طَرِبَ الحَطيمُ وَكَبَّرَ الحرَمانِ

الشاعر: أحمد محرم · البحر: الكامل

«طَرِبَ الحَطيمُ وَكَبَّرَ الحرَمانِ» من شعر أحمد محرم، من العصر الحديث، وتقع في 197 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

طَرِبَ الحَطيمُ وَكَبَّرَ الحرَمانِ ... وَاِعتَزَّ دينُ اللَهِ بَعدَ هَوانِ

قامَت سُيوفُ الفاتِحينَ بِنَصرِهِ ... وَالنَصرُ بَينَ مُهَنَّدٍ وَسِنانِ

ظَمِئَت جَوانِحُهُ إِلى حَرِّ الوَغى ... فَسَقَتهُ شُؤبوبَ النَجيعِ القاني

تَعدو الذِئابُ عَلى مُمَنَّعِ غيلِهِ ... وَالأُسدُ غَضبى وَالسُيوفُ عَوانِ

لا قُبَّةُ الإِسلامِ قائِمَةٌ وَلا ... مُلكُ الخَلائِفِ ثابِتُ الأَركانِ

يَمضي تُراثُ المُسلِمينَ مُوَزَّعاً ... وَالمُسلِمونَ نَواكِسُ الأَذقانِ

ما بَينَ مِصرَ إِلى طَرابُلسٍ إِلى ... عَدَنٍ إِلى القَوقازِ فَالبَلقانِ

كَرَّ الصَليبُ عَلَيهِ كَرَّةَ حانِقٍ ... ضَــــرِمَ العَداوَةِ ثائِرِ الشَنآنِ

مُــــتَــــوَثِّبــــٍ مِــــن خَلفِهِ وَأَمامِهِ ... مُـــــتَـــــأَلِّبٍ يَـــــلقـــــاهُ كُــــلَّ أَوانِ

يَرميهِ مِن فَوقِ الزَمانِ وَتَحتِهِ ... وَيُريهِ كَيفَ يَدينُ لِلحِدثانِ

حارَ الهِلالُ فَما يُحاوِلُ نَهضَةً ... إِلّا رَمــــاهُ مُــــحَــــلِّقُ الصُــــلبــــانِ

تَمضي السُيوفُ فَما تُجاوِرُ مَقتَلاً ... إِلّا حَماهُ تَعَصُّبُ الجيرانِ

نُعطي الوَقائِعَ حَقَّها وَيَسوءُنا ... حَنَقُ الظُبى وَتَعَتُّبُ الفُرسانِ

زَعَموا الحَضارَةَ أَن يُبيدَ طُغاتُهُم ... دينَ الحَياةِ وَمِلَّةِ العُمرانِ

ماذا يَروعُ الظالمينَ وَبَينَنا ... أَمنُ المَروعِ وَنَجدَةُ اللَّهفانِ

إِنّا بَنو القُرآنِ وَالدينِ الَّذي ... صَدَعَ الشُكوكَ وَجاءَ بِالتِبيانِ

ضاعَت حُقوقُ العالَمينَ فَرَدَّها ... وَأَقامَها بِالقِسطِ وَالميزانِ

ظَــــلَمَ العَــــزيــــزُ فَهَدَّهُ وَأَهانَهُ ... وَحَمى الذَليلَ فَباتَ غَيرَ مُهانِ

نَعفو وَما اِشتَفَتِ السُيوفُ وَلا هَفا ... بِصُدورِها شَوقٌ إِلى الأَجفانِ

عَصَفَ الزَمانُ بِنا فَكُنّا بَينَهُم ... كَالشاةِ بَينَ مَخالِبِ السِرحانِ

جاروا عَلى المُستَضعَفينَ وَرَوَّعوا ... مَن باتَ في دَعَةٍ وَطيبِ أَمانِ

مَنّوا عَلَيهِم بِالحَياةِ ذَليلَةً ... مَحيا الذَليلِ وَمَوتُهُ سِيّانِ

يَشكون حَشرَجَةَ القَتيلِ وَعِندَهُم ... أَنَّ الحَياةَ تَكونُ في الأَكفانِ

وَلَقَد رَأَيتُ فَما رَأَيتُ كَظالِمٍ ... جَــــمِّ الشَكاةِ وَقاتِلٍ مَنّانِ

مَنَعَ الخِلافَةَ أَن تُضامَ وَحاطَها ... حامي الحَجيجِ وَناصِرُ القُرآنِ

جَيشٌ يَسيرُ بِهِ النَبِيُّ وَحَولَهُ ... جُندُ المَلائِكِ بَينَهُ العُمَرانِ

يَهتَزُّ عَمرٌو في اللِواءِ وَخالِدٌ ... وَيَمورُ حَيدَرَةٌ بِكُلِّ عِنانِ

خاضَ الحُروبَ فَما تَدافَعَ لُجُّها ... إِلّا تَدافَعَ فيهِ يَلتَطِمانِ

يَطفو عَلى ثَبَجِ الدِماءِ إِذا هَوَت ... في الهالِكينَ رَواسِبُ الشُجعانِ

وَيَشُقُّ مُصطَفَقَ العُبابِ إِذا طَغى ... يَرمي عُبابَ الشَرِّ وَالطُغيانِ

ما لِلجُنودِ الباسِلينَ وَإِن عَلَوا ... بِجُنودِ رَبِّ العالَمينَ يدانِ

الحافِظينَ عَلى الخِلافَةِ عِزَّها ... الناصِرينَ خَليفَةَ الرَحمَنِ

غَدَرَ العَدُوُّ فَعَلَّمَتهُ سُيوفُهُم ... صِدقَ العُهودِ وَصِحَّةَ الإيمانِ

السَيفُ إِنجيلُ الهِدايَةِ إِن دَجا ... لَيلُ الضَلالِ فَطاحَ بِالعُميانِ

يَجلو عَماياتِ النُفوسِ بِأَسرِها ... ما فيهِ مِن عِظَةٍ وَحُسنِ بَيانِ

دينُ اليَقينِ لِكُلِّ شَعبٍ جاحِدٍ ... سَنَّ العُقوقَ وَدانَ بِالعِصيانِ

قَومٌ إِذا رَفَعوا اللِواءَ فَإِنَّهُ ... وَالنَصرُ بَينَ سُيوفِهِم أَخَوانِ

ما يَفتِآنِ إِذا الوَغى جَمَعتُهُما ... يَتَناجَيانِ بِها وَيَعتنقانِ

بَينَ الدَمِ الجاري نَديمَي لذَّةٍ ... إن لَذَّتِ الصَهـــــبـــــاءُ لِلنُــــدمــــانِ

يَنبَتُّ حَبلُ الأَصفِياءِ وَيَنطَوي ... وَهُما بِحَبلِ اللَهِ مُعتَصِمانِ

سَيفُ الخَليفَةِ وَالسُيوفُ كَثيرَةٌ ... وَالقَومُ بَينَ تَضارُبٍ وَطِعانِ

ما في القَواضِبِ وَالكَتائِبِ إِن مَضى ... وَمَضَيتَ غَيرَ مُفَلَّلٍ وَجَبانِ

تُمضيكَ مِنهُ عَزيمَةٌ مِن دونِها ... يَقِفُ الزَمانُ وَيَرجُفُ الثَقَلانِ

لَمّا أَطَلَّ عَلى الخِلافَةِ كَبَّرَت ... وَمَشَت إِلَيهِ بِبَيعَةِ الرِضوانِ

صَدَعَت بِهِ أَغلالَها وَتَدافَعَت ... تَختالُ بَعدَ الجهدِ وَالرَسَفانِ

أَخَذَت بِرَأيِ المُستَبِدِّ وَغودِرَت ... زَمَناً تُعالِجُ حُكمَهُ وَتُعاني

ظُلمٌ عَلى ظُلمٍ وَسوءُ سِياسَةٍ ... وَفَسادُ تَدبيرٍ وَطولُ تَوانِ

وَإِذا القُلوبُ تَفَرَّقَت عَن مالِكٍ ... لَم يُغنِ عَنهُ تَمَلُّكُ الأَبدانِ

تَهوي الأَسِرَّةُ أَو تَقومُ وَما لَها ... غَــــيرُ السَرائِرِ هادِمٌ أَو بانِ

لا يَخدَعَنَّكَ ظاهِرٌ مِن مُحنِقٍ ... خافَ الشَكاةَ فَلاذَ بِالكِتمانِ

إِن قامَ عَرشُ المُستَبِدِّ فَإِنَّما ... قامَت قَواعِدُهُ عَلى بُركانِ

وَالمَرءُ إِن أَخَذَ الأُمورَ بِرَأيِهِ ... طــــاشَــــت يَــــداهُ وَزَلَّتِ القَدَمانِ

اللَهُ أَدرَكَ ديــــنَهُ بِــــخَــــليــــفَــــةٍ ... بَرِّ السَريرَةِ صادِقِ الإيمانِ

أَخَذ السَبيلَ عَلى العَدُوِّ بِقَسوَرٍ ... دامي المَكَرِّ مُخَضَّبِ المَيدانِ

ريعَت له أُمَمُ النِمالِ وَأَجفَلَت ... دُوَلُ الثَعالِبِ مِنهُ وَالذُؤبانِ

لَمّــــا تَــــرَدَّدَ فــــي فَروقَ زَئيرُهُ ... رَجَفَت جِبالُ الصينِ وَاليابانِ

في مِخلَبَيهِ إِذا الحُصونُ تَهَدَّمَت ... حِصنانِ لِلإِسلامِ مُمتَنِعانِ

جَرَحَ الأُلى صَدَعوا الخِلافَةَ فَاِشتَفى ... جُرحانِ في أَحشائِها دَمِيانِ

حَمَلا الهِلالَ عَلى عُبابٍ مِن دَمٍ ... الديــــنُ وَالدُنــــيــــا بِهِ غَرِقانِ

المُلكُ مُعتَصِمٌ بِهِ مُستَمسِكٌ ... مِــــنــــهُ بِــــأَوثَقِ ذِمَّةٍ وَضَمانِ

سَيفُ الخِلافَةِ جَرَّبوهُ فَكَشَّفَت ... مِنهُ التَجارِبُ عَن أَغَرَّ يَمانِ

خَيرُ الغُزاةِ الفاتِحينَ أَعانَهُ ... أَوفى الصِحابِ وَأَكرَمُ الأَخدانِ

طَلَبوا شَبابَ المُلكِ وَاِحتَسَبوا الفِدى ... في اللَهِ مِن شيبٍ وَمِن شُبّانِ

وَسَمَت بِأَركانِ الخِلافَةِ أَنفُسٌ ... يَسمو الأَمينُ بِها إِلى رِضوانِ

كانَ الدَمَ المَسفوحَ أَكبَرُ ما بَنوا ... وأَجَلُّ ما دَعَموا مِنَ الجُدرانِ

في الدَردَنيلِ وَفي الجَزيرَةِ بَعدَهُ ... رُعبُ المِياهِ وَرَوعَةُ النيرانِ

بَرَزَت تَماثيلُ المَنِيَّةِ كُلُّها ... شَتّى الضُروبِ كَثيرَةَ الأَلوانِ

كُــــلٌّ يَموجُ بِها وَكُلٌّ ساكِنٌ ... فَالحَربُ في قَلَقٍ وَفي اِطمِئنانِ

نارانِ بَرَّحَ بِالكَتائِبِ مِنهُما ... حالانِ في الهَيجاءِ مُختَلِفانِ

هَذي تَفيضُ مِنَ البُروجِ وَهَذِهِ ... تَنسابُ بَينَ أَباطِحٍ وَرِعانِ

البحرُ يَفتَحُ لِلبَوارِجِ جَوفَهُ ... فَتَغورُ مِن مَثنىً وَمِن وُحدانِ

وَالبَرُّ مُلتَهِبُ الجَوانِحِ مُضمِرٌ ... حَنَقَ المَغيظِ وَلَوعَةَ الحَرّانِ

مَدَّ الشِراكَ إِلى العَدُوِّ وَبَينَها ... طَــــرَبُ المَشوقِ وَهِزَّةُ الجَذلانِ

حَــــتّى إذا أَخَذَ الدَهاءُ بِلُبِّهِ ... أَخَذَ البَلاءُ عَلَيهِ كُلَّ مَكانِ

ظَمِئَت إِلى وِردِ الأُسودِ نُفوسُهُم ... وَالمَوتُ يَنقَعُ غُلَّةَ الظَمآنِ

شَرِبوا المَنايا الحُمرَ يَسطَعُ مَوجُها ... بَينَ المُروجِ الخُضرِ وَالغُدرانِ

تَرمي بِها لُجَجٌ يَظَلُّ شُواظُها ... مُتَدَفِّقاً كَتَدَفُّقِ الطوفانِ

عَصَفَت بِأَحلامِ الغُزاةِ وَقائِعٌ ... رَكَــــدَت بِــــأَحــــلامٍ هُــــنــــاكَ رِزانِ

أَإِلى الأُسودِ الغُلبِ في أَجماتِها ... تَرمي شِعابُ البيدِ بِالجِرذانِ

غالوا بِمُلكِ الفاتِحينَ وَأَيقَنوا ... أَنَّ النُفوسَ رَخيصَةُ الأَثمانِ

تِلكَ المَصارِعُ ما تَكادُ مَنِيَّةٌ ... تَجتازُ جانِبَها بِلا اِستِئذانِ

ما الجَيشُ مِن نَصرِ الإِلَهِ وَفَتحِهِ ... كَالجَيشِ من فَشَلٍ وَمِن خِذلانِ

وَيحَ الأُلى زَعَموا الحُروبَ دُعابَةً ... ما غَرَّهُم بِالتُركِ وَالأَلمانِ

سَيفانِ ما اِستَبَقا مَقاتِلَ دَولَةٍ ... إِلّا مَضى الأَجَلانِ يَستَبِقانِ

يَجري قَضاءُ اللَهِ في حَدَّيهِما ... وَيَجولُ في صَدرَيهِما المَلكانِ

أَينَ المَنايا السابِحات حَوامِلاً ... فَزَعَ البِحارِ وَرَعدَةَ الخُلجانِ

غَرَّت جِرايَ فَجاءَها مِن تَحتِها ... ما لَم يَكُن لِجِرايَ في الحُسبانِ

قَدَرٌ جَرى في الماءِ تَحتَ سُكونِهِ ... وَجَرى الرَدى فَاِستَرسَلَ القَدَرانِ

سِرُّ المَنِيَّةِ جائِلٌ في جَوفِهِ ... كَالروحِ حينَ تَجولُ في الجُثمانِ

سُفُنٌ هَوَت بِالحوتِ حينَ تَبادَرَت ... تَنسابُ بَينَ الحوتِ وَالسَرَطانِ

صُنعُ الأُلى فاتوا العُقولَ وَجاوَزوا ... مَرمى القُوى وَمَواقِعَ الإِمكانِ

كَشَفوا عَنِ العِلمِ الغِطاءَ وَأَدرَكوا ... سِرَّ التَفَوُّقِ فيهِ وَالرَجَحانِ

مَلَكوا العَناصِرَ فَالعَصِيُّ مُطاوِعٌ ... وَالصَعبُ سَهلٌ وَالبَعيدُ مُدانِ

المَوتُ يَسبَحُ في الغِمارِ بِأَمرِهِم ... وَالمَوتُ يَمرَحُ في حِمى كيوانِ

فَالناسُ نَهبٌ وَالعَوالِمُ ساحَةٌ ... عِزريلُ فيها دائِمُ الجَوَلانِ

هاجوا المَنايا الرائِعاتِ وَهاجَهُم ... جَشَعُ العِدى وَتَأَلُّبُ القُرصانِ

شابَت لَها الأَجيالُ وَهيَ أَجِنَّةٌ ... لَم تَدرِ بَعدُ مَراضِعَ الوِلدانِ

فَزِعَت بِأَحشاءِ الدُهورِ وَغالَها ... طــــولُ الوُثــــوبِ وَشِــــدَّةُ النَــــزَوانِ

أُوتوا كِبارَ المُعجِزاتِ وَمُيِّزوا ... بِــــرَوائِعِ الإِحكامِ وَالإِتقانِ

جذبوا بِسِرِّ الكيمياءِ عَدُوَّهُم ... فَأَطاعَ بَعدَ شَراسَةٍ وَحِرانِ

مَدَّ العُيونَ إِلى اللِواءِ فَرَدَّهُ ... أَعمى وَأَطفَأَ نارَهُ بِدُخانِ

ضَلَّ المُلوكُ فَجَدَّدوا لِشُعوبِهِم ... دينَ العَمى وَعِبادَةَ الأَوثانِ

رَكِبوا العُقوقَ فَتِلكَ عُقبى أَمرِهِم ... إِنَّ العُقوقَ مَطِيَّةُ الخُسرانِ

مَسَحَ الأَذى وَمَحا وَصِيَّةَ بُطرِسٍ ... ماحي العُروشِ وَماسِحُ التيجانِ

جَيشٌ مِنَ النَصرِ المُبينِ مَشى لَهُ ... جَيشٌ مِنَ التَضليلِ وَالهَذَيانِ

نُظِمَت فَما اِطَّرَدَ الخَيالُ لِشاعِرٍ ... إِلّا بِـــــأَلفـــــاظٍ لَهــــا وَمَــــعــــانِ

هَدَّ الكَنائِسَ ما وَعَت جُدرانُها ... مِن موبِقاتِ البَغيِ وَالعُدوانِ

اَفَيُؤمِنونَ بِقَولِ بُطرُسَ أَم لَهُم ... فيهِ كِتابٌ لِاِبنِ مَريَمَ ثانِ

لَيتَ القُبورَ إِلى العَراءِ نَبَذنَهُ ... لِيَرى مَصيرَ المُلكِ رَأيَ عَيانِ

مُــــلكٌ تَــــأَلَّفَ فــــي عُــــصورٍ جَمَّةٍ ... وَاِنــــحَــــلَّ بَينَ دَقائِقٍ وَثَوانِ

يا آلَ رومانوفَ أَصبَحَ مُلكُكُم ... عِظَةَ الشُعوبِ وَعِبرَةَ الأَزمانِ

ضَجَّ النُعاةُ فَما بَكى حُلَفاؤُكُم ... أَينَ الدُموعُ وَكَيفَ يَبكي الجاني

تَبكي الطُلولُ لَكُم وَيَقضي حَقَّكُم ... عاوي الذِئابِ وَناعِقُ الغِربانِ

اللَهُ هَدَّ كِيانَكُم بِكَتائِبٍ ... يَرمي بِها فَيَهُدَّ كُلَّ كِيانِ

لا تَجزَعوا لِلمُلكِ بَعدَ ذَهابِهِ ... المُـــــــلكُ لِلَهِ العَـــــــلِيِّ الشــــــانِ

سيناءُ تيهي بِالغُزاةِ وَفاخِري ... وَاروي الحَديثَ لِسائِرِ الرُكبانِ

ماذا بَدا لَكِ مِن أَعاجيبِ الوَغى ... وَشَهِدتِ مِن أَسَدٍ وَمِن قِطعانِ

ماذا رَأَيتِ مِنَ البَواسِلِ إِذ دَعا ... داعي العَوانِ فَطارَ كُلُّ جَنانِ

أَرَأَيتِ أَبطالَ الرِجالِ مُشيحَةً ... تَلهو بِبيضِ كَواعِبٍ وَغَوانِ

أَعلِمتِ مَن يَلقى الحُتوفَ إِذا الْتَقى ... ضاري اللُيوثِ وَناعِمُ الغِزلانِ

مَلَكوا الشِعابَ عَلى العَدُوِّ وَزاحَموا ... شَعبَ النُسورِ وَأُمَّةَ العِقبانِ

الجَوُّ يَهتِفُ لِلمَلائِكِ خاشِعاً ... وَالأَرضُ تَشهَدُ صَولَةَ الجِنّانِ

رَكِبوا العَزائِمَ فَالرِياحُ جَنائِبٌ ... تَــــنقادُ طَيِّعَةً بِلا أَرسانِ

وَالشُهبُ بَينَ أَكُفِّهِم مَقذوفَةٌ ... حَمراءُ تَصبُغُ خُضرَةَ القيعانِ

رُسُلٌ يُشَيِّعُها الرَدى وَرَسائِلٌ ... يَرمي بِها مَلَكٌ إِلى شَيطانِ

أَمراقِصَ الفَتَياتِ حينَ تَأَلَّبوا ... ظَنّوا الوَغى وَملاعِبَ الفِتيانِ

هَمُّ الفَوارِسِ في القِتالِ وَهَمُّهُم ... في قَرعِ أَكوابٍ وَعَزفِ قِيانِ

كانَت مِنَ الأَقوامِ نَشوَةَ جاهِلٍ ... وَالسَيفُ يَكشِفُ غَمرَةَ النَشوانِ

يا مِصرُ إِن رَجَعَ المَشوقُ فَقَد وَفى ... حُسنُ البَلاءِ بِحُسنِكِ الفَتّانِ

وَلّى عَــــلى كُــــرهٍ وَبَــــينَ ضُلوعِهِ ... وَجــــدٌ يُــــغــــالِبُهُ عَلى السُلوانِ

كَم في المَمالِكِ مِن شَجِيٍّ مُغرَمٍ ... يَهــــفــــو إِلَيــــكِ وَشَــــيِّقٍ وَلهانِ

مايَشتَفي بِالوَصلِ مِنكِ مُعَذَّبٌ ... إِلّا أَسَــــأتِ إِلَيــــهِ بِــــالهِجرانِ

عَبَثَ الهَوى بِالفُرسِ فيكِ هُنَيهَةً ... وَعَبَثتِ بِاليونانِ وَالرومانِ

رَمسيسُ يَعلَمُ أَنَّ بَرقَكِ خُلَّبٌ ... وَهَـــــواكِ لَيـــــسَ يَـــــدومُ لِلخِـــــلّانِ

عَقَدَ الهَوى لَكِ بَيعَةً يُدلي بِها ... ما شِئتِ مِن زُلفى وَمِن قُربانِ

ضَــــمَّ الضُلوعَ عَلى هَواكِ وَضَمَّهُ ... بَيتُ الشُموسِ وَمَجمَعُ الكُهّانِ

يَهذي بِحُبِّكِ وَالهَياكِلُ خُشَّعٌ ... وَالشَعبُ يَسجُدُ وَالشُموسُ رَوانِ

وَالجُندُ مِن حَولِ المَواكِبِ واقِفٌ ... صَفَّينِ مِن حَولَيهِما صَفّانِ

تَحتَ البُنودِ الخافِقاتِ يَزينُها ... غالي الحَريرِ وَخالِصُ العِقيانِ

وَكَأَنَّ أَعناقَ الجِيادِ مَزاهِرٌ ... وَكَــــأَنَّ تَــــردادَ الصَهــــيلِ أَغانِ

تَرمي بِأَعيُنِها الفِجاجَ كَأَنَّما ... جُلِبَت صَوافِنُها لِيَومِ رِهانِ

لَم تُنصِفيهِ وَلا ذَكَرتِ عُهودَهُ ... بَينَ الوُلوعِ الجَمِّ وَالهَيَمانِ

لا تُنكري عِظَةً يُريكِ سُطورَها ... زاهي النُقوشِ وَشامِخُ البُنيانِ

عِظَةٌ تُشيرُ إِلى الدُهورِ وَكُلُّها ... قَلبٌ يُشيرُ إِلَيكِ بِالخَفَقانِ

الدَهرُ كَأسُكِ وَالمَمالِكُ كُلُّها ... ظَمآى إِلَيكِ وَأَنتِ بِنتُ الحانِ

طوفي بِكَأسِكِ في النَدامى وَاِصرَعي ... ما شِئتِ مِن أُمَمٍ وَمِن بُلدانِ

مُدّوا بَني التاميزِ مِن أَبصارِكُم ... وَخُذوا أصابِعَكُم عَنِ الآذانِ

وَاِستَقبِلوا سودَ الصَحائِفِ وَاِعلَموا ... أَنَّ الكِــــنــــانَــــةَ أَوَّلُ العُنوانِ

آذَيتُمونا مُدمِنينَ فَجَرِّبوا ... عُقبى الأَذى وَمَغَبَّةَ الإِدمانِ

كُنتُم ضُيوفَ الدَهرِ ما لِجَلائِكُم ... عَن مِصرَ مِن أَجَلٍ وَلا إِبّانِ

هَل كانَ صَوتُ الحَقِّ غَيرَ سَحابَةٍ ... زالَت غَواشيها عَنِ الأَذهانِ

هَل كانَ صِدقُ العَهدِ غَيرَ دُعابَةً ... هَل كانَ عَدلُ الحُكمِ غَيرَ دِهانِ

رُمنا حَياةَ العامِلينَ فَلَم نَجِد ... مِن ناصِرٍ فيكُم وَلا مِعوانِ

حارَبتُمُ الأَخلاقَ حَربَ مُناجِزٍ ... يَرمي بِزاخِرَةِ العُبابِ عَوانِ

شَرُّ الجَرائِرِ وَالمَساوي عِندَكُم ... شَمَمُ الأَبِيِّ وَنَخوَةُ الغَيرانِ

وَالكُفرُ أَجمَعُ أَن يُحِبَّ بِلادَهُ ... حُرُّ السَريرَةِ مُؤمِنُ الوُجدانِ

مــــا أَولَعَ المَــــوتَ الزُؤامَ بِــــأُمَّةٍ ... تَرجو الحَياةَ مِنَ العَدُوِّ الشاني

جاءوا فَكانَ مِنَ التَناحُرِ بَينَنا ... ما كانَ مِن عَبسٍ وَمِن ذُبيانِ

لَمّا تَأَلَّبَتِ القُلوبُ حِيالَهُم ... حَشَدوا لَها جَيشاً مِنَ الأَضغانِ

شَرَعوا لَنا سُبُلَ العَداوَةِ بَينَنا ... حَتّى الفَتى وَإِلَهُهُ خَصمانِ

لِلكيمياءِ مِنَ العَجائِبِ عِندَهُم ... سِــــرٌّ يُريكَ تَفَوُّقَ الإِنسانِ

فَتَحتَ خَزائِنُها لَهُم عَن صِبغَةٍ ... تَدَعُ الشُعوبَ سَريعَةَ الذَوَبانِ

ساسوا المَمالِكَ وَالشُعوبَ سِياسَةً ... رَفَعوا الجَمادَ بِها عَلى الحَيَوانِ

مَلَكوا عَلَينا البُغيَتَينِ فَلَم نَذُق ... طَعمَ الحَياةِ وَلَذَّةَ العِرفانِ

الفَقرُ يَرفَعُ بَينَنا أَعلامَهُ ... وَالجَهلُ يَضرِبُ فَوقَنا بِجِرانِ

عَضّوا عَلى أَموالِنا بِنَواجِذٍ ... أَكَــــلَت خَزائِنَ مِصرَ وَالسودانِ

تَهمي المُكوسُ عَلى العِبادِ فَلا يَفي ... صَوبُ النُضارِ بِصَوبِها الهَتّانِ

تُجبى لِساداتِ البِلادِ وَبَينَها ... مُهَجُ الإِماءِ وَأَنفُسُ العِبدانِ

القوتُ يُسلَبُ وَاللِباسُ وَما حَوَت ... دارُ الفَقيرِ مِنَ المَتاعِ الفاني

المالُ جَمٌّ في الخَزائِنِ عِندَهُم ... وَالجوعُ يَقتُلُنا بِغَيرِ حَنانِ

وَتَرى عَميدَ القَومِ يَبسُطُ كَفَّهُ ... يَرجو المَعونَةَ في ذَوي الإِحسانِ

نامَ الَّذي أَفنى الخَزائِنَ ظُلمُهُ ... وَأَبو البَنينَ مُسَهَّدُ الأجفانِ

القصر يسبحُ في النعيمِ بربِّهِ ... والدار تشهدُ مَصرَعَ السُكّانِ

فــــي كُــــلِّ يَومٍ مَغرَمٌ وَإِتاوَةٌ ... يَتَفَزَّعُ القاصي لَها وَالداني

نَقِموا الشَكاةَ عَلى الحَزينِ فَأَمسَكوا ... مِــــنّــــا بِــــكُلِّ فَمٍ وَكُلِّ لِسانِ

نَفَضوا الكِنانَةَ مِن ذَخائِرِها فَهَل ... نَفَضوا جَوانِحَها مِنَ الأَحزانِ

غَضِبوا عَلى الأَحرارِ في أَوطانِهِم ... وَرَضــــوا بِــــكُــــلِّ مُــــداهِنٍ خَوّانِ

أَســــرٌ وَتَشريدٌ وَضَربٌ موجِعٌ ... وَأَذىً يُبَرِّحُ بِالبَريءِ العاني

هُم قَدَّموا القَومَ الطَغامَ وَأَخَّروا ... مَلَأَ السُراةِ وَمَعشَرَ الأَعيانِ

نُبِّئتُ ما زَعَمَ الشَريفُ وَقَومُهُ ... فَسَمِعتُ ما لَم تَسمَعِ الأُذنانِ

وَرَأَيتُ ما زانَ المُلوكَ فَلَم أَجِد ... كَــــطِــــرازِ مُلكٍ بِاِسمِهِ مُزدانِ

خَدَعوهُ إِذ ضاقَ السَبيلُ بِمَكرِهِم ... وَرَمــــوا بِــــآمالٍ إِلَيهِ حِسانِ

فَأَباحَ ما مَنَعَت فَوارِسُ هاشِمٍ ... وَحَمَت وُلاةُ البَيتِ من عدنانِ

يا ذا الجَلالَةِ لا سَعِدتَ بِتاجِهِ ... مُلكاً سِواكَ بِهِ السَعيدُ الهاني

أَمَلَكتَ ما بَينَ البَقيعِ فَجُدَّةٍ ... وَأَبَحتَ جَيشَكَ ما وَراءَ مَعانِ

وَبَصَرتَ بِالوُزراءِ حَولَكَ خُشَّعاً ... تُمضي أُمورَ المُلكِ في الإيوانِ

يُجبى إِلَيكَ مِنَ البِلادِ خَراجُها ... ما بَينَ ذي سَلَمٍ إِلى عُسفانِ

مُلكٌ أَمَدَّكَ مِن خَزائِنِهِ بِما ... أَعيا الجُباةَ وَناءَ بِالخُزّانِ

الجُندُ مَعقودُ اللِواءِ لِفَيصَلٍ ... بَينَ الظُبى وَعَوامِلِ المُرّانِ

يَلقى النَبِيَّ مُدَجَّجاً في جُندِهِ ... وَبَنو أَبيهِ عَلى اللِواءِ حَوانِ

أَيَقودُ جَيشَكَ أَم يَقودُ عُيَينَةٌ ... شُمَّ الفَوارِسِ مِن بَني غَطفانِ

سَلَبوا اللِقاحَ وَإِنَّ دينَ مُحَمَّدٍ ... لَأَعَــــزُّ مِــــن إِبلٍ عَلَيهِ وَضانِ

أَهدى إِلَيكَ مِنَ المَفاخِرِ مِثلَ ما ... أَهدى يَزيدُ إِلى بَني شَيبانِ

فَتَحَ الحِجازَ رِمالَهُ وَصُخورَهُ ... وَأَتــــى إِلَيــــكَ بِــــرَندِهِ وَالبانِ

اعذُر شُعوبَ المُسلِمينَ إِذا هَفَت ... إِنّي أَرى الحَرَمَينِ يَنتَفِضانِ

وَلَئِن جَرَت حَولَ النَبِيِّ عُيونُها ... فَلَقَد رَأَت عَينَيهِ تَنهَمِلانِ

تَمحو السُيوفُ وَلِلحَقائِقِ حُكمُها ... مُلك

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الحرمان: حرم: الحِرْمُ، بِالْكَسْرِ، والحَرامُ: نَقِيضُ الْحَلَالِ، وَجَمْعُهُ حُرُمٌ؛ قَالَ الأَعشى: مَهادي النَّهارِ لجاراتِهِمْ، ... وَبِاللَّيْلِ هُنَّ عليهمْ حُرُمْ وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ حُرْماً وحَراماً وحَرُمَ ا … (لسان العرب)
  • الحطيم: حطم: الحَطْمُ: الْكَسْرُ فِي أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَقِيلَ: هُوَ كَسْرُ الشَّيْءِ الْيَابِسِ خاصَّةً كالعَظْم وَنَحْوِهِ. حَطَمهُ يَحْطِمُهُ حَطْماً أَيْ كَسَرَهُ، وحَطَّمَهُ فانْحَطَم وتَحَطَّم. والحطْمَةُ والحُطامُ: مَا … (لسان العرب)
  • الصليب: صلب: الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْب، وَالْجَمْعُ: أَصْلُب وأَصْلاب وصِلَبَةٌ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَما تَرَيْني، اليَوْمَ، شَيْخاً أَشْيَبَا، ... إِذا نَهَضْتُ أَتَشَكَّى الأَصْلُبا جَمَعَ لأَ … (لسان العرب)
  • الفاتحين: فتح: الفَتْحُ: نَقِيضُ الإِغلاقِ، فَتَحه يَفْتَحه فَتْحاً وافْتَتَحه وفتَّحَه فانْفَتَحَ وتَفَتَّحَ. الْجَوْهَرِيُّ: فُتِّحَت الأَبواب، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، فتَفَتَّحتْ هِيَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَ … (لسان العرب)
  • القاني: قأن: القَأْنُ: شَجَرٌ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وَتَرْكُ الْهَمْزِ فيه أَعرف. (لسان العرب)
  • النجيع: نجع: النُّجْعةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: المَذْهَبُ فِي طلَبِ الكلإِ فِي مَوْضِعِهِ. والبادِيةُ تُحْضَرُ مَحاضِرُها عِنْدَ هَيْجِ العُشْبِ ونَقْصِ الخُرَفِ وفَناءِ مَاءُ السَّمَاءِ فِي الغُدْرانِ، فَلَا يَزَالُونَ حَاضِرَةً يَش … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • ردوا غمراتها في الواردينا
  • قصيدة
  • إملإ الأرض يا محمد نورا
  • أدأبك أن تريد المستحيلا
  • ردوا غمراتها في الواردينا
  • طرب الحطيم وكبر الحرمان
  • الله أكبر باسم الله أهديها
  • منك الحنين ومنه ما هو أعظم