بِمثلك هزّ الملكُ أَعطافَه عجبا

الشاعر: محمود قابادو · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح

«بِمثلك هزّ الملكُ أَعطافَه عجبا» من شعر محمود قابادو، من العصر الحديث، وتقع في 208 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة مدح.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بِمثلك هزّ الملكُ أَعطافَه عجبا ... وَتاهَت بِه الخضرا وباهَت بِه الشهبا

وَأَقبَل يُزهى باِحتفالك نَحوهُ ... وَتقليده مِن عزمكَ الصارم العَضبا

وَتَطويقه زُهرَ المآثرِ وَالحلى ... وَإِمضائه غرّ المفاخِرِ لا أَكبى

وَتَوشيحهِ مَجداً تجرّ ذُيوله ... وَتَتويجه عزّاً عَلى الزهرِ قَد أَربى

وَروعك للأَبصارِ يومَ اِجتلائهِ ... وَصَدعك في الأقطارِ من صيتهِ الحُجبا

وَطيّك دونَ الخفضِ كشحاً لِضمّه ... وَنشرِ بنودِ الفتحِ في رَفعِهِ نَصبا

وَشدّ نِطاقِ الحزمِ في خصرِ دلّهِ ... ومدّ رواقِ الأمنِ مِن فوقِه رقبا

وَبِسطِ مِهادِ العدلِ تحتَ ظِلالهِ ... وَسحِّ عهادِ الفضلِ أَحواله صوبا

وهزّك بينَ البيض والسمر عطفه ... وَبينَ جَناحي جحفَلين به قلبا

وَإِصفائك الإقدام وَالحَزم والحجى ... لِنُصرته جنداً وَأسرتهِ حزبا

لَقَد علمت إنشاء كلّ قرارة ... وَمَن في اِحتناكِ الدهرِ شابَ ومن شبّا

بأنَ جناحَ الصبحِ لَم يلتَحِف به ... فتىً مُذ سَما شرقاً إلى أن هَوى غربا

أَشدّ وأَقوى منك بِالملكِ نهضةً ... وَأَحرى به إِرثا وَأَدرى بهِ كَسبا

وَأَحزم رأياً في حِمايَةِ عزّه ... وَأَوسعُ صَدراً في كفايته الشجبا

فللّه ما أَزكى وَأَكرم بيعة ... نهضتَ لَها في مَوكب موجهُ عبّا

وَمَلأت كرسيّ الخِلافةِ بَهجةً ... فَلَولا وَقار مِنك لاِهتزَّ أَو أبّا

فَأَصبَح تستذري المَكارمَ حَوله ... بِطودٍ تَرى الأطواد في جَنبِه هَضبا

وَأَبرزت كفّاً ما رأى الدهرُ درّة ... سِواها حَوت بحراً كفى العدم والجدبا

فَأقبلَ للتقبيلِ كلّ مَوشّحٍ ... بِنَجدته قبلَ النجادِ إِذا هبّا

جُنودٌ كَساها الإحتفالُ محاسناً ... بيوم كساها الحزمُ من قبلهِ حَربا

رِياشُ جمالٍ تملأ العينَ قرة ... محجّبة في هيبةٍ تَملأ القَلبا

إِذا أبرَقت شمسُ الضحى وشيَ طرزها ... تَهادوا بأذنابِ الطواويس إذ تربى

وَمرّوا فرادى في سموطِ صُفوفهم ... عَلى قصباتِ النسق كعب تلا كعبا

مَواكب ما بينَ السماطينِ أَشبهت ... كواكب أمّت في مجرّتها القطبا

يؤمّون ملكاً تحسدُ الشمسُ تاجَه ... وَتغضي عيون النجم عن لحظه رهبا

وَيغبط فيهِ السمع والقلب أَعينا ... نَفسنَ على الأفواهِ في كفّه القربا

مَقام أودّ السبع لو أنَّ بدرها ... بِساط بهِ وَالشهب في أرضهِ حصبا

وَأنّ بِهِ شــــهــــب الفــــوارس ألبست ... زمامَ الثريّا وهي مصحبة جنبا

وَأنّ عَصا الجوزاءِ تعقدُ رايةً ... وَتغتنمُ الكفّ الخضيب بها خَضبا

وَأنّ بِه شاكي السماكينِ حاجب ... وَقَد نيطَ بهرامٌ إلى خصره عضبا

وَأَنّ خَطيب المدحِ فيه عطارد ... فَيصدعُ آذانَ الأهلّةِ والقلبا

وَأنّ بـــــهِ زهـــــر المَــــنــــازلِ نــــزّل ... وَجَبهتها تلقى بإكليلها التربا

وَمِن أوجه كيوان يهوي مسلّماً ... لِمَنصبه الأسنى ومنسبه الأربى

وَقَد صارَ بيت البدرِ طالع ملكهِ ... وَجرت بهِ الزهراءُ مِن ذَيلِها هدبا

تثلّث سعد المشتري ذاتَ يمنةٍ ... بِيوم وبيت قَد غَدا لَهما ربّا

فَأَسّس بالسعدينِ أَوتادَ عزّه ... وَفرّق بِالنحسينِ من ضدّه الشعبا

وَقَد سارَتِ البشرى إِلى كلّ وجهةٍ ... بِبَيعته مَسرى النسيم إِذا هبّا

فَوافَت وفود الشكر تهوي لحضرة ... بِها حطّ رَحل العدلِ وَالفضلِ إذ لبّا

سِراعاً إِليها يوفضونَ لبيعةٍ ... يَودّون لَو باعوا النفوسَ بِها نَحبا

تُحالفهُ أَيمانُهم وَقلوبُهم ... عَلى أنّها أَضحت بِطاعته قلبا

فَما اِنقبَضت عن صفقةِ العهدِ راحة ... وَلا اِنبَسطت للخلفِ عن حلفِه رغبا

حَبا اللّه فضلاً خيرةَ الدول العلى ... بِخيرِ الشهورِ الغرّ خير أَمري يحبى

فَأصبَح بدرُ الصومِ تاجَ جَبينها ... وَأَمسى هلالُ الفطرِ في يدها قلبا

وَأَلبَسها الإمساكُ حلّة عفّةٍ ... يجرّ اِبتهاج العيد أذيالها سحبا

زَكت ليلة وافته فيها ودونها ... لِسابعة العشرين عشر وَفت حسبا

فَتِلك الليالي العشر من دول مَضت ... وَذي ليلةُ القدرِ الَّتي فضلت حقبا

لَوى الدهر عنّا وَعده بوفائها ... وَلا غَرو في حسناء تخدرها الرقبى

وَأَمهَلَها من ربّها إذ تقاعَست ... عَفافٌ يعدّ الحلّ مِن وصلِها ذنبا

فَلم تشرئب النفس منه لِريبةٍ ... وَلا اِستبطأت حظّاً ولا اِستَعجَلت جَلبا

إِلى أَن أفـــــاء اللّه وارِف ظـــــلّهــــا ... عليهِ وأَجنى كفّه غصنها الرطبا

وَقَد كانَ مَولاها وَمالك رقّها ... وَجادَ بها عفواً لخاطِبها صبّا

فَأَولت سِواه الطوع إِذ كان كفئها ... وَأَولته إِذ كان الأبرّ بِها الحبّا

وَلولاه لم تــــطــــمــــح لرقّ حليلةٍ ... وَلكن كفاها أَن يكون لها ربّا

لَقد لَبِست للبعدِ عنهُ كآبة ... فَمُذ قبّلت كفّيه فارَقت الودبا

وَطافَت بِرُكنِ العزّ مِنهُ وَأَوقَفت ... عَلى عَرفات العرف آمالها لبّا

وَلمّا أَحاطتها يَداهُ وَأَصبحت ... مَقاليدها في كفّ إِمرَته وعبا

وَرامت أساطينُ الملوكِ هناءه ... فَما بَرِحت تستمجدُ الرسلَ وَالكتبا

إِذا أَقبلت من آلِ عثمانَ خلعة ... بِها منكبُ العلياءِ قَد طاولَ الشّهبا

فَأَصفى لَها المولى المشير رغابهُ ... وَأَضفى عَليها مِن مبرّته ثوبا

وَأَوردهــــا مِــــن ودّه واِحــــتــــفــــاله ... وَإِعظامه إقبالها المشرع العذبا

وَواجهها يوم اِجتلاءِ جمالها ... بِطلعَةِ بشرٍ منه في موكبٍ عبّا

فَــــللّه يومٌ طالَ جيدُ فَخارِهِ ... وَجافى الهنا عن نور غرّته الحجبا

فَلم تكتسِ الأعيادُ خلعةَ حسنهِ ... وَلا هَصَرت من روضِ نضرتهِ قضبا

فَفي كلّ صوتٍ منهُ صيت مسرّةٍ ... وَفي كلّ سمعٍ سمعةٌ تثلجُ الخلبا

فإن يكُ شكراً لِلصنيعِ ظهوره ... فَقد ساوت العجماء في شكرهِ العربا

ثَنايا الثنا من كلّ ثغرِ بواسمٍ ... وَوجه الهنا من كلّ وجه نفى القطبا

وَقد أُلبست دارُ الإمارةِ بهجةً ... عَلى مثلها جفنُ الغزالةِ ما هبّا

وُقوفا بها الأعلام من كلّ معلمٍ ... يَروع ببادي رأيهِ الجحفلَ اللجبا

هُناك ترى الأبصار صوراً شواخصاً ... فَلولا اِنتظامُ النسقِ لَم تهتد اللحبا

فَمِن خجلٍ يثني الصرائمَ رهبة ... وَمِن جذلٍ قد كاد يهفو بها رغبا

قلوبٌ وأجسامٌ تُزاحم ناديا ... يفرّقها رهباً وَيَجمعها حبّا

وَقد حلّ في عرشِ الخلافة ربّه ... مُحفّا به أسداً ضراغمة غلبا

ووافَته من عبدِ المجيدِ تميمةٌ ... لِجيدِ فخار عَن عقودِ الثنا شبّا

وَنيطَ إِلى خصر الرّئاسةِ صارم ... فللّه عضبٌ عانَق الكرم الأربا

وَأبــــرز مــــنــــشورٌ كأنّ سطورهُ ... أَسارير بشرٍ في جَبين العلى هبّا

تُضيع عبيرَ الحمدِ منه عبارة ... كأنّ لسانَ الملكِ أَرشفها ضربا

وَتَجلو بألقابِ المشيرِ ونعته ... عَقائل تُزهى عَن تقنّعها حجبا

فحيّهلا بالمجد قرّ قراره ... وَبالشرفِ الوضّاحِ قَد أحرز الرتبى

عهود مِنَ السلطانِ قامَت مَقامهُ ... فَقد أَعظمت إِعظام مرسلها دأبا

وَتَهــــنــــئة منه لِخير مملّك ... حَوى الملك إرثاً واِستبدّ به كَسبا

سَرت في دجى نقس إلى صبحِ مهرق ... لِتحمد عند اِبنِ الحسينِ به الدأبا

سَـــــعـــــت سَــــعــــي دري إِلى شَــــرفٍ له ... وَقد أسعد الهيلاج من بيته ربّا

مضى مُستقيم السير في الأوج صاعداً ... تُحيط به الأوتادُ من أسعد طنبا

أَفاضَت عليه النور عند اِتّصاله ... بِها شمس ملك بزّت الأسد القلبا

فيا طيبَ ما سَعيٍ ويا حسنَ موفدٍ ... مِنَ المجدِ وَالعلياءِ أزلفها قربا

رَأَت صَولة للملكِ لا يُصطلى بها ... وَنضرةَ حُسنٍ تدهش اللّحظ واللبّا

فَلو نطَقت قالت زفافي لبابه ... كَمُستبضع تمراً إلى هجر يسبى

وَمُهدٍ إِلى الخضراءِ نورَ ذبالةٍ ... وَللبحرِ أَصدافاً حَوت لؤلؤاً رطبا

وَلَكِن تفادى أن يذيل اِحتشامها ... تلطّف من يَحبو بهيأة من يحبى

إِمامٌ دَرت منه الخلافة أنّها ... قَدِ اِعتَصمت بِالمعقل الشامخِ الأربى

أَتَته وَلم ينطق لِسانُ سنانهِ ... وَلا اِفترّ منه السنّ يوماً ولا قبّا

وَلا اِرتَشفت كأس الطلا من حسامه ... شفاه ولا سمن الأكفّ به خضبا

وَما هبّ جفن الملك والبيض نوّمٌ ... بِأَجفانِها إلّا لجدّ نَضا عضبا

وما الملك همّ اِبن الحسيِن لحظّه ... وَلكن حقوقٌ لِلعلى ذهبت تلبا

كأنّي بِها تَدعوه وهو يُجيبها ... بِلبّيك قد أَسمعت أكرَم من لبّى

دَعوت زَعيماً بالفلاحِ لدعوةٍ ... تصامم عَنها الدهرُ من رهب حقبا

مذمّاً مذيلاً للمَكارِه طالباً ... دحول المَعالي لا يرى غيرها أربا

جواداً خضمّاً أريحيّاً سميدعاً ... حسيباً سريّاً مدرهاً ماجداً ندبا

كَريماً هماماً لوذعيّاً محدثاً ... أَبيّا وَفيّاً كوثراً أهيساً لبّا

فنامي إذأً في ظلّ يَقظانَ إن يَذُق ... مِنَ الغمضِ طعماً عينه لم يذق قلبا

وَكم ظنّ غرّ أنّ في الخفضِ همّه ... إِلى أَن رآه وَهو يستخفضُ الدأبا

رَآه يعدّ الحربَ سلماً شهامة ... وَيَحسب حزماً أنّ في الهدنةِ الحربا

لَقد عَمِيت عنه بصائرُ عصبة ... غَدَت في مَراعي بغيها تَنقف الخطبا

وَغرّت برفق اللّيث في وطئه الثرى ... فَلم تتحذّر مِن بَراثِنه الخلبا

فإن راقَها مِنه اِبتِسام نيوبه ... فَقَد راعَها إِذ نبّ أنيابه قبّا

وَإنّ اِفترار العضبِ مُبكي الطلى دماً ... وَفي مائهِ برد يشبّ الحَشا لهبا

فَمن لم يَرعه منه بارقُ صفحه ... فَلا يَيأسن من قذفِ حدّ له شهبا

أَقول لِمَن أَقذى السفار جفونه ... ولَم تَرض منه الأرض جفناً ولا جنبا

وَأَضحى يعدّ اليأسَ أصدقَ موقظ ... وَمِن كذبِ الأحلامِ نيل المُنى ضربا

هَلمّ لإفريقية غير فارق ... وَدع فرقاً عاجوا إِلى غيرِها الركبا

وَجرّ إِليها العزمَ واِرفَعه نحوها ... بِجَزمك تخفض صرف دهرٍ نوى النصبا

وَأَلقِ عَصا التطوافِ حولَ مثابةٍ ... تُثيب النزيع الأهل والمنزل والرحبا

فَتونسُ تُنسي كلّ أرضٍ نزيلها ... بإيناسه منها الكرامَةَ والحبّا

تَهلّل وَجهُ الدهرِ فيها فلم تزَل ... لَياليه غرّانا وأيّامه نجبا

وَحيطت بعدل اِبن الحسين فأصبحت ... مفتّحة الأبواب تحبا بما يجبى

أَعادَ بها ربعِ المعائشِ مربعاً ... بإبطالِ مكسِ الربعِ في كلّ ما دبّا

وَصيّرها بِاليمنِ والأمنِ جنّةً ... لو أنّ خلوداً كان في ظلّها يحبى

فَسل شرعةَ الإِسلام كَيف أقامها ... وفجّر مِن أَعلامها المشرع العذبا

وَكيفَ كَساها الفخر مسداً وملحماً ... بعزٍّ وإجلالٍ فجرّت له الهدبا

رأى الدين أم الفوز والملك حارساً ... فَذا يوثقُ المبنى وذا يَدفعُ الشغبا

فَشادَ مَنارَ الدين في كلّ وجهةٍ ... بِصارمِ عزمٍ قَد عفا البدع النكبا

فللّه شكرٌ إن يَلج سمع نعمةٍ ... تهزّ اِرتياحا للمزيد به جنبا

على أنّ ثوبَ الشكر يقصر سدله ... على عطفِ ملك ألبس العدل والحدبا

وإنّ هيولى الملك لَم تكس صورة ... كَحليةِ عَدل أمّن المال والسربا

وَما الجَمعُ بين الماءِ والنارِ في يدٍ ... بِأعجبَ مِن ذي الملكِ يَرضي به الربّا

فَقل لملوكِ الأرضِ تَجهد جهودها ... فَذلك فضل اللَّه يُؤتيه من حبّا

فَما وَطِئت أَقدامُهم سبلَ عَزمه ... وَلا سَلَكوا حزناً أليطاً ولا خبّا

لَقد شغلت جدوى الملوك شِعابهم ... وَلَم أَر غيرَ المَكرُماتِ لَه شعبا

فَإِن يَكنِ المهديّ يُدعى محمّداً ... فَذا باِسمهِ يسمى وَمِن هَديهِ يحبى

فَأمّوا بني الآمال كَعبة قَصدهِ ... وَتحتَ لِواءِ الحمدِ كونوا له حِزبا

تَروا ملكاً يستمجد الجدّ قالياً ... من اِستَمجد الديباج وَاِستَمهد العطبا

أمدّ الورى باعاً وأوثق منعة ... وَأَمتنهم ديناً وَأَخلصهم قلبا

وَأَعظَمُهم قدراً وَأَفخَمهم ثنا ... وَأَطهرهم عرضاً وَأَزكاهم نسبا

وَأَرفَعهم ملكاً وذِكراً وعزّةً ... وَأَحماهُمُ أَنفاً وأصدقهم ذبّا

وَأَحزَمهم رأياً وأقوم سيرة ... وَأَكمَلهم نفساً وأوفاهم نحبا

وَأَطوَعهم جنداً وَأَروعهم سطى ... وَأَبسطهم عدلاً وَأَحفاهم حدبا

وَأَغناهمُ جدّاً وَأكرمهم حيا ... وَأَشرَحهم صدراً وَأَنجحهم كسبا

وَأَوفَرهم مجداً وَأَوقرهم تقىً ... وَأَيسرهم عفواً وَأَيمنهم كَعبا

وَأَحسَنهم خلقاً وخُلقاً وميسما ... وَأَهداهم بدءاً وأحمدهم غبّا

وَأَوسعهم صدراً ورَحلاً ونائلاً ... وَأَتقاهم غيباً وَأَنقاهمُ جيبا

وَأَبعدهم شأواً ومرمىً وهمّةً ... وَأَقربهم رحماً وَأَرأفهم خلبا

وَأَرجَحُهم حلماً وَأَهدى سياسة ... وأنداهمُ كفّاً وَأَدناهم عتبا

تجافى حجاب الملكِ منهُ عن اِمرئٍ ... تَكامل فيهِ الخَلقُ وَالخُلقُ مُذ شبّا

فَتىّ تعجمُ الأبصار باللّحظِ نبعه ... فَتعرف كونَ النزعِ في قوسهِ صعبا

لَهُ الطعنَةُ النجلاءُ في كلّ مبهمٍ ... يخرّق عن وجهِ الرشادِ بها الحُجبا

تَكادُ تناجيه الضمائِرُ بالّذي ... أَجنّت وَيخشى المرءُ في سرِّهِ القلبا

يُسابق منه الهمّ بالأمرِ جدّه ... وَيكفيهِ في أَغراضِه العزم والندبا

أَدارَ عَلى الخضراءِ سورَ إيالةٍ ... أَعارَ عيونَ النجمِ من شرف هدبا

عليّاً فلا يَسطيع خطبٌ ظهوره ... ولا يَستطيع العيث في حِصنهِ نَقبا

وَكم باتَ يَكفينا المهمّات رعيه ... مطيفاً بنا أَمناً لطيفاً بنا رقبى

وَكم سامر التفكير لا يَمتلى كرى ... وَكم ساير التدبير لا يَأتَلي حدبا

مَليكٌ غَدا من عزمِهِ في عشيرةٍ ... وَمِن سَطوه في جَحفلٍ شائكٍ حربا

وَمن أَصبحت غرّ الفضائلِ جنده ... فَقَد صارَ ذا حزبٍ يؤمّنه الحزبا

تُباعدهُ تَقواهُ عن حظِّ نَفسهِ ... وَيُدنيهِ حُسنُ الخلقِ من حظّ من ربّى

وَيَيأسُ داعي السوء منهُ مهابة ... وَيأنس راجي العرفِ مِن بشرهِ قُربا

تَؤمّ وفود الشكرِ مِنه حلاحلاً ... إِليهِ بضاعات المُنى وَالثّنا تُجبى

فَتَملأ منهُ القلبَ من ميسم تقى ... وَمِن هبّة حبّا ومن هيبةٍ رُعبا

تُــــراه وَريــــحُ الأريحيّةِ مارئٌ ... شَمائله للجودِ قَد فضحَ السُّحبا

يَسيلُ نضاراً كفّه وهو باسمٌ ... وَتَبكي قطاراً وَهي قد شقّت الجيبا

وَلا يَتخطّى الوعد إلّا إِلى الوفا ... وَكَم بارقٍ أَورَته من وعدها خلبا

كَأنّ لِجَدواه ترات عَلى المنى ... فَما تركَت منهنّ ما يعمر القلبا

تُغير سَراياها عَلى كلّ نازحٍ ... وَتغنم دانيها فَتغمره وهبا

وَلَكِنّه يُحيي المُنى لُطفَ نطقه ... وَبشرُ محيّاه فَتَسترجع السلبا

وَتَحسبه قد هزّت الراح عطفه ... إِذا راحَ يُولي العرف من وفره نهبا

يَرى الأرضَ داراً وَالأنامَ عيالهُ ... فَلا غَرو إِن أَسدى ولا بدعَ إن ذبّا

فما حقّ ذي ودٍّ عليه بهيّنٍ ... وَلا ما اِرتَجى شانيه مِن فضلهِ صعبا

أَرقّ مِنَ الصهباءِ سلسال طبعهِ ... وَأَنضَرُ مِن زهرِ الربى ضاحك السكبا

وَأَجرى اِنبعاثاً من أتيٍّ إلى الندى ... وَأَمضى بفصلِ الحكمِ من مرهف غربا

وَأَعذب مِن ذوبٍ بذي شبمٍ صَفا ... لذي ظمأٍ ذكراه خامَرتِ اللبّا

تُدار لَنا منها كؤوس مسرّةٍ ... فتنسي ذَوات الثكلِ واحدها الخلبا

نَكادُ لإِفراطِ السرورِ نشكّ في ... يَقينٍ ونَجحد صِدق إِحساسنا كذبا

أَحاديثنا عنهُ لَدى كلِّ شارقٍ ... أَمات الخَنى أَحيا الهدى دَفعَ الخطبا

نَفى الظلمَ أعلى الحقّ قَد أَبطل الجبى ... أعزّ التقى أَرضى العلى أسخط الصلبا

إِذا جالَ في أوصافِهِ فكرُ مادحٍ ... غَدا غزلا حَيران في حسنِها صبّا

حياء يميطُ الحجبَ عَن أوجهِ المنى ... وَيَكسو وجوهَ العذرِ من غضّه حُجبا

وَظــــنٌّ يُواري حسنه كلّ قادحٍ ... وَيُوري بِجنحِ الغيبِ سقطا من العقبى

وَلينٌ مبينٌ عَن حديدِ شهامةٍ ... كَما بان ماء السيفِ فولاذه الصلبا

وَسطوٌ تغضّ البيضُ منه جُفونَها ... وَتزوي ظلالَ السمرِ مِن بَأسِهِ رعبا

وَعدلٌ لِصَرفِ الدهرِ أصبح مانعاً ... بِمَعرفة قد مازتِ التبرَ والسكبا

وجودُ يدٍ لو حمّلته غمامة ... لهاضَ جَناحيها وَناءَ بِها غلبا

وَرقراقُ بشرٍ كادَ يقطرُ ماؤهُ ... وَترشفُ أزهار المُنى صفوهُ ذوبا

وَتَدبيرُ ملكٍ أَزدشير مشيرهُ ... وَسيرة عدلٍ للأشجّ اِعتزت نسبا

وهمّ يرى الدنيا خيالَ هباءةٍ ... يُضلّ سرابُ الوهمِ فيها النُّهى خلبا

أَخَذن بآفاقِ العلى كلّ مأخذٍ ... فَأمعنّ حيث الزهر لا تَهتَدي لحبا

ترصّع من رأس الرئاسةِ تاجهُ ... وَمن معصمِ العزّ الأساور والقلبا

لَقَد أَصبَحت منّا بمرأى ومسمعٍ ... فَدع مِن أحاديث الألى اللّغوَ وَاللّغبا

لدى مــــــلكٍ دانَ الزمــــــان لعــــــدلهِ ... أَلَم تره قَد جانَب الحيفَ وَالرّيبا

وَلَو شاء أَرعى الذئب للشاءِ أمره ... وَلكن رأى التكليفَ للعجمِ لا يحبى

وَلَو مسّ حدّ السيفِ رِقراقُ حلمه ... إِذاً لَنبا في كفّ مَعمَله ضربا

وَلو مسّ حرّ النارِ أَصبَحَ حرّها ... سَلاماً وبرداً لا تحسّ له لهبا

وَلَو قَذفت في البحرِ لجّة عزمهِ ... لَما وَسِعته الأرضُ مُصطفقاً رحبا

وَلَو مرّ في جنحٍ منَ اللّيل رأيه ... لَوارى سناه الشهب وَاِستنهضَ السربا

وَلو واقع النّسرين راشَ جناحه ... لَما اِسطاعَ ذو رصدٍ لغايتهِ حسبا

ولَو لامَست يُمناهُ صَفحة مزنةٍ ... لَما أَقلعت أَو لا ترى في الوَرى جَدبا

وَلَو صافَحت صَخراً أصمّ لَفَجّرت ... يَنابيعه بِالمالِ لا الماء منصبّا

أَلا أيّها المولى المشير وَمَن له ... تُشيرُ المعالي بالثّنا حينَ تستَنبا

كَفلت الوَرى بالعدلِ كفلَ مؤيّدٍ ... بِنصرٍ وتَوفيقٍ أذلّا لهُ الصعبا

رَمَيتَ دروبَ الرومِ بِالفيلقِ الّذي ... تُتوّج روسَ الروسِ أَرماحه الذربا

بــــبيضٍ إِذا سلّت تخال لدقّةٍ ... بِها أنّ داءَ السلّ في نَصلِها دبّا

وَسمرٍ إِذا اِهتزّت إِلى ورد مُهجةٍ ... تخال ظماءَ الرقشِ مُنسابَةً وثبا

وَأسدٍ عَلى جُردٍ تجرّ ذُيولَها ... عَلى أوجهِ الأجواءِ أردية نهبا

مَغاويرُ لو راموا بها الجوّ حلقت ... سوابح لو شقّوا بها اللجّ ما عبّا

تَكادُ إذا ما جاذبتها أعنّة ... تسوفُ نُجومَ الأفقِ تَحسبها أبّا

وَتَهـــــوي إِلى وادي المـــــجــــرّة ورّداً ... أعنّتها تعلو عنانَ السما سحبا

بُروقٌ رَمت أرجاءهم بصواعق ... تقلّ رياحَ النصرِ مِن نَقعِها سحبا

يمسّك فرق الفَرقدينِ بنَشرها ... وَيجلو عيونَ الزهر إثمدُها هبّا

تحلّ نصاح الشهب إن هي أوّبت ... وإن أدلجت تكسو غراب الدجى شيبا

دَروا حين

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الخفض: خفض: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى الخَافِضُ: هُوَ الَّذِي يَخْفِضُ الجبّارِينَ وَالْفَرَاعِنَةَ أَي يضَعُهم ويُهِينُهم ويَخْفِضُ كُلَّ شيءٍ يُرِيدُ خَفْضَه. والخَفْضُ: ضِدُّ الرفْع. خَفَضَه يَخْفِضُه خَفْضاً فانْخَفَضَ وا … (لسان العرب)
  • الصارم: صرم: الصَّرْمُ: القَطْعُ البائنُ، وَعَمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْقَطْعُ أيَّ نَوْعٍ كَانَ، صَرَمَه يَصْرِمُه صَرْماً وصُرْماً فانْصَرَم، وَقَدْ قَالُوا صَرَمَ الحبلُ نَفْسُه؛ قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: وكنتُ إِذَا مَا الحَب … (لسان العرب)
  • باحتفالك: حتفل: الحُتْفُل: بقِيَّة المَرَق وحُتَاتُ اللَّحْمِ فِي أَسفل القِدر، وأَحسبه يُقَالُ بِالثَّاءِ؛ كَذَا قَالَ ابْنُ سِيدَهْ. (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • بمثلك هز الملك أعطافه عجبا
  • بصادق عزم تفخر الدولة الوسطى
  • العدل عهد خلافة الإنسان
  • القلب يخشع والمدامع تهمع
  • يا أهل بيت له العلياء والعظم
  • لصادق رعيه القصر السعيد
  • خطب عيون الدين منه ثجوجه
  • أهي الجبال رست بها الغبراء