غفا بعد أن مرّت الزوبعه

الشاعر: صالح الشرنوبي · البحر: المتقارب · الغرض: قصيدة حزينة

«غفا بعد أن مرّت الزوبعه» من شعر صالح الشرنوبي، من العصر الحديث، وتقع في 218 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

غـــفـــا بــعــد أن مــرّت الزوبــعــه — يـــقـــاســـم أحـــلامـــه مـــضــجَــعــه

شــــــقــــــيٌّ أحــــــالتـــــه أيـــــامُه — صـــدى نـــغـــمـــة بــالأســى دامِــعَه

يـــعـــيـــش عـــلى حــرق الذكــريــات — ويــــقــــتـــات آمـــاله الخـــادعـــه

كــأنــي بــه فــي جــحــيــم الحـيـاة — نــــبــــيٌّ جــــفــــاه الذي أبـــدعـــه

تــــراه فــــتــــقـــرأ فـــي وجـــهـــه — مــــلاحــــم أيــــامــــه الضـــائعـــه

جـــبـــيـــن كـــصـــحـــراء مــجــهــولة — مــشــى الصـمـت فـي جـوفـهـا حـالمـا

وعــيــنــان تــســتــغــرقـان الوجـود — ســجــى الليــل فــوق جــفــونَـيـهِـمـا

إلهــــيــــتـــان وشـــيـــطـــانـــتـــان — تـــغـــشّــاهــمــا مــا تــغــشّــاهــمــا

وريــنــهــمــا تــجــثــمُ الكــبـريـاءُ — عـــلى جـــدولٍ يـــســـكــر العــالمــا

ســـمـــاتٌ بــهــنّ يــهــيــمُ الخــيــال — يـــمـــجّــد فــنّــانــهــا الأعــظــمــا

له اللَه حــــيــــن أفــــاقَــــت رُؤاه — وهـــامـــت مــواكــبُهــا فــي ســمــاه

طـــــفـــــاوات نــــورٍ تــــرى روحــــه — بــهــا غـيـر مـا قـد تـرى مـقـلتـاه

رأى نــــفـــســـه قـــبـــســـاً حـــائرا — تــــحــــدّ ســــنــــاه قـــيـــود الإله

أثــــيــــريــــرّةٌ غـــيـــر مـــحـــدودة — وكــونٌ يــغــيــبُ المــدى فــي مــداه

رأى حـــلمـــا حــقّــقــتــه الحــيــاة — ليــشــتــفَّ أعــمــاق بــحــر الحـيـاه

رأى نــــفــــســـه ليـــتـــه مـــا راى — وعــــاش عــــلى جــــدبــــه ظـــامـــئا

لقـــــــــد راعـــــــــه أنــــــــه زائلٌ — ســتُــفــنــى المــنــيّــةُ مــا أنــشــأ

وأذهـــــــــــــــلهُ أن أيّـــــــــــــــامَه — زوارقُ لا تـــــعـــــرفُ المـــــرفَـــــأ

تـــمـــرّ بـــهـــا صـــرخـــات الريــاح — فــتــحــطــمُ مــصــبــاحــهـا المـطـفـأ

ويـــجـــهـــش ربّـــانُهـــا بـــالصــلاة — فــيــغــرقُهــا المــوجُ مــســتــهــزِئا

وفــي غــمــرةٍ مــن شــعــاع الخــيــل — رأى كــوكــبــاً كــفّــنــتــه الليــال

تـــــزفُّ حـــــواليـــــه مـــــن نــــوره — بـــقـــايـــا ســـنــىً آلهــيّ الجــلال

تــــحــــدّث عــــن أمــــل الوالديــــن — وعـــن طـــهــره عــيــســويّ المــثــال

هــو الأمــسُ أو طــفــلُه العــبـقـريّ — مــضــى والســعــادة بــنــت المـحـال

هــو الأمــسُ مــنــتــحــراً والصـفـاءُ — مــــهـــالاً عـــليـــه تـــراب الزوال

وعــــانــــقَه كــــالرُؤى الطـــافِـــره — صـــــبـــــيٌّ تـــــلفّـــــع بــــالآخــــره

يــــقــــول له أيــــن أحــــلامُـــنـــا — وقــــد كُـــنَّ كـــالروضـــة الزاهـــره

فــنــاداه مــن أنــت مــاذا تــريــد — كـــفـــى إنّ دنـــيـــايَ بــي كــافــره

فــــقــــال له أنــــا مــــن كـــنـــتَهُ — أنــا الفــجــرُ أو روحــه الحــائره

أنــا فــي حــيــتــك مــعــنــىً يـطـوف — وإن أنــكــرتــنــي الرحــى الدائره

فـــدىً للطـــفــولة ســحــرُ الشــبــاب — ومــــا هــــو إلا خــــداعُ الســــراب

مــنــىً بــعــثَــرتـهـا ريـاح الزمـان — وألقــت بــهــا فـي ضـمـيـر اليـبـاب

وأوتــــارُ قــــيــــثــــارة أطـــرقـــت — عــلى شــفــتــيــهــا لحــون العــذاب

تــســائلُهــا الريــح عــن صــمــتـهـا — فـــتـــتـــركُ للصـــمـــت ردّ الجـــواب

فـــيـــا ذرَّةً فــوق ســطــح العُــبــاب — نــأى الشــطُّ فــالتـحـمـي بـالعُـبـاب

يـــقـــيـــنُ الحـــيـــاة وأوهـــامُهــا — ســــــواءٌ إذا جــــــفَّ إلهـــــامُهـــــا

ومــا نــحــن إلّا ســطــورُ الكــتــاب — وأعــــمــــارنــــا هــــي أرقـــامُهـــا

وكـــاتِـــبُهـــا الخـــالقُ الســرمــديّ — وتـــلك المـــقـــاديـــرُ أقـــلامُهـــا

نـــكـــفّـــر عـــمّــا جــنــى الوالدان — فــــيـــا للبـــريّـــة مـــا جـــرمُهـــا

تـــحـــفُّ الرزايـــا بـــمـــيـــلادهــا — وتــــرتـــقـــب المـــوت أيـــامـــهـــا

أتُـــفّـــاحـــةٌ ســـرُّ هـــذا الشـــقــاء — ومـــن أجـــلهــا كــلُّ هــذا البــلاء

تـــعـــاليـــت يـــا ربّ مــاذا أقــول — وأنـــت القـــدرُ عـــلى مـــا تــشــاء

أنـا ابـن الطـريـديـن أشـكـو إليـك — ومــــلءُ دمـــى ثـــورة الأبـــريـــاء

ألم تـــكُ قـــدّرتَ أن يـــعـــصـــيـــاك — فــلم يــخـرجـا عـن مـحـيـط القـضـاء

وإلا فـــلم صُـــغـــتَ هـــذا الوجــود — دحـــوتَ الثـــرى ورفــعــتَ الســمــاء

ألم تــخــلق النــار نـار الجـحـيـم — كـــخـــلقـــك للدار دار النـــعــيــم

ألم تــقــض أن يــبــعـث الأنـبـيـاء — لكــــلٍّ هــــدى وطــــريــــق قــــويــــم

فــــهــــذا نـــبـــيُّ بـــنـــي يـــعـــربٍ — وهـــذا الخـــليـــلُ وذاك الكـــليــم

وتــلك الشــيــاطــيــن بــنـت اللظـى — فـــمـــنــهــم وليٌّ وفــيــهــم رجــيــم

ودنــيــا المــلائك فــوق الســحــاب — ونــمــلُ التــراب وطــيــر الســديــم

تــبــاركــت مــا نـفـع هـذا الوجـود — إذا لم نـــفـــارق جــنــان الخــلود

ومــــا بــــإرادتـــنـــا أن نـــجـــىء — ولا بـــمـــشـــيـــئتــنــا أن نــعــود

نُـــقـــاســـي الحـــيـــاة وآلامـــهــا — وآخــــرهــــا غــــمــــرات الهـــمـــود

وتـــنـــذرُنــا بــعــســيــر الحــســاب — ومـــن ذكـــره تـــقـــشــعِــرُّ الجــلود

ومــا ذنــبــنــا نــحــن مـا ذنـبـنـا — ولم نــقــتــرف مــا جــنـاه الجـدود

حـــنـــانَــيــك لو أن لي مــا أشــاء — لكــنــتُ نــبــيّــاً مــن الأنــبــيــاء

أطَهّـــر قـــومـــي مـــن المــوبــقــات — وأدفـــع عـــنــهــم صــروف القــضــاء

أو اخــتــرتُ عــرشــاً كــهـذي العـرو — شِ أو كــنــتُ فــرداً مــن الأثـريـاء

أو اخـــــتـــــرتُ ألّا أرى عــــلمــــاً — بـــقـــائي عــلى أرضــه كــالفــنــاء

فـــكـــنــتُ تــرابــاً كــهــذا التــرا — ب أو مُــزنــةً فــي جــفــون السـمـاء

حــنــانــيــكَ أرضُــك تــشــكــو إليــك — وتـــرجـــو رضـــاكَ وجَـــدوى يـــديـــك

لقــــد أجـــدبـــت وهـــي مـــخـــضـــلَّةٌ — ومـــا ســـرُّهـــا بـــخـــفـــيٍّ عـــليـــك

بــــحــــولك ســــوّيـــتَ أبـــنـــاءَهـــا — فــعــاشـوا كـمـا شـئتَ فـي عـالَمَـيـك

يـــعـــذّبُهــم جــهــلهــم بــالغــيــوب — ومُـــظـــلِمُهـــا مُـــتــنــســيــرٌ لديــك

وتــحــدو المــقــاديــر أحــلامــهــم — فــتــطــوى الطــريــق عـلى نـاظـريـك

خــــلقـــتـــهـــمـــو وخـــلقـــتَ الردى — وبـــاركـــتَ مـــنـــجـــلةُ الحـــاصِــدا

وأغـــريـــتَهـــم بـــجــمــال الوجــود — يــــرون بــــه صـــنـــعـــك الخـــالِدا

فــــلم يــــعـــرفـــوك وإن مـــثّـــلوك — فــأنــت النــشــيــد ونــحــن الصــدى

وكــــــم وحّــــــدوك وكـــــم عـــــدّدوك — فـــكـــان هـــداهـــم ضـــلال الهـــدى

ومــعــنــاك فــوق الخــيـال الشـرود — ودون مــــداك انـــفـــســـاح المـــدى

رآك خــــليــــلُك نــــور الشــــمــــوس — وظــنــوك فـي الهـنـد نـار المـجـوس

وفــــرعـــون خـــالك فـــي نـــفـــســـه — ونــــاجــــاك آبـــاؤُه فـــي أبـــيـــس

وســـمّـــاكَ مـــانـــا ظـــلام الدجـــى — ونــاداك بــوذا بــنــفــس النــفــوس

وكــم فـي المـحـاريـب مـن سـاجِـديـن — أفــــــاءوا إليـــــك بـــــذلّ الرؤوس

وكـــم فـــي المـــذابـــح مــن راهــب — يــريــقُ اللحــون ويُــزجــى الطـقـوس

وأنـــت تـــســـامـــيــت فــي كــل مــا — حــوى الكــون فــي أرضــه والســمــا

أحــسُّكــ فــي الفــجــر روح الضـيـاء — وفــي الطــيــر تـغـريـده المُـلهـمـا

وفـــي الزهـــر ســرّ حــنــان النــدى — وفــي العــطـر تـهـويـمـه النـاسـمـا

وفــي النــهــر تــهــزيــم أمــواجــه — وفـــي الطـــل إطــراقــه الحــالمــا

وفــي الطــفــل يــا ليــتــنـي قـلبُه — أُحِـــسّـــك تــســبــيــحــه البــاغــمــا

أُحِــسُّكــَ فــي الليــل صـمـت النـيـام — وســحــر النــجــوم وهــول القــتــام

وشــكــوى المــنــاكــيـد مـن دهـرهـم — ونــجــوى المـعـامـيـد أهـل الغـرام

وأذكــــار مــــســــتَـــوحـــشٍ عـــابـــدٍ — رآك فـــــأقـــــســـــمَ ألّا يـــــنــــام

وأدمُــــعَ أفّــــاقــــة فــــي الدجــــى — تــبــيــعُ الهــوى لتــنــال الطـعـام

تــــحــــجّ إليــــك بــــآهــــاتــــهــــا — لتــنــقــذهــا مــن أفــاعـي الظـلام

أُحِـــسّـــك فـــيّ مـــنـــار الســـفــيــن — وعــصــف الشــكــوك وروح اليــقــيــن

أحـسّـك فـي الحـسـن مـعـنـى الجـمـال — رفــيــفَ الشــفــاه وهــمــس الجـفـون

وفـي القـبـح إذ أنـت خـلف التـراب — جـــمـــالٌ زوهُ التـــراب الغـــبــيــن

أحسّك في الحيّ في الميت في القبر — فــي الدود يــنــهــشُ جـسـمَ الدفـيـن

وفــــي الفــــنّ مــــشــــرقُ أنــــواره — ونـــامـــوسُ أبـــنـــائه الخــالديــن

لك الأمــرُ بـي مـن هـواك افـتـتـان — ولا زلت أشـــكـــو إليـــك الهـــوان

يـــقـــرّبــنــي مــنــك ذلُّ العــبــيــد — ويــبــعــدنــي عــنــك قـهـر المـكـان

أريــد الســمــو وأخــشــى الســقــوط — فــهــبــنــي مــمــا قــضــيـتَ الأمـان

نـــشـــدتــك فــي صــبــوات الحــســان — وفــي نــشــواتــي بــخــمــر الدنــان

فـــقـــالوا غـــويٌّ شـــقــيُّ الخــيــال — يـــعـــربِــدُ فــي رأســه الأفــعــوان

وزرتـــكَ فـــي الديـــر والمـــســجــد — فـــلم تـــدنُ مـــنـــي ولم تـــبـــعــد

وألفَــيــتــنـي مـغـرقـاً فـي الرجـاء — فــلم تــكــشــف الحــجــبَ أو أشــهــد

أشـــعـــتَ وجـــودَك بـــيـــن الوجـــود — فــفــي الحــان ألقــاكَ والمــعــبــد

وطـــمـــأنـــت قـــلبـــي وفـــزّعـــتـــه — فـــيـــا ويـــح للمـــؤمــن المــلحــد

وأفــزعــتــنــي فــوســعــتُ الفــضــاء — إلّا فــــــضـــــاءً بـــــه تـــــرتـــــدي

أطــــوف بـــكـــونـــك فـــي عـــزلتـــي — فـــأنـــســـى بـــآلامـــه مـــحــنــتــي

وأرقــــبُ خــــلقَــــك مــــن عـــالمـــي — جــــيــــاع ذئابٍ عــــلى جــــيــــفــــةٍ

تـــســـخّـــرهُـــم شــهــوات الحــضــيــض — ويـــخـــنـــقـــهــم جــشَــعُ الطــيــنــة

وعــــدُلكَ فــــي ظــــلمــــهـــم تـــائهٌ — وإيـــمـــانـــهـــم شـــبـــه أســطــورة

ويـــغـــذو التـــرابُ أبـــاطــيــلهــم — فـــتـــســـخـــر مــنــهــم ألوهــيّــتــي

جــــنــــونُ الرؤى وسُــــعــــارُ الألم — رفــيــقــاي مــنــذ صــحــبــت القــلم

عــرفــت مــن الفـن مـعـنـى الحـيـاة — وكُــــنــــهَ الخــــلود وســـرّ العـــدم

وأكــرمــت نــفــســي فــطــامَــنــتُهــا — زمــانــاً وغــامــرت فــي المُــزدحَــم

فـــروّعـــنـــي أن أري العـــالمــيــن — مــقــابــرَ تــنــبــضُ فــيــهـا الرِمَـم

فـــــعُـــــدتُ وكـــــليّ ربـــــوبــــيّــــةٌ — تــــطـــهّـــرهـــا عـــبـــراتُ النـــدام

شـــرِبـــتُ بـــرغـــمــي كــئوسَ القــدَر — وجــابــهــتُ وحــدي ســهــام الغــيــر

ومـــا كـــنـــتُ إلّا لســـانــاً أبــان — وقــــلبــــاً أحــــسّ وروحــــاً شـــعَـــر

أُحـــلّقُ فـــوق مـــراقـــي العـــقـــولِ — وأزحــم فــي الطــيــن دودَ البــشــر

وقــد أحــتــفــى بــبــكــاء الظــلام — وأنـــفِـــرُ مـــن ضـــحِــكــات القــمــر

فـــلم أرَ كـــالنـــاس فـــي أرضــهــم — تـــهـــاويـــلَ مـــخــتــلفــات الصُــوَر

فــهـذا فـتـى فـي الشـبـاب الغـريـر — يــعــيــش الحــيــاةَ كــدودِ الحـريـر

حـــوى كـــونُه الكــون والكــائنــات — فــفـيـه التـقـى بـدؤهـا بـالمـصـيـر

وقـــــلّده الفـــــنُّ تــــاج الخــــلود — ومــا الفــنُّ إلا الوجـودُ الكـبـيـر

فــــلم تــــهــــدِه غــــيـــر أضـــوائه — ولم يُـــصـــغِ إلا لصــوت الضــمــيــر

فــأعــيَــت مــذاهــبُه فــي الحــيــاة — فــيــا حــســرتــا للإله الفــقــيــر

وهــذا ابــنُ أُنــثــى غــويُّ الفــؤاد — رســـالتُه أن يـــعـــيـــثَ الفـــســـاد

رقــــاب الأمــــانــــيّ مــــنـــقـــادةٌ — إليــه وطــبــع الأمــانــي العـنـاد

حــبَــتــه المــقــاديــر مـلك الثـرى — وألقــــت إليـــه أمـــور العـــبـــاد

فــــجُــــنَّ بــــأهــــوائِه الآثـــمـــات — يــرى بــحــرهــا مــاله مــن نــفــاد

فـــمـــا خـــنـــقــتــه دمــوع الأســى — ولا طـــوّقـــتــه مــعــانــي الحِــداد

وفــي الكــوخ حــيـث تـقـيـم المـحـن — عــلى ســاكــنــيــه ليــالي الشــجــن

بــراعِــمُ لم تــحــتــضـنـهـا الريـاض — ولا نـــشـــقــت غــيــر ريــح الدمــن

يــــمـــوت النـــدى فـــوق أوراقِهـــا — ويــنــكــرُهــا الغــيــث إمــا هــتــن

وتــقــتُــلُهــا العــاصــفـاتُ الشـداد — فــيــدفــنــهــا القـفـرُ فـيـمـا دفَـن

وكــــل جــــنــــايــــتـــهـــا أنـــهـــا — تــريــد الحــيــاة فــيــأبـى الزمـن

وفـــوق الذرا حـــاكـــمٌ فـــي عــلاه — يــــرى قــــومَه أمّـــةً مـــن شـــيـــاه

شـــيـــاهٍ تــودُّ اخــضــرار الجــديــب — لتَــــســــمــــنَ للذئب لا للحـــيـــاه

تـــنـــامُ عـــلى الشـــوكِ حــتّــى إذا — نــمــا الورد كــان دخــانــاً شــذاه

وراع طــــوت نـــايَهُ الســـافـــيـــاتُ — وغــــاب بـــجـــوف الروابـــي صـــداه

يــــهَــــشُّ إلى رقــــصــــات المـــنـــى — وكـــلُّ الردى كـــامـــنٌ فـــي مــنــاه

ويــهــفــو إلى الكــأس إن عــربــدت — ويـــســـجــد للمــرأة المــشــتــهــاه

وللذئب مــــــــن حــــــــوله شــــــــرَّةٌ — تـــصـــول إذا مــا وهــى جــانــبــاه

يـرى الراعـيَ الغـرّ يـنـسـى الحياةَ — ويــنــســى الرعــيـل ويـنـسـى عـصـاه

فـــيـــشــرع مــن نــاظــريــه المُــدى — ليــقــطــع عــنــهـا سـبـيـل النـجـاه

وإن أيـــقـــظ الذئب صــوتُ الدمــاء — فــلا تــرتــقــب غـيـر نـوم الرعـاه

وذي لحــيــةٍ تــرهِــقُ المــاشــطــيــن — ومــســبــحــةٍ تــعــجــزُ الحــاســبـيـن

يـــهـــزّ النـــهـــارَ بــأي الســمــاء — فــيُـبـكـى بـتـرتـيـلهـا السـامـعـيـن

فـــإن جـــمـــع الليـــل نـــدمـــانــه — رآه إمـــامـــاً عـــلى الشـــاربــيــن

يـــــضـــــجُّ بـــــلَعـــــنــــة أقــــداره — ويــســخــرُ مــن خــالق العــالمــيــن

فـــإن أنـــت ذكّـــرتـــه بــالحــســاب — أقـــامَـــك رمــزاً إلى الجــاهــليــن

وراح بــعــيــنــيــه يُــزجـى الصـلاه — إلى كــــلّ فــــتّــــانــــةٍ قــــاهــــره

بـــهـــا مـــا بـــه شـــهـــوةٌ قُــيّــدَت — فــشــبّــت فــثــارت بــهــا الثــائره

ويــلتــقــيــان فــيــبــكـى المـسـيـح — ويــــشــــكــــو إلى أمّه الطـــاهـــره

ومُــســتــقــتــلٍ فــي صــراعِ الضــنــى — ويــغــسِــلُ بــالدمــع مــيــت المُـنـى

تــنــقّــل فــي جــانــبــيــه الجــراح — وتــأكــل جــثــمــانــه المُــشــخــنــا

مـــضـــى المــوت يــغــزل أنــفــاســه — لأيّــــامــــه كــــفــــنــــاً واهـــنـــا

وأبـــنـــاؤه الجـــائعـــون العــراة — يـــقـــدّون بــالنــوح صــمــتَ الدنــى

مــلاهــيــف يــســتــصـرخـون السـمـاء — لتــــرزقـــهـــم زائرا مـــحـــســـنـــا

ومـــنـــتـــحـــر بـــحـــبــال المــنــى — ونـــيـــاهُ مـــن نـــورهـــا يـــائســه

يــــقـــود الحـــيـــاة بـــأوهـــامـــه — وتـــقـــتــاده القــدرة العــابــســه

عــجــبــت له كــيـف يـنـسـى الفـنـاء — ويـــعـــشـــقُ أحـــلامـــه البـــائســه

ويُــغــمــض عــيــنــيــه عــمــا يـكـون — إذا اعــتــصــرت جــســمـه اليـابـسـه

وقــــامــــت مــــن الدود نــــدّابَــــةٌ — تـــــؤبِّنـــــ أيّـــــامـــــه الدارســــه

وكــم واقــفٍ عــنــد بــاب الصــبــاح — وفـــي عَـــيـــنـــهِ لهــفــةٌ للمــســاء

يـــــحـــــسُّ كـــــأنّ له بـــــالوجــــود — عــهــداً شــطــونــاً طــوتــه السـمـاء

وأنّ له مـــاضـــيـــاً فـــي الفــنــاء — تـــقـــدّمَهُ غـــابـــرٌ فـــي البـــقــاء

فـــكـــل الذي ضــمّــنــتــه الحــيــاة — بــمــا لقّــنــت مــن فـنـون القـضـاء

له تــــحــــت أعــــمــــاقــــه صــــورةٌ — تـــؤكّـــدُ أن الخـــتـــام ابـــتـــداء

ويـــا ربّ شـــيـــخٍ ســـقــاهُ الزمــان — أعـــتـــقَ مـــافـــي كـــئوس الزمـــان

تـــحـــطّـــم حـــتـــى لو أن الهـــوان — تـــجـــسّـــم كـــان مـــثـــال الهــوان

وأطـــعـــمـــه الدهـــر والفــرقــدان — ليــــأكـــله الدهـــر والفـــرقـــدان

وتــســأله مــا مــعــانــي الحــيــاة — ومــاذا وعــى مــن غــريــب المـعـان

فــيــعــيــا ويـشـكـو إليـك الشـبـاب — وكــيــف مــضــى قــبــلَ فــوتِ الأوان

وطـــــفـــــلٍ يــــبــــاركُ مــــيــــلادَهُ — حـــــــنـــــــانٌ مــــــن الأمِّ والوالد

يــنــادونــه بــالمــلاك الصــغــيــر — ويـــكـــفـــونـــه نـــظـــرة الحــاســد

ويـــســـتـــقـــبـــلون بـــه عـــالمـــاً — مــــن الأمَـــلِ البـــاســـم الراغـــد

ولو أنّهـــم عـــلمـــوا مـــا يــنــال — إذا امـــتـــدّ فــي الزمــن الخــالد

أراحـــوه مـــن نــكــبــات الحــيــاة — ومـــن دهـــره الكـــافـــر الحــاقــد

وطـــفـــل كـــريـــحــانــةٍ فــي عــلاه — بـــــــــنـــــــــاه وهــــــــدّمَه والداه

تـــــلقّـــــفـــــه الليـــــلُ مــــن أمّه — وأســـكـــنــه جــانــبــاً مــن حــمــاه

وزفَّ إليـــه القـــضـــاءُ العـــجــيــبُ — يــدى مــتــرَفٍ أعــتَــمــتــهُ الحـيـاه

فــــــربّــــــبَهُ وحَــــــبـــــاه اســـــمُه — ومـــا لاســـمـــه مـــن ثــراءٍ وجــاه

فـــمَـــن عــمــرك اللَه أدنــى إليــه — أمــن غــرسَ الغــرس أم مــن جــنــاه

وطــــــفـــــلٍ تـــــخِـــــفُّ لدى ذكـــــرهِ — قـــلوبُ المـــســاكــيــن مــن شــعــبِه

يــحــيّــونَ فــيــه الرجـاء البـعـيـد — ويــــرجــــون لو شـــبَّ فـــي قـــلبـــه

ويــخــشــون مــنـه الوريـث الجـديـد — لظــــلم الأب الحـــيّ فـــي ثـــوبـــه

ويـــجـــرى بـــه الفـــلك الســرمــدي — عــــتِــــيّ الألوهــــة فــــي جـــذبـــه

فــيــنــتــفِــضُ المــهــد عــن فــاتــكٍ — تـــحـــارُ المـــصـــائبُ فـــي حـــربــهِ

وطــــفــــلٍ تــــمـــوتُ عـــلى مـــهـــده — مـــنـــى الأمــس والغــدِ والحــاضــر

أنـــــــى دون داعٍ ولا مـــــــوجــــــبٍ — ولا ســــــبـــــب واضـــــح ظـــــاهـــــر

ســــوى نــــزوَةٍ فـــي دم الوالديـــن — تـــؤجّ بـــيـــحـــمـــومـــهــا الفــائر

هـــمـــا ورِثـــاهـــا عــن الوالديــن — وذابـــا عـــلى جــمــرهــا الســاعــر

فــكــانــا امــتــداداً لأحــلامــهِــم — وبــــؤســــهـــم الخـــالد القـــاهـــر

وطـــــفـــــل يـــــفـــــىءُ بــــآمــــاله — إلى ظــــــــلّ والده البـــــــاسِـــــــق

أنــى يــطــرقُ الأرض مــن ســقــفـهـا — فـــــيـــــا للطــــروقَــــةِ والطــــارقِ

فــمــا شــاء فــالأرض والســاكـنـون — فـــدى أمـــره النـــافـــذ الســابــق

ومــا لم يــشـأ فـالزمـان العـنـيـد — مـــطـــيـــعٌ كـــخـــنـــجـــره البـــارق

وبــيــن الســمــوم وبــيــن الصــبــا — كـــمـــا بـــيـــن فــجــرٍ إلى غــاســق

وطــــفــــلٍ يــــســـيـــر إلى قـــبـــره — ولمّــا يــزل فــي ضــمــيــر الغـيـوب

تُــغَــذّيــه أنــفـاسـهـا فـي الحـيـاة — طــريــدةُ بــأسٍ دهــتــهــا الخــطــوب

فـــفـــي قـــلبـــه جـــذوات الشـــروق — وفـــي عـــيـــنـــه ظــلمــاتُ الغــروب

ويـــفـــتـــحُهـــا فـــيـــرى عـــالمـــاً — يـــعـــذّبــه الســلم قــبــل الحــروب

تــتــوهُ الشــيــاهُ بــه فــي الذئاب — وشــرعــتُه النــهــشُ قــبــل الوثــوب

وبــــاك عــــلى أمــــســــه ضــــاحــــك — لغـــرّة فـــجـــر بـــعـــيـــد الظــلال

يــعــيــدُ الحــكــايــةَ مــن بــدئِهــا — ويـــنـــســجُهــا بــشــعــاع الخــيــال

وللدهــــر طــــاحـــونـــةٌ لا تـــمـــلّ — تُــــدوّرهــــا نــــكــــبـــات الليـــال

وفــي جــوفـهـا مـثـل عـمـقِ الفـضـاء — إذا ســـــوّرَتـــــهُ رؤوس الجــــبــــال

فـمـا هـو مـا الكـون مـا الكائنات — لعـــلّ الإجـــابـــةَ عـــيــنُ الســؤال

وبــــاكٍ عــــلى يـــومـــه قـــبـــل أن — يــــحـــرّره الغـــيـــب مـــن قـــيـــده

يــــرى فــــجـــرَه مـــن دجـــى ليـــله — قـــريـــبُ الزمـــان عـــلى بــعــدشــه

فـــيـــرصــد بــالوهــم مــا فــي غــدٍ — وكــــل التــــعــــاســــةِ فـــي رصـــدِه

ويــــمــــزجُ مـــا ذاقَ مـــن أمـــســـه — بــمــا يــخــبــأ الغــيــب فـي بـرده

فـــيـــســكــب مــا حــار مــن دمــعــه — ويــــوقــــظ مـــا نـــام مـــن وجـــده

وذي صــــبــــوَة شــــغــــفــــت قــــلبَه — وأضـــنَـــتـــهُ إحـــدى ذوات الخــفــر

تــــوَلّه حــــتــــى رأى حــــســــنَهــــا — تــــخــــلّق مــــمــــا وراء الفـــكـــر

فــفــيـهـا مـن الشـعـر والأغـنـيـات — وســـحـــر الرؤى والنـــدى والزهـــر

روى أمــــــــلاً وروَت مــــــــثــــــــله — عــلى الحــبّ وانــتــظــرت وانــتـظـر

وشـــقّ عـــلى الدهـــر أن يـــســعَــدا — فـــجـــفّ الغـــراسُ ومـــات الثـــمـــر

وأعـــمـــى العــواطــف شــيــطــانُهــا — غـــويُّ الهـــوى عـــبـــقـــريّ النـــزَق

رأى فــتــنــةً مــن بــنــاتِ الخــدورِ — فــمــا زال بــالطـيـر حـتـى انـطـلَق

وألقــى عــليــهــا شــبــاكَ المــنــى — وجــاذَبــهــا الثــوب حــتـى انـفـتـق

فـــجـــاء بـــه نـــســـبـــاً شـــائعـــاً — يـــجـــوعُ فـــيـــأكـــلُ مـــمّـــا ســـرق

ســـــــواءٌ لديـــــــه دام الآدمــــــيّ — وخــمــرٌ بــ

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الخادعه: الخَادِعَةُ : مذ الخادع. -: الباب الصَّغير في الباب الكبير؛ كانت الخادعة شائعة في البيوت الكبيرة. -: الحُجرة في البيت ج خَوادِعُ.
  • الزوبعه: الزوْبَعَةُ : الإعصار؛ هبّت على البلاد زوبعة ألحقت بها أضرارًا ج زَوَابع.
  • الضائعه: الضَّائِعُ [ضيع]: فا. -: المفقود والمهمل. -: الفقيرُ ذو العيال؛ كثر الضائعون في المجتمعات الفقيرة. -: الجائع ج ضُيَّعٌ وضِيَاعٌ.
  • جحيم: الجَحِيمُ : اسم من أسماء جهنّم وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ.-: النّار المتأجَّجة بشدَّة؛ هذا الحَرُّ أصبحَ جحيماً لا يطاق.
  • جفاه: جَفَأَ: جَفَأَ الرَّجلَ جَفْأً: صَرَعه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقتَلَعه وذَهَب بِهِ الأَرضَ. وأَجْفَأَ بِهِ: طَرَحَهُ. وجَفَأَ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبَها بِهِ. وجَفَأَ البُرْمةَ فِي القَصْعةِ جَفْأً: أَكْفأَها، أَو أَمالها فَصَ …

قصائد ذات صلة

  • مين أسعد مني يا دنيا
  • علمي قلبي الجنان
  • يا هاجر والهوى في قلبي
  • أحلام شبابي وغرامي
  • حنيت للقاك
  • يا فتني بحسن وجمالك
  • رد الجواب إن كنت صحيح
  • حبيبي جاني وهناني