ما لي أراك نحولا عُدت كالقَلم
الشاعر: محمد فرغلي الطهطاوي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«ما لي أراك نحولا عُدت كالقَلم» من شعر محمد فرغلي الطهطاوي، من العصر الحديث، وتقع في 202 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ما لي أراك نحولا عُدت كالقَلم ... وَشكل جسمك حاكى أَحرف الكلم
فَما عَسى بك من كلم ومن أَلَم ... أَمــــن تــــذكــــر جيران بذي سَلم
مزجت دَمعاً جَرى من مقلة بدم ... أَو ابتُليتَ من الدنيا بقاصمة
مــــتــــن الظــــهــــور وَللذات هازمة ... أَو فكرة لهموم اللَيل ناظمة
أَم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وَأومض البرق في الظلماء من أضِم
فإن تقل مُقلتاي القلب قد حَمتا ... من الغَرام وَما بي عاذلي شِمتا
وَالحال مثل مَقالي الدهر قَد صَمتا ... فَما لِعَينيك إن قلت اكففا همتا
وَما لِقَلبك إن قلت استفِق يَهم ... الصبر للعشق مَهما طال مُنهزم
وَفيهِ كل حساب اللب مُنخرم ... كَذاك حبل اِستتار فيه مُنصَرِم
أَيحسب الصب أَن الحب منكتم ... ما بين مُنسجم منه وَمُضطرم
فقل لمن مسّه شيء من الخلل ... بحب من ماس في حلي وَفي حُلَل
وَباتَ ينكره ستراً إلى الزلل ... لَولا الهَوى لَم تُرق دَمعاً عَلى طلل
وَلا أَرِقــــت لذكــــر البــــان والعــــلم ... وَلا قواك لما كابدته جهدت
وَالنفس في غير من هامَت به زَهدت ... وَالعين من حر قَلب بالجوى سهدت
فَكَيفَ تنكر حباً بعد ما شهِدت ... به عليك عدول الدمع وَالسقم
وعدت من شجن جسما كعود قناً ... لَم يعنه أَي شان غير شان عناً
وَالسهل أَصبحَ حزناً وَالصفا حزنا ... وَأَثبت الوجد خطى عبرة وضنى
مثل البهار عَلى خديك وَالعنم ... يا مُلحفاً بسؤال عنه شوّقني
لمن يُسائِلني عنه ورنقّني ... جهراً أجيبك حيث السر لم يَقني
نعم سَرى طيف من أَهوى فأرَّقني ... وَالحــــب يــــعــــترض اللذات بالأَلَم
وإن لي في احتمال الوجد مقدرة ... أعُدّها في سَبيل الحب مأثرة
وأســــــأل اللَه للزلات مــــــغـــــفـــــرة ... يا لائمي في الهوى العذريّ مَعذِرة
مني إليك وَلَو أَنصفت لَم تلُم ... واربأ بنفسك لا تسأل عَن الخبر
فإن في العين ما يُغني عن الأثر ... وَلَيسَ مثلي في بَدو وَلا حَضر
عَدَتك حاليَ لا سرّي بمستتر ... عَن الوشاة وَلا دائي بمُنحسم
اقــــصِــــر فــــإن فــــؤادي لا يروّعه ... شيء وَلَو كانَ في ذا الحب مصرعه
وَلا اِرعــــواء إلى مــــن ذاك منزعُه ... محَّضتني النصح لكن لست أَسمعه
إن المحب عَن العذال في صَمم ... أرِح فُؤاد أَسير الحب من جَدَل
وَمن لَجاج بسمع الصّب مبتذل ... وَلا ترجّ اِعتدالي مع هَوى غزل
إني اتهمت نصيح الشيب في عذل ... وَالشيب أَبعد في نصح عَن التّهم
وَأَين مني امرؤ نفسه يقِظت ... بكلمة لهداها إِثرَ ما لُفظت
أَو آية بلسان الحق قد وعظت ... فإنّ أَمارتي بالسوء ما اِتعظت
من جهلها بنذير الشيب وَالهِرَم ... مــــاذا أَقــــول غَداً لِلَّه معتذرا
إذا كتابي بما لَم يُرضِه نُشرا ... وَالنفس للخير ما أَبقت به أَثرا
وَلا أَعدّت من الفعل الجَميلِ قرى ... طيف أَلَم برأسي غير محتشم
إذا تصابى فؤاد المرء يعذره ... طيش الصبا وَقَليل من يعزّره
لكن تهتّك مثلي الشيبُ ينكره ... لَو كــــنــــت أَعلَم أَنّي ما أوقره
كتمت سراً بدا لي منه بالكَتَم ... أَشكو إِلى اللَه نَفساً خلف رايتها
قد سِرت سير أَسير نحو غايَتها ... فطوَّحت بي إلى أَقصى عمايتها
من لي يردّ جِماح من غَوايتها ... كَما يُرَدّ جِماح الخيل باللجُم
إِن حكمت رأيها طوعاً لقوّتها ... حَتّى تَهيأت الأعضا لنزوتها
وَخانك العزم إِذعاناً لنزعتها ... فَلا تَرُم بالمَعاصي كسر شهوتها
إن الطَعام يقوي شهوة النهم ... واعزم عَلى عدم الإصرار بعد ولا
تكن سوى رجل قَد مالَ واِعتدلا ... فكل من رام هجر الريم عنه سَلا
وَالنَفس كالطفل إِن تُهمله شبّ عَلى ... حُب الرضاع وإن تفطمه يَنفطم
كَم منَّتــ القَلب خدعاً أن تحليَه ... إذا اِمتَطى صَهوة الأهوا وتوليَه
لكن توبتها شاءَت تخليه ... فاِصرف هَواها وَحاذر أَن توليه
إن الهَوى ما تَولى يُصم أَو يَصم ... وكــــل نــــفــــس لها حال ملائمة
فَــــراقِــــب اللَه لا تــــأخذك لائمة ... وَخذ حذارك منها وَهي صائمة
وَراعها وَهي في الأعمال سائمة ... وإن هي اِستحلت المرعى فَلا تُسم
صوَّر فَديتُك هذي النَفسَ خاتِلَةً ... للخــــيــــر تــــاركة للشر فاعِلة
فَماشِها واخش منها الدهر غائلة ... كَــــم حسنت لذة للمرء قاتلة
من حيث لَم يَدرِ أَن السم في الدّسم ... ثم اِحتمل واحترس يا صاح من خُدع
وَداو أَدواءها من غير ما جزع ... واسلك سَبيل الهدى دَوماً بِلا بدع
واخش الدَسائس من جوع ومن شبع ... فَرُبَّ مخمصة شر من التُخم
مرآة نفسك تجلى كُلما صدأت ... بتوبة فتعهدها إذا ابتدأت
وداوِها بِنَقيع الصبر إن ظمئت ... واِستفرغ الدمع من عين قَد امتلأت
من المَحارِم وَالزم حمية الندم ... لكن بمائدة الطاعات كن نَهِما
واِسبق سواك إلى الألوان مُلتَهِما ... وَقُم بعزمك في الأسحار نحو حِمى
وَخالِف النفس وَالشيطان واعصهما ... وإن هما محضاك النصح فاتّهم
هما عدواك مهما كنت معتصما ... فاحذر وَلا تَكُ في الميدان منهزِما
فَلا تعاملهما بيعاً وَلا سَلما ... وَلا تُطِع منهما خصما وَلا حَكما
فأَنتَ تعرف كيد الخصم وَالحكم ... إني ومُ اللَه فيما صُغت من جُمَل
كناقة تدَّعي حملا بِلا جَمل ... إذ لَم أضحّ بكبش لا وَلا حمل
أَستَغفِر اللَه من قول بِلا عَمَل ... لَقَد نسبت به نَسلا لِذي عقم
وَقَد عجبت لِقَلبي من تقلبه ... وَهجره نهج هدي بل تنكبُّه
وَلَيــــسَ يبلغ وانٍ باب مطلبه ... أَمرتك الخير لكن ما ائتمرت به
وَما اِستقمت فَما قَولي لك اِستقم ... وَلا صحبت لحج البيت قافلة
وَلَم أَزر روضة المختار حافلة ... وَلا اِعتبرت بروح الناس آفلة
وَلا تزوّدت قبل الموت نافلة ... وَلَم أُصــــــلّ ســــــوى فـــــرض وَلَم أَصُـــــم
أُوتيت عِلماً وَلَم أحسن به العملا ... فَكَيفَ أَطمع في أَن أبلغ الأملا
وَالأَمـــــــــر لِلَّه لا حـــــــــولٌ إليَّ وَلا ... ظلمت سنة من أَحيا الظَلام إلى
إن اشتكت قدماه الضر من ورم ... ما ضل يوما وَلا خانته قط قُوى
فطراً وَصوما كَثيراً ما عليه نوى ... وَلَم يُزغ قَلبه المعصومَ غيُّ هَوى
وشــــدّ مــــن ســــغّب أَحشاءه وَطوى ... تحت الحجارة كشحا مُترف الأدَم
وَلَم يُــــدارِ قــــويّــــا ضــــل من رَهَب ... في الحق من قومه حَتّى أَبي لَهب
وَالجوع ما عاق عزما منه عَن أُهَب ... وَراودته الجبال الشُم من ذهب
عَن نفسه فأراها أَيما شَمَم ... وَأوقَفت مدّ عينيه بصيرتُه
وَزخرفُ العَيش لَم تخدعه صورته ... وَلا اِستمالته دنياه غَرورته
وأكــــدت زهــــده فــــيــــهــــا ضــــرورتُه ... إن الضرورة لا تعدو عَلى العِصَم
كَم قد رَماه بمكروه لديه زمن ... وَأحدقت فتن من حوله ومِحَن
فلم تملهُ إليها فى الخطوب إِحن ... وَكَيفَ تَدعو إِلى الدنيا ضرورةَ من
لَولاه لَم تخرج الدنيا من العدم ... ذاكَ الَّذي هُــــوَ مــــن روحي أَحَب إلي
ومن ضيا ناظري حقا أَعز عَلي ... مَن شرَّف الناس تَعميما وخص قُري
محمد سيد الكونين وَالثقلي ... نِ وَالفَريقين من عُرب وَمن عَجَم
مــــا للأنام سواه قط مُلتَحد ... يوم الزحام وخلق اللَه مُحتَشِد
ذاكَ الَّذي اهتز مرتاحاً له أحدُ ... نَبينا الآمر الناهي فَلا أَحد
أَبرّ في قول لا منه وَلا نَعم ... كنز الثَراء لمن قلَّت بضاعته
مَلجا الضَعيف إذا وَلَّت جَماعته ... عَروس يوم تُشيب الطفلَ ساعته
هُوَ الحَبيب الَّذي تُرجى شَفاعته ... لكل هول من الأهوال مقتَحم
قَد اِمتَطى العزم إدراكا لمطلبه ... في الدين لَم تثنه أَوصاب منصبه
أنعم بِشرعته أَكرم بمذهبه ... دَعا إِلى اللَه فالمستمسكون به
مستمسكون بحبل غير مُنفصِم ... كأَنه مع كِرام الرسل في أفُق
لاحوا بدوراً لِهدى الخلق في غَسق ... لكـــــنـــــه وَســــنــــاه زادَ عَــــن فــــلق
فاقَ النبيين في خَلق وَفي خُلُق ... وَلَم يــــدانــــوه فــــي علم وَلا كَرَم
شمس الوجود جَميع الشهب مقتبس ... منها الضياء كَمِشكاة بها قَبَس
فنورهم منه كالمرآة منعكس ... وَكلهم من رَسول اللَه ملتمِس
غرفا من البحر أَو رشفا من الديم ... قد أشربوا حِكما منه بمدِّهم
كالبَحر فيه ومنه كُلُّ صيدهم ... لكنهم دونه في نهج قصدهم
وَواقــــفــــون لديــــه عــــنــــد حدهم ... من نقطة العلم أَو من شكلة الحِكم
لِلَّه تــــكــــويــــنــــه لِلَّه فِــــطــــرتــــه ... جاءَت كَما شاءَها المولى وقدرته
لا غرو أَن شرُفت في الناس عِترته ... فهوَ الَّذي تم معناه وَصورته
ثُمَّ اِصطَفاه حَبيبا بارئ النسم ... جَمال ظاهره من نور باطنه
كَبَدرِ تِم تجلى من مواطنه ... أَو طالع اليمن يَبدو في مَساكنه
مُنزَّه عَن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
يا أَفصح الناس فانيهم وحيّهم ... ماذا تَقول وَقَد باؤوا بعيّهمِ
عَن دَرك شأوِ مديح في سميّهم ... دَع ما ادّعته النَصارى في نبيهم
واحكم بِما شئت مدحاً فيه واحتكم ... واصرف قواك فَما بالصرف من سَرَف
في جمع أَوصافه من روضة الطُرَف ... وَقف وقوف فَتى بالعجز معترف
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قَدره ما شئت من عِظَم
سفائن الشعر لم تبلغ سواحله ... إِذ أبحر المدح قد أَعيت فطاحِله
وَالمنتهي فيه لَم يَبرح أَوائله ... فــــإن فــــضــــل رَســــول اللَه لَيــــسَ له
حد فيُعرب عنه ناطق بِفَم ... فلذ بِباب الَّذي ساد الوَرى قدما
عَساكَ تثبت في أعتابه قَدما ... وَصُغ من الدر عقد المدح منتظما
لَو ناسبت قدرَه آياتُه عِظما ... أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرّمم
وَقل لمن سار شوطاً في تجنبه ... طوعاً لعامل جهل من تعصبه
وَمُنكر ما تبدّى من غَرائبهِ ... لَم يمتحنا بِما تعيا العقول به
حرصاً عَلَينا فَلَم نَرتَب وَلَم نَهِم ... وقل لمن أَمعن الأنظار وَالفِكرا
في دَرك كنه نبيّ للسماء سَرى ... وَنالَ في العرش من مَولاه خير قرى
أَعيا الوَرى فهم مَعناه فَلَيسَ يُرى ... للقرب وَالبعد فيه غير مُنفحم
قد ينكر الناس قدرَ المرء من حسد ... أَغشى البَصائرَ كالأبصار من رمدِ
فَــــلا يَــــرون له فضلا عَلى أَحد ... كالشَمس تظهر للعينين من بُعد
صَغيرة وتُكلّ الطَرف من أمم ... ضل الألى خالفوا جهلا طَريقَته
كَما اِستظل الأُلى أَمّوا حديقته ... وَالكل لَم يَعلموا حقاً وَثيقته
وَكَيفَ يدرك في الدنيا حقيقته ... قوم نيام تسلوا عنه بالحُلم
مَهما اشرأبت إِلى عليائه فكر ... وَحــــامَ حول هيولا ذاته نظر
وَقالَ في المدح من لم يُعيِه حصر ... فمبلغ العلم فيه أَنه بشرُ
وأنــــه خــــيــــر خــــلق اللَه كــــلهــــم ... شواهِد الفضل أَعيَت عد حاسبها
وَذاته قد تَناهَت في مَناقبها ... فَكَيفَ يحصرها تبيان كاتبها
وكل آي أَتى الرسل الكِرام بها ... فإنما اِتصلت من نوره بهم
إِنَّ النبوة قد ضاءَتَ قوالبُها ... بنوره قدر ما اِستدعى تناسبُها
من عهد آدم حَتّى لاحَ صاحبُها ... فإنه شمس فضل هم كواكبُها
يُظهرن أَنوارَها للناس في الظلَم ... طَلق المُحيا فَما بَدر وما فَلَق
حــــلوُ الشَمائِل لا نزق وَلا مَلَق ... طابَت عَناصرُه مَع أَنَّها عَلَق
أَكــــرِم بــــخَــــلق نبيّ زانه خُلق ... بالحسن مشتمل بالبِشر متسِم
ما اِمتازَت الناس إلا في صفا نطف ... عَن الشوائب من نقص ومن سَخف
لِذاكَ كانَ بِما أوليه من تحف ... كالزَهر في تَرَف وَالبدر في شرف
وَالبحر في كرم وَالدهر في همم ... عَذب الفُكاهَة مرّ في بسالته
عَلى عتلّ تَمادى في جَهالته ... يُهاب هيبة سيف في حِمالته
كـــــأنـــــه وهــــو فَــــرد مــــن جــــلاله ... في عسكر حين تَلقاه وَفي حَشم
لا تــــعــــجبنَّ لصب مغرم دَنِف ... بــــحــــب مدح رَسول اللَه ذي شغف
من زهر روض رَبيع الحسن مقتطف ... كأَنَّما اللؤلؤ المَكنون في صَدَف
من مَعدنى منطق منه وَمُبتَسم ... وَصــــفــــوة القــــول أَنَّ اللَه أكرمه
وَمجمع الرسل في الإسراء قدّمه ... وباصطفاه حَبيب الذات عظّمه
لا طيبَ يعدُل تُرباً ضم أَعظمه ... طوبى لمنتشق منه وَملتئم
مُذ آن للكون تَشريف بمظهَره ... وَحــــانَ للأفــــق إِشــــراق بــــنــــيّــــره
وحنَّ ملك الوَرى شوقاً لقيصَره ... أَبانَ مولدُه عَن طيب عنصُره
يا طيب مبتدأ منه ومختتَم ... يــــوم بــــه آله الأمــــجــــاد سرّهم
أن قد تبدى لعين الخلق سِرّهُم ... يوم تحقق للعربان ظنهمُ
يــــوم تفرس فيه الفُرس أَنّهم ... قد انذروا بحلول البؤس وَالنقم
لَم يبق بعد ضياء الحق منخدع ... بما يروجه في الناس مبتدِع
وَقَد أَحسَّ بنسخ الشرك مرتدع ... وَباتَ إِيوان كسرى وهو منصدع
كشمل أَصحاب كِسرى غير ملتئم ... ما شأن شرفاته تنحط عَن شرف
وَشأنه حينما قد كفَّ عَن صَلَف ... فَهَل أحسّ بذا ما فيه من غُرَف
وَالنار خامِدة الأنفاس من أَسف ... عليه وَالنهر ساهي العين من سَدم
وَهَل حديقته جفت خُضيرتها ... أَم يا تُرى كَيفَ ما كانته سيرتُها
بالطبع غادرت الغدران ميرتها ... وَساءَ سارة أَن غاضت بُحيرتها
ورُدَّ وارِدُها بالغَيظ حينَ ظِمي ... فَربما صحت الأجسام بالعِلَل
وحــــوَّل اللَه بــــحراً مَصَّةـــ الوَشَل ... وَفي التحاويل ما يغني عن المثل
كأنَّ بالنار ما بالماء من بلل ... حزناً وَبالماء ما بالنار من ضرم
ما مِثل آمنة في الناس واضِعة ... وَلا سواها لشأن الكون رافعة
في لَيلة شمسها بالسعد طالعة ... وَالجن تهتف والأنوار ساطعة
وَالحق يظهر من مَعنى ومن كلم ... وافى الوجودَ وجهل الناس عمَّ وَطَم
وَغاية الهدى أَن يجثوا أمام صَنَم ... لِذا وَقَد لاحَ نور مثل نار عَلَم
عموا وَصموا فاعلان البَشائر لم ... تُسمع وَبارقة الأنذار لم تُشَم
فَلا وَرَبك ما اِمتنَّتــ محاسنهم ... من ذا وَلا رضيت عنهم أَماكنهم
وَلَم يُقم حولهم إلا مُداهنهم ... من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم
بأنَّ دينهم المعوجَّ لَم يقم ... وإِثر ما حفّ بالميلاد مِن عَجب
أَماط عنهم بحق كل ذي حُجُب ... وَزادَ في نَشب بالجود من سحب
وَبعدما عايَنوا في الأفق من شهب ... منقضة وفق ما في الأرض من صنم
تعجب الجن إذ لَم يَروِ ذا قِدَم ... شُهب رأوها بمن في الأرض تصطدم
فَهالهم أَن من تمسسه منهدم ... حَتّى غَدا عَن طَريق الوحي منهزم
من الشياطين يَقفوا إِثر منهزم ... وَلى الجَميع بأَشباح مشوَّهة
مِــــمّــــا دَهــــاهــــم وَأَرواح مُــــولهــــة ... بحالة لفراش النار مُشبهة
كأنهم هرباً أَبطال أَبرَهة ... أَو عسكر بالحصى من راحتيه رُمي
حدّث عَن البحر تَقريباً لشأنهما ... فإنه يحكى جوداً بعض منهما
والرمى لِلَّه تَحقيقاً لظنهما ... نبذاً به بعد تَسبيح ببطنهما
نبذ المسبّح من أَحشاء مُلتقِم ... قامَت لبعثته الآيات شاهدة
بالرغم عَن فئة ظَلَّت معاندة ... وَبينَما أَبَت الإذعان جامدة
جاءَت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه عَلى ساق بلا قدم
ماست بهيف قدود حينما طربت ... بأنها سعدت منه إذ اِقتربت
وَفوقَ ذلك ما مادت وَلا اِضطربت ... كأنما سطرت سطراً لما كتبت
فروعها من بَديع الخط باللقَم ... أَنعم بها حينما أمته زائرة
وَللمــــنابت عادت بعدُ طائرة ... لَم تعدُ قط لخط السير دائرة
مثل الغمامة أَنى سار سائرة ... تَقيه حر وَطيس للهجير حمي
أكرم بفطرة من لَو شاء بدَّله ... بالترب تبراً فَما أَعلى تَنازله
فصفه ما شئت لا تحصي شَمائله ... أَقسمت بالقمر المنشق ان له
من قَلبه نسبةً مَبرورة القَسَمِ ... فــــإنه البدر إذ أسري إِلى حرم
وَطيبة قد زهت تيهاً عَلى إِرم ... فأين مدح زُهير في عُلا هرم
وَما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عمي
إنَّ الكَريم له من جنسه كرما ... يصفونه الود مهما ضاقَ أَو حُرما
وَالعهد بينهم لا يُلفى منصرما ... فالصدق في الغار وَالصديق لَم يرما
وَهم يَقولون ما بالغار من أرم ... وَفي كَثير يخون الناس عهد وَلا
وَلا يُـــــراعـــــون إِلا لِلقَــــريــــب وَلا ... حَتّى إلى القَتل لكن للخطوب جلا
ظنوا الحمال وظنوا العنكبوت عَلى ... خَير البَريَّةــ لَم تَنسج وَلَم تحُم
وَيل لمن شذ منهم عَن محالفة ... وَناهضَ الحق حباً في مخالفة
فَلَم يضِره بكيد أَو مقارَفة ... وقاية اللَه أَغنَت عن مضاعفة
مــــن الدروع وَعَن عال من الأطُم ... وَأَسعدُ الناس حظاً في تحبُّبه
من فازَ منهم بقسط من تقربه ... وكانَ من حزبه حقاً ومذهبه
ما سامني الدَهرُ ضَيما واِستجرت به ... إلا ونلت جواراً منه لَم يُضَم
وَمــــا تــــجــــاوزَ حداً في تمرّده ... شَيطانَ بَغي طَغى في سوء مقصده
إلا اِنتصرت بمولى الكون سيده
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الظهور: ظهر: الظَّهْر مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: خِلافُ البَطْن. والظَّهْر مِنَ الإِنسان: مِنْ لَدُن مُؤخَّرِ الْكَاهِلِ إِلى أَدنى الْعَجُزِ عِنْدَ آخِرِهِ، مُذَكَّرٌ لَا غَيْرُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ اللِّحْيَانِيُّ، وَهُوَ مِنَ الأَسماء ا … (لسان العرب)
- تلقاء: لقا: اللَّقْوة: دَاءٌ يَكُونُ فِي الْوَجْهِ يَعْوَجُّ مِنْهُ الشِّدق، وَقَدْ لُقِيَ فَهُوَ مَلْقُوٌّ. ولَقَوْتُه أَنا: أَجْرَيْت عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الْمُهَلَّبِيُّ واللُّقاء، بِالضَّمِّ وَالْمَد … (لسان العرب)
- جسمك: جَسَمَ: الجِسْمُ: جَمَاعَةُ البَدَنِ أَو الأَعضاء مِنَ النَّاسِ والإِبل وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَنواع الْعَظِيمَةِ الخَلْق، وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ للأَعراض فَقَالَ يَذْكُرُ عِلْم القَوافي: لَا مَا … (لسان العرب)
- جيران: جير: جَيْرِ: بِمَعْنَى أَجَلْ؛ قَالَ بَعْضُ الأَغفال: قَالَتْ: أَراكَ هارِباً لِلْجَوْرِ ... مِنْ هَدَّةِ السُّلْطانِ؟ قُلْتُ: جَيْرِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرَّكُوهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وإِلا فَحُكْمُهُ السُّكُونُ … (لسان العرب)