أبَيْنَ ضُلوعي جَمْرةٌ تتوقَّدُ

الشاعر: ابن الرومي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة

«أبَيْنَ ضُلوعي جَمْرةٌ تتوقَّدُ» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 196 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أبَيْنَ ضُلوعي جَمْرةٌ تتوقَّدُ ... على ما مضى أَمْ حسرَةٌ تتجدَّدُ

خليليَّ ما بعد الشَّبابِ رَزِيَّةٌ ... يُجَمُّ لها ماء الشؤون ويُعْتَدُ

فلا تَلْحَيَا إن فاض دمْعٌ لفقده ... فَقَلَّ له بحرٌ من الدمع يُثْمَدُ

ولا تعجبا لِلْجَلْدِ يبكي فربّما ... تفطَّر عن عينٍ من الماء جَلْمدُ

شبابُ الفتى مجلودُه وعزاؤه ... فكيف وأنَّى بعده يتجلدُ

وفَقْدُ الشَّبابِ الموتُ يوجد طعْمُهُ ... صُراحاً وطعمُ الموتِ بالموتِ يُفْقدُ

رُزِئتٌ شبابي عَوْدةً بعد بَدْأةٍ ... وَهُـــــنَّ الرزايـــــا بــــادئاتٌ وعُــــوَّدُ

سُلِبتُ سوادَ العارضِيْن وقبلُهُ ... بياضَهما المحمودَ إذ أنا أمْردُ

وبُدِّلْتُ من ذاك البياض وحسنِه ... بياضاً ذميماً لا يزال يُسَوَّدُ

لَشتَّان ما بين البياضَيْن مُعْجِبٌ ... أنيق ومَشْنُوءٌ إلى العين أنكدُ

تضاحك في أفنان رأسي ولحيتي ... وأقبحُ ضَحَّاكَيْن شَيْبٌ وأدْردُ

وكنتُ جِلاءً للعيون من القذى ... فقد جعلَتْ تقذَي بشيبي وتَرمَدُ

هي الأعين النُّجْل التي كنتَ تشتكي ... مواقِعَها في القلب والرأسُ أسودُ

فما لك تأسَى الآن لما رأيتها ... وقد جعلتْ مَرْمى سِوَاكَ تَعَمَّدُ

تَشَكَّى إذا ما أقصدتْكَ سهامُها ... وتأسَى إذا نكَّبْنَ عنك وتَكْمدُ

كذلك تلك النَّبْلُ من وقعت به ... ومن صُرِفَت عنه من القوم مُقْصَدُ

إذا عَدَلْت عنا وجدنا عُدُولها ... كموقعها في القلب بل هو أَجهدُ

تَنكَّبُ عنا مرة فكأنما ... مُنَكِّبُهَا عنا إلينا مُسَدِّدُ

كفى حَزَناً أن الشباب مُعَجَّلٌ ... قصيرُ الليالي والمَشِيبَ مخلَّدُ

إذا حَلَّ جَارَى المرء شأْوَ حياته ... إلى أن يضمَّ المرءَ والشيبَ مَلْحَدُ

أرى الدهرَ أجْرى ليله ونهاره ... بعدلٍ فلا هذا ولا ذاك سَرْمدُ

وجارَ على ليلِ الشباب فَضَامَهُ ... نهارُ مشيب سَرمدٌ ليس يَنْفَدُ

وعزاك عن ليل الشباب معاشرٌ ... فقالوا نهارُ الشيب أهدى وأرشدُ

وكان نهارُ المرء أهْدَى لسعيه ... ولكــــنَّ ظلَّ الليل أنْدَى وأبردُ

أأيَّامَ لَهْوِي هل مَواضيكِ عُوَّدٌ ... وهل لشباب ضلَّ بالأمس مُنْشَدُ

أقول وقد شابتْ شَوَاتِي وَقَوَّسَتْ ... قناتي وأضْحَت كِدْنتي تَتَخدَّدُ

ودبَّ كَلالٌ في عظامي أدَبَّني ... جَنِيبَ العصا أَنأَدُّ أو أتَأيَّدُ

وبُورِك طرفي فالشِّخَاصُ حياله ... قَرَائن من أدنى مدىً وَهْيَ فُرَّدُ

ولَذَّتْ أحاديثي الرجالُ وأعرضتْ ... سُليمى وريَّاــ عن حديثي ومَهْدَدُ

وبُدِّل إعجابُ الغواني تعجُّباً ... فــــهــــنَّ رَوانٍ يَــــعْتَبِرْن وصُدَّدُ

لِمَا تُؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاءُ الطفل ساعةَ يُولَدُ

وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفْسَحُ ممَّاــ كان فيه وأرْغَدُ

إذا أبصرَ الدنيا اسْتَهلَّ كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يُهَدَّدُ

وللنفس أحْوال تظلُّ كأنها ... تشاهِد فيها كلَّ غيب سيُشهَدُ

رَزَحْتُ على مر الليالي وَكرِّهَا ... وهل عن فَنَاءٍ من فناءَيْن عُنْدَدُ

مَحَارُ الفتى شيخوخة أو منيِّةٌ ... ومرجوعُ وهَّاج المصابيح رِمْدَدُ

وقد اغتدِي للوحش والوحشُ هُجَّدٌ ... ولو نَذِرَتْ بي لم تبت وهي هُجَّدُ

فيشقَى بيَ الثورُ القَصِيُّ مكانُهُ ... بحيث يراعيه الأَصَلُّ الخَفَيْدَدُ

ترى كل ركَّاع على كلِّ مَرْتَعٍ ... يخرُّ لرمحي ساجداً بل يُسَجَّدُ

إذا غازَلته بالصريم نِعَاجُه ... كما غازلتْ زِيراً أوانسُ خُرَّدُ

أمَرْتُ به رمحاً غيُوراً فخاضهُ ... ذَليقاً كما شَكَّ النَّقيلة مِسْرَدُ

فَخَرَّ لَروْقَيْهِ صريعاً تخالُهُ ... يُعَصْفَر من تامُورِهِ أَو يُفَرْصَدُ

كأَن سِناني حين وافاه كَوْكَبٌ ... أصيب به قِطْعٌ من المُزْن أَقهدُ

وقد أشرب الكأس الغريضَ مِزاجُها ... على ما تغناه الغريضُ ومعبدُ

يطوف بها لِلشَّرْب أبيضُ مُخْطَفٌ ... يجود له بالراح أسودُ أكْبَدُ

بِموْلِيَّةٍ خضراء يُنْغَم وسْطَها ... ويُهْدَلُ في أرجَائها ويُهَدْهَدُ

إذا شئْتُ راقتْ ناظريَّ نظائرٌ ... بمُصطبَحي والأدْمُ حولِيَ رُوَّدُ

وَصِــــيــــفٌ وإبريقٌ رذُومٌ ومُرشقٌ ... على شرف كلُّ الثلاثة أجْيَدُ

وأنجبُ ما ولَّدت منه مسرةً ... إذا ما بَنَاتُ الصَّدْر ظلت توَلَّدُ

حديثُ نتَاج من بني المزن أمُّهُ ... مُعَنَّسَةٌ مما تُعَتِّقُ صَرخَدُ

وبيضاءُ يخبو دُرُّها من بياضها ... ويذكو له ياقوتها والزبرجدُ

لها سُنَّةٌ كالشمس تبرز تارةً ... وطوراً يواريها صَبيرٌ منضَّدُ

إذا ما التقى السُّكران سُكرا شبابها ... وأكوابِها كادت من اللين تُعقَدُ

لهوتُ بها ليلاً قصيراً طويلُه ... ومـــــاليَ إلّا كـــــفُّهـــــا مُـــــتَــــوَسَّدُ

وكم مثلِها من ظبيةٍ قد تفيّأَتْ ... ظلالي وأغصانُ الشبيبة مُيَّدُ

لعبتُ بأولى الدهر فاغْتَال شِرَّتي ... بأخرى حَقُودٍ والجرائمُ تُحْقَدُ

فصبراً على ما اشْتَدَّ منه فإنَّمَا ... يقوم لما يشتد من يَتَشدَّدُ

وما الدهر إلا كابنه فيه بُكْرَةٌ ... وهاجِرَةٌ مسمومة الجو صَيْخدُ

تذيق الفتى طوْرَي رخاء وشدة ... حوادثُه والحولُ بالحول يُطْرَدُ

وعزَّى أناساً أن كل حديقةٍ ... وإن أغْدَقَتْ أفنانُها ستخضَّدُ

ومالي عزاء عن شبابي علمتُه ... سوى أنني من بعده لا أُخَلَّدُ

وأن مَشِيبي واعدٌ بلَحَاقه ... وإنْ قـــــال قـــــوم إنــــه يَــــتَــــوَعَّدُ

على أن في المأْمول من فضل صاعدٍ ... عزاءً جميلاً بل شباباً يُجدَّدُ

ستظهر نُعْماه عليّ فأغتدِي ... وغصنُ شبابي ليّنُ المتنِ أغْيَدُ

وتَصْطَادُ لي جدواه ما كنتُ صائداً ... بشرخ الشباب الغَضِّ بل هي أصْيدُ

وأفضلُ ما صِيدَتْ به العِينُ كالدُّمَى ... مُهُورٌ وأثْمَانٌ من العين تُنْقدُ

وهل يستوي رامٍ مرامِيه لَحْظُهُ ... ورامٍ مراميه لُجَيْنٌ وعسْجَدُ

وما أملي في المَذْحجِيَّ بِمُنْتَهٍ ... ولكنَّهـــ كالشيءِ بُلَّتْ بِهِ اليَدُ

إلى أين بِي عن صَاعِدٍ وانْتِجَاعِهِ ... وقد رَادَهُ الروَّادُ قبلي فأَحْمَدُوا

وَلي بأبي عيسى إليه وسِيلَةٌ ... يُفَكُّ بها أصفادُ عانٍ ويُصْفَدُ

ومَالي لا أغدو وَهَذَانِ مَعْمَدِي ... وَمَا لَهُمَا إلّا الْعَوَارِفَ مَعْمَدُ

لَعَمْرِي لئن أضحت وِزَارةُ صاعد ... تُثَنَّى لقد أضحى كريماً يُوحَّدُ

وِزَارَتَهُ شَــــــفْــــــعٌ وذاك بــــــحَــــــقِّهِ ... كَمَا أنَّهـــ وِتْرٌ إذا عُدَّ سُؤددُ

هو الرجلُ المشْرُوك في جُلِّ مالِهِ ... ولكنَّهــ بالخيْرِ والحمْدِ مفردُ

يُقَرَّضُ إلا أنَّ ما قيلَ دُونه ... ويـــــوصـــــف إلا أنــــه لا يُــــحَــــدّدُ

أرقُّ من الماءِ الذي في حُسامه ... طِبَاعاً وأمضى منْ شَبَاهُ وأنجدُ

وأجْدَى وأنْدَى بطْنَ كَفٍّ من الحَيَا ... وآبى إباءً من صَفاةٍ وأجْمَدُ

وأبْهَرُ نُوراً للعيون من الَّتي ... تُضَاهِيهِ في العلياء حين تَكَبَّدُ

وأوْقَرُ من رَضْوَى ولو شاء نَسْفَهَا ... إذن لم يُلِقْها طَرْفَةَ العَيْن مَرْكَدُ

طويلُ التّأَنِّيـ لا العَجولُ ولا الذي ... إذا طــــرقــــتْه نَــــوْبةٌ يتبلَّدُ

له سَوْرَةٌ مكْتَنَّةٌ في سَكِينَةٍ ... كما اكْتَنَّ في الغمْدِ الجُرازُ المهنَّدُ

إذا شَامَهَا قَرَّتْ قُلُوبٌ مَقرَّهَا ... وإن سُلَّ منها فالْفَرائصُ تُرْعَدُ

يُلاقي العِدَا والأولياءَ ابْنُ مَخْلَدٍ ... لقاءَ امْرىءٍ في اللّه يَرْضَى ويعْبَدُ

بِجَهْلٍ كجهلِ السيفِ والسيفُ مُنْتَضىً ... وحلْمٍ كحلم السيف والسيفُ مُغْمَدُ

وليسَ بِجَهْل الأغبياء ذوِي العَمَى ... ولكنَّهـــ جَهْلٌ به اللَّهُ يُعْبَدُ

عُرَامٌ زَعيمٌ بالهُدَى أوْ فَبِالرَّدَى ... إذا ما اعْتَدَى قوْمٌ عن القصْد عُنَّدُ

قِرىً مِنْ مليٍّ بالقِرى حِينَ يُبْتَغَى ... كِلاَ نُزُلَيْهِ اللَّذُّ والكُرْه مُحْمَدُ

عَتيدٌ لَديْهِ الخَيرُ والشرُّ لامْرىءٍ ... بَغَى أوْ بَغَى خيراً ولَلْخَيْرُ أَعْتَدُ

صموتٌ بلا عيٍّ له من بلائه ... نَوَاطِقُ تَسْتدْعِي الرَّجَاءَ وتَزْأدُ

كَفَى الوعْدَ والإِيعَادَ بالقوْلِ نَفْسَهُ ... بأفْعَالِهِ والفِعْل للفِعْل أشْهَدُ

إذا اقْــــتُــــفِرَتْ آثارُهُ فَعَدُوُّهُ ... وموْلاَهُ مَوْعُودٌ هُنَاك ومُوعَدُ

عــــزيــــزٌ غَــــدا فوْقَ التَّودُّدِ عِزُّهُ ... وإحْــــسَــــانُه فــــي ظــــلِّه يَــــتَــــوَدَّدُ

يَغُضُّ عن السؤَّالِ من طَرْفِ عَيْنه ... لِكَيْلاَ يَرَى الأحْرَارَ كيُفَ تُعَبَّدُ

ويُــــطْــــرِقُ إطْــــراقَ الذَّليل وإنه ... هُنَاكَ لَسَامِي نَاظِرِ العيْنِ أصْيَدُ

إذا مَنَّ لم يَمْنُنْ بِمَنٍّ يَمُنُّه ... وقال لنفسي أيُّها الناسُ أمْهَدُ

وكل امْتِنَانٍ لا يُمَنُّ فإنه ... أخفُّ مناطاً في الرقاب وأوْكَدُ

تَجَاوَزَ أن يسْتأْنف المجدَ بالنَّدى ... وفي كل ما اسْتَرْفدتَهُ فهُوَ أجْودُ

ومن لمْ يَزِدْ في مجده بذْلُ مالِهِ ... وجادَ به فَهْو الجَوَادُ المقلَّدُ

ترى نَائلاً من نَائلٍ ثم ينتهي ... إلى صَاعِدٍ إسنادُه حين يُسْنَدُ

كأنَّ أباه يوم سمَّاهُ صاعداً ... رأى كيفَ يَرْقَى في المعالي ويَصْعدُ

جَرى وجرى الأكْفَاءُ شَأْواً ولم يزل ... مُنَازِعُهُ الطُّولى يُضَامُ ويُضْهَدُ

فَلَمَّاـ تناهَى من يُبَارِيه في العلا ... تَمادَى يُباري أمْسَهُ اليومُ والغدُ

جَوادٌ ثَنَى غَرْبَ الجِياد بغَرْبِه ... وظَــــلَّ يُــــجَاري ظلَّهُ وهو أوْحدُ

وما أغْرَقَ المُدَّاحُ إلا غَلا بِهِ ... وراء مَغَالي مَدْحِهِمْ فيه مَخْلدُ

وأسْلافُ صِدق من عَرَانِين مَذْحجٍ ... طوَالُ المسَاعِي ليْس فيهِمْ مزنَّدُ

بَنَوْا مجدَه في هَضْبَةٍ مَذْحجيَّةٍ ... ذُؤَابَتُهَا بيْن الفَرَاقد فَرْقَدُ

أُولئكَ أوْعَــــالُ المــــعَــــالي مُــــسَهَّلٌ ... لهُمْ مُرْتَقىً في الوَعْر مِنْها ومَصعَدُ

ألم تَرَ زُلْفَى صاعد عند رَبِّه ... بلى قد رأى السَّاهي ومَنْ يَتَفَقَّدُ

بَدَتْ قِبلةُ الدنيا وللنُّكْر فوقَها ... ظِلالٌ وثَدْيُ العُرْف فيها مُجدَّدُ

فَلَمَّاــ تولَّى الأمرَ نُكِّرَ مُنْكرٌ ... وعُــــرِّف معْرُوف وأُصْلِحَ مُفْسَدُ

وأَصْبَح شَمْلُ الناسِ وهْوَ مؤلَّفٌ ... وعَهْدي بشمل الناس وهْو مُبَدَّدُ

حَمَاهُمْ وأفشى العُرْفَ فيهم فكُلُّهُمْ ... من الشرِّ مَمْنُوعٌ مِنَ الخير مُمْجَدُ

إذا أحْسَنُوا جُوزُوا جَزَاءً مُضَاعَفاً ... وما اقتَرَفُوا من سَيِّئٍ مُتَغَمَّدُ

ولَمَّاــ الْتَقَى خِصْبُ المرَادِ وأمْنُهُ ... تَيَقَّظَ مَسْبُوتٌ ونام مُسَهَّدُ

فلمْ يَمتَنعْ مَرعىً على مُتعيِّشٍ ... ولم يَنْقَطِع شِرْبٌ ولم يَنْبُ مَرْقَدُ

فأضحُوا وما في راحة الموت مَرْغَبٌ ... لحِيٍّ ولا في لذَّةِ العيْش مَزْهَدُ

لِيَــــحْلُلْ ذَرَاه من تَلَدَّدَ حائراً ... فــــمــــا في ذَرَاهُ حائرٌ يَتَلدَّدُ

وَطَاغٍ عهدنا أمرَه وهْوَ حادثٌ ... جَليلٌ فأمْسَى أمْرُه وهو مَعْهَدُ

تمادَتْ بِه الطَّغْوَى ولم يدْر أنَّه ... يُـــــسَـــــوِّغُ أكَّاــــلاً له ثــــم يُــــزرَدُ

فصادَف قَتَّالَ الطُّغاةِ بمَرصَدٍ ... قريب وهل يَخْلُو من اللّه مَرْصَدُ

أُتيح له من ذي الغَنَاءَيْن صاعدٍ ... مِصَاع ومَكْرٌ أَعْجَميٌ مُوَلَّدُ

فَعُجْمتُهُ كِتْمَانُهُ أينَ عَهْدُهُ ... وتَوْلِيدُهُ عِرْفَانُه أيْنَ يَعْمِدُ

رمــــاهُ بِــــحَوْلٍ لا يُطاق وقُوَةٍ ... وَلِيٌّ بكلْتَا العدَّتَيْن مُؤَيَّدُ

رأى صَيْدَه من أفْضل الصَّيْدِ كُلِّهِ ... على أنَّهُ مِنْ شرِّ ما يُتَصَيَّدُ

فَبَثَّ له تِلْك الحَبائل حَازِمٌ ... من القوم كَيَّادٌ قَديماً مُكيَّدُ

مُـــــــوَفَّقـــــــُ آراءٍ وزيــــــرُ مُــــــوَفَّقٍ ... يُعَضِّدُهُ والرُّكْنُ بالركن يُعْضَدُ

إذا نَابَ عنه في الأمورِ رَأَيْتَه ... كِلا مَشْهَدَيْهِ لا يُدَانيهِ مشهدُ

عُطَارِدُهُ ما أخْبَتِ الحربُ نَارَها ... ومِرِّيخُهُ ما دَامَتِ الحربُ تَوقدُ

يَصُولُ على أعدائه كلَّ صَوْلة ... يَضِيقُ لها مِنْهُمْ مَقَامٌ ومَقْعَدُ

فطوْراً بأَقْلاَمٍ تُجَرَّدُ لِلْحِبَا ... وطوراً بأسْيافٍ حِدَادٍ تُجَرَّدُ

إذا ما اجْتَبَى مَالاً فَمَالاً أحَالَهُ ... قِتَالاً وزِلْزَالاً لمن يَتَمَرَّدُ

وإنِّيـــ على رَغْمِ الأعادي لَقائلٌ ... وإن أبْرَقُوا لي بالوَعِيدِ وأرعَدُوا

لِيَشكُرْ بَنُو الإسلام نعمةَ صاعدٍ ... بل النَّاسُ طُرّاً قَوْلَةً لا تُفَنَّدُ

وإنْ تكفُروا فاللَّهُ شَاكرُ سَعْيه ... عَلَى الكَافِرِيهِ والنَّبيُّ محمدُ

لأطْفأ ناراً قد تعالى شُوَاظُهَا ... وأوْقَدَ نُوراً كاد لولاه يَخْمَدُ

وَمَا مذْحجٌ إذْ كان منها بمَعْزِلٍ ... عن الحْمدِ مَا لَمْ يَجْحَدِ الحقَّ جُحَّدُ

أَمَذْحجُ أحْسنْتِ النضالَ فأبشِري ... بِشُكرِكِ عند اللّه والقَرْضُ يُشْكَدُ

لئن نصر الأنْصارُ بَدْءاً نبيَّهمْ ... لقد عُدْتُم بالنصر والعودُ أحمدُ

وأنتُمْ وهُمْ فَرْعَانْ صِنْوَانِ تلتقي ... مَناسِبُكُمْ في مَنْصِبٍ لا يُزَهَّدُ

يَمَانُونَ مَيْمُونو النَّقائِبِ فيكُمُ ... مُنَاصَحَةٌ صِرْفٌ لمن يَتَمَعْدَدُ

تُدَبِّرُنَا منْكم نجومٌ ثَوَاقبٌ ... تَبَهْرَمُ في تدبيرها وتَعَطْرَدُ

حُمَاةٌ وكُتَّابٌ تَسُوسُ أكُفُّكُم ... رماحاً وأقلاماً بها الملك يُعْمَدُ

مُعرَّبَةٌ أقلامُكم نَبَتَتْ لكُمْ ... بحيث الْتَقَى طَلْحٌ وضَالٌ وغَرْقَدُ

لِذلك آخَتْها الرماحُ فأصبحتْ ... تَــــقَــــوَّمُ فــــي أيْدِيكُمُ وتَأَوَّدُ

إذا ما سَلَكْتُمْ في الصُّدورِ صُدُورَهَا ... تَقَصَّدُ فيها عن دماءٍ تَفَصَّدُ

فأهْوِنْ عليكم في المعالي ونَيْلِهَا ... هناكَ بما يَدْمَى ومَا يَتَقَصَّدُ

ولمْ تَسْلُكُوا فيما أتْيتُمْ مَضِلَّةً ... وكلنْ لكُم فيهِ طريقٌ مُعَبَّدُ

وَمَا نِلْتُمُ مانلتمُ أنْ جُدِدْتُمُ ... ولكن جَدَدْتُمْ والمُضِيعُونَ سُمَّدُ

أرى منْ تعاطَى ما بلغْتُم كَرَائمٍ ... مَنالَ الثريَّاــ وهو أكْمهُ مُقْعَدُ

وَضِدٍّ لكم لا زَالَ يَسْفُلُ جَدُّهُ ... ولا بَرِحَتْ أنفَاسُه تَتَصَعّدُ

يرى زِبْرِجَ الدنيا يرفُّ عليكُمُ ... ويُغْضِي عَن اسْتِحْقَاقِكُمْ فهْوَ يُفْأَدُ

وَلَوْ قَاسَ باسْتِيجَابِكُمْ ما مُنِحْتُمُ ... لأطْفَأ ناراً في حَشَاه تَوَقَّدُ

ولكنَّهُ يرنُو إلى مَالبِسْتُمُ ... وما تحتَه أسْنَى وأعْلى وأمْجَدُ

وآنَقُ من عِقْد العقِيلةِ جيدُهَا ... وأحسنُ من سِرْبالِهَا المُتَجرّدُ

شكرتُكُم شكر امْرِىءٍ ذي حُشَاشةٍ ... بِكُمْ أصبَحَتْ في جسمه تَتردّدُ

أظلَّتْ سيوفُ الموت أهلَ بِلادِهِ ... فَكَشَّفْتُمُ أظْلالَها وَهْيَ رُكّدُ

وأنتُمْ وإن كنتُمْ عَمَمْتُمْ بمَنِّكُمْ ... فقد خَصَّنِي من ذاك ما لسْتُ أجحدُ

وكنت امْرَءاً أوْفَى الصَّنِيعةَ شكْرَهَا ... وإنْ كان غيري بالصَّنِيعَةِ يُقصدُ

أُرَانِي إذا ما فُزْتُ منها بجانبٍ ... كأَنِّيَ مخْصُوصٌ بها مُتَوَحّدُ

ومن شَكَرَ النُّعمَى عُمُوماً فشْكرُهُ ... إذا هــــيَ خَــــصَّتــــْهُ أجَــــمُّ وأحشَدُ

وأَوْلَى امْرئٍ أنْ تَشمَلُوهُ بفضلكم ... نَقِيذُكُمُ والموتُ أسْودُ أربَدُ

ومَنْ تُنقِذُوهُ تَضْمَنُوا ما يُعِيشُهُ ... وما تَغْرِسُوه لا يَزَلْ يُتعهّدُ

وإنِّيــــ لَمُهْــــدٍ للمُــــوَفَّقــــِ شكْرَهُ ... وشُكْرَكُمُ عنْ كلّ منْ يتشهَّدُ

فمن مُبْلِغٌ عنِّيـ الأميرَ الذي به ... رَسَا الأُسُّ وانْتَصَّ البناءُ المسنّدُ

وعَرّى لَمَرْضَاة الإِله مَنَاصِلاً ... غِضَاباً عِضَاباً ليس فيهنَّ مُعضَدُ

أبا أحْمدٍ أبْلَيْتَ أمَّةَ أحْمدٍ ... بلاءً سَيَرْضَاهُ ابنُ عمِّكــ أحمدُ

حَقَنْتَ دِمَاءَ العَقْرِ والعُقْرِ بعْدَمَا ... هُريقَتْ حَرَاماً والخَليُّون رُقّدُ

وأمَّنْتَ لَيْلَ الخائِفِين فَهَاجِدٌ ... وشَاكِرُ نُعْمَى قَائِمٌ يتَهجَّدُ

بكَ ارْتُجِعَ الإِسْلامُ بعدَ ذهابِهِ ... وعَادَ مَنَارُ الدِّينِ وهْوَ مُشيّدُ

قَتَلْتَ الذي اسْتَحْيَا النساء وأصْبَحتْ ... وَئِيدَتُهُ في البَرَّ والبَحْرِ تُوأدُ

وَقتَّلَ أجْذَالَ العِبَادَةِ عَنْوَةً ... وهُــــمْ رُكَّعٌ بَيْنَ السَّوَارِي وسُجَّدُ

يَنَالُ اليهودُ الفاسِقُونَ أَمَانهُ ... وَيَشْقَى به قَوْمٌ إلى اللّه هُوَّدُ

حَصَرْتَ عميدَ الزَّنْج حتَّى تَخَاذَلَتْ ... قُــــــواهُ وأَوْدَى زادُهُ المُــــــتَــــــزَوَّدُ

فَظَلَّ ولمْ تَقْتُلْهُ يَلْفِظُ نَفْسَهُ ... وظــــلَّ ولم تــــأْسِرْهُ وهْوَ مُقَيَّدُ

وَكَانَتْ نَوَاحيهِ كِثَافاً فلمْ تزل ... تَحَيّفُهَا سَحْتاً كَأَنَّكَ مِبْرَدُ

تُفَرِّقُ عنْهُ بالمكائِدِ جُنْدَهُ ... وَتَزْدَادُهُمُ جُنْداً وجيْشُك مُحْصَدُ

ولو كُنْتَ لمْ تَزْدَدْهُمُ وَقَتَلْتَهُمْ ... لكَانَ لهُ في قَتْلهمْ مُتَبَرَّدُ

ولكنْ بَغَى حتى نُصِرْتَ فلم تَكُنْ ... تُــــــنَـــــقِّصـــــُهُ إلّا وأَنْـــــتَ تَـــــزَيَّدُ

وَلاَبِسُ سَيْفِ القِرْنِ عنْدَ اسْتِلابِهِ ... أضَرُّ لَهُ مِنْ كَاسِرِيهِ وَأَكْيَدُ

نزلْتَ بِهِ تَأْبَى القِرَى غيْرَ نَفْسه ... وذَاكَ قِرىً مِنْ مِثْلِهِ لَكَ مُعْتَدُ

بِأرْعَنَ لَوْ يُرْمَى بِهِ عُرْضُ يَذْبُلٍ ... لأصْبَحَ مَرْسَى صَخْرِهِ وهْوَ جَدْجَدُ

إذا اجْتَازَ بَحْراً كَادَ يُنْزَحُ مَاؤُهُ ... وإنْ ضَافَ بَرّاً كَادَتِ الأرْضُ تُجرَدُ

فَمَا رُمْتَهُ حتى اسْتَقَلَّ برأْسِهِ ... مكانَ قَنَاةِ الظَّهْر أسْمَرُ أجْرَدُ

تَطِيرُ عَلَيْهِ لِحْيةٌ منه أصْبَحَتْ ... لهُ رايةٌ يَهْدِي بها الجَيْشَ مِطْرَدُ

تَرَاهُ عُيُونُ الناظرين ودُونه ... حجابٌ وبابٌ من جَهنَّمَ مُؤْصَدُ

يسيرُ لَهُ في الدُّهْم رأْسٌ مُعَطَّنٌ ... وجُثْمانُهُ بالْقَاعِ شِلْوٌ مُقَدَّدُ

مَــــنَاكَ لَهُ مِقْدَارُهُ فكأنَّمَا ... تَــــقَوَّضَ ثَهْلاَنٌ عليه وَصِنْدَدُ

ولَمْ تَأْلُ إنْذاراً لَهُ غَيْر أنه ... رَأى أنَّ متْنَ البحر صَرْحٌ مُمَرَّدُ

حَدَوْتَ بِهِ نَحْوَ النَّجَاةِ كأنَّما ... مَحَجَّتُهُا البيْضَاءُ سَحْلٌ مُمَدَّدُ

فلمَّاـــ أبى إلا البَوَارَ شَلَلْتَهُ ... إلى النَّارِ بئسَ المورِدُ المُتورَّدُ

سَكَنْتَ سكُوناً كان رَهْناً بِعَدْوَةٍ ... عَمَاسٍ كذاكَ اللَّيْثُ للوَثْب يَلْبَدُ

وحَامَى أبُو العبّاسِ في كل مَوْطِنٍ ... على يَوْمِهِ ثَوْبٌ من الشرِّ مُجْسَدُ

مُحَاماةَ مِقْدامٍ حَيُودٍ عن الهوى ... ولكنَّهُ عن جانِبِ العار أحْيَدُ

وما شِبْلُ ذاكَ الْلَّيْث إلا شَبيهُهُ ... وغَيْرُ عجيبٍ أن تَرَى الشبل يأْسَدُ

وما بِئْسَ عوْن المرْءِ كان ابنُ مَخْلدٍ ... نَصِيحُكَ والأعْدَاءُ نَحْوَكَ صُمَّدُ

مَضَى لَكَ إذْ كَلَّ الحديدُ منَ الظُّبَا ... وحَاط

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الشؤون: شون: التَّهْذِيبُ: ابْنُ الأَعرابي: التَّوَشُّن قِلَّةُ الْمَاءِ، والتَّشَوُّن خِفَّةُ الْعَقْلِ، قَالَ: والشَّوْنة المرأَة الحمقاء[[. قوله [والشونة المرأَة الحمقاء] وأَيضاً مخزن الغلة والمركب المعد للجهاد في الحرب كما ف … (لسان العرب)
  • بادئات: (أَدَيَ) الْهَمْزَةُ وَالدَّالُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِيصَالُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ أَوْ وُصُولُهُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلَّبَنِ إِذَا وَصَلَ إِلَى ح … (مقاييس اللغة)
  • تتوقد: تقد: ابْنُ سِيدَهْ: التِّقْدَةُ، بِكَسْرِ التَّاءِ، والتَّقْدَةُ؛ الأَخيرة عَنِ الْهَرَوِيِّ: الكُسْبَرَةُ. وَالتَّقْدَةُ: الكَرَوْياءُ؛ وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ: وَذَكَرَ الْحُبُوبَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَعَدّ … (لسان العرب)
  • تفطر: تفطر: الأَزهري فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ تَفْطَرَ: التَّفَاطِيرُ النَّباتُ، قَالَ: وَالتَّفَاطِيرُ، بِالتَّاءِ، النَّوْرُ. قَالَ: وَفِي نَوَادِرِ اللِّحْيَانِيِّ عَنِ الإِيادي فِي الأَرض تَفَاطِيرُ مِنْ عُشْبٍ، بِالتَّاءِ، أَ … (لسان العرب)
  • تلحيا: لحا: لَحا الشجرةَ يَلْحُوها لَحواً: قَشَرها؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ: واعْوَجَّ عُودُكَ مِنْ لَحْيٍ ومِنْ قِدَمٍ، ... لَا يَنْعَمُ الغُصْنُ حَتَّى يَنْعَمَ الورَقُ[[. قوله [من لحي] كذا في الأصل بالياء ولا يطابق ما قبله، والذي … (لسان العرب)
  • جلمد: جَلْمَدَ: الجَلْمَدُ والجُلْمود: الصَّخْرُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الصَّخْرَةُ: وَقِيلَ: الجَلْمَد والجُلْمُود أَصغر مِنَ الجَنْدل قَدْرَ مَا يُرْمَى بالقَذَّاف؛ قَالَ الشَّاعِرُ: وَسْط رِجامِ الجَنْدَلِ الجُلْمود وَقِيلَ: ا … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • تعجل مولود ليمهل والد
  • بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
  • طل دمع هريق في الأطلال
  • طاف الخيال وعن ذكراك ما طافا
  • أنى هجوت بني ثوابه
  • أيها القاسم القسيم رواء
  • أبين ضلوعي جمرة تتوقد
  • راجع من بعد سلوة ذكره