غفا بعد أن مرّت الزوبعه
الشاعر: صالح الشرنوبي · البحر: المتقارب · الغرض: قصيدة حزينة
«غفا بعد أن مرّت الزوبعه» من شعر صالح الشرنوبي، من العصر الحديث، وتقع في 218 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
غفا بعد أن مرّت الزوبعه ... يقاسم أحلامه مضجَعه
شــــــقــــــيٌّ أحــــــالتـــــه أيـــــامُه ... صدى نغمة بالأسى دامِعَه
يعيش على حرق الذكريات ... ويــــقــــتات آماله الخادعه
كأني به في جحيم الحياة ... نــــبــــيٌّ جــــفــــاه الذي أبدعه
تــــراه فــــتــــقرأ في وجهه ... مــــلاحــــم أيــــامــــه الضائعه
جبين كصحراء مجهولة ... مشى الصمت في جوفها حالما
وعينان تستغرقان الوجود ... سجى الليل فوق جفونَيهِما
إلهــــيــــتان وشيطانتان ... تغشّاهما ما تغشّاهما
ورينهما تجثمُ الكبرياءُ ... على جدولٍ يسكر العالما
سماتٌ بهنّ يهيمُ الخيال ... يمجّد فنّانها الأعظما
له اللَه حــــيــــن أفــــاقَــــت رُؤاه ... وهامت مواكبُها في سماه
طـــــفـــــاوات نــــورٍ تــــرى روحــــه ... بها غير ما قد ترى مقلتاه
رأى نــــفسه قبساً حائرا ... تــــحــــدّ ســــنــــاه قيود الإله
أثــــيــــريــــرّةٌ غير محدودة ... وكونٌ يغيبُ المدى في مداه
رأى حلما حقّقته الحياة ... ليشتفَّ أعماق بحر الحياه
رأى نــــفــــسه ليته ما راى ... وعــــاش عــــلى جــــدبــــه ظامئا
لقـــــــــد راعـــــــــه أنــــــــه زائلٌ ... ستُفنى المنيّةُ ما أنشأ
وأذهـــــــــــــــلهُ أن أيّـــــــــــــــامَه ... زوارقُ لا تـــــعـــــرفُ المـــــرفَـــــأ
تمرّ بها صرخات الرياح ... فتحطمُ مصباحها المطفأ
ويجهش ربّانُها بالصلاة ... فيغرقُها الموجُ مستهزِئا
وفي غمرةٍ من شعاع الخيل ... رأى كوكباً كفّنته الليال
تـــــزفُّ حـــــواليـــــه مـــــن نــــوره ... بقايا سنىً آلهيّ الجلال
تــــحــــدّث عــــن أمــــل الوالديــــن ... وعن طهره عيسويّ المثال
هو الأمسُ أو طفلُه العبقريّ ... مضى والسعادة بنت المحال
هو الأمسُ منتحراً والصفاءُ ... مــــهالاً عليه تراب الزوال
وعــــانــــقَه كــــالرُؤى الطافِره ... صـــــبـــــيٌّ تـــــلفّـــــع بــــالآخــــره
يــــقــــول له أيــــن أحــــلامُنا ... وقــــد كُنَّ كالروضة الزاهره
فناداه من أنت ماذا تريد ... كفى إنّ دنيايَ بي كافره
فــــقــــال له أنــــا مــــن كنتَهُ ... أنا الفجرُ أو روحه الحائره
أنا في حيتك معنىً يطوف ... وإن أنكرتني الرحى الدائره
فدىً للطفولة سحرُ الشباب ... ومــــا هــــو إلا خــــداعُ الســــراب
منىً بعثَرتها رياح الزمان ... وألقت بها في ضمير اليباب
وأوتــــارُ قــــيــــثــــارة أطرقت ... على شفتيها لحون العذاب
تسائلُها الريح عن صمتها ... فتتركُ للصمت ردّ الجواب
فيا ذرَّةً فوق سطح العُباب ... نأى الشطُّ فالتحمي بالعُباب
يقينُ الحياة وأوهامُها ... ســــــواءٌ إذا جــــــفَّ إلهـــــامُهـــــا
وما نحن إلّا سطورُ الكتاب ... وأعــــمــــارنــــا هــــي أرقامُها
وكاتِبُها الخالقُ السرمديّ ... وتلك المقاديرُ أقلامُها
نكفّر عمّا جنى الوالدان ... فــــيا للبريّة ما جرمُها
تحفُّ الرزايا بميلادها ... وتــــرتقب الموت أيامها
أتُفّاحةٌ سرُّ هذا الشقاء ... ومن أجلها كلُّ هذا البلاء
تعاليت يا ربّ ماذا أقول ... وأنت القدرُ على ما تشاء
أنا ابن الطريدين أشكو إليك ... ومــــلءُ دمى ثورة الأبرياء
ألم تكُ قدّرتَ أن يعصياك ... فلم يخرجا عن محيط القضاء
وإلا فلم صُغتَ هذا الوجود ... دحوتَ الثرى ورفعتَ السماء
ألم تخلق النار نار الجحيم ... كخلقك للدار دار النعيم
ألم تقض أن يبعث الأنبياء ... لكــــلٍّ هــــدى وطــــريــــق قــــويــــم
فــــهــــذا نبيُّ بني يعربٍ ... وهذا الخليلُ وذاك الكليم
وتلك الشياطين بنت اللظى ... فمنهم وليٌّ وفيهم رجيم
ودنيا الملائك فوق السحاب ... ونملُ التراب وطير السديم
تباركت ما نفع هذا الوجود ... إذا لم نفارق جنان الخلود
ومــــا بــــإرادتنا أن نجىء ... ولا بمشيئتنا أن نعود
نُقاسي الحياة وآلامها ... وآخــــرهــــا غــــمــــرات الهمود
وتنذرُنا بعسير الحساب ... ومن ذكره تقشعِرُّ الجلود
وما ذنبنا نحن ما ذنبنا ... ولم نقترف ما جناه الجدود
حنانَيك لو أن لي ما أشاء ... لكنتُ نبيّاً من الأنبياء
أطَهّر قومي من الموبقات ... وأدفع عنهم صروف القضاء
أو اخترتُ عرشاً كهذي العرو ... شِ أو كنتُ فرداً من الأثرياء
أو اخـــــتـــــرتُ ألّا أرى عــــلمــــاً ... بقائي على أرضه كالفناء
فكنتُ تراباً كهذا الترا ... ب أو مُزنةً في جفون السماء
حنانيكَ أرضُك تشكو إليك ... وترجو رضاكَ وجَدوى يديك
لقــــد أجدبت وهي مخضلَّةٌ ... وما سرُّها بخفيٍّ عليك
بــــحــــولك ســــوّيتَ أبناءَها ... فعاشوا كما شئتَ في عالَمَيك
يعذّبُهم جهلهم بالغيوب ... ومُظلِمُها مُتنسيرٌ لديك
وتحدو المقادير أحلامهم ... فتطوى الطريق على ناظريك
خــــلقتهمو وخلقتَ الردى ... وباركتَ منجلةُ الحاصِدا
وأغريتَهم بجمال الوجود ... يــــرون بــــه صنعك الخالِدا
فــــلم يــــعرفوك وإن مثّلوك ... فأنت النشيد ونحن الصدى
وكــــــم وحّــــــدوك وكـــــم عـــــدّدوك ... فكان هداهم ضلال الهدى
ومعناك فوق الخيال الشرود ... ودون مــــداك انفساح المدى
رآك خــــليــــلُك نــــور الشــــمــــوس ... وظنوك في الهند نار المجوس
وفــــرعون خالك في نفسه ... ونــــاجــــاك آباؤُه في أبيس
وسمّاكَ مانا ظلام الدجى ... وناداك بوذا بنفس النفوس
وكم في المحاريب من ساجِدين ... أفــــــاءوا إليـــــك بـــــذلّ الرؤوس
وكم في المذابح من راهب ... يريقُ اللحون ويُزجى الطقوس
وأنت تساميت في كل ما ... حوى الكون في أرضه والسما
أحسُّكــ في الفجر روح الضياء ... وفي الطير تغريده المُلهما
وفي الزهر سرّ حنان الندى ... وفي العطر تهويمه الناسما
وفي النهر تهزيم أمواجه ... وفي الطل إطراقه الحالما
وفي الطفل يا ليتني قلبُه ... أُحِسّك تسبيحه الباغما
أُحِسُّكَ في الليل صمت النيام ... وسحر النجوم وهول القتام
وشكوى المناكيد من دهرهم ... ونجوى المعاميد أهل الغرام
وأذكــــار مــــســــتَوحشٍ عابدٍ ... رآك فـــــأقـــــســـــمَ ألّا يـــــنــــام
وأدمُــــعَ أفّــــاقــــة فــــي الدجــــى ... تبيعُ الهوى لتنال الطعام
تــــحــــجّ إليــــك بــــآهــــاتــــهــــا ... لتنقذها من أفاعي الظلام
أُحِسّك فيّ منار السفين ... وعصف الشكوك وروح اليقين
أحسّك في الحسن معنى الجمال ... رفيفَ الشفاه وهمس الجفون
وفي القبح إذ أنت خلف التراب ... جمالٌ زوهُ التراب الغبين
أحسّك في الحيّ في الميت في القبر ... في الدود ينهشُ جسمَ الدفين
وفــــي الفــــنّ مــــشــــرقُ أنــــواره ... وناموسُ أبنائه الخالدين
لك الأمرُ بي من هواك افتتان ... ولا زلت أشكو إليك الهوان
يقرّبني منك ذلُّ العبيد ... ويبعدني عنك قهر المكان
أريد السمو وأخشى السقوط ... فهبني مما قضيتَ الأمان
نشدتك في صبوات الحسان ... وفي نشواتي بخمر الدنان
فقالوا غويٌّ شقيُّ الخيال ... يعربِدُ في رأسه الأفعوان
وزرتكَ في الدير والمسجد ... فلم تدنُ مني ولم تبعد
وألفَيتني مغرقاً في الرجاء ... فلم تكشف الحجبَ أو أشهد
أشعتَ وجودَك بين الوجود ... ففي الحان ألقاكَ والمعبد
وطمأنت قلبي وفزّعته ... فيا ويح للمؤمن الملحد
وأفزعتني فوسعتُ الفضاء ... إلّا فــــــضـــــاءً بـــــه تـــــرتـــــدي
أطــــوف بكونك في عزلتي ... فأنسى بآلامه محنتي
وأرقــــبُ خــــلقَــــك مــــن عالمي ... جــــيــــاع ذئابٍ عــــلى جــــيــــفــــةٍ
تسخّرهُم شهوات الحضيض ... ويخنقهم جشَعُ الطينة
وعــــدُلكَ فــــي ظــــلمــــهم تائهٌ ... وإيمانهم شبه أسطورة
ويغذو الترابُ أباطيلهم ... فتسخر منهم ألوهيّتي
جــــنــــونُ الرؤى وسُــــعــــارُ الألم ... رفيقاي منذ صحبت القلم
عرفت من الفن معنى الحياة ... وكُــــنــــهَ الخــــلود وسرّ العدم
وأكرمت نفسي فطامَنتُها ... زماناً وغامرت في المُزدحَم
فروّعني أن أري العالمين ... مقابرَ تنبضُ فيها الرِمَم
فـــــعُـــــدتُ وكـــــليّ ربـــــوبــــيّــــةٌ ... تــــطهّرها عبراتُ الندام
شرِبتُ برغمي كئوسَ القدَر ... وجابهتُ وحدي سهام الغير
وما كنتُ إلّا لساناً أبان ... وقــــلبــــاً أحــــسّ وروحــــاً شعَر
أُحلّقُ فوق مراقي العقولِ ... وأزحم في الطين دودَ البشر
وقد أحتفى ببكاء الظلام ... وأنفِرُ من ضحِكات القمر
فلم أرَ كالناس في أرضهم ... تهاويلَ مختلفات الصُوَر
فهذا فتى في الشباب الغرير ... يعيش الحياةَ كدودِ الحرير
حوى كونُه الكون والكائنات ... ففيه التقى بدؤها بالمصير
وقـــــلّده الفـــــنُّ تــــاج الخــــلود ... وما الفنُّ إلا الوجودُ الكبير
فــــلم تــــهــــدِه غــــير أضوائه ... ولم يُصغِ إلا لصوت الضمير
فأعيَت مذاهبُه في الحياة ... فيا حسرتا للإله الفقير
وهذا ابنُ أُنثى غويُّ الفؤاد ... رسالتُه أن يعيثَ الفساد
رقــــاب الأمــــانــــيّ مــــنقادةٌ ... إليه وطبع الأماني العناد
حبَته المقادير ملك الثرى ... وألقــــت إليه أمور العباد
فــــجُــــنَّ بــــأهــــوائِه الآثمات ... يرى بحرها ماله من نفاد
فما خنقته دموع الأسى ... ولا طوّقته معاني الحِداد
وفي الكوخ حيث تقيم المحن ... على ساكنيه ليالي الشجن
براعِمُ لم تحتضنها الرياض ... ولا نشقت غير ريح الدمن
يــــموت الندى فوق أوراقِها ... وينكرُها الغيث إما هتن
وتقتُلُها العاصفاتُ الشداد ... فيدفنها القفرُ فيما دفَن
وكــــل جــــنــــايــــتها أنها ... تريد الحياة فيأبى الزمن
وفوق الذرا حاكمٌ في علاه ... يــــرى قــــومَه أمّةً من شياه
شياهٍ تودُّ اخضرار الجديب ... لتَــــســــمــــنَ للذئب لا للحياه
تنامُ على الشوكِ حتّى إذا ... نما الورد كان دخاناً شذاه
وراع طــــوت نايَهُ السافياتُ ... وغــــاب بجوف الروابي صداه
يــــهَــــشُّ إلى رقــــصــــات المنى ... وكلُّ الردى كامنٌ في مناه
ويهفو إلى الكأس إن عربدت ... ويسجد للمرأة المشتهاه
وللذئب مــــــــن حــــــــوله شــــــــرَّةٌ ... تصول إذا ما وهى جانباه
يرى الراعيَ الغرّ ينسى الحياةَ ... وينسى الرعيل وينسى عصاه
فيشرع من ناظريه المُدى ... ليقطع عنها سبيل النجاه
وإن أيقظ الذئب صوتُ الدماء ... فلا ترتقب غير نوم الرعاه
وذي لحيةٍ ترهِقُ الماشطين ... ومسبحةٍ تعجزُ الحاسبين
يهزّ النهارَ بأي السماء ... فيُبكى بترتيلها السامعين
فإن جمع الليل ندمانه ... رآه إماماً على الشاربين
يـــــضـــــجُّ بـــــلَعـــــنــــة أقــــداره ... ويسخرُ من خالق العالمين
فإن أنت ذكّرته بالحساب ... أقامَك رمزاً إلى الجاهلين
وراح بعينيه يُزجى الصلاه ... إلى كــــلّ فــــتّــــانــــةٍ قــــاهــــره
بها ما به شهوةٌ قُيّدَت ... فشبّت فثارت بها الثائره
ويلتقيان فيبكى المسيح ... ويــــشــــكــــو إلى أمّه الطاهره
ومُستقتلٍ في صراعِ الضنى ... ويغسِلُ بالدمع ميت المُنى
تنقّل في جانبيه الجراح ... وتأكل جثمانه المُشخنا
مضى الموت يغزل أنفاسه ... لأيّــــامــــه كــــفــــنــــاً واهنا
وأبناؤه الجائعون العراة ... يقدّون بالنوح صمتَ الدنى
ملاهيف يستصرخون السماء ... لتــــرزقهم زائرا محسنا
ومنتحر بحبال المنى ... ونياهُ من نورها يائسه
يــــقود الحياة بأوهامه ... وتقتاده القدرة العابسه
عجبت له كيف ينسى الفناء ... ويعشقُ أحلامه البائسه
ويُغمض عينيه عما يكون ... إذا اعتصرت جسمه اليابسه
وقــــامــــت مــــن الدود نــــدّابَــــةٌ ... تـــــؤبِّنـــــ أيّـــــامـــــه الدارســــه
وكم واقفٍ عند باب الصباح ... وفي عَينهِ لهفةٌ للمساء
يـــــحـــــسُّ كـــــأنّ له بـــــالوجــــود ... عهداً شطوناً طوته السماء
وأنّ له ماضياً في الفناء ... تقدّمَهُ غابرٌ في البقاء
فكل الذي ضمّنته الحياة ... بما لقّنت من فنون القضاء
له تــــحــــت أعــــمــــاقــــه صــــورةٌ ... تؤكّدُ أن الختام ابتداء
ويا ربّ شيخٍ سقاهُ الزمان ... أعتقَ مافي كئوس الزمان
تحطّم حتى لو أن الهوان ... تجسّم كان مثال الهوان
وأطعمه الدهر والفرقدان ... ليــــأكله الدهر والفرقدان
وتسأله ما معاني الحياة ... وماذا وعى من غريب المعان
فيعيا ويشكو إليك الشباب ... وكيف مضى قبلَ فوتِ الأوان
وطـــــفـــــلٍ يــــبــــاركُ مــــيــــلادَهُ ... حـــــــنـــــــانٌ مــــــن الأمِّ والوالد
ينادونه بالملاك الصغير ... ويكفونه نظرة الحاسد
ويستقبلون به عالماً ... مــــن الأمَلِ الباسم الراغد
ولو أنّهم علموا ما ينال ... إذا امتدّ في الزمن الخالد
أراحوه من نكبات الحياة ... ومن دهره الكافر الحاقد
وطفل كريحانةٍ في علاه ... بـــــــــنـــــــــاه وهــــــــدّمَه والداه
تـــــلقّـــــفـــــه الليـــــلُ مــــن أمّه ... وأسكنه جانباً من حماه
وزفَّ إليه القضاءُ العجيبُ ... يدى مترَفٍ أعتَمتهُ الحياه
فــــــربّــــــبَهُ وحَــــــبـــــاه اســـــمُه ... وما لاسمه من ثراءٍ وجاه
فمَن عمرك اللَه أدنى إليه ... أمن غرسَ الغرس أم من جناه
وطــــــفـــــلٍ تـــــخِـــــفُّ لدى ذكـــــرهِ ... قلوبُ المساكين من شعبِه
يحيّونَ فيه الرجاء البعيد ... ويــــرجــــون لو شبَّ في قلبه
ويخشون منه الوريث الجديد ... لظــــلم الأب الحيّ في ثوبه
ويجرى به الفلك السرمدي ... عــــتِــــيّ الألوهــــة فــــي جذبه
فينتفِضُ المهد عن فاتكٍ ... تحارُ المصائبُ في حربهِ
وطــــفــــلٍ تــــموتُ على مهده ... منى الأمس والغدِ والحاضر
أنـــــــى دون داعٍ ولا مـــــــوجــــــبٍ ... ولا ســــــبـــــب واضـــــح ظـــــاهـــــر
ســــوى نــــزوَةٍ في دم الوالدين ... تؤجّ بيحمومها الفائر
هما ورِثاها عن الوالدين ... وذابا على جمرها الساعر
فكانا امتداداً لأحلامهِم ... وبــــؤســــهم الخالد القاهر
وطـــــفـــــل يـــــفـــــىءُ بــــآمــــاله ... إلى ظــــــــلّ والده البـــــــاسِـــــــق
أنى يطرقُ الأرض من سقفها ... فـــــيـــــا للطــــروقَــــةِ والطــــارقِ
فما شاء فالأرض والساكنون ... فدى أمره النافذ السابق
وما لم يشأ فالزمان العنيد ... مطيعٌ كخنجره البارق
وبين السموم وبين الصبا ... كما بين فجرٍ إلى غاسق
وطــــفــــلٍ يــــسير إلى قبره ... ولمّا يزل في ضمير الغيوب
تُغَذّيه أنفاسها في الحياة ... طريدةُ بأسٍ دهتها الخطوب
ففي قلبه جذوات الشروق ... وفي عينه ظلماتُ الغروب
ويفتحُها فيرى عالماً ... يعذّبه السلم قبل الحروب
تتوهُ الشياهُ به في الذئاب ... وشرعتُه النهشُ قبل الوثوب
وبــــاك عــــلى أمــــســــه ضــــاحــــك ... لغرّة فجر بعيد الظلال
يعيدُ الحكايةَ من بدئِها ... وينسجُها بشعاع الخيال
وللدهــــر طــــاحونةٌ لا تملّ ... تُــــدوّرهــــا نــــكــــبات الليال
وفي جوفها مثل عمقِ الفضاء ... إذا ســـــوّرَتـــــهُ رؤوس الجــــبــــال
فما هو ما الكون ما الكائنات ... لعلّ الإجابةَ عينُ السؤال
وبــــاكٍ عــــلى يومه قبل أن ... يــــحرّره الغيب من قيده
يــــرى فــــجرَه من دجى ليله ... قريبُ الزمان على بعدشه
فيرصد بالوهم ما في غدٍ ... وكــــل التــــعــــاســــةِ في رصدِه
ويــــمــــزجُ ما ذاقَ من أمسه ... بما يخبأ الغيب في برده
فيسكب ما حار من دمعه ... ويــــوقــــظ ما نام من وجده
وذي صــــبــــوَة شــــغــــفــــت قــــلبَه ... وأضنَتهُ إحدى ذوات الخفر
تــــوَلّه حــــتــــى رأى حــــســــنَهــــا ... تــــخــــلّق مــــمــــا وراء الفكر
ففيها من الشعر والأغنيات ... وسحر الرؤى والندى والزهر
روى أمــــــــلاً وروَت مــــــــثــــــــله ... على الحبّ وانتظرت وانتظر
وشقّ على الدهر أن يسعَدا ... فجفّ الغراسُ ومات الثمر
وأعمى العواطف شيطانُها ... غويُّ الهوى عبقريّ النزَق
رأى فتنةً من بناتِ الخدورِ ... فما زال بالطير حتى انطلَق
وألقى عليها شباكَ المنى ... وجاذَبها الثوب حتى انفتق
فجاء به نسباً شائعاً ... يجوعُ فيأكلُ ممّا سرق
ســـــــواءٌ لديـــــــه دام الآدمــــــيّ ... وخمرٌ بــ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الخادعه: خدع: الخَدْعُ: إِظْهَارُ خِلَافَ مَا تُخْفيه. أَبُو زَيْدٍ: خَدَعَه يَخْدَعُه خِدْعاً، بِالْكَسْرِ، مِثْلُ سَحَرَه يَسْحَرُه سِحْراً؛ قَالَ رؤْبة: وَقَدْ أُداهِي خِدْعَ مَن تَخَدَّعا وَأَجَازَ غَيْرُهُ خَدْعاً، بِالْفَتْ … (لسان العرب)
- الزوبعه: زبع: الزَّبْعُ: أَصل بِناء التَّزَبُّعِ، والتَّزَبُّع: سُوء الخُلُق. والمُتزَبِّعُ: الَّذِي يُؤْذِي النَّاسَ ويُشارُّهم؛ قَالَ الْعَجَّاجُ: وإِنْ مُسِيءٌ بالخَنَى تَزَبَّعا، ... فالتَّرْكُ يَكْفِيكَ اللِّئامَ اللُّكَّعا … (لسان العرب)
- الضائعه: لأَثير في ترجمة ضيع: وفي الحديث تُعِينُ ضائِعاً أَي ذا ضياعٍ من قَفْر أَو عِيالٍ أَو حال قَصَّر عن القيام بها، قال: ورواه بعضهم بالصاد المهملة والنون، وقيل: إِنه هو الصواب، وقيل: هو في حديث بالمهملة وفي آخر بالمعجمة، قال … (لسان العرب)
- تغشاهما: غشا: الغِشاءُ: الغِطاءُ. غَشَّيْت الشيءَ تَغْشِيَة إِذا غَطَّيْته. وَعَلَى بَصَره وقَلْبِه غَشْوٌ وغَشْوَةٌ وغُشْوَة وغِشْوَة وغِشَاوَةٌ وغَشَاوَة وغُشاوةٌ وغاشِيةٌ وغُشْية وغُشاية وغِشايةٌ؛ هَذِهِ الثَّلَاثُ عَنِ اللِّح … (لسان العرب)
- جحيم: جحم: أَجْحَم عَنْهُ: كَفَّ كأَحْجَم. وأَحْجَم الرجلَ: دَنا أَن يُهْلِكَه. والجحيمُ: اسْمٌ مِنْ أَسماء النَّارِ. وكلُّ نارٍ عَظِيمَةٍ فِي مَهْواةٍ فَهِيَ جَحِيمٌ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَ … (لسان العرب)
- جفاه: جَفَأَ: جَفَأَ الرَّجلَ جَفْأً: صَرَعه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقتَلَعه وذَهَب بِهِ الأَرضَ. وأَجْفَأَ بِهِ: طَرَحَهُ. وجَفَأَ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبَها بِهِ. وجَفَأَ البُرْمةَ فِي القَصْعةِ جَفْأً: أَكْفأَها، أَو أَمالها فَصَ … (لسان العرب)
- جفونيهما: جَفَنَ: الجَفْنُ: جَفْنُ العَين، وَفِي الْمُحْكَمِ: الجَفْنُ غطاءُ الْعَيْنِ مِنْ أَعلى وأَسفل، وَالْجَمْعُ أَجْفُنٌ وأَجفان وجُفونٌ. والجَفْنُ: غِمْدُ السَّيْفِ. وجَفْنُ السَّيْفِ: غِمده؛ وَقَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَنس ا … (لسان العرب)