خصيمُ الليالي والغواني مُظلَّمُ

الشاعر: ابن الرومي · البحر: الطويل

«خصيمُ الليالي والغواني مُظلَّمُ» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 198 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خصيمُ الليالي والغواني مُظلَّمُ ... وعهد الليالي والغواني مُذمَّمُ

فظلم الليالي أنهن أشبْنني ... لعشرين يحدوهن حوْل مُجرّمُ

وظُلم الغواني أنهن صرمنني ... لظــــلم الليــــالي إنــــنــــي لمُظلَّمُ

تنكَّرن لي أن نكّر الشيبُ لمَّتي ... وفي الشيب للسودِ الذرى متحرّمُ

فإن أغد محزوم السهام فربما ... غدا بيَ مُلقى غرة الصيد مُطعَمُ

ورب مَهاة صدتها بين نظرتي ... ونظرتها أيامَ رأسيَ أسحمُ

أُعارض مرمى الوحش غير مخاتلٍ ... فأستدرج الأقناص من حيث تعلمُ

رأيتُ سوادَ الرأْسِ واللهو تحته ... كليْلٍ وحُلمٍ باتَ رائيه ينعمُ

فلما اضمحلّ الليلُ زال نعيمُه ... فلم يَبْقَ إلا عهدُه المتوهَّمُ

وصفراءَ بكرٍ لا قذاها مُغيّبٌ ... ولا سرُّ من حَلّتْ حشاهُ مُكتّمُ

ينمُّ على الأمرين فرطُ صفائها ... وسوْرتِها حتى يبوحَ المُجمجمُ

هي الورسُ في بيضِ الكؤوس وإن بدَتْ ... لعينيك في بيضِ الوجوه فعنْدمُ

يظلُّ لها المزكومُ حين يسوفُها ... سحابةَ يومٍ وهْو بالمسك يُفعَمُ

لهـــــا لذَّتـــــا طــــعــــم ورسٍّ كــــأنــــه ... دبيب نمالٍ في نقاً بات يُرهَمُ

مذاقٌ ومسرىً في العروق كلاهما ... ألذُّ من البرء الجديد وأنعمُ

كأنهما لثمُ الحبيب وضمُّهُ ... وقد باتَ منه تحت خدّك مِعصمُ

إذا نــــزلتْ بالهم في دارِ أهلهِ ... غدا الهمُّ وهو المرهَقُ المهضّمُ

أقامتْ ببيتِ النارِ تسعين حجةً ... وعشراً يُصلَّى حولها ويُزمزَمُ

سقتْني بها بيضاءُ فُوها وكأسُها ... شبيها مذاقٍ عند من يتطعَّمُ

سقيمة طرْفِ العينِ سُقماً بمثله ... يصابُ صحيحات القلوبِ فتسقَمُ

من الهيفِ لو شاءت لقامت بكأسها ... وخاتمُها في خصرها متختَّمُ

كهمّ الخليِّ اسودَّ فرعٌ ومَكْحلٌ ... لها خِلقةً وابيضَّ ثغرٌ ومَلْغمُ

وأشرقَ منها صحنُ خدٍّ مضرَّجٍ ... يظلُّ بما فيه من الماء يُضرمُ

مُفدّىً يسمَّى باسمِ فيها مقبَّلاً ... إذا قيل للخدّ الملعَّنِ مَلْطَمُ

وأنَّى يُسمَّى ملْطماً وهو ملثمٌ ... فــــدى حُــــسْــــنَه مــــن ذاك خَدٌّ مُلَطَّمُ

على أنه مغرىً به العضُّ مُولعٌ ... وليس له ذنبٌ سوى الحُسنِ يُنقَمُ

يُعضُّ وما أسدى إلى العين سيِّئاً ... وليس بمظلومٍ وإن كان يُظْلمُ

يظلّ إذا أبدى لنا منه صفحةً ... تــــلذّ بــــها أبصارنا وتنعَّمُ

نُــــولّيــــه أطرافَ الثنايا وإنّه ... ليَدْمَى من الألحاظِ بل حين يُوهمُ

بذاك قضى قاضي الهوى وهْو ظالمٌ ... على الخَدِّ للعين التي هي أظلمُ

وما زال في القاضي الغشومِ تحاملٌ ... على الخَصمِ للخصمِ الذي هو أغشمُ

تفكَّهُ منها العينُ عند اجتلائها ... بفاكهة ليست يدَ الدهر تُوخَمُ

عناقيدُ فردوسٍ وتفاحُ جنّةٍ ... تتوقُ إليها كُلّ نفسٍ وتقرَمُ

يناغيهما رمانُ صدرٍ يعيذه ... مــــن العين ياقوتٌ ودرٌّ منظَّمُ

وبين ثمار الرأسِ والعين عبْهرٌ ... يضاهيه منها أقحوانٌ مُدَيَّمُ

ريــــاضٌ وجــــناتٌ يهزُّ ثمارها ... ونُـــــوَّارَهـــــا غُــــصــــنٌ ودِعــــصٌ مــــركَّمُ

تفاوتَ منها الخلقُ في حسن صورةٍ ... تــــفــــاوتَ إبــــداعٍ فــــرابٍ وأهْــــضــــمُ

وخَدْلٌ وممشوقٌ وأبيض ناصعٌ ... وأسودُ غِربيبٌ وأقنى وأخثمُ

إذا استعرضتْها العينُ دقَّ موشَّحٌ ... لهــــــا ورَبـــــا ردفٌ وجَـــــلَّ مُـــــخـــــدّمُ

مــــراكــــبُ للذَّات مــــنــــهــــا مضمَّرٌ ... وما مسَّهـــ ضُمرٌ ومنها مُطهَّمُ

لها فِرقٌ شتّى من الحُسنِ أجْمعتْ ... على أن يُلقَّى البرْح منها المُتيَّمُ

أما عجبٌ إجماعُ مختلفاتِها ... على قتلِ من لاقَتْهُ لا تتأثَّمُ

كذا السهمُ يُصمي وهو شتّى نجارُهُ ... حديدٌ وريشٌ وابنُ غِيل مُقوَّمُ

خلوتُ بها فرداً إذا شئتُ علَّني ... بكأسٍ لها ريَّاـــ بنانٌ مُنعَّمُ

وإنْ شئتُ ألهاني غناءان خِلْفةً ... فصيحٌ ومما تنطق الطير أعجمُ

لدى روضةٍ فيها من النَّوْرِ أعينٌ ... تُرقرق دمعاً بل ثغورٌ تبسَّمُ

يضاحك روقَ الشمسِ منها مُضاحكٌ ... مــــدامِــــعُه مــــن واقــــعِ الطلّ سُجَّمُ

كمستعبِر مستبشرٍ بعد حزنهِ ... لبيْنِ خليطٍ قوّضوا ثم خيَّموا

يغازلني فيها غزالان منهما ... ربيبُ الفيافي والربيب المتوَّمُ

إذا نصبا جيديهما فكلاهما ... ســــــواءٌ وإبــــــريــــــقٌ لديَّ مُـــــفـــــدَّمُ

ثلاثةُ أظبٍ نَجْرُها غيرُ واحدٍ ... لذي اللهو فيها كلها مُتنعَّمُ

غــــــزالٌ وإبــــــريــــــق رذُومٌ وغــــــادةٌ ... تُــــحــــرّكُ مــــن أوتــــارهــــا وتُنَغِّمُ

فظبي يُغنّيه وظبي يُعلُّهُ ... وظبي يرودُ التلعَ أو يتجرثَمُ

لعيْني مُراعي شخصِه فيه مأنسٌ ... وملْهىً وللمستطعمِ الصيدِ مَطعمُ

فقد عكفتْ منها عليهِ بما اشتهى ... هــــنــــالك أظْــــآر مــــن العيشِ رُوَّمُ

وركبِ قنيصٍ قد شهدتُ جيادهم ... تُحمْحِمُ في ثيرانِ وحشٍ تَغَمْغمُ

مهاً كالمها إلا جبالَ متونها ... وإلا مكانَ الوشمِ أو حيث تُلْطَمُ

وإلا مخَطَّ الكحلِ من كلّ مقلةٍ ... وإلا قــــــرونـــــاً تـــــدَّرِي فـــــتُـــــزنَّمُ

يُزنّجُ منها الناسبون وشيظةً ... وجمهورها في الناسبين مُرَوَّمُ

دُفعنا إليها وهْي زُهرٌ كأنها ... خــــلالَ أنــــيقِ النَّوْرِ نورٌ مجسَّمُ

فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى رأيتها ... تعصفرها مثعنجرات تَهزَّمُ

دلفنا لها بالسمهريّ فطالعٌ ... إلى مــــصــــرعٍ يــــرتاده ومُحَرْجمُ

وقد حاولتْ منجىً فقالت رماحُنا ... لِمُمْعِنِها عرّجْ فهذا المخيَّمُ

فلم يُنْجِها إحضارُها وهْو مُلْهَبٌ ... ولا ذبَّ عنها اللُّها وهو مُتْأمُ

قرونٌ لها منها حرابٌ قرائنٌ ... ولكنَّ خصمَ السمهرياتِ يُخْصَمُ

وقد طال ما ذادتِ بها غير أنه ... أتيح لها رأسٌ من الكيدِ مِصْدَمُ

بحيثُ يضمَّ الثورَ والعيْرَ مرتعٌ ... يراعيهما فيه الأصكُّ المصلَّمُ

وشُــــنَّتــــْ لها في آل أخدرَ غارةٌ ... كما شُبَّ أُلْهوبٌ الحريقِ المضرَّمُ

تنادمَ فيها الموتُ أحمرَ قاتماً ... قريعَ المها والأخْدَريُّ المكدَّمُ

نديمان من شتّى وكأسٌ كريهةٌ ... أبــــاها من الشُّرَّابِ إلا المجشَّمُ

فظلّ لنا يومٌ من اللهو مُمتعٌ ... وظــــلّ لهــــا يومٌ من الشرّ أيْومُ

ورحنا على القُبّ العتاقِ وكلُّها ... من العلقِ الوحشيِّ أقرحُ أرثمُ

تخايلُ منه في خضاب تخاله ... طِلاءً من الحناء قاناه بقَّمُ

كأنّ لها حَظَّيْن مما تصيدُه ... على أنها منه مدى الدهر صُوَّمُ

وأنقذ منا العُفْرَ والرُّبْدَ ميلُنا ... إلى العينِ والحُقْب التي هي أوسمُ

وكــــان لنا في كلّ حقّ وباطلٍ ... جُنوحٌ إلى الشأن الذي هو أفخمُ

ومعتركٍ تبدو نجومُ حديده ... وقد لفّه ليلٌ من النقع أطخمُ

شهدتُ القنا فيه تقصّفُ والظُّبا ... تُفلَّلُ والبيضَ الحصينَ تحطَّمُ

فلم أكُ ممنْ حاصَ عن غمراتِه ... ولا غاصَ فيها حيث غاصَ المغمَّمُ

ولكنني غامست خَوْضَةَ هَوْلِها ... جهيراً شهيراً حين ضلّ المقرقَمُ

ولم أغشها إلا عليماً بأنّها ... هي المجدُ أو مطرورةُ الحدّ صَيْلَمُ

وليلٍ غشا ليلٌ من الدَّجْنِ فوقهُ ... فليس لنجم في غواشيه منجَمُ

عفا جِلْبُهُ آيَ الهدى من سمائه ... وأعلامَهُ من أرضهِ فَهْيَ طَسْيَمُ

لبستُ دجاه الجونَ ثم هتكتُه ... بوجناء يَنْميها غريرٌ وشدْقَمُ

عُذافرةُ تنقضّ عن كلّ زَجْرةٍ ... كما انقضّ من ذي المنجنيق الململَمُ

يخوضُ عليها لجةَ الهوْلِ راكبٌ ... هــــو الســــيف إلا أنه لا يُثَلّمُ

نجيبٌ من الفتيانِ فوق نجيبهِ ... من العيس في يهماء والليل أيهمُ

فريديْنِ يمضيها وتمضيه في الدجى ... كسمراء يُمضيها وتُمضيه لهذمُ

يريها الهدى حدْساً وتنجو برحله ... ودون الهدى سدٌّ من الليل مُبْهَمُ

على ظهرِ مَرْتٍ ليس فيه مُعرَّجٌ ... ولكــــنْ مَــــخَــــبٌّ للركــــاب ومَــــسْعَمُ

من اللائي تنبو بالجنوبِ وكلها ... لأيدي المهاري أملسُ المتنِ أدرمُ

خلاءٌ قواءٌ خيرُ مرعى مطيَّةٍ ... وموردها فيه النَّجاءُ الغَشَمْشَمُ

يــــنــــوحُ به بومٌ وتعزفُ جنةٌ ... فيعوي لها سِيدٌ ويضْبَحُ سَمْسَمُ

يُــــخال بها من رَنِّ هذي وهذه ... إذا اختلف الصوتان عُرْسٌ ومأتَمُ

تــــعــــسَّفــــتُه إمَّاــــ لخــــفضٍ أناله ... وإمَّاــ سآمَ الخفضِ والخفضُ يُسْأمُ

وللسيف حيناً مرقدٌ في حجابه ... وحــــيــــنــــاً مــــهبٌّ صادق ومُصمَّمُ

وهاجرة بيضاءَ يُعْدِي بياضُها ... سواداً كأن الوجهَ منه مُحمَّمُ

أظلّ إذا كافحتها وكأنني ... بــــوهَّاــــجــــهــــا دونَ اللثام مُلثَّمُ

نصبتُ لها مني محاسرَ لم تزلْ ... تُصلَّى بنيرانِ العُلا فهي سُهَّمُ

بديمومةٍ لا صلَّ في صحصحانِها ... ولا ماءَ لكنْ قورُها الدهرَ عُوَّمُ

ترى الآلَ فيها يَلْطُمُ الآلَ مائحاً ... وبارحُها المسمومُ للوجه ألطمُ

بــــذلك قــــد عــــللتُ نــــفــــسي كُلّه ... ولكنْ بنو الأيام تُغْذَى وتُفْطَمُ

سأُعْرض عما أعرضَ الدهرُ دونَه ... وأشـــــربُهـــــا صِـــــرْفـــــاً وإن لامَ لُوَّمُ

أعمُّهُمُ مدحاً وأختصُّ منهمُ ... أخاهم عبيدَ اللَّه والحق يُلْزَمُ

فتى منهمُ في فضله متقدّمٌ ... عــــلى أنــــه فــــي سِــــنِّهِ متقدَّمُ

يُــــعــــدُّ إذا عُــــدَّ المــــلوك مــــبــــدَّأً ... كما عُدَّ رأساً للشهور المحرَّمُ

له في المعالي والمكارم إخوةٌ ... وليس له فيها على ذاك تَوْأمُ

بنى بالمساعي سُؤدداً لا يُزيلُهُ ... صــــروفُ الليالي أو يزولَ يَلمْلَمُ

فتىً لا أسمّيه فتى لحداثةٍ ... ولكــــــــن لأخــــــــلاق له لا تَــــــــكَهَّمُ

من الأريحياتِ التي تُمتَرى الندى ... فتَنْدَى وتلقَى غمرةً فتقحَّمُ

إذا النعلُ شُمَّتْ في المجالسِ مرّةً ... فــــإن له نــــعــــلاً تُــــشَــــمُّ وتُلْثَمُ

وما دُبِغتْ بالمسك بل صُوفحت به ... له قــــدمٌ فــــي كــــلّ مــــجــــدٍ تَقدَّمُ

فتى ليس من يومٍ يمر ولا يُرَى ... لنعماه فيه أو لبؤساه ميسمُ

يُمرُّ العطايا والمنايا لأهلها ... على هِينة منه ولا يتندّمُ

له فــــعــــلاتٌ مــــن سماحٍ ونجدةٍ ... لمنْ يعتفي عُرْفاً ومن يتعرَّمُ

يقومُ لها المالُ المؤثَّلـ والعِدَى ... إذا قام للنار الحصادُ المحزَّمُ

فتى عزمه سيفٌ حسامٌ وسيفُه ... قضاءٌ إذا لاقى الضريبةَ مُبْرمُ

يباشرُ أطرافَ القنا وهْو حاسرٌ ... ويــــلقــــى لســــانَ الذمّ وهْــــو مُــــلَأَّمُ

مُقبَّلُ ظهرِ الكفّ وهّابُ بطنها ... له راحةٌ فيها الحطيمُ وزمزمُ

فظاهرُها للناس رُكنٌ مُقبَّلٌ ... وباطنها عينٌ من العُرفِ غيلمُ

فتى لو رأى الناسُ الأمورَ بعينهِ ... لما جهلوا أن المحامد مَغْنَمُ

يدُلُّ عليه السائلين ارتياحُهُ ... ووجهٌ بسيما الأكرمين مُسوَّمُ

إذا سئل استحيا من اللَّه أن يُرى ... بموضعِ مَرْجُوٍّ وراجيه يُحرمُ

يرى شرَّ يومَيْ ماله يومَ كسبهِ ... وأفضلَ يوميه إذا ناب مَغْرَمُ

فتى حسنتْ أسماؤه وصفاته ... فأضحت بها أيدي الكواعب تُوشمُ

ولو وسمَ الناسُ الجباهَ بمدحهِ ... إذاً لاستلذوا الوسمَ والوسمُ يؤلمُ

إذا ما أسرَّتْ أنفسُ القومِ ذِكْرَه ... تبيَّنتَهُ فيهم ولم يتكلموا

تطيبُ به أنفاسُهُ فتذيعُهُ ... وهل سِرُّ مسكٍ أُودِعَ الريحَ يُكْتَمُ

فتى كَمُلتْ فيه الفضائلُ كلُّها ... هنيئاً له الحظُّ الوفاءُ المتمَّمُ

فلا خلَّةٌ منها أضرَّتْ بخلَّةٍ ... عــــلى أنــــه في كُلّها متقسَّمُ

وما اقتسمتْ شتّى الفضائل واحداً ... فكاد من التقصير فيهنَّ يسلمُ

إلى أيّ ما فيه قصدتَ حسبته ... هو الغرضُ المقصودُ فيه الميمَّمُ

ليُــــنْظَمَ فيه ذلك الدرُّ سُلّكَتْ ... مريرتُه والدرُّ في السلك يُنظَمُ

خلالٌ جفا عنها الجفاةُ خلائقاً ... وخلقاً وهل للدرّ في الحبل مَنْظمُ

وما زال عبدُ اللُّه يعلم أنه ... قديماً لهاتيك الشناشنِ أخزمُ

تبيَّنــ فيه وهْو في المهدِ أنه ... سيرفعُ من بُنْيانه وسيدْعَمُ

وأنْ سوف يحييه بما هو فاعلٌ ... إذا هو واراه الضريحُ المطمطمُ

لذلك أقــــفــــاه وســــمّاه باسمه ... وفي الحقّ يُقْفَى مثلهُ ويكرَّمُ

وما كان لاستصغارهِ صَغَّر اسمَهُ ... أبى ذاك مَن معناه فخمٌ مفخَّمُ

ولكــــنَّ أســــماء الأحبة لم تزل ... تُــــصَــــغَّرُ فــــي أهــــليــــهــــمُ وتُــــرَخَّمُ

وما ضرَّ من أضحى له اسمٌ مُصغَّرٌ ... ومعنى مُجَلٌّ في الصدورِ معظّمُ

هو الغرة البيضاءُ من آل مُصْعبٍ ... وهم بعده التحجيل والناس أدهمُ

لتَفتَرَّ عنه في مواطن جَمَّةٍ ... رُزَيْق فما مفترُّها عنه أهتمُ

كفاها به من مَضْحَكٍ يومَ زينة ... ومن مَكْلح في الحربِ حين تَجَهَّمُ

ثنايا لعمري وُضَّحٌ لا يشينُها ... ونابُ عضاضٍ مِقْصلٌ حين يَضْغَمُ

ألكنِي إلى عمرو بن ليث رسالةً ... لها حين يدوى الغيبُ غيبٌ مُسلَّمُ

فإنا غدونا نحمدُ اللَّه أوَّلاً ... فواتحَ من حمدٍ بحمدك تُختَمُ

على نعمةٍ ألبستناها جديدةً ... هي الوشي حُسْناً والحبير المنمنمُ

لك المسمعُ المصغَى إليه إذا غدت ... لبوساً لنا والمنظرُ المتوسَّمُ

رعيتَ سدانا بالأمير فكلّنا ... بذلك ممنونٌ عليه ومُنْعَمُ

توخّى بنا المرعى المرِيءَ نباتُه ... وجنَّبنَا المرعى الذي يُتَوَخَّمُ

وذبَّ الذئابَ الطُّلْسَ عنا فأصبحتْ ... ومنها طريدُ الخوفِ والمتحرَّمُ

وأثبتَ للأمرِ الذي يستديمه ... أواخــــيَّ صدْقٍ أقسمتْ لا تَجَذَّمُ

فلا تسهمنَّ الحظَّ فيه فإنه ... جزيلٌ وما مَنْ كان مثلك يُسْهَمُ

تحمّل ما حُملتَه من أمانةٍ ... فناءَ بها منه ضليع عَثمثَمُ

حليم إذا ما الحلمُ أُحمِدَ غِبُّهُ ... وأدَّى إلى العُقْبى التي هي أسلمُ

جهولٌ على الأعداء جهلَ نكايةٍ ... يداوَى به جهلُ الجهولِ فيُحْسَمُ

وحاشاه من جهلِ الغباوة إنَّهُ ... أطــــبُّ بأحناء الأمور وأحكمُ

عَفُوٌّ إذا ما الذنبُ لم يعْدُ حدَّه ... إلى الوِتْرِ تَبَّاعٌ قفا الوتر أرقمُ

أخوذٌ بوثقى عروتَيْ كلّ خُطَّةٍ ... تروكُ الهُوَينا للتي هي أحزمُ

حــــلا لشــــفــــاه الذائقــــين وإنه ... عــــلى لهــــوات الآكــــليــــن لعلْقَمُ

وداوَى من الأدواءِ حتّى أماتها ... بأدويةٍ لم يدرِ ما هنّ حِذيَمُ

فذو الزيغِ يُسْتَأنَى وذو الغيث يُنْتَحَى ... وذو النفر يُسْتَدْنى وذو الشَّغْب يُوقمُ

وكانت همومٌ لا تزال تهمُّها ... رجالٌ فقد عادت مغايظَ تُكظَمُ

ولا غـــــروَ أن ذلّتْ له بـــــعــــد عــــزّةٍ ... أنوفٌ عِدىً أضحتْ تُخَشُّ وتُخزَمُ

تكنَّفُ هذا الدين والملكَ منكما ... يــــلمْــــلم فــــي أنضادهِ ويرْمرمُ

رســــا جــــبــــلا حَــــزْمٍ وعــــزمٍ وقــــوةٍ ... بمثلهما تحمى القواصي وتُعْصَمُ

لتحملْ رقابٌ مائلاتٌ رؤوسها ... حــــذارِ وإلا فــــالمــــليــــمــــون ألومُ

هو السيفُ يجني كلَّ رأسٍ دنا له ... وقدماً إذا ما استصرم الدومُ يُصرَمُ

فأقصرَ قومٌ وانتهوا عن سفاههم ... وهامُهمُ بين المناكب جُثَّمُ

وإلا فــــإني ضامنٌ أنْ يبُزَّها ... مجاثمَها سيفٌ من البأسِ مخذمُ

بكفَّيــ عبيد الله يهوي بحدّه ... إلى حيث أهوى الحقُّ لا يتلعثمُ

همام إذا اعوجّتْ عوالي رماحِهِ ... غدت بين أحناء الضلوع تُقوَّمُ

له الراية السوداء تخفقُ فوقَها ... مع النصر رايات من الطير حُوَّمُ

يحمنَ عليها واثقاتٍ بأنها ... ستُجزَر أشلاء الطغاة وتُلْحَمُ

وما حربهُ حربٌ إذ نابذ العدا ... ولكنها أرضٌ عليهم تُدمْدِمُ

أخو الرأي والبأسِ اللذيْن كلاهما ... يُكادُ به الجيش اللُّهام فيُهْزمُ

يُرى أو يُلاقَى وحدَه فكأنما ... يُرى أو يُلاقى ألفُ ألفٍ مصممُ

له عندَ قدْحِ الرأي من خطراته ... وعند انتضاء العزم للأمرِ يدْهَمُ

سُــــكــــونٌ كإطراقِ الشُّجاع وسورةٌ ... كــــســــورتــــه لا بــــل أشــــدُّ وأعْــــرَمُ

هو الليث طوراً بالعراء وتارةً ... له بــــين آجامِ القنا متأجَّمُ

مُــــساورُ قِرنٍ أو مجيلُ جوائلٍ ... من الرأي مكرُ اللَّه فيهن مُدْغَمُ

ليطرقْهُ ضيفٌ أو لتطرقه نوبةٌ ... فما للقرى عن طارقيه مُعتَّمُ

لكــــلّ نــــزيــــل قــــد أعــــدَّ عتاده ... فللضيف ترحيب ومَثْوىً مكرَّمُ

وإن كانت الأخرى ولا نزلتْ به ... فبأسٌ بمثليْه من الشر يؤدمُ

يــــدبــــرهُ رأيٌ ســــديــــدٌ بــــمــــثــــله ... تُرمُّ مصاعيبُ الأمور وتُخطمُ

إذا ما أصاب الخطبَ لم يك فلتةً ... ولا هفوةً في إثرها متندَّمُ

به يهتدي الضُّلالُ عند ضلالهم ... إلى سنَنَ القصدِ الذي هو أقومُ

عجبتُ لرأي يُستضاءُ ودونه ... ســــمــــاءُ ســــماحٍ لا تزال تَغَيَّمُ

ليفخرْ عبيدُ اللَّه فهْو الذي له ... بفضلِ الحجى والبأسِ والجود يُحكَمُ

وما فخرُ مَنْ لو فاخر الفخر أصبَحَتْ ... مقاليدُه عفواً إليه تسلَّمُ

له الحلم لو يُلْقَى على الناسِ بعضُه ... تعافوا فلم يُسفَك على الأرضِ محجمُ

إلى البأس لو يمنى به الدهر مرةً ... لأغضى كما يغْضي الذليل المهضَّمُ

إلى الجود لو يُعدِي أقلُّ قليلهِ ... أكفَّ الورى لم يُحْمَ للمال مَحْرَمُ

خلائِقُ لو فُضَّتْ على الناسِ كلّهم ... محاسنُها لم يبق في الناس مَشْتَمُ

وإن عُــــدَّتِ الآدابُ يوماً وأهلُها ... فذكراه ريحانُ القلوبِ المشمَّمُ

هو المرسلُ الأمثالُ في كلّ منطقٍ ... يظلُّ بماء العين في الخدّ يُرْسَمُ

من الشعراء الأعذبين قر

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • خصيم: خصم: الخُصومَةُ: الجَدَلُ. خاصَمَه خِصاماً ومُخاصَمَةً فَخَصَمَهُ يَخْصِمهُ خَصْماً: غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، والخُصومَةُ الِاسْمُ مِنَ التَّخاصُمِ والاخْتِصامِ. والخَصْمُ: مَعْرُوفٌ، واخْتَصَمَ القومُ وتَخاصَموا، وخَصْمُك … (لسان العرب)
  • فظلم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
  • لظلم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
  • لعشرين: عشر: العَشَرة: أَول العُقود. والعَشْر: عَدَدُ الْمُؤَنَّثِ، والعَشَرةُ: عَدَدُ الْمُذَكَّرِ. تَقُولُ: عَشْرُ نِسْوة وعَشَرةُ رِجَالٍ، فإِذا جاوَزْتَ العِشْرين اسْتَوَى الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَقُلْتَ: عِشْرون رَجُلً … (لسان العرب)
  • للسود: لسد: لَسَدَ الطلَى أُمه يَلْسِدُها ويَلْسَدُها لَسْداً: رَضَعَهَا، مَثَّالُ كَسَرَ يَكْسِرُ كَسْراً. وَحَكَى أَبو خَالِدٍ فِي كِتَابِ الأَبواب: لَسِدَ الطَّلَى أُمه، بِالْكَسْرِ، لَسَداً، بِالتَّحْرِيكِ، مِثْلَ لَجِذَ ال … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • تعجل مولود ليمهل والد
  • بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
  • طل دمع هريق في الأطلال
  • طاف الخيال وعن ذكراك ما طافا
  • أنى هجوت بني ثوابه
  • أيها القاسم القسيم رواء
  • أبين ضلوعي جمرة تتوقد
  • راجع من بعد سلوة ذكره