بَدَأتُ بِاِسم اللَهِ في المَسيرِ
الشاعر: أحمد بن المأمون البلغيثي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
«بَدَأتُ بِاِسم اللَهِ في المَسيرِ» من شعر أحمد بن المأمون البلغيثي، من العصر الحديث، وتقع في 209 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بَدَأتُ بِاِسم اللَهِ في المَسيرِ ... لِكَي أَنالَ غايَة التَيسيرِ
ثُمَّ لَهُ الحَمد المُوافي نِعَمه ... سُبحانَهُ سُبحانَه ما أَكرَمه
ثُــــــمَّ صَــــــلاة اللَهِ وَالسَــــــلام ... جودُهما يَصحَبهُ الدَوام
عَلى الرَّسولِ المُصطَفى المَحبوب ... مَــــن حــــبّهُ الحَــــياةُ لِلقُلوبِ
وَآلِهِ وَصَــــــــحــــــــبِهِ الهــــــــداةِ ... وَالأَولِيا وَالعُلَما الثِّقاتِ
هَذا وَحَيثُ مُبدِع الأَنامِ ... وَفَّقَني لِلحَجِّ في ذا العامِ
خَــــرَجــــتُ مِن فاس لَدا الزَوالِ ... يَومَ الخَميس حجّ مِن شَوّالِ
مِن عامِ خَمسَة وَأَربَعينا ... بَعد ثَلاث عَشرَة مِئينا
وَدّعتُ أَحبابي وَأَهلي وَالخَدم ... وَفي الفُؤاد من وَداعِهِم ضَرَم
لكِنَّني صَبرت قَلبي لِلنَّوى ... في حُبّ ما لَهُ المُحِبّ قَد نَوى
وَلي فــــي اللَهِ الكَــــريم رَبّي ... مِن الرَجاءِ ما يسلّي قَلبي
يَــــردّني لَهُم بِخَيرِ حالِ ... بَعد بُلوغِ القَصد مِن مَنالي
أَنا وَمَن مَعي مِن النّجلِ الأَبَر ... يوسُف زاكي المَكرُماتِ والأَثر
وَســــــائِر الخــــــدّامِ وَالرِّفــــــاق ... ذَوي الهُدى وَالنّسك وَالوِفاقِ
وَكانَ قَصدي أَوّلا ثَغر سَلا ... حَيثُ الفُؤاد دائِماً بِها سَلا
وَصَلتُها مِن بَعد سَيرِ خَمس ... مِـــــن السَـــــوائِع بِــــكُــــلّ أنــــسِ
في تومبيلَ يَخرِق القِفارا ... سُبحان من سَخَّرَه تسيارا
ثُمَّ قَصدت بِاِحتِفال وَاِحتفا ... مِن غَدنا قَصر الأَميرِ يوسُفا
خَير المُلوكِ حبر أَهلِ الفَضلِ ... جَم الجدا غَمرُ النَدا وَالبَذلِ
قَــــصــــد وَداعــــه وَكــــان أذنــــا ... في الحَجّ لي بِكُلِّ برٍّ وَاِعتنا
شاهَدت عِندَ بشره وَبرِّه ... شَمس الضُّحى وَالمزن عِندَ قطرِه
وَكنت ضَيفاً بَعدَ فَرضِ الجمعَه ... في غايَةٍ مِن السُرورِ وَالدِّعَه
عِندَ الفَقيهِ الألمَعي حاجِبه ... إِذ قامَ من إِكرامِنا بِواجِبِه
جَزاهُ رَبّنا عَلى طَويّته ... فَالمَرءُ لا يُجزى بِغَير نِيَّتِه
فَكانَ في سَلا مَقامي قَدرا ... مِنَ الزَّمانِ لا يَبت القَصرا
عِندَ الأَخِ العالِم باشا بَلَدِه ... الأَمجَدِ الأَكرَمِ سامي مَحتده
ذاكَ الصّبيحي مُحمَّد الَّذي ... لا زالَ لِلفَضلِ دَواماً يحتذي
وَبعدَ يَومَينِ أَتَيتُ البيضا ... لِغَرض لي في حِماها أَيضا
وَكــــانَ مِــــنّي مدَّة المَقامِ ... في رَبعها ثَلاثة الأَيّامِ
رَجعتُ مِنها لِلرِّباط فَسَلا ... بَعد قَضاء الغَرَض الَّذي جَلا
وَكلّ ذا في غايَةِ الإِيناسِ ... بِمَن لَقيت مِن جَميع الناسِ
سُبحانَ مَن سخّر لي العَوالِم ... وَسَهّل السَبيل لِلمَغانِمِ
لَهُ تَعالى الحَمدُ وَالشُّكرُ عَلى ... إِفضالِهِ قَد جَلَّ شاناً وَعَلا
ثُمَّ إِلى طَنجَة كانَ القَصدُ ... إِذ كانَ في القَصدِ إِلَيها قَصدُ
وَصَلتُها مِنَ الرِّباط سالِما ... في تومبيل يَخرِق المَعالِما
وَذاكَ يَومُ السَّبتِ في عِشرينا ... مِن شَهرِنا الَّذي مَضى تَبيينا
وَمدّة المَسيرِ كانَت ستّا ... من السَوائِع تَروق نَبتا
عِندَ العشي قَد وَصَلنا ثَغرها ... وَكُنت مِن قَبل سَبرت أَمرها
بِها تَلقّانا حَليفُ الفَضلِ ... وَالأَدبِ الغَــــضّ كَــــريم الأَصلِ
نائِب مَولانا الأَمير المُنتَدَب ... لَهُ بِها يا نِعم من لَها اِنتَدَب
مُحمَّد هُوَ أَبو عشرينا ... أَخلاقُه تَحكى شَذا النِّسرينا
كَذا تَلقّانا اِبن جلونَ الأجَل ... إِدريس من مَنصِبِه فينا يجل
عُــــمــــدتنا وَأَوثَق الثِّقاتِ ... ربِّ النُّها وَالنُّسك وَالثَباتِ
قاما لَنا بِواجب الإِكرامِ ... وَقابَلا بِغايَةِ اِحتِرامِ
وَاِجتَهدا بِكُلِّ ما اِجتهاد ... حَتّى تَوَصَّلنا إِلى المُرادِ
كَذا تَلَقّانا بِها مَن كانا ... لِلحَجِّ في رِفقَتِنا اِستَكانا
مِن أَهلِ مِكناس وَهُم جَماعَه ... الفَضل وَالتَّقى لَهم بِضاعَه
نَعم وَفي طَريقنا عَرجنا ... عَلى العرائِش لأنس يُجنى
كُنّا بِها مِنَ النّهارِ بُرهَه ... مَــــمــــلوءَة بِــــطَــــرب وَنَــــزعــــه
عِند اِبن عميرٍ الكَريمِ الطاهِر ... مَــــــــنـــــــزِلهُ زاهٍ بِهِ وَزاهـــــــر
وَحَصلَ الأنسُ العَميمُ لِلبَلَد ... وَأَهــــلهــــا مِن والِدٍ وَما وَلَد
وَهكَذا كنّا بِكلّ مَوطِن ... مِنحَة فَضلٍ مِن عَميم المنَنِ
سُبحانَ رَبّي العَظيم الحَقِّ ... حَبّبني في قَلبِ كلِّ الخَلقِ
وَلَست أَعني كاشِحاً حَسوداً ... أَبــــى لَهُ الحَسد أَن يَسودا
قَدِ اِلتَظت مُهجَته مِن حَسَده ... يا حرّ ما جرّ بِهِ لِكبدِه
فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلى نِعَمه ... وَالشُـــــكـــــر لِلَّهِ عَـــــلى كَـــــرَمِه
ثمَّتــ أَبحَرنا إِلى مَرسيليا ... حَيثُ بَدا طَريقُها سَويّا
يَوم الثُلاثا بِسفينِ عبده ... وَاللَّه يولي بِالجَميلِ عَبدَه
بِذلِكَ السّفين قَد وَدَّعنا ... جُملَةَ أَحبابٍ عَلَوه مَعنا
وَفيهِم الوَلد عَبد المالِك ... وَقــــاه رَبّــــنــــا من المَهالِكِ
أَرشـــــدَهُ اللَّه لأَهـــــدى السُّبــــلِ ... أَسعَدَه اللَّه بِنَيل السُؤلِ
كانَ مَسير البَحرِ في سُكونِ ... وَدِعَةٍ مِن غَير ما فُتونِ
نَطوي عبابَهُ بِحُسن مَنظَر ... وَسعَة هيَ مُنى مُعتَبرِ
سُبحانَ مَن سَخّره لِلخَلق ... قـــــامَ لكـــــلِّ مــــا بِهِ بِــــالرِّزقِ
سُبحانَ مُنشيهِ وَمُبديهِ كَما ... شاءَ بِحِكمة حَكيمِ الحُكَما
سُبحانَ مُجريهِ وَمرسيهِ فَقر ... أَحاطَ علماً بِالَّذي فيهِ اِستَقَر
بهِ لَقينا البَعض مِن أَهلِ اليَمن ... مُستَخدمينَ لِضَرورَة الزَّمَن
في طَبعِهِم مَحبَّةـ في الدّينِ ... وَقُوَّة الإِيمانِ وَاليَقينِ
عالِمهُم وَجاهِل في ذا سوا ... فَلا تَقُل في واحِد مِنهُم سِوى
كُلُّهُم عَلى التُّقى أَقاما ... عَلى الطَريقَةِ قَدِ اِستَقاما
أَلَيسَ قالَ فيهم العَدناني ... في خَبرٍ إِيمانُنا يَماني
وَفي صَباحِ جُمعَة وَصَلنا ... لِلبَـــــلَد الَّذي لَهُ قَـــــصـــــدنـــــا
وَكُلّ مَن رافَقنا مَسرورُ ... خــــامَــــرَه مِن أَجلِنا سُرورُ
فَالحَمدُ لِلَّهِ عَلى الهِدايَه ... نَسأَلها في البدءِ وَالنِهايَه
فَهوَ الكَريم جَلّ أَن يَمنَعنا ... مِن فَضلِهِ نَرجوهُ أَن يَمنَحا
ثُمَّ بِمرسيلي قَد تَلقّى ... لَنا فَتىً لِفلكنا تَرقّى
كانَ لهُ الإعلام برقاً أَنَّنا ... نَقصدكُم فَلتَتَعَرَّضوا لَنا
فَقام بِالواجِب من مناسِب ... لِحال ذاكَ القطرِ لا المغارِبِ
سَعى لَنا في كُلِّ ما نُريدُ ... حَتّى اِقتَضى مُراده المريدُ
جَزاهُ ربّنا بأَفضَلِ جَزا ... فَمِنهُ جلّ رَبّنا يَزكو الجَزا
كانَ مَقامُنا بِها أَيّاما ... أَربَعَة تَستَوجِب الإِتماما
وَقَد رَأَيت إِذ أَقَمتُ زَمَنا ... وَكانَ بَذل المالِ لَن يهمّنا
أَن أَقصدَ المَسجِد في باريز ... ذات البها وَالحُسنِ وَالتَبريزِ
فَجِئتها وَحدي بِتُرجَمانٍ ... يُفهِمُني ما عَنّ من أَماني
كانَ مَسيرُنا عَلى القِطارِ ... مِــــن أَوّلِ اللَيــــلِ إِلى النَهــــارِ
في مَنظَرٍ يَروقُ لِلأنظارِ ... اللَّيل بِالأَضواءِ كَالنَهارِ
وَفي الصَّباحِ طابَ لي المَسيرُ ... في خضرَةٍ وَنضرَةٍ نَسيرُ
وَكانَ مدَّةُ المَسيرِ أَربَعا ... وَعَشرَة من السَوائِع مَعا
صَلّيتُ في مَسجِدها الجَديدِ ... عــــدَّةَ أَوقــــاتٍ عَلى تَحديدِ
وَهوَ مَسجدٌ بَديعُ الشَكلِ ... لَيسَ لهُ في قُطرِنا مِن مِثلِ
مُستَجمِعٌ لِكلِّ ما يَحتاجُه ... مَــــن حــــلّه وَلا تَــــفوت حاجّهُ
قابَلنا بِغايَة التَرحيبِ ... مَن بِهِ مِن بَعيدٍ أَو قَريبِ
بــــهِ وَجــــدت زُمــــرَةً مــــن نــــاسِ ... تـــــونـــــس مَــــع جَــــزائِر وَفــــاسِ
وَطَنجَة وَمِن رِباطِ الفَتحِ ... وَكــــــلّهُــــــم ذو أَدبٍ وَنُــــــصــــــحِ
قاموا بِكُلِّ واجِبٍ وَقرّوا ... عَيناً بِنا وَخَدموا وَبرّوا
بتّ بِأَنكا مُكرَم المَقامِ ... عِندَ الأَميرِ مُعتَلي المَقامِ
عَبد الحَفيظِ العالمِ المجيدِ ... سُلطاننا السابِق هامي الجودِ
لَقَد دَعاني لِلقُدومِ عِندَه ... لِأَنَّهــــُ بِالعِلمِ يوري زندَهُ
سرَّ بِنا وَنالَ مِنّا أنسا ... إِذ كانَ في الحرسِ مِن فرَنسا
بــــتُّ أَبــــثُّ سَــــمــــعَه الآدابــــا ... وَغَــــضّ عِــــلمٍ يَــــخلبُ الألبابَ
إِذ كــــانَ أَهلا لِلَّذي أُبدي لَهُ ... وَيَقدرُ العِلمَ وَيدري أَهلهُ
حَتّى اِنتَشى مِن خَمرَةِ المذاكَرَه ... وَأَخَــــذَتــــهُ لَذَّةُ المُــــســــامَــــرَه
وَدَّعته عَشيَّةـــ الغَدِ وَقَد ... بَدا بِهِ مِن بَيننا لَهبٌ وَقَد
ثُمَّ تَجَوَّلت بِداخِل البَلَد ... وَحَولَها في تومبيلٍ لي مُعَد
أَعَدَّهُ ذو الشّيمَة الشمّاءِ ... سَمَت سِماتها إِلى السَّماءِ
فَكَم رَأَينا من بَدائِع بِها ... وَمن صَنائِع وَمِن عَجبها
مِمّا بِهِ العِبرَة لِلمُعتَبَر ... سُبحانَ رَبٍّ قادِرٍ مُقتَدِرِ
أَقــــدَرَ خَــــلقهُ عَلى عَجائِبٍ ... مُــــدهِــــشَــــة لِنــــاظِــــر وَجــــائِبِ
وَفي طَريقِنا رَأَينا كَم بَلَد ... بِها فَرَنسا اِتَّخَذَت أَي مدَد
ثُمَّ رَجَعتُ مِثل ما جِئت إِلى ... رِفاقِنا وَلَهُم فينا إِلى
وَمن غَد اليَوم وَكانَ الأربعا ... ثاني قِعدة رَكِبنا أَجمَعا
في مَركبٍ مِن شاهِق المَراكِب ... مُنفَسِح الجِهات وَالمَناكِبِ
إِلى حِما الإِسكندِرِيَّةــ قَصد ... وَقَصدنا مِصر بِقَصدٍ لا يصد
لكِـــــنَّهـــــُ عــــاجَ إِلى الجَــــزائِر ... مِن بَعدِ يَومَين أَتاها زائِر
وَالبَحر فيهِما طَغى في كيدِهِ ... وَكُلّ مَن مَعي اِنتَشى مِن مَيدهِ
وَحَيثُ كُنت قَد أَخَذت بِالحَذَر ... مِن ميده لَم يَكُ لي فيهِ ضَرَر
لَكِــــــنّ أَلطـــــافَ الإِله غـــــالِبَه ... بِها تَدرّجنا لِحُسن العاقِبَه
أَقامَ في مِياهِها يَومَينِ ... كُنّا بِها في قرّة مِن عَينِ
أَوّل فعلِنا بِها أَتَينا ... مَسجِدَها العصرَ بِهِ صلّينا
ثُمَّ مِنَ الغَد تَجوّلنا بِها ... وَكَم رَأَينا في ذَويها نابها
وَلَهُـــــــــم حـــــــــبّ لِكُــــــــلّ وارِد ... بَــــــلَدهُــــــم وَبَـــــذل بـــــرّ زائِدِ
بِها تَلاقَيت بِبَعضِ العُلَما ... مِمَّنــ لَهُم عِندَهُم اِسماً سَمى
أَجازَني بَعدَ اِستِجارَتي لَهُ ... لِضيقِ وَقتي لَم أواف مِثلَهُ
ثُمَّ رَكبنا بَعد في مَركَبنا ... وَسارَ لَيلَة وَيَومَها بِنا
قَصد في مَسيرهِ عنّابَه ... لِغَـــــرَضٍ لَهُ بِهـــــا قَـــــد نـــــابَه
أَقامَ فيها لَيلَة وَيَومَها ... يأخذُ ما لأَجلِهِ قَد أَمّها
وَنَحنُ قَد بِتنا بِها لَيلَتَنا ... يا لَيتَنا طلنا بِها يا لَيتَنا
إِذ أَهلُها أَهلُ برورٍ وَكَرم ... فَمن أَتاهُم فَهو فيهِم مُحتَرَم
قاموا لَنا بِواجِب الضِيافَه ... إِنّ الكَريمَ مكرمٌ أَضيافَه
بِها اِجتَمَعنا بِذَوي الفَضل وَقَد ... زُرنا بِها مشاهِداً لَم تفتَقَد
كانَت تُسمّى في القَديمِ بونَه ... كَم عالِم قَضى بِها شُؤونَه
هذي بِقاعٌ لَم تَكُن في القَصدِ ... ساقَت لَها الأَقدار دونَ قَصدِ
فَكانَ في حلولِها فَوائِد ... وَبَهــــــجَــــــة وَفـــــرجـــــةٌ لِلرائِد
وَكلّ مَن في رِفقَتي سرَّ بِها ... إِذ كانَ مِن فائِدها مُنتَبِها
وَالرِّفــــقَةُ الَّتي لَها أَشَرت ... في سابِق النّظم الَّذي اِبتَكَرَتُ
قَد نَظَمت عُقودَها أَفاضِل ... نيطَت بِأَخلاقِهِم فَواضِلُ
وَجُلّهم أَو كُلُّهم ما كانَ لَه ... مِن قَصدِ حجٍّ كانَ قَبل أَمله
لكِنَّهُم إِذ سَمِعوا بِعَزمي ... راموا وَقاموا بِكَمال الحَزمِ
مِن أَهل مِكناس وَفاسَ زُمرَه ... عشرتُهم كَالزبد فَوقَ التَمره
وَكلّهم يَخدِمُني كَعَبد ... لِودّه القَلبي فينا يُبدي
لاذوا بِجاهِ المُصطَفى لمّا نَووا ... رِفقَتنا وَلاِهتدا العِلم قفوا
إِذ لَيسَ فيهِم مِن شَريفٍ لا وَلا ... مِــــن عالم كانَ بِعِلم أَولا
لكِنَّهُم جَميعُهُم ذوو اِهتَدا ... وَلِذَوي العُلوم أَصحاب اِقتِدا
في كَرَمِ الطَّبعِ وَبَذل المالِ ... إِذا بَدا في وجهةِ الحَلالِ
ثُمَّ تَوجّه بِنا المَركب مِن ... عنّابَة وَالبَحر ساكِن أَمن
في يَومِ الاِثنَين بُعيدَ الظُّهرِ ... في سابِع الأَيّامِ من ذا الشَهرِ
يَخرِقُ للإِسكِندريَّةـــ لجَج ... فيها عَلى وُجود رَبّنا حُجج
سُبحانَ مُجري الفُلكِ في البحارِ ... وَمُلهِمِ العِبادِ للإبحارِ
لهُ تَعالى حَمدُنا وَالشُّكر ... قَد حارَ في عدِّ نداهُ الفِكرُ
لِثَغرِها البسّامِ قَد وَصَلنا ... وَفي حِماها الرّحبِ قَد حَلَلنا
وَذاكَ يَوم السَبتِ حادي عَشَر ... من شَهرِنا المَذكور فيما قَد غَبَر
فَكانَ مُدَّة مَسيرنا لَها ... خَمسَة أَيّام بِها قَد نالَها
وَالبَحرُ خاضِعٌ وَخاشِعٌ لِمَن ... سَخّرهُ سُبحان مَن بِذاكَ مَن
سَيَّرَ فيهِ الفُلكَ كَالأَعلامِ ... سُـــــبـــــحــــانَ ربٍّ قــــادِرٍ عَــــلّامِ
كَما بِهِ قَد سَخّر النَّصارى ... تَــــخدِمُنا كأَنَّهُم أُسارى
كانَ مَقامُنا بِها أَيّاماً ... ثَلاثَة نَحسبُها مَناما
نَجولُ في أَطرافِها المَريَّه ... قَد صَحّ قَولُهم سكندريَّه
أَلَيــــسَ قــــيــــلَ أنَّها المُراد ... مِن إِرم يتبَعه العماد
فَكَم بِها مِن عالِمٍ وَعارِف ... وَشَيخ سرٍّ فاهَ بِالمَعارِفِ
ساقَت لَنا الإسعاد مِن أَعلامِها ... جَماعَة نَسعَدُ من كَلامِها
وَكــــلُّهُــــم أَفاد وَاِستَفادا ... وَشَكَروا المُفيد وَالمفاد
نَعَم وَفي بَعض لَيالي مُكثِنا ... بِها جَرى الحادِث في رِفقَتِنا
صَحبهُ مِن رَبِّنا لطفٌ خَفي ... وَشَرح ذي الرحلَة بِالشَّرحِ يَفي
لأَجــــلِه زادَ بِــــنــــا المقامُ ... يَوماً قَضى لَنا بِهِ المَقامُ
ثُمَّ قَصَدنا بَعد مصرَ القاهِرَه ... ذات المَحاسِن البَواهي الباهِرَه
وَذاكَ في يَوم الخَميسِ حَدّه ... سادس عَشَر شهرِنا ذي القِعدَه
بِها تَلقّانا مِنَ الأَحبَّه ... جَماعَة قَد أمحَضوا المَحَبَّه
قَد رَبَطَتنا مَعَهُم رَوابِط ... وَكُلُّهُم بِالعِلم فينا غابِطُ
قاموا لَنا بِواجِب القِيامِ ... في كُلِّ شَيءٍ مدَّة المَقامِ
كَم سيّد وَكَم أَديبٍ جاءا ... يَزورُنا قَد ناطَ بي رَجاءَ
وَمِنهُمُ من ساقَ لي أَمداحا ... مِن أَعذَبِ الشِّعر شَجت أَصداحا
وَزُرت كَم مِن جَهبذٍ وَشهمٍ ... فــــاقَ بِــــرَأيٍ نــــافِــــذٍ وَفهمِ
وَكَم بِها مِن عالِمٍ قَد زارَنا ... نِلنا مِن الجَمع بِهِ أَوطارَنا
هــــيَ ثَــــمان من لَيال مرّت ... لَنــــا بِهــــا لَذيــــذَة ما مَرَّت
ثمّت في السِتَّةــ وَالعِشرينا ... مِن شَهرِنا الَّذي مَضى تَعيينا
كانَ مَسيرُنا إِلى السويسِ ... مِن غَيرِ تَشويشٍ وَلا تَهويسِ
وَبعد خَمسَة منَ الساعاتِ ... أَوصَلَنا لَهُ القِطار العاتي
وَبَينَ مِصر وَالسّويس مدنٌ ... مأهولَة وَبِالنَّعيم توذنُ
بِهِ أَقَمنا لِاِنتِظار مَركب ... أَربع لَيلات أَنارَت مَوكِبي
وَذاكَ حَــــيــــثُ بِه قَــــد وَجدنا ... وَفداً لَهُم في القَصدِ ما قَصَدنا
يَرأَسُهُم مِن أَهلِ فاس سَيِّد ... في شَرَف مِن نِسبَة لهُ يَدُ
يَصبو إِلى العِلم دَواماً وَلَهُ ... في حُبِّ خَير العالَمين وَلَهُ
صَبوا إِلى رِفقَتِنا وَحَنّوا ... وَبِاِجتِماعهم بِنا اِطمَأَنّوا
يَوم الثَلاثين قَصَدنا جدَّه ... في مَركب لِلبَحرِ خير عدَّه
عِندَ العشي جدَّ في المَسير ... وَالمُسلِمون مِنهُ في تَيسيرِ
وَاللُّطف مِن إِلاهنا يَصحبُنا ... وَلا يرى مِن حادِث مَركبنا
فَكَم وَجَدنا فيهِ مِن أَفاضِل ... مِــــن عُــــلَما وَأُمَرا وَكامِلِ
مُختَلِفي الهَيئَة من أقطار ... شاسِعَة مُتّحدي الأَوطارِ
لَقَد سُرِرتُ بِاِجتِماعي بِهِم ... كَعادَتي فيمَن بِعِلم يوسمُ
وَوَقَــــعــــت خِــــلالَ ذا مُذاكَرَه ... في عِدَّة مِن العُلوم الفاخِرَه
أَرسى بِنا المَركِب نَحو الساعَتَين ... بِجَبلِ الطورِ يوفّى رَغبَتَين
وَذاكَ في يَوم الخَميس ضَحوَه ... وَالجوّ يبدي في الصَّفاءِ صَحوَه
وَمِن غَدٍ في مِثل ذاكَ الوَقتِ ... أَرسى بِيَنبع كَذاكَ يوتي
ثُـــــمَّ إِلى جـــــدّة جــــدَّ السَّيــــرا ... وَاللَهُ لِلحجّاج واقي الضّيرا
كنّا مُحاذينَ حما المِيقاتِ ... بِقَولِ أَهلِ الثّبتِ وَالثِّقاتِ
عِندَ العِشا مِن نَفسِ ذاكَ اليَومِ ... وَالمَوجُ يَرمي نَحوَنا بِعومِ
وَقَد أُتينا بِالَّذي طَلَبنا ... بِهِ لَدا الإِحرام إِذ قَرُبنا
وَضَجّ كلُّ النّاسِ بِالتَلبيَة ... في حالَةٍ مِنَ الهُدى مرضِية
وَالقَومُ بَين خاشِعٍ وَخاضِعٍ ... وَراغِــــــبٍ وَراهِــــــبٍ وَطــــــامِــــــعِ
وَالكُلّ يَستَبشِرُ بِالقَبولِ ... مِــــن رَبِّنا إِذ مَنَّ بِالوصولِ
في ضَحوَةِ السّبتِ وَصَلنا جدّه ... وَالقُربُ يُذكي في الفُؤادِ وَجدَه
وَمِن صَباحِ غَدِنا نَهَضنا ... يَسوقُنا الشَّوقُ لِما قَصَدنا
نَؤمُّ بَيتَ اللَّهِ خاشِعينا ... وَلجَــــلالِ اللَّهِ خــــاضِعينا
كُنّا بِهِ في ظُهرِ يَومِ الأَحدِ ... مُبتَهِلينَ لِلكَريمِ الأَحَدِ
وَوافَقَ الرابِعُ مِن ذي الحجَّه ... لِلَّهِ مــــا أَوضَــــحــــهــــا مَحَجّه
قُمنا بِما حَتم مِن شَعائِر ... يَوم دُخولِنا بِعَزم مائِرِ
كذاكَ في الباقي من الأَيّامِ ... قُمنا بِكُلٍّ أَحسَنَ القِيامِ
مِن كُلِّ ما نصّه في المَناسِكِ ... لِلحَجِّ وَالعمرَة كُلّ ناسِكِ
وَقد رَجونا اللَّه
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التيسير: يَسَرَ: اليَسْرُ[[. قوله [اليسر] بفتح فسكون وبفتحتين كما في القاموس]]: اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ يَكُونُ ذَلِكَ للإِنسان وَالْفَرَسِ، وَقَدْ يَسَرَ يَيْسِرُ. وياسَرَه: لايَنَهُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: قَوْمٌ إِذا شُومِسُوا جَدَّ … (لسان العرب)
- الثقات: لثق: اللَّثَقُ: النَّدَى مَعَ سُكُونِ الرِّيحِ، ابْنُ دُرَيْدٍ: اللَّثَقُ النَّدَى والحَرّ مِثْلُ الوَمَد. وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ: فَلَمَّا رأَى لَثَق الثِّيَابِ عَلَى النَّاسِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نواجِذُه؛ اللَّ … (لسان العرب)
- الخميس: خمس: الخمسةُ: مِنْ عَدَدِ الْمُذَكَّرِ، والخَمْسُ: مِنْ عَدَدِ المؤَنث مَعْرُوفَانِ؛ يُقَالُ: خَمْسَةُ رِجَالٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ، التَّذْكِيرُ بِالْهَاءِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ صُمْنا خَمْساً مِنَ الشَّهْرِ فَيُغَلّ … (لسان العرب)
- الدوام: دَوَمَ: دامَ الشيءُ يَدُومُ ويَدامُ؛ قَالَ: يَا مَيّ لَا غَرْوَ وَلَا مَلامَا ... فِي الحُبِّ، إِن الحُبَّ لن يَدامَا قَالَ كُرَاعٌ: دامَ يَدُومُ فَعِلَ يَفْعُلُ، وَلَيْسَ بقَوِيّ، دَوْماً ودَواماً ودَيْمومَةً؛ قَالَ أَب … (لسان العرب)
- الزوال: زول: الزَّوَال: الذَّهاب والاسْتِحالة والاضْمِحْلال، زَالَ يَزُول زَوَالًا وزَوِيلًا وزُؤُولًا؛ هَذِهِ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: وبَيْضاء لَا تَنْحاشُ مِنَّا وأُمُّها، ... إِذا مَا رَأَتْنا زِيلَ مِنَّا … (لسان العرب)
- الموافي: وفي: الوفاءُ: ضد الغَدْر، يقال: وَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى؛ قال ابن بري: وقد جمعهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ في بيت واحد في قوله: أَمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِه كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها وَفَى يَفِي وَفاءً … (لسان العرب)
- جودهما: جود: الجَيِّد: نَقِيضُ الرَّدِيءِ، عَلَى فَيْعِلٍ، وأَصله جَيْوِد فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِهَا وَمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ، ثُمَّ أُدغمت الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ جِياد، وَجِيَادَاتٌ جَمْعُ الْ … (لسان العرب)
- شوال: شول: شَالَتِ الناقةُ بذنَبِها تَشولُه شَوْلًا وشَوَلاناً وأَشَالَتْه واسْتَشَالَتْه أَي رَفَعَتْه؛ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ يصف فَرَسًا: جَمومُ الشَّدِّ شائلةُ الذُّنابى، ... تَخالُ بياضَ غُرَّتِها سِراجا وشَالَ ذَن … (لسان العرب)