طيور الشِعر
الشاعر: جودت فخرالدين · البحر: المضارع
«طيور الشِعر» من شعر جودت فخرالدين، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر المضارع، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
... إلى ابنتي هدى — _ 1 _
طيورُ الشِعْرِ تأتي، — هائماتٍ نحو قلْبي،
جوُّها ناءٍ، — وقلْبي جوُّها الآتي.
وأجنحةُ المدى دِمَنٌ وأشلاءٌ، — وأصداءُ الأغاني يابساتٌ،
كالدّماءِ على الطلولِ، — أنا هنا صوتُ الفيافي،
فارسُ اللغةِ الشريدةِ، — أَحْتفي بغزالةِ المعنى،
تمرُّ جريحةً فوق القِفارِ، — تظنُّ عندي موْئلاً ...
ترنو إليَّ، — فلا ترى إلّا المخاطرَ والمفاوزَ حولَنا،
أُومي لها، — فتغيبُ في عيْنَيَّ،
تتركُني كشوْقٍ مُهْمَلٍ، — لكنّهُ يَثِبُ الزمانَ،
كأنّهُ صحْوُ الزمانِ إذا خَبَتْ حوْلي — عيونُ الكائناتِ،
ولفَّها ليْلٌ كليْلِ الموتِ، — تتركُني وحيداً في ظلام ٍ
تنْفرُ الأسرارُ منه خائفاتٍ، — والأماني مُطْفآتٍ،
كيف لا أرْثي لها، — لغزالةِ الأوهام ِتلْفظُها الصحارى ؟
كيف لا أعْلو بنفْسي — حين تأتيني طيورُ الشِعرِ ؟
أَعجبُ كيف تأتيني، — وتهْوي جانحاتٍ نحو قلْبي !
ليس من أُفُقٍ ... — هي الآفاقُ أضْرِحةٌ وغرْبانٌ،
وأجنحةُ المدى دِمَنٌ وأشلاءٌ، — وما زالتْ طيورُ الشعرِ تأتيني.
أأرْثي كلَّ ما حوْلي، — وأَصْعدُ، واثقاً أمْ حائراً نحْوي ؟
_ 2 _ — مضى زمنٌ،
ونحن نُقيمُ في هذي الديارِ، ديارِنا، — وهْي التي قد فارقتْنا.
ربّما فقدَتْ بنا أهْلاً — أقاموها على أشواقِهمْ،
وعلى جموحٍ أو جنوحٍ في الحصى، — في الرّملِ، في الأشجارِ، في الأنهارِ،
في الطُرُقِ العَصِيّةِ، — في النهارِ وفي الدُّجى.
لا فرْقَ ما بين الإقامةِ والرحيلِ، — إذا الديارُ هي الديارُ ...
إلى متى نبْقى ؟ فلا نمضي ولا نبْقى ! — مضى زمنٌ ونحن نعودُ من طللٍ إلى طللٍ،
ونَفْقدُ كلَّ معنىً للرحيلِ، — وكلَّ معنىً للإقامةِ،
والديارُ، ديارُنا، ألْقَتْ أحبّتَنا بلا أملٍ، — وألْقَتْنا وولّتْ.
ربّما عادتْ لتلْقانا وتلْقاهُمْ، — هنالك في قصائدِنا القديمةِ،
ربّما ذهبتْ لتَبْحَثَ عن تباريحٍ أُذيبَتْ — فوق رمْلٍ للتلهُّفِ في حِماها.
ربّما ذهبتْ لتَبْحَثَ عن خيولٍ — وقَّعتْ أسماءَ فرسانٍ لها فوق الثرى
في كلّ يوم ٍأشْرقَتْ فيه نواحيها ... — ديارٌ فارقتْنا،
لم نزَلْ فيها، — ولكنْ فارقتْنا.
ربّما ضاقتْ بنا، — فغدَتْ سجوناً بعدما كانت فضاءً.
ربّما ملّتْ رواياتٍ نلفِّقُها، — ونتْلوها قروناً.
ربّما انتظرتْ طويلاً كي نجدِّدَها — لرحْلتِنا الجديدةِ،
فاسْتَخَفَّ بها انتظارٌ خائبٌ ... — لم يبْقَ إلّا أنْ تُفارقَنا.
مضى زمنٌ طويلٌ، — والديارُ، ديارُنا، قد فارقتْنا.
ثم أبْقَتْنا ظلالاً، — في ظلالٍ خلّفتْها خلْفَها.
رُحْنا نُسمّيها بلاداً. — والبلادُ، كما تقولُ لنا المعاجمُ،
قد تكونُ بأهْلِها (مثلَ الديارِ) — وقد تكونُ بدونهمْ.
قد لا تكونُ سوى ترابٍ. — والبلادُ، بلادُنا، باتتْ بنا قَفْراً.
يَزيدُ عديدُنا، — فإذا بها تغْدو قِفاراً.
كيف لا أرْثي إذاً لغزالةِ المعنى ؟ — غدَتْ لفْظاً كسيحاً.
والمعاني كلُّها دخلَتْ سراديبَ المعاجم ِ، — ثم لم تخرجْ ...
تظَلُّ لها سوانحُ للتنزُّه ِ، — في قصائدنا القديمةِ، والجديدةِ،
فالمعاني كلُّها هي بعضُها دوْماً، — لأنّ الشِعرَ يَنتهِكُ المعاجمَ،
يَسْتَفِزُّ لآلئَ اللغةِ التي احتَجبتْ. — لأنّ الشعرَ لا يأوي إلى وكْرٍ،
يطيرُ، — لتهْنأَ اللغةُ التي تذْروهُ، في أوكارِها.
من أين تأتيني طيورُ الشِعرِ ؟ — من أيّ الأقاصي ؟
ربّما كانت بوارحَ، — لا يهمُّ،
فلا يجيءُ الشعرُ إلّا بالسوانحِ، — كلُّ طيْرٍ من طيورِ الشعرِ يأتي سانحاً،
لا بارحاً، — ويطيرُ مشْتمِلاً جهاتِ الأرضِ،
مشْتمِلاً رياحَ الأرضِ، — مشْتمِلاً فضاءً تسْتحيلُ الأرضُ فيه قشّةً.
ماذا أقولُ إذاً لأطلالٍ نُسمّيها بلاداً ؟ — كيف أَبْكيها ؟
أأبْكيها وما زالتْ طيورُ الشعرِ تأتيني ؟ — وكيف إذا استجارتْ بي جراحاتُ الصدى،
وغزالةُ المعنى ؟ — وماذا لو دعوْتُ إلى القصيدةِ ما فقدْتُ من الديارِ ؟
أتسْترِدُّ الدارُ ما فقدَتْهُ فينا ؟ — حبّذا لو كانت الأوطانُ تسْكُنُ كالمعاني في القصائدِ،
حبّذا لو كانت الأوطانُ تَرْحَلُ كالمعاني في القصائدِ، — حبّذا لو كانت الأوطانُ، مثلَ غزالةِ المعنى،
بلا وطنٍ، — فتَنْفرُ، ثم تَشْردُ،
ثم تبتكِرُ التِفاتتَها، — لتبْذلَ سِحْرَ عيْنيْها على ما حوْلها.
... يا ليتَ أيّامي تُبدِّدُها طيورُ الشعرِ، — تجْعلُها رذاذاً تسْتفيقُ بهِ الطلولُ،
وتسْتجيرُ بهِ البلادُ، — وتسْتضيءُ بهِ الديارُ،
وليْتني أغْفو، — فتوقِظَني طيورٌ سانحاتٌ،
جانحاتٌ نحو قلْبي. — ليْتني أسْلو،
فتُطْلِقَني طيورُ الشعرِ خَلْفَ غزالةِ المعنى. — لعلّي أسْتعيدُ لكلِّ وجهٍ من وجوهِ القَفْرِ ظِلّاً،
أو لعلّي أسْترِدُّ صدىً لصوْتي في القِفارْ. — فلقد تَرامى الموْتُ،
لا ليلٌ يمرُّ على الدروبِ ولا نهارْ. — ( تشرين الأول 2015 )
البحر والقافية
القصيدة على بحر المضارع. بحر نادر جدًّا في الشعر، سُمّي مضارعًا لمضارعته (مشابهته) للخفيف.
تفعيلاته: مفاعيلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- القفار: القَفَارُ : القَفْرُ، أي الخلاءُ من الأَرضِ، لا ماء فيه ولا كلأ ولا ناس؛ ضلّوا الطريقَ ووصلوا إلى مكان قفار.- من الخبز: غير المأدوم؛ اكتفى الفقير بأكل القفار من الخبز.
- المخاطر: المَخَاطِرُ : [بصيغة الجمع] الأخطار لا واحدَ لها؛ هُو راكبُ مَخاطِر ومقتحِمُ أهْوالٍ.
- حولنا: حول: الحَوْل: سَنَةٌ بأَسْرِها، والجمع أَحْوالٌ وحُوُولٌ وحُؤُولٌ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ. وحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَوْلًا وحُؤُولًا: أَتَى. وأَحَالَ الشيءُ واحْتَالَ: أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ كَامِلٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: أَوْرَ …
- دمن: دمن: دِمْنةُ الدَّارِ: أَثَرُها. والدِّمْنة: آثارُ النَّاسِ وَمَا سَوَّدوا، وَقِيلَ: مَا سَوَّدوا مِنْ آثَارِ البَعَر وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ دِمَن، عَلَى بَابِهِ، ودِمْنٌ، الأَخيرة كسِدْرة وسِدْر. والدِّمْن: البَعَر. ود …