ما لي أراك نحولا عُدت كالقَلم
الشاعر: محمد فرغلي الطهطاوي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«ما لي أراك نحولا عُدت كالقَلم» من شعر محمد فرغلي الطهطاوي، من العصر الحديث، وتقع في 202 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مـــا لي أراك نـــحــولا عُــدت كــالقَــلم — وَشــكــل جــســمــك حــاكــى أَحــرف الكــلم
فَـــمـــا عَــســى بــك مــن كــلم ومــن أَلَم — أَمــــن تــــذكــــر جـــيـــران بـــذي سَـــلم
مــزجــت دَمــعــاً جَــرى مــن مــقــلة بــدم — أَو ابــتُــليــتَ مــن الدنــيــا بـقـاصـمـة
مــــتــــن الظــــهــــور وَللذات هـــازمـــة — أَو فـــكـــرة لهــمــوم اللَيــل نــاظــمــة
أَم هــبــت الريــح مــن تــلقـاء كـاظـمـة — وَأومــض البــرق فــي الظـلمـاء مـن أضِـم
فــإن تـقـل مُـقـلتـاي القـلب قـد حَـمـتـا — مــن الغَــرام وَمــا بــي عــاذلي شِــمـتـا
وَالحـال مـثـل مَـقـالي الدهـر قَـد صَـمتا — فَـمـا لِعَـيـنـيـك إن قـلت اكـفـفـا هـمـتا
وَمــا لِقَــلبــك إن قــلت اســتــفِــق يَهــم — الصــبــر للعــشــق مَهــمــا طـال مُـنـهـزم
وَفـــيـــهِ كـــل حـــســـاب اللب مُـــنــخــرم — كَــذاك حــبــل اِســتــتــار فــيـه مُـنـصَـرِم
أَيـــحـــســب الصــب أَن الحــب مــنــكــتــم — مــا بــيــن مُــنــســجــم مــنــه وَمُــضـطـرم
فـــقـــل لمـــن مـــسّه شــيــء مــن الخــلل — بـــحـــب مــن مــاس فــي حــلي وَفــي حُــلَل
وَبـــاتَ يـــنـــكـــره ســـتـــراً إلى الزلل — لَولا الهَــوى لَم تُــرق دَمـعـاً عَـلى طـلل
وَلا أَرِقــــت لذكــــر البــــان والعــــلم — وَلا قـــواك لمـــا كـــابـــدتـــه جـــهــدت
وَالنـفـس فـي غـيـر مـن هـامَـت بـه زَهـدت — وَالعــيــن مــن حـر قَـلب بـالجـوى سـهـدت
فَــكَــيــفَ تــنــكـر حـبـاً بـعـد مـا شـهِـدت — بـــه عـــليـــك عـــدول الدمــع وَالســقــم
وعــدت مــن شــجــن جــســمــا كـعـود قـنـاً — لَم يــعــنــه أَي شــان غــيــر شــان عـنـاً
وَالســهــل أَصـبـحَ حـزنـاً وَالصـفـا حـزنـا — وَأَثــبــت الوجــد خــطــى عــبــرة وضــنــى
مــثــل البــهــار عَــلى خــديــك وَالعـنـم — يــا مُــلحــفــاً بــســؤال عــنــه شــوّقـنـي
لمـــن يُـــســـائِلنـــي عـــنـــه ورنــقّــنــي — جــهــراً أجــيـبـك حـيـث السـر لم يَـقـنـي
نــعــم سَــرى طــيــف مــن أَهـوى فـأرَّقـنـي — وَالحــــب يــــعــــتـــرض اللذات بـــالأَلَم
وإن لي فــي احــتــمــال الوجــد مـقـدرة — أعُـــدّهـــا فــي سَــبــيــل الحــب مــأثــرة
وأســــــأل اللَه للزلات مــــــغـــــفـــــرة — يــا لائمـي فـي الهـوى العـذريّ مَـعـذِرة
مـــنـــي إليـــك وَلَو أَنـــصــفــت لَم تــلُم — واربــأ بــنـفـسـك لا تـسـأل عَـن الخـبـر
فـإن فـي العـيـن مـا يُـغـنـي عـن الأثـر — وَلَيـــسَ مـــثـــلي فـــي بَـــدو وَلا حَـــضــر
عَـــدَتـــك حـــاليَ لا ســـرّي بــمــســتــتــر — عَـــن الوشـــاة وَلا دائي بـــمُـــنــحــســم
اقــــصِــــر فــــإن فــــؤادي لا يـــروّعـــه — شــيــء وَلَو كــانَ فــي ذا الحـب مـصـرعـه
وَلا اِرعــــواء إلى مــــن ذاك مـــنـــزعُه — مــحَّضــتــنــي النــصـح لكـن لسـت أَسـمـعـه
إن المـــحـــب عَـــن العـــذال فــي صَــمــم — أرِح فُـــؤاد أَســـيـــر الحـــب مـــن جَـــدَل
وَمـــن لَجـــاج بــســمــع الصّــب مــبــتــذل — وَلا تـــرجّ اِعـــتـــدالي مـــع هَــوى غــزل
إنــي اتــهــمـت نـصـيـح الشـيـب فـي عـذل — وَالشــيــب أَبــعــد فــي نـصـح عَـن التّهـم
وَأَيـــن مـــنــي امــرؤ نــفــســه يــقِــظــت — بـــكـــلمــة لهــداهــا إِثــرَ مــا لُفــظــت
أَو آيـــة بـــلســـان الحـــق قــد وعــظــت — فــإنّ أَمــارتــي بــالســوء مــا اِتــعـظـت
مــن جــهــلهــا بـنـذيـر الشـيـب وَالهِـرَم — مــــاذا أَقــــول غَـــداً لِلَّه مـــعـــتـــذرا
إذا كــتــابــي بــمــا لَم يُــرضِه نُــشــرا — وَالنــفــس للخــيـر مـا أَبـقـت بـه أَثـرا
وَلا أَعــدّت مــن الفــعــل الجَـمـيـلِ قـرى — طـــيـــف أَلَم بــرأســي غــيــر مــحــتــشــم
إذا تـــصـــابــى فــؤاد المــرء يــعــذره — طـــيـــش الصــبــا وَقَــليــل مــن يــعــزّره
لكــن تــهــتّــك مــثــلي الشــيـبُ يـنـكـره — لَو كــــنــــت أَعـــلَم أَنّـــي مـــا أوقـــره
كــتــمــت ســراً بــدا لي مــنـه بـالكَـتَـم — أَشــكـو إِلى اللَه نَـفـسـاً خـلف رايـتـهـا
قــد سِــرت ســيــر أَسـيـر نـحـو غـايَـتـهـا — فــطــوَّحــت بــي إلى أَقــصــى عــمـايـتـهـا
مــن لي يــردّ جِــمــاح مــن غَــوايــتــهــا — كَــمــا يُــرَدّ جِــمــاح الخــيــل بــاللجُــم
إِن حــكــمــت رأيــهــا طــوعــاً لقــوّتـهـا — حَـــتّـــى تَهــيــأت الأعــضــا لنــزوتــهــا
وَخــانــك العــزم إِذعــانــاً لنــزعــتـهـا — فَــلا تَــرُم بـالمَـعـاصـي كـسـر شـهـوتـهـا
إن الطَـــعـــام يــقــوي شــهــوة النــهــم — واعــزم عَــلى عــدم الإصــرار بـعـد ولا
تــكــن ســوى رجــل قَــد مــالَ واِعــتــدلا — فــكــل مــن رام هـجـر الريـم عـنـه سَـلا
وَالنَــفـس كـالطـفـل إِن تُهـمـله شـبّ عَـلى — حُــب الرضــاع وإن تــفــطــمــه يَــنــفـطـم
كَــم مــنَّتــ القَــلب خــدعــاً أن تــحــليَه — إذا اِمــتَــطــى صَهــوة الأهــوا وتــوليَه
لكـــن تـــوبـــتـــهـــا شـــاءَت تـــخـــليــه — فـــاِصـــرف هَــواهــا وَحــاذر أَن تــوليــه
إن الهَــوى مــا تَــولى يُــصــم أَو يَــصــم — وكــــل نــــفــــس لهـــا حـــال مـــلائمـــة
فَــــراقِــــب اللَه لا تــــأخـــذك لائمـــة — وَخـــذ حـــذارك مـــنـــهــا وَهــي صــائمــة
وَراعــهــا وَهــي فــي الأعــمــال سـائمـة — وإن هــي اِســتــحـلت المـرعـى فَـلا تُـسـم
صــوَّر فَــديــتُــك هــذي النَــفــسَ خــاتِــلَةً — للخــــيــــر تــــاركـــة للشـــر فـــاعِـــلة
فَــمــاشِهــا واخـش مـنـهـا الدهـر غـائلة — كَــــم حـــســـنـــت لذة للمـــرء قـــاتـــلة
مــن حـيـث لَم يَـدرِ أَن السـم فـي الدّسـم — ثـم اِحـتـمـل واحـتـرس يـا صـاح مـن خُـدع
وَداو أَدواءهـــا مـــن غـــيـــر مــا جــزع — واســلك سَــبـيـل الهـدى دَومـاً بِـلا بـدع
واخــش الدَســائس مــن جــوع ومــن شــبــع — فَـــرُبَّ مـــخـــمـــصـــة شـــر مـــن التُـــخــم
مـــرآة نـــفــســك تــجــلى كُــلمــا صــدأت — بــتــوبــة فــتــعــهــدهــا إذا ابــتــدأت
وداوِهــا بِــنَــقــيــع الصــبــر إن ظـمـئت — واِسـتـفـرغ الدمـع مـن عـيـن قَـد امتلأت
مــن المَــحــارِم وَالزم حــمــيــة النــدم — لكــن بــمــائدة الطــاعــات كــن نَهِــمــا
واِســبــق ســواك إلى الألوان مُــلتَهِـمـا — وَقُــم بـعـزمـك فـي الأسـحـار نـحـو حِـمـى
وَخــالِف النــفـس وَالشـيـطـان واعـصـهـمـا — وإن هــمــا مــحــضــاك النــصــح فــاتّهــم
هــمــا عــدواك مــهــمـا كـنـت مـعـتـصـمـا — فـاحـذر وَلا تَـكُ فـي المـيـدان مـنـهزِما
فَــلا تــعــامــلهــمـا بـيـعـاً وَلا سَـلمـا — وَلا تُــطِــع مـنـهـمـا خـصـمـا وَلا حَـكـمـا
فــأَنــتَ تــعــرف كــيــد الخـصـم وَالحـكـم — إنــي ومُ اللَه فــيــمــا صُــغـت مـن جُـمَـل
كـــنـــاقــة تــدَّعــي حــمــلا بِــلا جَــمــل — إذ لَم أضـــحّ بـــكـــبـــش لا وَلا حـــمـــل
أَســتَــغــفِــر اللَه مــن قــول بِــلا عَـمَـل — لَقَــد نــســبــت بــه نَــســلا لِذي عــقــم
وَقَـــد عـــجــبــت لِقَــلبــي مــن تــقــلبــه — وَهـــجـــره نـــهـــج هـــدي بـــل تــنــكــبُّه
وَلَيــــسَ يـــبـــلغ وانٍ بـــاب مـــطـــلبـــه — أَمــرتــك الخــيـر لكـن مـا ائتـمـرت بـه
وَمــا اِسـتـقـمـت فَـمـا قَـولي لك اِسـتـقـم — وَلا صـــحـــبـــت لحـــج البــيــت قــافــلة
وَلَم أَزر روضـــة المـــخـــتـــار حــافــلة — وَلا اِعـــتـــبـــرت بـــروح النــاس آفــلة
وَلا تـــزوّدت قـــبـــل المـــوت نـــافـــلة — وَلَم أُصــــــلّ ســــــوى فـــــرض وَلَم أَصُـــــم
أُوتــيـت عِـلمـاً وَلَم أحـسـن بـه العـمـلا — فَــكَــيــفَ أَطــمــع فــي أَن أبـلغ الأمـلا
وَالأَمـــــــــر لِلَّه لا حـــــــــولٌ إليَّ وَلا — ظــلمــت ســنــة مــن أَحــيـا الظَـلام إلى
إن اشـــتـــكــت قــدمــاه الضــر مــن ورم — مــا ضــل يــومــا وَلا خــانـتـه قـط قُـوى
فــطـراً وَصـومـا كَـثـيـراً مـا عـليـه نـوى — وَلَم يُــزغ قَــلبــه المــعــصــومَ غـيُّ هَـوى
وشــــدّ مــــن ســــغّـــب أَحـــشـــاءه وَطـــوى — تــحــت الحــجــارة كــشـحـا مُـتـرف الأدَم
وَلَم يُــــدارِ قــــويّــــا ضــــل مـــن رَهَـــب — فــي الحــق مــن قــومــه حَـتّـى أَبـي لَهـب
وَالجــوع مـا عـاق عـزمـا مـنـه عَـن أُهَـب — وَراودتـــه الجـــبـــال الشُـــم مــن ذهــب
عَـــن نـــفــســه فــأراهــا أَيــمــا شَــمَــم — وَأوقَـــفـــت مـــدّ عـــيــنــيــه بــصــيــرتُه
وَزخــرفُ العَــيــش لَم تــخــدعــه صــورتــه — وَلا اِســـتـــمــالتــه دنــيــاه غَــرورتــه
وأكــــدت زهــــده فــــيــــهــــا ضــــرورتُه — إن الضــرورة لا تــعــدو عَــلى العِــصَــم
كَــم قــد رَمــاه بــمــكــروه لديــه زمــن — وَأحـــدقـــت فـــتـــن مـــن حـــوله ومِــحَــن
فــلم تــمــلهُ إليـهـا فـى الخـطـوب إِحـن — وَكَــيــفَ تَـدعـو إِلى الدنـيـا ضـرورةَ مـن
لَولاه لَم تــخــرج الدنــيــا مـن العـدم — ذاكَ الَّذي هُــــوَ مــــن روحـــي أَحَـــب إلي
ومــن ضــيــا نــاظــري حــقــا أَعــز عَــلي — مَــن شــرَّف النــاس تَــعـمـيـمـا وخـص قُـري
مــحــمــد ســيــد الكــونــيــن وَالثــقــلي — نِ وَالفَــريــقــيــن مــن عُــرب وَمــن عَـجَـم
مــــا للأنـــام ســـواه قـــط مُـــلتَـــحـــد — يـــوم الزحـــام وخــلق اللَه مُــحــتَــشِــد
ذاكَ الَّذي اهـــتـــز مــرتــاحــاً له أحــدُ — نَــبــيــنــا الآمــر النــاهــي فَـلا أَحـد
أَبـــرّ فـــي قـــول لا مـــنــه وَلا نَــعــم — كــنــز الثَــراء لمــن قــلَّت بــضــاعــتــه
مَــلجــا الضَــعــيــف إذا وَلَّت جَــمــاعـتـه — عَــروس يــوم تُــشــيــب الطــفــلَ ســاعـتـه
هُــوَ الحَــبــيــب الَّذي تُــرجــى شَـفـاعـتـه — لكـــل هـــول مـــن الأهـــوال مــقــتَــحــم
قَــد اِمــتَــطـى العـزم إدراكـا لمـطـلبـه — فــي الديــن لَم تـثـنـه أَوصـاب مـنـصـبـه
أنــعــم بِــشــرعــتــه أَكــرم بــمــذهــبــه — دَعــا إِلى اللَه فــالمــســتــمـسـكـون بـه
مــســتــمــســكــون بــحـبـل غـيـر مُـنـفـصِـم — كـــأَنـــه مـــع كِـــرام الرســل فــي أفُــق
لاحــوا بــدوراً لِهــدى الخـلق فـي غَـسـق — لكـــــنـــــه وَســــنــــاه زادَ عَــــن فــــلق
فــاقَ النــبــيــيــن فــي خَــلق وَفـي خُـلُق — وَلَم يــــدانــــوه فــــي عـــلم وَلا كَـــرَم
شــمــس الوجـود جَـمـيـع الشـهـب مـقـتـبـس — مــنــهــا الضـيـاء كَـمِـشـكـاة بـهـا قَـبَـس
فــنــورهــم مــنــه كــالمــرآة مــنــعـكـس — وَكـــلهـــم مـــن رَســـول اللَه مـــلتـــمِــس
غـرفـا مـن البـحـر أَو رشـفـا مـن الديم — قــد أشــربــوا حِــكــمــا مــنــه بــمـدِّهـم
كــالبَــحــر فــيــه ومــنــه كُــلُّ صــيـدهـم — لكـــنـــهــم دونــه فــي نــهــج قــصــدهــم
وَواقــــفــــون لديــــه عــــنــــد حـــدهـــم — مـن نـقـطـة العـلم أَو مـن شـكـلة الحِكم
لِلَّه تــــكــــويــــنــــه لِلَّه فِــــطــــرتــــه — جــاءَت كَــمــا شــاءَهـا المـولى وقـدرتـه
لا غــرو أَن شــرُفـت فـي النـاس عِـتـرتـه — فـــهـــوَ الَّذي تـــم مـــعــنــاه وَصــورتــه
ثُــمَّ اِصــطَــفــاه حَــبـيـبـا بـارئ النـسـم — جَـــمـــال ظـــاهـــره مــن نــور بــاطــنــه
كَـــبَـــدرِ تِـــم تـــجـــلى مـــن مــواطــنــه — أَو طــالع اليــمـن يَـبـدو فـي مَـسـاكـنـه
مُـــنـــزَّه عَـــن شـــريــك فــي مــحــاســنــه — فــجــوهــر الحــســن فـيـه غـيـر مـنـقـسـم
يــا أَفــصــح النــاس فــانــيـهـم وحـيّهـم — مـــاذا تَـــقــول وَقَــد بــاؤوا بــعــيّهــمِ
عَـــن دَرك شـــأوِ مـــديـــح فــي ســمــيّهــم — دَع مــا ادّعــتـه النَـصـارى فـي نـبـيـهـم
واحـكـم بِـمـا شـئت مـدحـاً فـيـه واحـتكم — واصــرف قــواك فَــمــا بـالصـرف مـن سَـرَف
فــي جــمــع أَوصــافــه مــن روضـة الطُـرَف — وَقــف وقــوف فَــتــى بــالعــجــز مــعـتـرف
وانــســب إلى ذاتــه مــا شــئت مـن شـرف — وانــســب إلى قَــدره مــا شـئت مـن عِـظَـم
ســفــائن الشــعــر لم تــبــلغ ســواحــله — إِذ أبــحــر المــدح قـد أَعـيـت فـطـاحِـله
وَالمــنــتــهــي فــيــه لَم يَـبـرح أَوائله — فــــإن فــــضــــل رَســــول اللَه لَيــــسَ له
حـــد فـــيُـــعـــرب عـــنـــه نــاطــق بِــفَــم — فــلذ بِــبــاب الَّذي ســاد الوَرى قــدمــا
عَــســاكَ تــثــبــت فــي أعــتــابــه قَـدمـا — وَصُــغ مــن الدر عـقـد المـدح مـنـتـظـمـا
لَو نـــاســـبـــت قـــدرَه آيــاتُه عِــظــمــا — أحــيـا اسـمـه حـيـن يُـدعـى دارس الرّمـم
وَقــل لمــن ســار شــوطــاً فــي تــجــنـبـه — طــوعــاً لعــامــل جــهــل مــن تــعــصــبــه
وَمُـــنـــكـــر مـــا تــبــدّى مــن غَــرائبــهِ — لَم يـمـتـحـنـا بِـمـا تـعـيـا العـقـول به
حــرصــاً عَــلَيــنــا فَـلَم نَـرتَـب وَلَم نَهِـم — وقــل لمــن أَمــعــن الأنـظـار وَالفِـكـرا
فـــي دَرك كـــنــه نــبــيّ للســمــاء سَــرى — وَنـالَ فـي العـرش مـن مَـولاه خـيـر قـرى
أَعـيـا الوَرى فـهـم مَـعـنـاه فَـلَيـسَ يُـرى — للقــرب وَالبــعــد فــيــه غـيـر مُـنـفـحـم
قـد يـنـكـر النـاس قـدرَ المـرء مـن حسد — أَغــشــى البَــصـائرَ كـالأبـصـار مـن رمـدِ
فَــــلا يَــــرون له فـــضـــلا عَـــلى أَحـــد — كــالشَــمــس تـظـهـر للعـيـنـيـن مـن بُـعـد
صَـــغـــيـــرة وتُـــكـــلّ الطَـــرف مــن أمــم — ضــل الألى خــالفــوا جــهــلا طَـريـقَـتـه
كَــمــا اِســتــظـل الأُلى أَمّـوا حـديـقـتـه — وَالكــل لَم يَــعــلمــوا حــقــاً وَثـيـقـتـه
وَكَــيــفَ يــدرك فــي الدنــيـا حـقـيـقـتـه — قــوم نــيــام تــســلوا عــنــه بــالحُــلم
مَهــمــا اشــرأبــت إِلى عــليــائه فــكــر — وَحــــامَ حـــول هـــيـــولا ذاتـــه نـــظـــر
وَقــالَ فــي المــدح مــن لم يُـعـيِه حـصـر — فـــمـــبـــلغ العـــلم فــيــه أَنــه بــشــرُ
وأنــــه خــــيــــر خــــلق اللَه كــــلهــــم — شــواهِــد الفــضــل أَعــيَـت عـد حـاسـبـهـا
وَذاتــه قــد تَــنــاهَــت فــي مَــنـاقـبـهـا — فَــكَــيــفَ يــحــصــرهـا تـبـيـان كـاتـبـهـا
وكـــل آي أَتـــى الرســل الكِــرام بــهــا — فـــإنـــمـــا اِتـــصــلت مــن نــوره بــهــم
إِنَّ النـــبـــوة قـــد ضـــاءَتَ قـــوالبُهـــا — بــنــوره قــدر مـا اِسـتـدعـى تـنـاسـبُهـا
مـــن عـــهــد آدم حَــتّــى لاحَ صــاحــبُهــا — فـــإنـــه شــمــس فــضــل هــم كــواكــبُهــا
يُــظــهــرن أَنــوارَهـا للنـاس فـي الظـلَم — طَــلق المُــحــيــا فَــمــا بَــدر ومـا فَـلَق
حــــلوُ الشَـــمـــائِل لا نـــزق وَلا مَـــلَق — طـــابَـــت عَـــنـــاصـــرُه مَـــع أَنَّهــا عَــلَق
أَكــــرِم بــــخَــــلق نـــبـــيّ زانـــه خُـــلق — بــالحــســن مــشــتــمــل بـالبِـشـر مـتـسِـم
مـا اِمـتـازَت النـاس إلا فـي صـفـا نـطف — عَـــن الشـــوائب مــن نــقــص ومــن سَــخــف
لِذاكَ كـــانَ بِـــمـــا أوليـــه مــن تــحــف — كــالزَهــر فــي تَــرَف وَالبــدر فــي شــرف
وَالبــحــر فــي كــرم وَالدهــر فــي هـمـم — عَـــذب الفُـــكــاهَــة مــرّ فــي بــســالتــه
عَـــلى عـــتـــلّ تَـــمـــادى فـــي جَهــالتــه — يُهـــاب هـــيــبــة ســيــف فــي حِــمــالتــه
كـــــأنـــــه وهــــو فَــــرد مــــن جــــلاله — فــي عــســكــر حــيــن تَــلقـاه وَفـي حَـشـم
لا تــــعــــجـــبـــنَّ لصـــب مـــغـــرم دَنِـــف — بــــحــــب مـــدح رَســـول اللَه ذي شـــغـــف
مــن زهــر روض رَبــيــع الحـسـن مـقـتـطـف — كــأَنَّمــا اللؤلؤ المَــكــنــون فــي صَــدَف
مــن مَــعــدنــى مــنــطــق مـنـه وَمُـبـتَـسـم — وَصــــفــــوة القــــول أَنَّ اللَه أكـــرمـــه
وَمــجــمــع الرســل فــي الإســراء قـدّمـه — وبــاصــطــفــاه حَــبــيــب الذات عــظّــمــه
لا طــيــبَ يــعــدُل تُــربــاً ضــم أَعــظـمـه — طـــوبـــى لمـــنـــتــشــق مــنــه وَمــلتــئم
مُـــذ آن للكـــون تَــشــريــف بــمــظــهَــره — وَحــــانَ للأفــــق إِشــــراق بــــنــــيّــــره
وحـــنَّ مـــلك الوَرى شـــوقـــاً لقــيــصَــره — أَبـــانَ مـــولدُه عَـــن طـــيـــب عـــنــصُــره
يــا طــيــب مــبــتــدأ مــنــه ومــخــتـتَـم — يــــوم بــــه آله الأمــــجــــاد ســـرّهـــم
أن قــد تــبــدى لعــيــن الخــلق سِــرّهُــم — يـــوم تـــحـــقـــق للعـــربـــان ظـــنـــهــمُ
يــــوم تـــفـــرس فـــيـــه الفُـــرس أَنّهـــم — قــد انــذروا بــحــلول البــؤس وَالنـقـم
لَم يــبــق بــعــد ضــيــاء الحـق مـنـخـدع — بـــمـــا يــروجــه فــي النــاس مــبــتــدِع
وَقَـــد أَحـــسَّ بـــنـــســخ الشــرك مــرتــدع — وَبـــاتَ إِيـــوان كــســرى وهــو مــنــصــدع
كــشــمــل أَصــحــاب كِــســرى غـيـر مـلتـئم — مــا شــأن شــرفــاتــه تــنــحــط عَـن شـرف
وَشــأنــه حــيــنــمــا قــد كــفَّ عَــن صَــلَف — فَهَـــل أحـــسّ بــذا مــا فــيــه مــن غُــرَف
وَالنــار خــامِــدة الأنــفــاس مــن أَســف — عـليـه وَالنـهـر سـاهـي العـيـن مـن سَـدم
وَهَــل حــديــقــتــه جــفــت خُــضــيــرتــهــا — أَم يـا تُـرى كَـيـفَ مـا كـانـتـه سـيـرتُها
بــالطــبــع غــادرت الغــدران مـيـرتـهـا — وَســاءَ ســارة أَن غــاضــت بُــحــيــرتــهــا
ورُدَّ وارِدُهـــا بـــالغَــيــظ حــيــنَ ظِــمــي — فَـــربـــمــا صــحــت الأجــســام بــالعِــلَل
وحــــوَّل اللَه بــــحـــراً مَـــصَّةـــ الوَشَـــل — وَفـي التـحـاويـل مـا يـغـنـي عـن المـثل
كــأنَّ بــالنــار مــا بــالمــاء مـن بـلل — حــزنـاً وَبـالمـاء مـا بـالنـار مـن ضـرم
مــا مِــثــل آمــنــة فــي النــاس واضِـعـة — وَلا ســـواهـــا لشـــأن الكـــون رافــعــة
فــي لَيــلة شــمــســهـا بـالسـعـد طـالعـة — وَالجـــن تـــهــتــف والأنــوار ســاطــعــة
وَالحــق يــظــهــر مــن مَــعـنـى ومـن كـلم — وافــى الوجــودَ وجــهـل النـاس عـمَّ وَطَـم
وَغــايـة الهـدى أَن يـجـثـوا أمـام صَـنَـم — لِذا وَقَـــد لاحَ نـــور مــثــل نــار عَــلَم
عــمــوا وَصــمــوا فـاعـلان البَـشـائر لم — تُــســمــع وَبــارقــة الأنــذار لم تُــشَــم
فَــلا وَرَبــك مــا اِمــتــنَّتــ مــحـاسـنـهـم — مــن ذا وَلا رضــيــت عــنـهـم أَمـاكـنـهـم
وَلَم يُـــقـــم حــولهــم إلا مُــداهــنــهــم — مـن بـعـد مـا أخـبـر الأقـوام كـاهـنـهم
بـــأنَّ ديـــنـــهـــم المـــعـــوجَّ لَم يــقــم — وإِثــر مــا حــفّ بــالمــيــلاد مِــن عَـجـب
أَمـــاط عـــنـــهـــم بــحــق كــل ذي حُــجُــب — وَزادَ فـــي نَـــشــب بــالجــود مــن ســحــب
وَبـعـدمـا عـايَـنـوا فـي الأفـق مـن شـهب — مــنــقـضـة وفـق مـا فـي الأرض مـن صـنـم
تـــعـــجـــب الجـــن إذ لَم يَــروِ ذا قِــدَم — شُهــب رأوهــا بــمــن فـي الأرض تـصـطـدم
فَهــالهــم أَن مــن تــمــســســه مــنــهــدم — حَــتّــى غَــدا عَــن طَـريـق الوحـي مـنـهـزم
مــن الشــيـاطـيـن يَـقـفـوا إِثـر مـنـهـزم — وَلى الجَـــمـــيـــع بـــأَشــبــاح مــشــوَّهــة
مِــــمّــــا دَهــــاهــــم وَأَرواح مُــــولهــــة — بـــحـــالة لفـــراش النـــار مُـــشـــبــهــة
كـــأنـــهـــم هـــربـــاً أَبـــطــال أَبــرَهــة — أَو عــسـكـر بـالحـصـى مـن راحـتـيـه رُمـي
حــدّث عَــن البـحـر تَـقـريـبـاً لشـأنـهـمـا — فــإنــه يــحــكــى جــوداً بــعــض مـنـهـمـا
والرمــى لِلَّه تَــحــقــيــقــاً لظــنــهــمــا — نــبــذاً بــه بـعـد تَـسـبـيـح بـبـطـنـهـمـا
نــبــذ المــســبّــح مــن أَحــشـاء مُـلتـقِـم — قـــامَـــت لبــعــثــتــه الآيــات شــاهــدة
بـــالرغـــم عَـــن فـــئة ظَــلَّت مــعــانــدة — وَبـــيـــنَـــمـــا أَبَــت الإذعــان جــامــدة
جـــاءَت لدعـــوتـــه الأشـــجــار ســاجــدة — تـــمـــشــي إليــه عَــلى ســاق بــلا قــدم
مــاســت بــهــيــف قــدود حـيـنـمـا طـربـت — بــأنــهــا ســعــدت مــنــه إذ اِقــتــربــت
وَفـــوقَ ذلك مـــا مــادت وَلا اِضــطــربــت — كــأنــمــا ســطــرت ســطــراً لمــا كــتـبـت
فــروعــهــا مــن بَــديــع الخــط بـاللقَـم — أَنــعــم بــهــا حــيــنــمــا أمـتـه زائرة
وَللمــــنـــابـــت عـــادت بـــعـــدُ طـــائرة — لَم تـــعـــدُ قـــط لخـــط الســـيـــر دائرة
مـــثـــل الغــمــامــة أَنــى ســار ســائرة — تَــقــيــه حــر وَطــيــس للهــجــيــر حــمــي
أكـــرم بـــفـــطـــرة مــن لَو شــاء بــدَّله — بــالتــرب تــبــراً فَــمـا أَعـلى تَـنـازله
فــصــفــه مــا شــئت لا تــحـصـي شَـمـائله — أَقــســمــت بــالقــمــر المــنــشــق ان له
مــن قَــلبــه نــســبــةً مَــبــرورة القَـسَـمِ — فــــإنـــه البـــدر إذ أســـري إِلى حـــرم
وَطــيــبــة قــد زهــت تــيــهــاً عَــلى إِرم — فـــأيـــن مـــدح زُهـــيــر فــي عُــلا هــرم
وَمــا حــوى الغــار مــن خـيـر ومـن كـرم — وكــل طــرف مــن الكــفــار عــنــه عــمــي
إنَّ الكَـــريـــم له مــن جــنــســه كــرمــا — يــصــفـونـه الود مـهـمـا ضـاقَ أَو حُـرمـا
وَالعــهــد بـيـنـهـم لا يُـلفـى مـنـصـرمـا — فـالصـدق فـي الغـار وَالصـديـق لَم يرما
وَهــم يَــقــولون مــا بــالغــار مــن أرم — وَفــي كَــثــيــر يــخـون النـاس عـهـد وَلا
وَلا يُـــــراعـــــون إِلا لِلقَــــريــــب وَلا — حَــتّــى إلى القَــتــل لكـن للخـطـوب جـلا
ظـنـوا الحـمـال وظـنـوا العـنـكبوت عَلى — خَــيــر البَــريَّةــ لَم تَــنــســج وَلَم تـحُـم
وَيــل لمــن شــذ مــنــهــم عَــن مــحـالفـة — وَنـــاهـــضَ الحــق حــبــاً فــي مــخــالفــة
فَـــلَم يـــضِـــره بـــكــيــد أَو مــقــارَفــة — وقــايــة اللَه أَغــنَــت عــن مــضــاعــفــة
مــــن الدروع وَعَـــن عـــال مـــن الأطُـــم — وَأَســـعـــدُ النــاس حــظــاً فــي تــحــبُّبــه
مــن فــازَ مــنــهــم بــقـسـط مـن تـقـربـه — وكـــانَ مـــن حـــزبـــه حــقــاً ومــذهــبــه
مـا سـامـنـي الدَهـرُ ضَـيـمـا واِستجرت به — إلا ونـــلت جـــواراً مـــنـــه لَم يُـــضَـــم
وَمــــا تــــجــــاوزَ حـــداً فـــي تـــمـــرّده — شَــيــطــانَ بَــغـي طَـغـى فـي سـوء مـقـصـده
إلا اِنــتــصــرت بــمــولى الكــون سـيـده
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الظهور: [ظ هـ ر]. (مصدر ظَهَرَ). 1."ظُهورُ أَعْراضِ الْمَرَضِ" : بُروزُها. 2."حُبُّ الظُّهورِ" : الْمُباهاةُ بِالنَّفْسِ، مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُظْهِرَ مَزاياهُ ونَفْسَهُ أَمامَ النَّاسِ مُباهاةً.
- تلقاء: [ل ق ي]. (اِسْمٌ مِنَ اللِّقاءِ). 1."جَلَسَ تِلْقاءَهُ" : مُقابِلاً لَهُ، تُجاهَهُ. 2."قامَ بِمَهامِّهِ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ" : دونَ أَنْ يَتَلَقَّى أَوامِرَ مِنْ أَحَدٍ، أَيْ بِحُرِّيَّةٍ وَإِرادَةٍ. يونس آية 15 قُلْ …
- جسمك: جَسَمَ: الجِسْمُ: جَمَاعَةُ البَدَنِ أَو الأَعضاء مِنَ النَّاسِ والإِبل وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَنواع الْعَظِيمَةِ الخَلْق، وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ للأَعراض فَقَالَ يَذْكُرُ عِلْم القَوافي: لَا مَا …