تطول يا قريع بني فراس
الشاعر: ابن الرومي · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة مدح
«تطول يا قريع بني فراس» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 110 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تطوَّلْ يا قريع بني فراسٍ — فإنك من ذوي الأيدي الطوالِ
وكلُّ يدٍ أطالَ الحظُّ منها — بلا طَوْلٍ مُقَصِّرَةُ المنالِ
وما يبقَى على الحدثانِ شيءٌ — سوى شرفٍ من الأفعالِ عالي
هي الدنيا تزولُ بساكنيها — فأفضلها البعيدُ من الزوالِ
وقد مُكّنْتَ من دَرَجٍ وِثاقٍ — فلا تَجْبُن من الرُّتَب العوالي
واعدِدْ سحنةً للحظّ ليستْ — كعمروٍ إنه مني ببالِ
فإن الحظَّ لا شركاءَ فيه — وليس بمؤنسٍ حظٌّ مخالي
لَكالمرعَى الخصيبِ بلا سَوامٍ — أو البلدِ الرحيبِ بلا حلالِ
فلا تأنس أبا حسنٍ بحظٍّ — ومَعمرُهُ من الأخيارِ خالي
ألا يومَاً إلى مثلي مُذالاً — بكم في حَشْوة السَّقَطِ المذالِ
وقد حظيَتْ بحظكُمُ رزايا — يُطأطىءُ ذكرُها صيد القَذالِ
كعمروٍ أو كأندادٍ لعمروٍ — ألا يا قومُ للكفر الجُلالِ
أتُشحنُ روضةٌ عَرُضَت وطالتْ — بأشباهِ النعامِ أو الرّئالِ
دعوتُك خاضعاً من تحتِ تحتٍ — فلا تشمخْ فتُدعَى من مُعالِ
وينصرني عليك الناسُ نصراً — يطولُ به على الطاغي دلالي
وقبلَكَ ما نُصرتُ على ظلومٍ — وما أعملتُ أطرافَ الإلالِ
ولكني أَويتُ من اعتصامي — إلى عَيْطاءَ شاهقةِ القِلالِ
وتلك أعزُّ لي منْ كل رمحٍ — وصَمصام إذا دُعِيتْ نَزالِ
وكم عزَّ الذليل بلا قتالٍ — وكم ذلَّ العزيزُ مع القتالِ
حلفتُ برأي سيدِنا المُصَفَّى — إذا فالاه غامضةً مُفالي
ونقصي بعد رُجْحاني لديه — وقد يئسَ الموازنُ من عَدالي
لقد أوقعتَ من أمرين أمراً — أتى منه فسادي أو خبالي
فإما أنْ تكون ثللتَ عرشي — وإمَّا أن تكون أهَلْتَ جالي
أتلتمسُ الشفاءَ لديك حالي — فتُمنَى منك بالداء العُضال
مِطالٌ منك قد أضنى اصطباري — وظلمٌ منك قد أفنى احتيالي
وكان مطالُ مدحي بالمساعي — هداك اللَّه أحسن من مطالي
فماطِلْني الجزاءَ تؤُلْ بمدحي — من الأمدِ البعيدِ إلى مآل
حلفتُ لقد حكمتَ بغيرِ عدلٍ — أمنتَ وأنت تشغلني اشتغالي
لحيتَ ليَ الزمانَ وأنت عُطلٌ — وضافرت الزمان وأنت والي
وكيف ولِمْ أمنتَ عليك عتبي — وسَيْلي بالأوابد وانثيالي
أكنتَ ظننت سهوي عن حقوقي — أم استيقنتَ جبني وانخذالي
أم استعهدتَ حلمي واغتفاري — أم استكفيتَ حزمي في حَوالي
كلا الحسبين يوجب أن يُضاهَى — فساجِلني فإنك ذو سِجال
أخفتَ عواقب السوءى فخَفْها — فكلُّ إساءةٍ مَجْنى وَبال
أم استعليتَ عن إتيانِ سوءٍ — فكنْ في ذاك فوقي أو حِيالي
كلا الأمرينِ من كرمٍ وحزمٍ — فإنك فيه ذو عمٍّ وخالِ
وعظتُك أيها الإنسانُ وعظي — فلا أكُ واعظَ الدّمنِ الخوالي
وأنت الحيُّ كُلُّ الحيّ فاتركْ — غروبَ الوعي للرممِ البوالي
ورَجِّ تغافلي لك وانخداعي — ولا ترجُ اختداعي واغتفالي
تواردْنا ونحنُ على ودادٍ — فلا نصدرْ ونحنُ على تَقالي
فلستُ بمنْ يُعلَّلُ بالهَواهي — ولستُ بمنْ يفزَّعُ بالسعالي
وسعتَ الناسَ إنصافاً وبرّاً — وإفضالاً فهم لك كالعيالِ
سواي فإنني أُوسعت خسفاً — بلا جُرمٍ وأعجبَكَ احتمالي
على أني أعادي مَنْ تُعادي — كما أني أوالي منْ توالي
بلَى ذنبي ولستُ أتوبُ منه — ولو أني قُليتُ على المقَالي
لسانٌ بالثناء عليك رطبٌ — وقلبٌ من مديحك في مَجال
أعِدْ نظراً أبا حسنٍ فإني — أراك وهِمتَ في أمري وحالي
ولا واللَّه ما تَسْوَى أمورٌ — تراها قيمتي أبداً قِبالي
أزور فلا أرى منك اهتشاشاً — كما أني أَغيبُ فلا تبالي
وقد يؤتَى هَجورٌ من سُلُوٍّ — كما يؤتى زَؤُورٌ من ملالِ
ولم أكثر فأوجب عُذر قالٍ — ولم أهجر فأوجب عذرَ سالي
فمَا بالُ الجفاء جفاءُ سالٍ — وما بالُ اللقاء لقاءُ قالي
لقد أشجيتَني بالظلم حتى — جعلتُ تعجّبي جُلَّ اشتغالي
وكم أرضيتَ من قومٍ وقومٍ — خُدودهُم تَسافلُ عن نِعالي
أبيتَ فِصالهم من بعد رِيٍّ — وما أرويتني وترىَ فصالي
بُخِستُ وفُضّلوا حتى كأنيّ — حُبِيتُ بنقصِهم وحُبوا كمالي
على أني أحاولُ بعضَ حَقّي — وأيسر ما أَسدُّ به اختلالي
أراك إن اعتزلتك ذاتَ يومٍ — أبا حسنٍ سيوحشُك اعتزالي
فكيف إن ارتحلتُ إلى بلادٍ — تَباعدُ عنك تصبر لارتحالي
أليس من الشدائد أن تراني — على وُدّي وقد شُدَّتْ رحالي
بل وكفتْك وحشتُنا جميعاً — إذا بكرتْ لطِيَّتها جمالي
ولكنْ قد وثقتَ بصدق وُدّي — وآمَنك اختبارُك من زيالي
ولِمْ لا واعتقادُك في فؤادي — مُساكنُ مهجتي أخرى الليالي
هَويتُك ناشئاً قبَل التلاقي — هوىً حدثاً تكهَّلَ باكتهالي
ولم يكُ للرُّواءِ هواي لكنْ — لمحمودِ الشمائلِ والخصالِ
وكلُّ مودةٍ قبلَ اختيارٍ — فتلك هوى طِباعٍ لا انتحال
رأت ما فيك نفسي رأيَ حدسٍ — فلم يخطئ سَدادي واعتدالي
فلما أن لقيتك واعترفنا — جلا عني ظلامَ الليلِ جالي
وقال الرأيُ لي قولاً فصيحاً — وقعت على الهدى بعد الضلالِ
فكيف أميل بين هوىً ورأي — إلى صُرمٍ وقد شدَّ اعتقالي
لقد حرسا وصالك من ملالي — وصرمي شئت صرمي أو وصالي
فلو بودلتُ بالدنيا جميعاً — علقتُكَ وانحرفتُ عن البِدال
ولا يظلمْك من قبلِ التلاقي — هوىً سبقَ اختياري وانتحالِي
ولا حاباك بعدَ الخُبر رأيٌ — رأى فضل اليمينِ على الشمالِ
وكم أصبحتَ معتلّاً عليه — فجادل عنك أنواعَ الجدالِ
وأيسرُ حجةٍ للرأي مما — تكامل فيك يَعصِفُ باعتلالي
ومثلك يا أبا حسنٍ حقيقٌ — بصَوْني عن فراقك واعتقالي
لشكرِ محبتي قبل التلاقي — وشُكْم مودتي بعدَ التبالي
أعيذك أن يَرى مثلي عدوٌّ — لديك بحال مطَّرَحٍ مُذالِ
فيوسعُ رأيكَ المحمود ذمّاً — ويطعنُ في اختياركَ غيرَ آلي
وهبْ أني عدمتُ الفضلَ طرّاً — سوى علمي بفضلك في الرجالِ
أما في ذاك عندك ما يعفّي — على ما بعد ذلك مِنْ خلالي
كفافي يا أبا حسن يسيرٌ — وشكري ذو المثاقيلِ الثقالِ
وكم شيء له بَذْرٌ يسيرٌ — ورَيْعٌ مثلُ أطواد الجبالِ
أنا السيفُ المجرّدُ في الأعادي — أبا حسن فلا تُغفلْ صقالي
أترضَى أن تقلّدني حساماً — وبي طَبَعٌ وجفني غيرُ حالي
معاذَ اللَّه أن ترضى بهذا — وأنت بحيثُ أنت من المعالي
فجدد لي الصقالَ وحلّ جفنى — يكنْ لك يومَ تُلبسني جمالي
وصنّي يومَ سلمك إنَّ صوني — يسرُّك يوم حربك بابتذالي
ألم تعلم هداك اللَّه أنّي — أبَرُّ على المُناضل والمُغالي
متى حققتُ لم أقعُدْ بحقي — وإن جادلْتُ لم يُخشَ انجدالي
رويدَك إنني كاسيكَ بُرداً — جديداً من قريضٍ غيرِ بالي
تَنافسُه مَسامعُ سامعيه — ويَطوى مُنشديه على اختيالِ
مديحاً إنْ تُثبه يكن مديحاً — من الحُلل المحبَّرة الغوالي
وإن تظلمْه تجعلْه هجاء — أشدَّ على الكريم من النبالِ
وليس بلفظةٍ لي فيك لكنْ — بما للناسِ منْ قيلٍ وقالِ
يرون مدائحاً جُزيتْ بظلم — فألسنُهُم أحدُّ من النصالِ
وكم من ناصر لي لم أُرِدهُ — يماحل ظالمي عني مِحالي
وأعوانُ الضعيف أُولو احتشادٍ — لنصرته وعنه ذو نضال
وكم شعرٍ مدحتُ به ظلوماً — فصار هجاءَه لا بافتعالي
ولو أني أشاء سكتُّ عنه — مجاهرةً ودبّ له اغتيالي
ولكنَّ المحقَّ له نصيرٌ — من الأيام والعُقَب المتالي
وذمُّ الناس مجلوبٌ رخيصٌ — لأيسرِ علَّةٍ والحمدُ غالي
وأهلُ الظرف منصورون قِدْماً — لهم من كل طائفةٍ موالي
فلا تبعثْ عليكَ لسانَ حفلٍ — وحفلٍ بعد حفلٍ واحتفالِ
أقاسي ساهراً إذا لا تقاسي — رياضتي القريضَ ولا ارتجالي
وأركبُ أخمصي إذ لا تُراعي — حَفَايَ كيف كان ولا انتعالي
سأدعو اللَّه مبتهلاً إليه — عليك مع الدعاة على إلالِ
وإن لم يبتهل جهراً لساني — عليك فنيّتي لك بابتهالِ
أما يرعى جلالَ الحقِّ حُرٌّ — وإن حَجدت بَصيرتُه جلالي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخصيب: الخَصيبُ : فا. -: كثير العشب والكلأ؛ ترك قطيعَه في أرض خصيبة. - من الرجال: السمح صاحب الخير؛ كان عزيز النفْس خصيبًا / فلان خصيب الجناب أي خصيب الناحية / رجل خصيب أي كثير الخير / فلان خصيبُ الرَّحْل أي كثير الخير في منزله …
- الرتب: رتب: رَتَبَ الشيءُ يَرْتُبُ رتُوباً، وتَرَتَّبَ: ثَبَتَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ. يُقَالُ: رَتَبَ رُتُوبَ الكَعْبِ أَي انْتَصَبَ انْتِصابَه؛ ورَتَّبَه تَرتِيباً: أَثْبَتَه. وَفِي حَدِيثِ لُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: رَتَبَ رُتُوبَ ال …
- الرحيب: الرَّحِيبُ : المتّسع؛ مكان رحيبٌ/ رحيبُ الباع، أي سَخِيٌّ/ رحيبُ البطن، أي أكولٌ/ الرحيبُ الصّدْر، هو الصبور؛ حَرِيٌّ برئيس القوم أن يكونَ حليماً رحيبَ الصَّدر ج رُحُبٌ مؤ رَحِيبَةٌ ج رَحَائِبُ.
- الزوال: الزَّوَالُ : مصـ.- الاضمِحلال، أو التحوّل والانتقال.-: في القانون، هو انقضاء المدّة القانونية/ زوال اليد، هو عدم التصرّف بالعين الذي كان وضع اليد يجيزه/ زوال الالتزامات، هو انقطاع الصلة القانونية بين الدائن والمدين بمقتض …
- الطوال: الطَّوَالُ : الطُّول؛ قضيت طَوال النَّهارِ في المطالعة. ـ الدَّهْرِ: مدى الدَّهر؛ استمرَّ الإنسان يكتشف ويخترع طوال العصور. ـ: العمر؛ طال طوالُك، أي طال عمرك.
- المنال: [ن ي ل]. 1."بَعِيدُ الْمَنَالِ" : مَا يَصْعُبُ الْحُصُولُ عَلَيْهِ عَكْسُ "سَهْل الْمَنَالِ". 2."لاَ يَنَالُ مِنْهُ مَنَالاً" : لاَ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِ. 3."نَالَهُ أَوْفَرَ مَنَالٍ" : أَعْطَاهُ أَوْفَرَ العَطَاءِ.
- ببال: بأل: البَئِيلُ: الصَّغِيرُ النَّحيفُ الضعيفُ مَثَّلَ الضَّئِيل؛ بَؤُلَ يَبْؤُلُ بَآلَة وبُؤُولَة؛ وَقَالُوا: ضَئِيل بَئِيل، فَذَهَبَ ابْنُ الأَعرابي إِلى أَنه إِتباع، وَهَذَا لَا يَقْوَى لأَنه إِذا وُجِدَ لِلشَّيْءِ مَعْ …