانِ — وَيُدَارِي فِيْ قَلْبِ الوَطَنِ

كَنْزَ السُّلْطَانِ. — ---

34 — قَالَتْ:

مَالَكَ ضَيَّعْتَ الطِّبَّ — وَجَلَسْتَ عَلَى الأَرْضِ

تَكْتُبُ أَشْعَارًا مِنْ رَمْلٍ وَضَبَابِ! — هَلْ نِلْتَ

شَرَفَ الشُّعَرَاءِ؟ — وَتَرَكْتَ رِدَاءَ الفُقَرَاءِ؟

أَمْ صِرْتَ عَلَى البَابِ — نَاقُوْسًا؟

يَزْعَقُ حِيْنَ تَهِيْمُ الغِرْبَانُ عَلَى القَصْرِ؟ — وَتَنَامَ

إِذْ يَأْرَقْ جَسَدُ الأَوْطَانِ؟ — يَا أَمَلاً ضَاعَ فِي عِطْرِ بَنَانِي

وَتَوَلَّى عَنِّي — مَا كُنْتُ المَذْكُوْرَ

فِي كُتُبِ الطِّبِّ — وَلا كُنْتُ

الشَّاعِرَ إِذْ يَصْعَدْ فَوْقَ الرَّبْوَةِ — يَشْدُو عِشْقًا

وَيَزْوْرُ حَرِيْمَ السُّلْطَانِ — بَلْ نَفْحَةَ فُلٍّ

تَمْلأُ أَرْضَ الدِّلْتَا — وَتَمُرُّ عَلَى الغِيْطَانِ

تَزْرَعُ أَشْجَارَ البَّهْجَةِ — إِذْ يَحْمِلْهَا الوَلَدُ الهَيْمَانُ

فَوْقَ الكَفِّ — وَتَمِيْلُ إِيْمَانُ

تَرْقُصُ بِاللَّحْنِ المَنْزُوْعِ مِنْ لَمْحَةِ فُلِّي — مِنْ أَعْضَائِي

وَهُنَالِكَ جَنْبَ الرَّاهِبِ — أَغْزِلُ ذَات الثَّوْبِ الأَبْيَضِ

أَوْرَاقًا مِنْ عِشْقِ الذَّاتِ — يَنْزَعُهَا الوَلَدُ الهَيْمَانُ

نَصْرُ — وَيُعَانِقُ فِيْهَا رَغْبَتَهُ المَكْتُوْمَةْ

فِيْ سَاقِيَةِ البَّحْرِ — قَالَتْ:

مَا لَكَ ضَيَّعْتَ لِقَائِي — فِي وَصْفِ الأَشْيَاءِ المَأْلُوْفَةِ عَنِّي

وَتَرَكْتَ طَرِيْقِي مَرْصُوْدًا بِالهَجْرِ — وَكَأَنَّ لِقَاءَ العِشْقِ لَدَيْكَ

بَعْضٌ مِنْ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ — يَا لَكَ مِنْ شَجَرٍ

كَالسَّنْطِ! — يَا أَمَلاً أَوْدَعْتُ الحُلْمَ جَوَانِبَهُ

وَمَضَيْتُ بَعِيْدًا وَحْدِي — أَغْزِلُ أَوْتَارِي وَتَرًا، وَتَرَا

مِنْ هَمْسِ عَذَارَى الدِّلْتَا — مَنْ فَيْضِ الوِجْدَانِ

مِنْ رَغْبَةِ أُمِّي — مِنْ لَوْحَةِ نَدَى

مَا لَكِ — حِيْنَ سَمِعْتِ الشِّعْرَ طَرِبْتِ

ثُمَّ بَكَيْتِ — ثُمَّ تَرَكْتِ الجَنَّةَ لِلْحِرْمَانِ

هَلْ دَرْبُ الشَّعْرِ طَرِيْقٌ — تَسْرَحُ فِيْهِ الغُرْبَةُ والهَجْرُ

كَالشَّمْعَةِ فِيْهِ نَذُوْبُ — لا نَعْرِفُ طَعْمَ الفَرْحَةِ

لَوْنَ الطَّرْحَةِ — لَوْ أَنَّكِ مَسَكْتِ القَلْبَ عَلَيْكِ

أَمْهَلْتِ الشَّاعِرَ فِيَّ — كُنْتِ مَلأْتِ الكَوْنَ عَلَيَّ

لَكِنَّكِ — لَكِنِّي

مَا كُنْتُ النَّايَ المَعْزُوْفَ عَلَى الجِسْرِ — مَا كُنْتُ العُصْفُوْرَ المَرْصُوْدَ عَلَى النَّهْرِ

لَكِنِّي — كَأَشْجَارِ اللَّيْمُوْنِ

أُزْهِرُ حِيْنَ تَفُوْرُ الغِبْطَةُ فِي القَلْبِ — أَجْرَحُ حِيْنَ تَثُوْرُ الدَّمْعَةُ فِي القَلْبِ

آهٍ مِنْكِ — وَآهٍ مِنِّي.

--- — 35

لَمْ أَعْرِفُ شَكْلَ الطَّلْقَةِ حِيْنَ تَوَارَتْ — خَلْفَ الزِّيِ الرَّسْمِيِّ

لَمْ أَعْرِفُ سَببَ الهَرَجِ المَنْشُوْرِ — عَلَى التِّلْفَازِ

كُنْتُ أَظُنُّ الأَرْضَ تَمِيْدُ بِالفرْسَانِ — كُنْتُ أَظُنُّ الوَطَنَ طَرِيْقًا فِي الفَيَضَانِ

لَمْ أَفْهَمُ سِرَّ الحُزْنِ المَرْسُوْمِ — عَلَى الأَعْلامِ

قُمْتُ أُدَاوِي سَوْءَةَ فِعْلِ الطَّلْقَةِ — بِالدَّعْوَةِ لِلرُّبَّانِ

مَاذَا — يُجَرْجِرُ فَجْرَ النَّهْرِ الطَّالِعِ مِنْ شِقِّ الحَارَةِ

نَحْوَ سَرَادِيْبِ المِحْنَةِ؟ — يُلْقِيْهِ

رِدَاءًا مَشْقُوْقَ الصَّدْرِ — فَوْقَ وُجُوْهٍ مَلَّتْ صَوْمَ الفَقْرِ

تَبْحَثُ فِي أَكْوَامِ المَاضِي — عَنْ بُرْأِ الجُرْحِ الأَبَدِيِّ

عَنْ رِحْلَةِ تَارِيْخِ النِّيْلِ — القَادِمِ مِنْ جَوْفِ الحِرْمَانِ

مَاذَا — يَذْكُرُ قَلْبَ اليَافِعِ عَنْ أَحْلامٍ

قَدْ كَانَتْ مِثْلَ النُّوْرِ السَّاطِعِ؟ — قَدْ آلَتْ فِي اللَّحْظَةِ

قَبْرًا مَفْتُوْحَ الأَرْكَانِ؟ — مَالِي وَرِفَاقِي؟

لا نَعْرِفُ شَكْلَ الطَّلْقَةِ حِيْنَ تَوَارَتْ — خَلْف الزِّيِ الرَّسْمِيِّ

تِلْكَ الطَّلْقَةُ لا زَالَتْ فِي جَيْبِي — أُعْطِيَهَا اسْمًا، رَسْمًا

كَيْ تَخْرُجَ عِنْدَ الحَاجَةِ — نَحْوَ الشَّرْقِ

تَعْبُرَ خَطَّ الرَّمْلِ — تَشْطُرُ قَلْبَ الغَاشِمِ فَوْقَ الأَرْضِ

المَسْرُوْقَةِ مِنْ ظِلِّي، مِنْ وَرَقِي — تِلْكَ الطَّلْقَةُ لا زَالَتْ فِي جَيْبِي

أَمْنَحُهَا عُمْرًا مِنْ عُمْرِي — كَيْ تَبْقَى

حِصْنًا فِي الزَّمَنِ الغَادِرِ — تَشْفَعُ لِي

حِيْنَ أُوَاجِهُ وَجْهَ الابْنِ — يَسْأَلُنِي:

هَلْ قَضَّيْتَ الوَاجِبَ نَحْوَ الوَطَنِ؟ — يَا هَذَا:

أَزْمِنَةُ الأَزْمَةِ إِنْ مَرَّتْ — بَيْنَ بَرَاحِ الخَائِبِ وَالخَوْفِ

سَوْفَ تَرُدُّ الخَائِنَ لِلْخَيْبَةِ — وَتَدُلُّ الكَلْمَى إلَى الدَّرْبِ

يَا هَذَا: — لا تَرْفَعُ سِنَّ أَمَانِ الطَّلْقَةِ

إلا حِيْنَ يَأْتِيْكَ البُرْهَانُ — وَتَعْرِفُ لَوْنَ الأَعْدَاءِ

لَوْنَ الخَائِنِ لِلأَوْطَانِ. — ---

36 — أَلْقَتْ بِيْ فِيْ وَادٍى يَسْكُنُهُ الجِنُّ

أَرْمَحُ فِيْهِ وَكَأنِّي — نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ العَيْنُ

لا الدَّمْعُ يَجِفُّ وَلا الأَحْزَانُ — تُفَارِقُ بَابَ القَلْبِ

فَأَمِدُّ شُجُوْنِي نَحْوَ المَحْبُوْبَةِ – أَرْضِي – — مَالَكِ قَدْ شَيَّعْتِ زَمَانَكِ

خَلْفَ الخَوْفِ — وَعَصَيْتِ أَوَامِرَ رَبِّكِ

كُنْتِ — لَحْظَةَ مِيْلادِي

نَبْضَ شَرَايِيْنِي — وَطَرِيْقًا فِيْهِ الأَوْلادُ

قَدْ خَطُّوا كُلَّ مَوَاوِيْلِ الحِكْمَةِ — فَانْبَعَثَتْ مِنْ أَيْدِيْهِمْ شَمْسُ بَلاغَتِكِ

وَحَضَارَةُ كُلِّ الأَمْصَارِ — كُنْتِ

كُنْتُ — رَتَّبْتُ فَرِيْقًا سِرَّيًّا

كَيْ أَخْلَعَ عَنْكِ — عَتْمَةَ خَوْفِ الدَّرْبِ

فَيَصِيْرُ الوَاحِدُ لِلْكُلِّ — وَيَصِيْرُ الكُلُّ حصَانًا يَرْمَحُ نَحْوَ السِّرْبِ

لَكِنَّ العَتْمَةُ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ سِرْبِي — وَالجِنُّ

قَدْ أَدْرَكَ فِيْ قَهْوَتِنَا كُلَّ السِّرِّ — فَتَبَاطَأَ فِيْ الحَبْوِ

كَيْ يَسْكُنَ قَلْبَ القَبْوِ — يَعْرِفُ كُلَّ الأَخْبَارِ

وَيُرَتِّبُ لِيْ مَصْيَدَةً مِنْ أَوْرَاقِ الكُتْبِ — فَارْتَبَكَتْ أَفْكَارِي

وَارْتَعَدَتْ أَطْرَافِي — فَكَيْفَ أَخْطُوْ كُلَّ الخَطْوِ؟

وَالأَرْضُ فِيْ لَحْظَةِ ضَعْفِي — قَدْ صَارَتْ خَيْطًا مِنْ كَذِبٍ

فَتَّشْتُ الدُّرْجَ عَنِ الأَوْرَاقِ — وَنَسَخْتُ الحِكْمَةَ بَابًا بَابَا

وَكَأَنِّي مَا انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى أَنْمُلَتِي — ذَاتَ رَبِيْعٍ

وَكَأَنَّ الخَوْفَ امْتَدَّ — طَالَ كُلَّ الأَعْمَاقِ

لا اللَّيْلُ يَزُوْلُ وَلا ضَوْءُ الفَجْرِ يُنَادِيْنِي — مِنْ خَلْفِ سِتَارِي

مَالَكِ قَدْ أَسْكَنْتِ فُؤَادِي — أَرْضًا يَسْكُنُهَا الجِنُّ

وَطَمَسْتِ فِيْ كَهْفِ الرَّغْبَةِ — مَا قَدْ شَيَّدَهُ الفَنُّ

أَوْرَاقِي صَارَتْ قُرْبَانًا — لِلأَوْثَانِ

وَانْقَضَّ عَلَى الدَّيْنِ الدِّيْنُ. — ---

37 — فَجْرُ المِحْنَةِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ

وَبُكَاءُ النِّسْوَةِ خَلْفَ جدَارِ المَنْدَرَةِ — وَطَّدَ قَلْبِي لِلْحُزْنِ القَادِمِ

فِيْ كَفِّ الأَيَّامِ المَهْزُوْمَةِ — يَسْكُنُ كُلَّ ضُلُوْعِ اللَّيْلِ

وَيُسَامِرُنِيْ حَرْفًا حَرْفَا — وَكَأَنِّي فَوْقَ المِنْضَدَةِ

إِبْرِيْقًا لِلشَّايِ — يَغْلِي الحُزْنُ، يُمَزِّقُ جَوْفِي

وَخَيَالِي قَدَمٌ يَجْمَحُ بِي — نَحْوَ ظلالِ الأَهْلِ

لا سَنَدٌ لِي — وَالرِّيْحُ قَدْ مَاءَتْ فِيْ صَحْنِ الدَّارِ

لا سَنَدٌ حَوْلِي — أَسْتَفْتِحُ بَيْنِي وَالنَّخْلِ

لا شَيْءَ يُمَاثِلُ أَهْلِ — غَيْرُ ثَلاثٍ قَدْ أَشْرَقْنَ عَلَى الدَّرْبِ

غَيْرُ الغُوْلِ — يُمَشِّطُ شَعْرَ امْرَأَتِي

يَنْكَسِرُ عَلَى النَّارِ الإِبْرِيْقُ — وَتَنْدَلْقُ الرُّوْحُ سَرَابًا

لا تَخْشَ إلا مِنْ خَبَلِي — وَأَعُوْدُ أُفَتِّشُ عَنْ فَجْرِ المِحْنَةِ

بَيْنَ المَوْلُوْدَةِ وَالمَوْلُوْدِ — بَيْنَ خُطُوْطِ الكَفِّ

يُدْرِكُنِي تَعَبُ الرِّحْلَةِ — أَسْتَفْتِحُ بَيْنِي وَالحَرْفِ

وَكَأَنَّ الرِّحْلَةَ كَانَتْ تَبْدَأُ مِنْ خَوْفِي — تَبْدَأُ بِالحَرْفِ

فَاسْوَدَّ كُرَّاسُ الأَحْبَابِ — بِالطِّيْنِ، وَبِالأَسْفَلْتِ

وَأُخَاصِمُ دَرْبًا يُوْصِلُ — أَحْلامِي بِالوَقْتِ.

--- — 38

قَالَتْ: — كَالرِّيْحِ تَمَدَّدْ بَيْنَ الأَعْضَاءِ

وَرُدَّ اللَّيْلَ مَكْحُولاً — بِالأَجْفَانِ

أَلا لَيْتَ الَّتِي كَانَتْ تُمَازِحُنِي — ظَلَّتْ عَلَى العَهْدِ الَّذِي

رَدَّ الحَيَاةَ فِيْ أَوْصَالِي — قَدْ كُنْتُ أَكْتُبُهَا عَلَى الشَّطِّ

عصَابَاتٍ مِنَ الغَابِ — غِنَاءُ النَّايِ يِسْكُنُهَا

وَرَقْصُ النُّوْرِ فِيْ المَاءِ — وَأَحْمِلُهَا عَلَى كَفِّي

سَلامَ اللهِ لِلْحُسْنِ — أَلا لَيْتَ الَّتِي فَاضَتْ عَلَى الكَوْنِ

حِكَايَاتٍ مِنَ الهَمْسِ — عَنِ الأَحْلامِ وَ العِشْقِ

أَتَتْنِي لَحْظَةُ الضَّعْفِ — عقَابًا يَخْطِفُ الحُزْنَ

وَيَتْرُكَنِي — بَرِيْئًا مِثْلَمَا النَّهْرِ

وَضِيْئًا مِثْلَمَا الفَجْرِ — عَلَى أَنْوَارِ ضِحْكَتِهَا

أَمُدُّ الخَطْوَ لِلرَّكْضِ — فَيَأْخُذُنِي فَضَاءُ العِشْقِ لِلأَرْضِ

كَأَنَّ خُيُوْطَ ضِحْكَتِهَا — نَسِيْجٌ رَائِعُ الوَصْفِ

أَتَاهَا اللَّوْنُ فَاخْتَارَتْ — بَرِيْقَ اللَّوْنِ فِيْ عَيْنِيْ.

--- — 39

لَيْلَةَ عُرْسِي أَهْدَتْنِي أَوْرَاقَ البُشْرَى — وَتَمَلَّتْ شُطْآنَ غُرُوْرِي

إذْ أَغْرِسُ نَخْلاتِي — فَوْقَ تِلالِ النَّرْجِسِ

وَحْدِي — وَأَعُوْدُ كَمَا النَّشْوَانِ

بِالبَهْجَةِ أَخْطُوْ نَحْوَ جِنَانِي — وأُخَصِّصُ لِلْفَرْحَةِ بَابًا

لِلأَحْزَانِ سَرَادِيْبًا — وَأُجَرِّبُ مَخْزُوْنَ الذَّاكِرَةِ

أَنْ تَسْطَعَ قُدَّامِي — كَيْ أُبْحِرَ فَوْقَ مَوَانِيءِ رِقَّتِهَا

وأَسُوْسَ الأَرْضَ الطَّيِّبَةَ — بِخيُوْلِي

وأَدُوْسَ الوَادِي الظَّمْآنِ — بِعَبِيْرٍ مِنْ جَمْرِ حَنَانِي

إِنِّي المَنْذُوْرُ اللَّيْلَةَ كَيْ أفْتَحَ — كُلَّ خَزَائِنِ حُسْنَكِ

وأَذُوْقَ اللَّحْظَةَ كَالشَّهْدِ — وَأُرَتِّبَ كُلَّ جَوَارِحِكِ

تِلْكَ الهَيْمَانَةُ وَرْدِي — تِلْكَ الخَجْلانَةُ بِنْتِي

ذَاكَ الوَعْدُ المَكْتُوْبُ عَلَى كَفِّي — إبْنِي

وَشَرَابُ التُّفَّاحَةِ فِي كَأْسِي — مِنْ رِيْقِ النَّحْلِ

صَلَّيْنَا وَالوَقْتُ عَشِيٌّ — فَانْكَشَفَتْ كُلُّ الحُجبِ

وَسَأَلْتُ اللهَ غُلامًا يَعْفَقُ كَفِّي — آهٍ مِنْ لَحَظَاتِ الكَشْفِ

وَالعِطْرُ حَرِيْرٌ يَسْرِقُنِي مِنْ خَوْفِي — يَتَسلَّلُ فِيْ الجَسَدِ الظِّلِّ

يَسْكُنُنِي — وَيَمْزِجُ بالرُّوْحِ الأَنْفَاسَ

فَيَصِيْرُ الكُلُّ كَأَسْنَانِ المشْطِ — عَلَى الشَّعْرِ

وَنَصِيْرُ حِكَايَاتٍ يَرْوِيْهَا — الغَافِلُ جَنْبَ التَّلِّ

لَيْلَةُ عُرْسِي وَالأَرْضُ البِكْرُ — تَخْتَبِرُ المَاءَ المَحْبُوْسَ وَرَاءَ القَوْسِ

نَفْقَهُ بَعْضَ تَرَاتِيْلِ العُمْرِ — وَنُمَزِّقُ فِي الثَّلْجِ شَطَائِرَ مَانْجُو

هَذِي الأُبَّهَةُ مَصْدَرُهَا الوَجْدُ — وَارِدُهَا شَيْخٌ قَدْ أَخَذَ العَهْدَ

فِي مِحْرَابِ القُدُسِ — وَسَيَغْرِسُ أَوْجَاعَ المَحْرُوْمِيْنَ

فِيْ قَلْبِ النَّجْمِ — كَيْ يُوْلَدَ مِنْ كَبِدِ المَوْجُوْعَةِ

أَحْلامُ الأُمِّ — وَيُفَتِّتُ عَضُدَ الغَمِّ

إِنِّي كُنْتُ الثَّالِثَ فِيْ الصَّفِّ — لا أَرْغَبُ أَنْ يَكْتُبَنِي المَهْزُوْمُ

عَلَى الجَرْفِ — حَرْفًا مَرْصُوْصًا فَوْقَ الرَّفِّ

بَلْ يَغْرِسُ حَبَّ المِلْحِ — وَبَقَايَا مِنْ حُبٍّ بِاللَّحْمِ

إِنِّي كُنْتُ الثَّالِثَ، لازِلْتُ — أَصَرِّفُ أَفْعَالَ النَّهْيِ

وَأَخُطُّ خُطُوْطًا فَوْقَ العُمْرِ — هُنَا إيْمَانُ

وَهُنَالِكَ نَصْرُ — وَعُيُوْنُ نَدَى كَعُيُوْنِ القِرْطِ

وَالمَرْيَمُ تَقْطُفُ حَبَّاتِ العِنَبِ — وَاللُّؤْلُؤَةُ أَخْفَتْ بَسْمَتَهَا فِي كِهْفِي

وَمُحَمَّدُ مِثْلُ المَرْكَبِ — يَطْفُوْ فَوْقَ السَّطْحِ.

--- — 40

وَتَجِيءُ الدَّايَةُ تُخْبِرُنِي: — وَلَدٌ يَأْتِيْكَ عَلَى عَجَلٍ

فَأَقُوْلُ: — كَذِبَ القاريءُ للِفِنْجَانِ

وَكَذِبَ النَّجْمُ — مَا أَنَا بِالرَّاغِبِ فِي الوَلَدِ

أَرْغَبُ فِيْ بِنْتٍ تَخْرُجُ مِنْ صُلْبِي — تَمْشِي فِي كَبِدِي

وَتَجِيءُ الدَّايَةُ تُخْبِرُنِي: — وَلَدٌ يَأْتِيْكَ عَلَى عَجَلٍ

مَشَّطْتُ الفِكْرَةَ مَرَّاتٍ — كَخَيَالِ الظِّلِّ

بَيْنِي وَالفِكْرَةِ سَدٌّ بَيْنَ الطَّوْدَيْنِ — لَوْ يَخْرُجَ يَأْجُوْجُ وَ مَأْجوْجُ

تُصْبِحُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ حَقًّا — وَيَصْيْرُ كَلامُ الدّايَةِ حَقًّا

يَا لَهْفَةَ نَفْسِي حِيْنَ أَرَاهَا — تَخْطُوْ فَوْقَ بسَاطِ الدَّارِ

تَكْسُو النَّفْسَ بَهَاءًا — وَيَمُدُّ الجَدُّ خُطَاهُ كَيْ يُدْرِكَ خَطْوَتَهَا

وَالجَدَّةُ تَتَمَلَّى لَوْنَ العَيْنَيْنِ تَقُوْلُ: — - تُشْبِهُنِي الطِّفْلَةُ

- فِي المَلْمَسِ، فِي النَّظْرَةِ، فِي الحَبْوَةِ. — وَحِيْنَ تُبَعْثِرُ أَوْرَاقِيَ فَوْقَ الدُّرْجِ

وَتَحْطُّ الشَّطَّةَ فَوْقَ حَلِيْبِي — أَنْفَجِرُ

وَأُطَأْطِيءُ رَأْسِيَ — حِيْنَ تَمُدُّ يَدَيْهَا كَي تَخْطُفَ قُبْلَةَ صُلْحِي

لَسْتُ الغَاضِبَ مِنْكِ — وَلَسْتُ أَلُوْمُ سِوَايَ

وَأَلُوْمُ عِنَاقَ الطِّفْلِ — يَا لَيْتَ الوَرْدَةُ أَخْفَتْ عَنِّي فِتْنَتَهَا

وَتَوَارَتْ خَلْفَ ظِلالِ اللَّيْلِ — كَيْ أَمْحُوَ مِنْ قَلْبِي

كُلَّ علامَاتِ الغِلِّ. — ---

41 — سَقَطَتْ كَالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِي

إمْرَأَةٌ — مِنْ عَصْرٍ غَيْرِ العَصْرِ

وَانْسَابَتْ مِنْ حَوْلِي — كَالفَرَحِ

كَالرَّغْبَةِ أَنْ اَسْبَحَ ضِدَّ التَّيَّارِ — أَنْ أَمْرَحَ

كَغَزَالٍ مِنْ مَاءٍ وَحَرِيْرٍ — فَوْقَ العُشْبِ

فَيَلْمَسُنِي عِطْرُ خَمِيْلَتِهَا — كَالبَرْقِ

أَصِيْرُ — كَسِنْجَابٍ بَرِّيٍّ

أَقْفِزُ مِنْ وَخْزِ الشَّوْكِ إِلَى وَخْزِ الشَّوْكِ — مَأْخُوْذٍا بِبَرِيْقٍ

يَجْمَعُ فِتْنَةَ أَطْرَافِ المَعْشُوْقَةِ — بِالشَّوْقِ

بِالشَّوْقِ السَّاكِنِ بِالجَفْنِ — سَقَطَتْ كَاللَّقْطَةِ

حِيْنَ الْتّمَّتْ أَرْكَانُ الصُّوْرَةِ بِالضَّوْءِ — وَخَرَجْنَا روَيْدًا

صَوْبَ الشَّمْسِ — نَسْكُبُ أَحْلامَ اليَوْمِ عَلَى الأَمْسِ

فَوْقَ الطَّاوِلَةِ الخَضْرَاءِ — المَسْكُوْنَةِ بالهَجْرِ

وَالنَّادِلُ خَلْفَ الوَقْتِ — يَمْزِجُ فِنْجَانَ القَهْوَةِ بالعَيْنِ

وَكُوْبَ اللَّيْمُوْنِ — بِاللَّحْظِ الهَادِرِ فِيْ القَلْبِ

فَأَذُوْبُ كَمَا السُّكَرِ — مِنْ جَمْرِ الشَّفَتَيْنِ

تَسْأَلُنِي عَنْ وَمْضَةِ عِشْقٍ — مَرَّتْ بِالبَالِ:

- هَلْ بِيْنَ أَنَامِلِهَا لِلْمَلْعَقَةِ شَكْلٌ ثَانٍي؟ — - هَلْ فِنْجَانُ القَهْوَةِ يُدْرِكُ مَعْنَى الصَّمْتِ؟

- حِيْنَ يَدُوْرُ عَلَى الطَّاوِلَةِ الخَافِتَةِ الأَلْوَانِ؟ — تَسْأَلُنِي وَاللَّحْنُ المَعْزُوْفُ يَدُوْرُ

كَزَخَّاتٍ مِنْ عِطْرِ المَعْشُوْقَةِ — تَسْأَلُنِي:

- مَا بَالُ اللَّحْظَةِ تَأْخًذًكَ بَعِيْدًا؟ — - عَنْ مَعْنَى وُجُوْدِي؟

- مَا بَالُ الكَفِّ؟ — - حِيْنَ يُلامِسُ فِنْجَانَ القَهْوَةِ يَنْزَلِقُ؟

- مَا بَالُ العَيْنَيْنِ الزَّائِغَتَيْنِ؟ — - بَيْنَ الشَّفَةِ وَالنَّادِلِ فِي رُكْنِ المَقْهَى؟

- زَائِغَتَيْنِ؟! — تَسْأَلُنِي!

وَالحَرْفُ المَكْسُوْرُ — فَوْقَ الطَّاوِلَةِ

قَدْ خَانَ العِطْرَ المَنْثُوْرَ عَلَى الجَسَدِ — أَهْمِسُ لِلنَّفْسِ:

تِلْكَ المَنْحُوْتَةُ مِنْ صَفْوِ الرُّوْحِ! — قَدْ سَقَطَتْ كَالنُّوْرِ!

فَوْقَ جُنُوْنِي — قَدْ هَلَّتْ كَاللَّحْظَةِ فِي دَرْبِ ظُنُوْنِي

فَامْتَلأتْ كُلُّ قَنَادِيْلِي — بِالزَّيْتِ وَبِالنُّوْرِ؟

لَكِنِّي وَعِنْدَ سُكُوْتِ اللَّحْنِ أَرَانِي — مَهُزُوْمًا فَوْقَ الطَّاوِلَةِ!

أَبْحَثُ عَنْ رَسْمِي! — عَنْ وَعْدٍ مَكْتُوْبٍ بِالفِنْجَانِ.

--- — 42

شَكْلُ المَوْجَةِ أَوْسَعُ — مِنْ بَحْرِ الرِّيْحِ

وَتَمَامُ البَدْرِ — أَجْمَلُ مِنْ حَقْلِي

أَسْرَعُ — مِنْ أَيَّامٍ تَأْتِي وَتَمُرُّ

كَالصَّمْتِ — قَدْ رَتَّبْتُ العُمْرَ سِنِيْنَا

تِلْكَ المَوْجَةُ نُوْرٌ — تَزْهُو وَتَفُوْرُ

كَالبَسْمَةِ فَوْقَ شِفَاهِ الخَمْرِ — فَوْقَ تَرَانِيْمِ الوَجْدِ

كَغَرِيْبٍ شَقَّ الصَّفَّ وَطَارَ — نَحْوَ المَرْجِ

يَغْزِلُ مِنْ نَجْمَاتِ الوَعْدِ — ثَوْبَ حَرِيْرٍ

كَيْ يَحْبُكَهُ الفَارِسُ فَوْقَ السَّرْجِ — سَاعَةَ أَنْ يَمْتَدَّ الحَقْلُ

نَحْوَ عُيُوْنِي — تَرْقُصُ فِي القَلْبِ الأَحْلامُ وَتُنَادِي:

- يَا طِبَّ قَبِيْلَتِنَا لا تَبْرَحْ دَارِي — - لا تَفْرَحْ!

- لا تَحْزَنْ! — - وَاغْسِلْ عَنْ بَابِي رِجْسَ الأَيَّامِ!

يَأْخُذُنِي شَكْلُ المَوْجَةِ — يَرْسُمُنِي فَوْقَ جدَارِ الصَّبْرِ

آيَةَ قُرْآنٍ — وَغَزَالاً يَبْحَثُ فِي صَحْنِ الدَّارِ

عَنْ بَعْضِ الحِنَّاءِ — وَبَقَايَا مِنْ عِطْرِ الأُمِّ

أَرْحَلُ عَنْهُ وَأعُوْدُ — كَالطَّيْرِ المَذْبُوْحِ عَلَى السَّطْحِ

وَأُلَمْلِمُ نَفْسًا — قَدْ خَلَّتْ طَعْمَ الحَنْظَلِ فِي الوَقْتِ

وَكَأَنَّ الهَمْسَ السَّارِحَ فِي البَيْتِ — قَدْ عَوَّدَنِي أَنْ أَحْكِيَ لِلْبِنْتِ

عَنْ جَدٍّ — عَنْ عَمٍّ

عَنْ وَلَدٍ — ظَلَّ نَجِيْبًا حَتَّى اليَوْمَ

فِي اليَدِّ كِتَابٌ — فِي القَلْبِ وُرُوْدٌ

لا يَخْشَعُ إلاّ لِلرَّبِّ — سَاعَةَ أَنْ يَمْتَدَّ الظِّلُّ

يَكْسٌو كُلَّ الكَوْنِ — أَوْ يَخْطُو نَحْوَ الجِسَدِ النَّائِمِ

عِنْدَ التَّلِّ — هَلْ أَرْكَانُ المَشْفَى

سَوْفَ تَظَلُّ تُنَادِي فِيْكَ؟ — أَشْيَاءًا مِثْلَ النُّوْرِ – مِثْلَ العَطْفِ

مِثْلَ الحُبِّ – مِثْلَ الخِلِّ؟ — تِلْكَ الأَشْيَاءُ بَرَاحٌ

لِنْ يَصْبِحَ يَوْمًا ظِلاَّ. — ---

43 — نَبَّهْتُ الكَسْلانَةَ أَنْ تَصْحوَ

حِيْنَ تَمَامِ الفَجْرِ — وَتَحُطُّ عَلَى الشبَّاكِ

مَائِدَةً مِنْ عِنَبٍ — وَخَرِيْرٍ وَحَيَاةْ

تُشْبِهُنِي لَوْ غَنَّتْ تَحْتَ الشُّرْفَةِ — أَيْكَتُهَا

أَوْ بَاحَتْ بِالسَّرِّ يَمَامَتُهَا — أُدْرِكُ أَنَّ المَفْتُوْنَةَ بِيْ رَمْزٌ

قَدْ يُصْبِحُ حَقًّا لَوْ أَنِّي — أَمْسَكْتُ عَلَى الحَرْفِ الهَارِبِ مِنِّي

وَسَوَّيْتُ طَرِيْقًا مِنْ فَنِّي — لَوْ أَنِّي

حِيْنَ الكَسْلانَةُ شَدَّتْ كُمَّ قَمِيْصِي — كُنْتُ ضَمَمْتُ الصَّدْرَ إِلَى الصَّدْرِ

وَدَعُوْتُ طُيُوْرِي أَنْ تَسْكُنَ حَقْلَ الفَرَحِ — وَتُغَرِّدُ كُلَّ صَبَاحٍ

تَحْتَ الشُّرْفَةِ — كَيْ تبْزُغَ حِكْمَتُهَا

شَطًّا لِي، وَبَرَاحًا يَسْكُنُهُ العِشْقُ — لَكِنِّي لَحْظَةَ أَنْ شَدَّتْ كُمِّيَ

صِرْتُ حصَانًا وَرَقِيًّا — وَكَسَرْتُ سَفِيْنِي

وَوَحِيْدًا كُنْتُ أُصَارِعُ شَوْقِي وَحَنِيْنِي — لِلْبَحْرِ المَفْتُوْحِ عَلَى أَرْضَيْنِ

أَرْضٌ لِلنَّجْمَةِ نَسْرَحُ فِيْهَا وَقْتَ الحُزْنِ — وَالأُخْرَى

دَرْبٌ مَهْجُوْرٌ فِي الرُّوْحِ — لَوْ أَنِّي وَالكَسْلانَةُ لَحْظَةَ صِدْقٍ عِشْنَاهَا

بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَتَمَامِ العِشْقِ! — لَوْ أَنِّي أَمْطَرْتُ عَلَى الأَيَّامِ الفَنَّ

خَلَّصْتُ مِنَ الشَّكِّ يَقِيْنِي — كُنْتُ الكَسْلانَةَ خَصَّصْتُ لِلَحْنِي

وَمَشَيْتُ طَرِيْقًا — فِيْهِ الأَحْجَارُ يَوَاقِيْتٌ

وَحُرُوْفِي خَاتَمُهَا الذَّهَبِيُّ — لَكِنَّ الكَسْلانَةَ لَمَّا

سَكَّتْ فِي الوَجْهِ طَرِيْقِي — وَتَدَلَّتْ كَالأَرْجُوْحَةِ بَيْنَ التِّيْنِ

وَبَيْنَ الطِّيْنِ — لا تَعْرِفُ فَرْقًا بَيْنَ الصَّرْفِ وَالصُّوْفِ

حَطَّتْ جَنْبَ النَّرْجِسَةِ اللَّيْمُوْنَ — فَانْهَدَمَ الوَجْدُ

وَرُوَيْدًا — خَفُتَ الضَّوْءُ

وَتَخَلَّتْ أَحْلامِي عَنِّي — وَالصَّمْتُ وَالبَوْحُ.

--- — 44

وَطَنٌ وَقَصَائِدُ عِشْقٍ — وَمِيْثَاقُ الثَّوْرَةِ

قُدَّامِي — كُنْتُ العَاشِقَ للثَّوْرَةِ

حِيْنَ تَمُدُّ القَلْبَ طَرِيْقًا وَعُيُوْنًا — وَيَقِيْنًا يَمْنَحُنِي

سَلامَ النَّفْسِ، سَلامَ العَقْلِ — وَحكَايَاتٍ عَنْ وَطَنٍ

قَدْ شَبَّ عِنِ الطَّوْقِ — كَادَ أَنْ يَجْرَحَ كَبِدَ الشَّمْسِ

لَكِنِّي مَا كِدْتُ — أُوَاجِهَ بَحْرَ الشَّارِعِ حَتَّى

كَانَتْ كَلِمَاتِي أَهْوَنَ مِنْ ظَنِّي — أَخْيَبَ مِنْ رَجُلٍ

حَطَّ عَلَى الرِّيْحِ مُنَاهُ — وَانْتَظَرَ أَنْ تَنْبُتَ فِي الصَّخْرِ عَصَاهُ

فَانْكَشَفَتْ أَوْزَارُ المَاضِي — وَتَمَدَّدَ فِي الجَوْفِ غُثَاءٌ

لا نَعْرِفُ مَنْ سَوَّاهُ؟ — صَفَائِحُ سَرْدِيْنٍ، وَالعَفَنُ

أَرْطَالٌ مِنْ طِيْنٍ، وَالعَطَنُ — وَقَصِيْدَةُ عِشْقِي رَدَّدَهَا غُرَابٌ

بَيْنَ خَرَائِبِ عُمْرِي — أَو تَحْتَ ملاءَةِ مَوْلاهُ

وَبَعُوْضٌ قَدْ طَلَّ عَلَى الوَادِي — يَسْبَحُ بَيْنَ جَنَائِنِ تُفَّاحِي

وَيَطِنُّ — وَالحُصْرُمُ قَدْ ذَاعَ عَلَى العِنَبِ

يُنَادِمُ فِي الأَرْضِ حَصَاهُ — وَيَقُوْلُ:

- أَيْنَ الوَطَنُ؟ — أُعْطِيْتُ كِتَابًا

لَمْلَمْتُ سِوَاهُ! — وَسَأَلْتُ القَارِيُ

عَنْ سِرِّ الحِكْمَةِ فِيْ بَابِ الثَّوْرَةِ؟ — فَأَفَادَ الفَارِسُ:

- تَنْظِيْمٌ سِرِّيٌّ! — - وَرُمُوزٌ!

فَوْقَ الطَّاوِلَةِ فِنْجَانُ الشَّايِ — وَالقَارِئُ يُخْبِرُنِي:

- مُخْبِرُنَا السِّرِّيُّ — - يَشْرَبُ كُوْبَ القَهْوَةِ بِاللَّبَنِ

- وَيُفَتِّشُ فِيْنَا عَنْ رَمْزٍ — - عَنْ أَسْمَاءٍ

قَالَ الكَاتِبُ لِي: — - لا تَقْرَبْ فِنْجَانَ الشَّايِ

- وَتَخَلَّصْ مِنْ نَكْهَةِ يَنْسُوْنِ الكُتُبِ — - أَنتْ المَرْصُوْدُ

- حِيْنَ يُلامِسْكَ البَرْدُ — وَطَنٌ، وَقَصَائِدُ عِشْقٍ،

وَميْثَاقُ الثَّوْرَةِ — قُدَّامِي

وَحِكَايَاتُ البَرْبَرِ — وَعَسَاكِرُ مَولانَا

وَالخَوْفُ المَكْتُوْبُ عَلَى البَابِ — وَطَنِيْنُ بَعُوْضٍ

وَرَازَايَا. — ---

45 — كَسَرَابٍ أَيَّامُ الوَرْدَةِ

فِيْ عُمْرِي — كَالسَّيْفِ المَشْدُوْدِ عَلَى الخِصْرِ

لا يَمْنَعُ لَيْلاً أَنْ يَأْتِيَ — يَكْشِفُنِي

يَنْسَخُنِي عفْرِيْتًا مِنْ جِنِّ — وَيُدَمْدِمُ فَوقَ القَبْرِ

كَيْ يَفْضَحَ لَحْنِي — وَيُعَرِّيَ فِي السَّاحَةِ أَفْكَارِي

ذَاكِرَتِي يَفْتَحُهَا كَكِتَابٍ لِلْمَكْفُوْفِيْنَ — مَنْ يَقْرَأُهَا يُمْسِي مَهْمُوْمًا

بِالحَرْفِ المَذْبُوْحِ — وَبِالآهَةِ نَبْتٌ يَمْلأُ كُلَّ حَدَائِقِ بِلْدَتِنَا

فَتَغُوْرُ الذِّكْرَى — وَيَمُوْتُ الشَّاعِرُ مَسْكِيْنًا

بَيْنَ يَدَيْهِ بَقَايَا مِنْ أَمَلِ — وَدِمَاءٍ وَدُمُوْعْ

أَسْلَمَنِي النَّاقِدُ خَارِطَةَ الجَهْلِ — وَتَبَرَّأَ مِنِّي

وَكَأَنِّي — مَسْلُوْبَ الحَبْكَةِ حَيْنَ أَقُصُّ

مَسْلُوْبَ الحَرْفِ حَيْنَ أَخُطُّ — فَسَأَلْتُ النَّدَّاهَةَ عَنْ بَابِ الحِكْمَةِ

فَتَوَلَّتْ شَطْرَ مَدِيْنَتِنَا — حَيْرَى

لا تَمْلِكُ مِنْ سِرِّ الحِكْمَةِ — غَيْرَ جدَارِ الصَّمْتِ

وَالنَّاقِدُ فِي بُرْدَةِ مَوْلاهُ — قَدْ حَكَّ بِأَنْيَابِ المَاضِي

هَذَا الإعْرَابُ جَدِيْدٌ مَمْنُوعُ — هَذَا الصَّرْفُ بَدِيْعٌ مَمْنُوْعُ

تِلْكَ الفِكْرَةُ مِنْ أَصْلِ الشَّجَرَةِ جَاءَتْ — مَمْنُوْعُ

مَمْنُوْعٌ مِنِّي وَعَلَيَّ — أَنْ أَجْرَحَ أَفْكَارًا، أَشْرَحَهَا

لَمْ يُدْرِكْ كُنْهَ الفِكْرَةِ رَجُلٌ قَبْلِي — وَاللَّيْلَةُ تُشْبِهُ لَيْلَ الأَمْسِ وَقَبْلَ الأَمْسِ

أَتَرَانِي مَفْتُوْنًا — بِالشَّاهِدِ فَوْقَ الرَّمْسِ

أَمْ أَنِّي أَعْشَقُ رَمْزَ الأُسِّ — فَأُضَاعِفُ مَا قَالَ الصَّاحِبُ

لِلأَمْسِ — بَرِئٌ مِنْ شِعْرِي

لَوْ أَنِّي أَطَعْتُ — لَوْ أَنِّي لَمْ أَكْتُبْ فَوْقَ رَصِيْفِ الشَّارِعِ

لَحْنًا غَيْرَ اللَّحْنِ — وَحُرُوْفًا مِنْ لُغَةٍ

تَفْقَعُهَا أَحْجَارُ الحَارَةِ — وَبَنَاتُ الحَيِّ.

--- — 46

أَضْرَمْتُ النَّارَ عَلَى التَّلِّ — فَاخْتَلَّ الوَزْنُ المَنْشُوْدُ

وَتَدَلَّى لَيْلِي — كَغَمَامٍ يَسْبَحُ فَوْقَ الجَفْنِ

يُمْهِلُنِي أَحْلامًا — كَي أَخْرُجَ لِصَفَاءِ النَّبْعِ

مَغْسُوْلاً بِالمَاءِ السَّهْلِ — وَبَرِيْئًا مِنْ خَوْفِيْ وَظُنُونِيْ

أَقْصَيْتُ الوَرْدَةَ عَنْ بَابِ الدَّمْعِ — وَالرَّجُلُ الكَامِنُ فَوْقَ السَّطْحِ

كَالبُوْمَةِ يَقْفِزُ قَفْزَ الخَزَفِ — وَجَنْبَ عُوْدِ التِّلْفَازِ أَنَا

خَطَفَتْهُ الرَّجْفَةُ لِلنَّزْفِ — - عِفْرِيْتٌ فَوْقَ سَقِيْفَتِنَا –

أَوَّاهٌ يَا قِرْشَ حَشِيْشٍ فِيْ جِيْبِ قَمِيْصِي — أَتْلَفْتَ الوَرْدَةَ

وَخَدَعْتَ رَدِيْفِي — إِذْ مَا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْنَا

وَانْهَارَ مَجَالُ الرُّؤْيَةِ فِيْ الرَّأْسِ — فَرَأَيْتُ الأُنْثَى حَبَّةَ قَمْحٍ

جَنْبَ جدَارِ الرَّغْبَةِ — أَسْقِيْهَا شَرَابَ اللَّوْزِ، وَأُعَاتِبُ نَفْسِي

وَاللَّيْلُ يُسَائِلُنِي؟ — - خَانَ، تَخُوْنُ؟

أَعْتَرِفُ الآنَ — كُنْتُ بَسِيْطًا حَدَّ اللِّيْنِ

كُنْتُ شَغُوْفًا حَدَّ رَغِيْفِي — كُنْتُ أَخُوْنُ

أَمْتَهِنُ كَلامَ النَّارِ، وَأُوَزِّعُ فِيْ البَرِّ خَرِيْفِيْ — عَلِّيْ بَعْدَ زَمَانٍ أَرْفَعُ رَايَةَ عصْيَانِيْ

وَأُضْرِمُ نَارًا فَوْقَ التَّلِّ — أَسْتَغْفِرُ رَبِّيْ

لازَالَتْ كَلِمَاتُ الرَّبِّ يَقِيْنِي — أَسْتَجْدِيْ بُرْهَانَ المَغْفِرَةِ

بِالصَّدْقِ، بِالدَّمْعِ، — بِبَلاغَةِ تَرْتِيْلِيْ

يَأْخُذُنِي غَمَامٌ يَسْبَحُ فَوْقَ الجِسْرِ — وَيُسَامِحُنِي ظَنِّي وَحَنِيْنِي.

--- — 47

فَرَّتْ مِنِّي الأَحْلامُ وَالأَحْلامُ — وَتَمَطَّى فَوْقَ الصَّدْرِ صَبْرُ الأَيَّامِ، وَالأَيَّامُ

وَكَأَنِّي فَوْقَ المَوْجِ — لَحْنُ كَمَانٍ صَاغَتْهُ الرِّيْحُ

وَرَدَّدَهُ النُّوَّامُ — وَكَأَنِّي فَوْقَ الرَّمْلِ سَرَابٌ

أَرْوِي الظَّامِيءَ نَهْرَ أَمَالِي — وَالنَّهْرُ رُكَامُ

مَاذَا أَبْقَتْ لِي الأَيَّامُ؟ — غَيْرَ سَوَادٍ تَحْتَ الجَفْنِ

وَبَقَايَا شُعَاعٍ يَهْرَبُ فَوْقَ الكَفِّ — أُقْسِمُ بِالآهَةِ تَسْكُنُ حَنْجَرَتِي

لَوْ أَنِّي خُيِّرْتُ الآنَ — لاخْتَرْتُ لِعُمْرِي نَفْسَ الدَّرْبِ

وَزِيَادَةْ — كُلُّ الأَحْلامِ سَرَابٌ كَانَتْ

أَمْ كَانَتْ مِلْءَ كَيَانِي — أَعْطَتْ لِلْقَلْبِ بَرَاحًا مِنْ شَفَقِ البَهْجَةِ

وَأَضَاءَتْ لِي فِيْ دَرْبِ الوَحْشَةِ بَابًا — مِنْ خَشَبِ الوَرْدِ

يُزْهِرُ لَوْ مَرَّ عَلَى البَالِ — طَيْفُ آمَالِي

أَلْوَانُ اللَّوْحَةِ مَائِيَّةْ — وَخَرِيْرُ النَّبْعِ

مَائِيٌّ — وَأَصَابِعُ مَلائِكَةٍ تَعْبَثُ فِي الشَّعْرِ

وَفِي اللِّحْيَةْ — فَتَعَذّرَ أَنْ أَسْكُبَ كُلَّ مَشَاعِرِ غَضَبِي

فَوْقَ السِّجَادَةِ — فِيْ صَالَةِ جَدِّي

وَسَكَنْتُ البَّوَّابَةَ تَجْرَحُ ظَنِّي — فَأَغُضُّ الطَّرْفَ

عَنْ هَمْسٍ وَكَلامٍ — لازَالَ طَنِيْنًا فِي الأُذُنِ

وَعَجِيْنَةُ أُمِّي — أَطْرَى مِنْ كُلِّ طَرِيَّةْ.

--- — 48

أَحْسَبُ أَنِّي أَوْصَدْتُ القَلْبَ عَلَى الجَمْرِ — جَمْرُ الحِكْمَةِ أَشْهَى مِنْ جَمْرِ العِشْقِ

أَخْرُجُ مِنْ خَوْفِي كَالأَفْعَى — أَتَلَظَّى بِالشَّهْوَةِ وَالصَّمْتِ

وَالجَمْرَةُ تَفْتَحُ لِي سِرَّ العَتْمَةِ — وَنَقَاءَ المُقْتِ

مَا أَشْهَى أَنْ أَقْضِيَ اللَّيْلَةَ مَشْدُوْدًا — بَيْنَ الغَضْبَانَةِ وَمُرُوْرِ الوَقْتِ

فَبَطِيْئًا تَمْضِي اللَّحَظَاتُ — كَتَنْهِيْدَةِ أُمٍّ

كَقُبْلَةِ عِشْقٍ — كَخُرُوْجِ الرُّوْحِ مِنْ قَفَصِ الصَّدْرِ

وَغِيَابُكِ عَنِّي يَا جَمْرَ الحِكْمَةِ أَوْدَعَنِي — دَارًا، وَأَقَامَ عَلَى الدَّرْبِ جَدَارًا

لا شَيْءَ سَيَأْتِي — لا شَيْءَ سَيَمْضِي

وَتَبْقَى الأَزْمِنَةُ تَقِيْحُ عَلَى الجُرْحِ — هَا نَحْنُ مِنْ بَابِ الخَمْسِيْنَ سَنَمْضِي

وَكَأَنَّ الزَّهْرَةَ لَمْ تُوْلَدْ بَعْدُ — وَكَأَنَّ الجَمْرَةَ إِذْ تَنْبِضُ فِي القَلْبِ

تَمْنَحُ لَيْلَ المَوْجُوْعِيْنَ الصَّبْرَ عَلَى الصَّبْرِ — يَا مَنْ كُنْتَ بَلِيْغًا عِنْدَ المَوْتِ

مَالَكَ لا تَأْتِي فِي الحُلْمِ — وَلا تَشْبِكُ فِي العُرْوَةِ زَهْرَةَ فُلٍّ

كَيْمَا نَرْتَاحُ عَلَى الصَّدْرِ — وَنُشَكِّلُ فِي الغَفْوَةِ أَطْرُوْحَةَ عِشْقٍ

نَكْتُبُهَا بِالحَرْفِ النَّابِتِ مِنْ حُضْنِ الأُمِّ — وَنُمَيِّزُهَا بِالضَّحِكَاتِ

هُنَاكَ ملاءَةُ مَوْلانَا البَيُّوْمِي — وَعِنْدَ المَاسُوْرَةِ جِنٌّ يَخْطُفُ شُبَّانَ البَلْدَةِ

وَالجِنِّيَّاتُ — شَمَّرْنَ الفُسْتَانَ عَلَى الفَخْذِ

مَنْ يَقْطُفْ تِيْنَةَ شَفَتَيْنِ — يَهْرَبْ فِي الغَيْبُوْبَةِ حَدَّ السُّكْرِ

لا يَرْجِعُ — حَتَّى لَوْ دَارَتْ سَاقِيَةُ البَحْرِ

تَمْلأُ بَيَّارَةَ حَقْلِي زَيْتُوْنًا مُخْتَلِفَ الأَلْوَانِ، — الأَخْضَرُ لِلْعَيْنَيْنِ، الأَحْمَرُ لِلشَّفَتَيْنِ

وَالأَسْوَدُ رِيْحٌ طَارَتْ فَوْقَ الجَبْهَةِ وَالخَدَّيْنِ — يَا مَنْ كَوَّمْتَ جِرَاحِي جَنْبَ الصَّخْرَةِ

وَنَزَلْتَ المَاءَ — تَمْسَحُ وَجْهَكَ وَالكَعْبَيْنِ

بِالحِكْمَةِ تَتَغَرْغَرُ وَصَفَاءِ النَّفْسِ — أَمَا كَانَ لِلْحِقْدِ مَكَانًا فِيْ القَلْبِ

أَوَ مَا كُنْتَ تَحُطُّ يَدَيْكَ عَلَى القَلْبِ — وَتَئِنُّ

مَالَكَ لَمْ يَدْخُلْ لِلرُّوِحِ سَوَادٌ — حَتَّى المَوْتِ

نَقِيًّا، وَبَهِيًّا — رُحْتَ وَلَمْ تَعْرِفْ سُوْءَ الظَّنِّ، ولا الغِيْرَةَ

أَوْ بَعْضًا مِنْ غلِّ — لَيْتَكَ أَعْجَمْتَ فُؤَادِي

يَسْكُتُ — أَسْكُتُ

أَسْكُتْ. — ---

49 — يَشْكُرُنِي حِيْنَ خَلَطْتُ الحِنْطَةَ

بِحَلِيْبِ المَاعِزِ — وَوَضَعْتُ الحِلْبَةَ فِي القُرْطَاسِ مَعَ السُّكَرْ

وَمَلأْتُ حَقَيْبَتَهُ — أَفْكَارًا مِنْ جُبَّةِ وَاعِظْ

كَانَ قَدِيْمًا فَكَّ إِزَارَ القُفْطَانِ — وَتَمَشَّى فِي الحَانَةِ سَكْرَانًا

وَيُعَاشِرُ أَفْئِدَةً مِنْ وَرْدٍ أَحْمَرْ — فِيْ زَاوِيَةٍ خَلْفَ البُسْتَانِ المُثْمِرْ

يَتْلُوْ أَذْكَارًا — يَسْمَعُهَا الرَّاهِبُ يُسْلِمْ

يُسْلِمُهُ خُبْزًا قُدسِيَّ النَّكْهَةِ — وَصَلِيْبًا مِنْ ذَهَبِ أَخْضَرْ

يَشْكُرُنِي — حِيْنَ أَمُدُّ يَدَيَّ إِلَيْهِ

أَخْلَعَهُ مِنْ حُلْمٍ مُنْكَرْ — وَأُسَاوِمُهُ فِي لَحْظَةِ خَوْفِي

عَنْ فِنْجَانِ القَهْوَةِ — فَوْقَ كَرَارِيْسٍ مِنْ مَرْمَرْ

فِي المَقْهَى — يَشْرَبُ نَرْجِيْلَةَ تُفَّاحٍ

كَخَرِيْرِ المَاءِ يُغَرِّدُ — وَيَدُقُّ عَلَى الزَّنْدِ وَشْمَ صَدَاقَتِهِ

فَأَشْكُرُهُ — وَيَشْكُرُنِي

نَصَّارُ يُغَرْغِرُ كُوْبَ نَبِيْذٍ — - سَلْمَى فَاتَتْ فِي حُجْرَتِهَا

- أَيْقُوْنَةَ عُمْرِي — - وَكِتَابًا شِعْرِيًّا وَشَهِيًّا

- وَدَوَاءَ السُّكْرْ — أَشْكُوْهُ لِبَنَاتِ الرَّاهِبِ

حِيْنَ تَمَلَّى وَرْدَ الدِّلْتَا — وَتَدَلَّى نَحْوَ بَرَاحِ المَوْتِ

لا يَذْكُرُنِي! — - هَلْ تَذْكُرُنِيْ؟

عِنْدَكَ لِيْ سَهْرَةُ فَيْرُوْزٍ — وَحِكَايَاتٌ عَنْ زُمْرَةِ حُكَّامٍ مِنْ وَرَقٍ

وَرِجَالٍ بَاعُوا الوَرْدَةَ بِالحَنْظَلْ — - هَلْ تَذْكُرُنِيْ؟

- أَذْكُرُكَ — وَالمَجْرُوْحُ فِيْ غُرْفَةِ إنْعَاشِ المَشْفِى

يَتَجَرَّعُ نَسَمَاتِ المَوْتِ — وَحَنِيْنُكَ لِلصُّحْبَةِ قَدْ غَطَّى

كُلَّ زَوَايَا الأَرْضِ — فَانْبَثَقَتْ فَوْقَ جَبِيْنِكَ عَيْنٌ مِنْ نُوْرٍ

وَارْتَحَلَتْ فِيْكَ — أَوْرَاقُ الشَّجَرِ

وَنَسِيْمُ الفُلِّ — يَاسَمِيْنٌ أَنْتَ

وَرَيْحَانٌ — قَدَّ المُقْتَ

وَتَوَارَيْتَ — تُحْصِي المَوْتَى

فِي زَمَنِ العَسْكَرِ. — ---

50 — شَاءَتْ أَنْ تَكْتُبَ فَوْقَ جَبِيْنِي

عُنْوَانَ البَيْتِ — وَفَوْقَ الصَّدْرِ بَيَانًا هَمَجِيًّا

كَمَشَاعِرِ طِفْلٍ حِيْنَ تَوَلَّى — أَمْرَ الدِّيْنِ وَأَمْرَ الدُّنْيَا

فَامْتَثَلَتْ أَوْرِدَتِي لِنِدَاءِ المَوْجَةِ — وَانْتَبَهَتْ أَعْضَائِي لِلشَّطِّ المَرْصُوْدِ

بَيْنَ البَهْجَةِ وَالحُزْنِ — أَرْصُدُ فِي جَوْفِ الذِّكْرَى لَحْظَةَ خَوْفٍ،

أَوْ لَحْظَةَ شَوْقٍ، أَوْ لَحْظَةَ فِعْلٍ — لَحَظَاتٌ تَأْتِي وَتَمُرُّ

وَمَشِيْئَةُ أَيَّامِي تَصْطَفُّ طَرِيْقًا — مَلْوِيَّ الأَصْدَافِ

أُعَدِّلُ أَحْدَاقِي — وَأُشَاكِسُ بَعْضَ الأَحْجَارِ المُلْقَاةِ أَمَامِي

عَلِّي أُدْرِكُ بَعْضًا مِنْ أَحْلامِي، — أَوْ أَنْكَأُ جُرْحًا خَطَّتْهُ الذِّكْرَى

فِي دَفْتَرِ أَيَّامِي — فَأَسِيْرُ إِلَى دَرْبَيْنِ

كَالتَّائِهِ فِي دوَّامَةِ لَيْلِ الرَّغْبَةِ — كَالمَمْسُوْسِ بِجِنِّيَّاتِ الشَّوْقِ

قَلْبِي فِي لَيْلِ الرَّغْبَةِ أَطْهَرُ مِنْ قَلْبِ الجَمْرِ — وَوَسِيْعٌ كَدُعَاءِ الطَّيْرِ

يَأْخُذُ مِنْ تَقْوَى الفَجْرِ ضِيَاهُ — وَمِنْ خَشْيَةِ عَيْنُ العَبْدِ إِذَا صَلَّى

لِلِّهِ — وَدَعَاهُ

أَعْشَقُ صَدْرَ الرِّيْحِ إِذَا هَمَّتْ بِالغَدْرِ — وَأَمْحُو وَحْدِي مَا أَلْقَى مِنْ غَضَبٍ

فَوْقَ جَبِيْنِي البِكْرِ — وَأُنَادِمُ عِنْدَ وَدَاعِ البِنْتِ

دَمْعَ النَّهْرِ — وَكَأَنَّ كُلَّ خُطُوْطِ الطُّوْلِ

فِي لَحْظَةِ وَجْدِي — لَمَسَتْ كُلَّ خُطُوْطِ العَرْضِ

فَتَضِيْقُ الأَرْضُ عَلَى الأَرْضِ — وَيَشِيْبُ الوِلْدَانُ

لَوْ أَنَّ الفَارِسَ قَدْ نَامَ عَنِ العَرْضِ — فَارْصُدْ فِي ذَاكِرَةِ الأَيَّامِ

وَشْمًا تَنْقُشُهُ الرِّحْلَةُ فَوْقَ الصَّدْغِ — رِحْلَةُ فرْسَانِ القَصْرِ

وَرِحْلَةُ أَفْكَارِي مِنْ كَفِّي حَتَّى الرُّسْغِ، — لِلسَّاعِدِ، لِلكَتِفِ

يَحْمِلُ أَوْزَارَ النَّرْجِسِ — لَوْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَفُضُّ غلافَ الشَّهْوَةِ

فَتَسِيْلُ الدَّمْعَةُ مِنْ جَفْنِ السَّارِقِ — وَالبَسْمَةُ مَنْ جَفْنِ المَسْرُوْقِ

أَتُوْبُ — لَوْ أَنَّ النَّرْجِسَ أَلْقَى فَوْقَ العَتَبَةِ

نَهْرَ طَهَارَةِ أَعْضَائِي — وَأَخَلَّ مِيْزَانَ العَدْلِ لِصَالِحِ أَحْلامِي

أَتُوْبُ — لَوْ أَنَّ بَنَفْسَجَ عَيْنِي قَدْ ظَلَّ بَرِيْئًا كَاللَّيْلِ

لَوْ نَفْسِي حَلَّتْ غِلَّ اللَّحَظَاتِ المَسْمُوْمَةِ — لَوْ أَلْقَتْ فَوْقَ عُيُوْنِي

سِجادَ الغُفْرَانِ — لَوْ شَاءَتْ أَنْ تَعْتِقَ ذَاكِرَةَ الأَوْثَانِ

لَوْ شَاءَتْ أَنْ تَكْتُبَ فَوْقَ جَبِيْنِي — عُنْوَانَ النِّسْيَانِ.

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • التمني: تَمَنَّي يَتَمَنَّى تَمَنَّ تَمَنِّياً [ مني ]:- الشيءَ: رغب في حصوله أو طلبه وهو صعب التحقيق أو مستحيله؛ تَمَنَّى العجوزُ عودة الشباب. ـ الحديثَ: اخترعه وافتعله؛ يتمنى المفسدُ الأحاديثَ على ألسنة الناس.
  • الخطو: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً، أي: مرّة، والخُطْوَة ما بين القدمين[[قال ابن المرحّل: وخطوة بالفتح نقل القدمين ... وخطوة مضمومة ما بين تين وجمع الأول خطاء، والخطى ... جمع الأخير، وبضمّ ضبطا]] ، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُ …
  • خمسون: الخَمْسُون : خَمسُ عَشَراتٍ ، يُعامَل معاملَة المُذكَّر السَّالم فيُرفع بالواو ويُنصب وُيجرُّ بالياء. - عند المسيحيين وعند اليهود: عيد العَنْصَرة.
  • رصاص: الرَّصَاصُ : معدِنٌ رِخْوٌ كثيفٌ يقاوم التأَكُّل نسبياً يُستخدمُ لصنْعِ أَقطابِ بَطَّارياتِ السَّيارات.-: البندق يُرمى به من البندقيّة والمسدَّس، واحدته رصاصة/ قلمُ الرَّصَاص، هو أنبوبةٌ دقيقةٌ من الخشب في داخلها مادَّةٌ …
  • فارفق: أرْفَقَ يُرْفِقُ إِرْفاقاً :- ـه: رفق به، أي لان له جانِبُه وحَسُنَ صنيعُه؛ ما رأيت أحداً كهذا الإنسان يُرفق بالمساكين.- ـه: نفعه؛ أرفق الأستاذ تلميذَه بعمله ومعرفته.

قصائد ذات صلة

  • سؤال
  • إلى لقاء
  • واهية
  • يا ابنة الأحزان
  • الزّهوُ شكّ الجُرحَ شكًّا
  • قائد الحامية
  • ووسدت الحنين
  • ثورة