حديقة الستّين

الشاعر: جودت فخرالدين · البحر: المتقارب

«حديقة الستّين» من شعر جودت فخرالدين، وتقع في 99 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

1 _ نجاة : — كأنّي نجوْتُ ...

غداً، حين تقعُدُ بي ركبتايَ، — سأضحَكُ من ألَم ٍفيهما،

وأقولُ: نجوْتُ بنفسي، — قطَعتُ إلى جلستي هذه حاجزَ الناسِ ...

ستّون عاماً ... — فكيف وصلْتُ ؟

وماذا سأختارُ بعدُ ؟ — سِرْتُ كثيراً هنالك في الناسِ،

كانوا غبارَ المسيرةِ منّي إليَّ، — فشَقَّ عليَّ اجتيازُ المسافةِ،

كانوا الهدى والضلالةَ، — كانوا العداوةَ والحُبَّ،

كانوا الصداقةَ والحقْدَ، — كانوا الغبارَ الغبارْ.

سوف أنجو إذاً، — سوف أنْجو إلى قبَسٍ لاحَ لي من وراء الستارْ.

قبَسٍ خائفٍ يتلألأ كالنجْم ِفي العاصفهْ. — قبَسٍ يسْتجيرُ بأياميَ الخائفهْ.

2 _ سماءٌ وأشجار : — أشجارٌ لا تدري كيف تقاومُ:

أشجارٌ تنمو، — أشجارٌ تذبلُ،

أشجارٌ تشمخُ، — أشجارٌ يمحوها الظلُّ أو الضوْءُ،

وبين الأشجار هواءٌ يتلوّى مرتبكاً، — لا يدري كيف تموتُ الأشجارُ،

ولا كيف تعيشُ ... — وفوق الأشجار سماءٌ نظْرتُها واسعةٌ،

لا تهْتزُّ ولا تُخْطِئُ ... — ما بالُ سماءٍ لا تنفكُّ تُحَدِّقُ ؟

لا تنفكُّ تُحَدِّقُ حارسةً موتَ الأشجارْ. — 3 _ بُرْهة :

كم بُرْهةٍ سقَطتْ من الأيّام ِ، — وهْي تمرُّ غافلةً،

فكنتُ بها كطيْرٍ خارجَ الأيّام ِ، — تلك إذاً هي البُقَعُ التي ائْتلَقتْ،

كمجموعاتِ ضوْءٍ، — بعثرتْها الشمسُ بين ظلالِ يوم ٍغائم ٍ...

بُقَعٌ تفرُّ من الزمانِ، — تطيرُ بي، لأرى المكانَ مُعانِقاً

سِحْرَ الشموسِ وقد غدَتْ موْجاً. — تُرى كم بُرْهةٍ سقطتْ من الأيّام ِ،

كي أحْيا كثيراً. — هكذا في بُرْهةٍ أحْيا كثيراً،

بُرْهةٍ في خارجِ الأيّام ِ، — ماذا ؟

كيف أحْيا ؟ كيف لا أحْيا ؟ — وكم من بُرْهةً ... !

4 _ سُور : — سورٌ لها،

لحديقةِ العُمْرِ التي انكمشَتْ كبستانِ الخريفْ. — سورٌ لها يعلو مع الأيّام ِ،

وهْي تضيقُ فيهِ مثلَ يوم ٍفي الشتاءْ. — سورٌ لها يعلو، فينخفِضُ الفضاءْ.

ينمو على الجدران عشْبٌ طارئٌ، — وهناك في ظلّ الزوايا يقبَعُ العُشْبُ الأليفْ...

سورٌ لها، — لحديقةِ العُمْرِ التي انكشفتْ،

كأغصانٍ تعرَّتْ في ضبابٍ عابرٍ. — سورٌ من الأرَقِ الذي يلْتفُّها.

باتتْ تنوءُ بنوْمِها وبصحْوِها. — سورٌ ويعلو كلَّ يوم ٍ،

وهْي لا تدري أليْلٌ أم نهارْ ؟ — سورٌ ويعلو،

وهْي لا تدري أحضْنٌ أم حصارْ ؟! — 5 _ قبْرُ أبي :

يا قبْرَ أبي، — لم تُثْبِتْ _ بعدَ ثلاثةِ أعوام ٍ_ أنّي غِبْتُ،

ولا أنّ أبي ينأى. — ها أنتَ،

أزورُكَ لا كي أتذكَّرَ، — بل لأرى نفْسيَ في أُفُقٍ أعْلى.

أنتَ إذاً يا قبْرَ أبي لا تشْهَدُ، بل تصْعَدُ ... — بعدَ ثلاثةِ أعوام ٍ،

أصبحْنا نتقابلُ أكثرَ من ذي قبلُ، أنا وأبي، — أصبحْنا أكثرَ معرفةً، واحِدُنا بالآخَرِ،

كنّا من قبلُ صديقيْنِ فأصبحْنا أكثرَ، — أصبحْنا نتحادثُ في سعةٍ،

نُفْضي ما شئنا، واحدُنا للآخَرِ، — كنّا نتواعدُ، أصبحْنا نتلازمُ،

كنّا نتشاكى، أصبحْنا نتكاملُ، — كنّا نذهبُ في الناسِ ونسْخطُ، أصبحْنا نُشْفِقُ ...

ما زال الواحِدُ منّا يجتلِبُ الآخَرَ، — لن تشْهَدَ يا قبْرَ أبي،

أنّ الواحدَ منّا يحْضرُ دون الآخَرِ، — لن تشْهَدَ يا قبْرَ أبي،

بل إنّكَ تصْعَدُ بي، — تصْعَدُ بي،

تصْعَدُ بي... — 6 _ باحةُ العيد :

في باحةِ العيدِ الحزينْ. — لم يبْقَ إلّا طائرٌ، أو طائرانْ.

لم يبْقَ عيدٌ للطيورِ، — تقطَّعَتْ أسبابُ أعيادٍ تجلَّتْ في فضاءٍ غابرٍ،

وثَوَتْ عميقاً تحت أنقاضِ السنينْ. — لم يبْقَ إلّا باحةٌ منهوبةٌ،

يلْهو بها ورقٌ تطيرُ بهِ الرياحُ، — ويرتعي فيها الزمانْ.

لم يبْقَ إلّا طائرٌ أو طائرانْ. — 7 _ مقعدُ الشمس :

تعرفُ الشمسُ مقعدَها في الحديقةِ، — تجلسُ بين الظلال كظِلٍّ خجولٍ،

تُوزّعُ بين الظلال خيوطاً لحيْرتها، — تتهيّأ لي كي أفيءَ إليها،

تُحرِّكُ في داخلي نسَماتٍ تغورُ عميقاً ... — هي الشمسُ تعرفُ مقعدَها،

وأنا _ حين تجلسُ _ أعرفُها، — أسْتجيرُ بها.

هي شمسي التي تتفقّدُني كلَّ يوم ٍ، — تجيءُ كأُخْتٍ،

وليس كشمسٍ غريبهْ. — تجيءُ وتجلسُ بين الظلالِ،

كظلّ ٍخجول ٍ، — وتُجلِسُني قرْبَها،

ثم حين يَحينُ الرحيلُ تعانقُني، — وتغادرُ في خِفّةٍ،

فأظَلُّ وحيداً بمقعدِها، — ليس حولي سوى شَفَقٍ باردٍ،

وهموم ٍرطيبهْ. — 8 _ صورةُ الصوْت :

أسمعُ الصوتَ الذي ينْسابُ منّي، — غيْرُهُ، أصبحْتُ لا أسمعُهُ.

سمْعي، وإنْ خفَّ قليلاً، — صار كالمصْفاةِ،

يدري كيف يسْتقبلُ أو يحْجبُ، — يدري كيف يحْمي نفسَهُ في غابةِ الأصواتِ،

يدْعوني إلى الإصغاءِ، — أو يُبْعِدُني عن كلّ صوْتٍ لا أرى صورتَهُ،

في قاعِ نفسي. — صورةُ الصوْتِ إذاً ...

هل بات سمْعي حارساً لي ؟ — إنّها الأصواتُ تأتيني،

فلا يرْضى من الأصواتِ إلّا بالذي أرْضى بهِ. — لا بأسَ إنْ خفَّ قليلاً.

بات أَنْقى، — بات يحْمي نفْسَهُ في غابةِ الأصواتِ،

يحْميني إذاً، يحْمي شُرودي. — بات سمْعي حارساً،

يجعلُني أسمعُ ما ينْسابُ منّي : — من لساني، أو فؤادي، أو شُرودي.

9 _ بيْت : — ... وقلْبُ الحديقةِ بيْتٌ،

أَقمْناهُ في أُفُقٍ للرحيلِ، — أَقمْناهُ في باحةِ العصْفِ والخوفِ،

والقَلَقِ المتمادي عقوداً وراءَ عقودٍ ... — حروبٌ تمرُّ،

حروبٌ تُقيمُ، — حروبٌ تَلوحُ،

وقلْبُ الحديقةِ ما زالَ يَنبضُ، — قلْبُ الحديقةِ بيْتٌ،

أَقمْناهُ حتى تكونَ الإقامةُ مهْداً لنا دائماً، — أو تكونَ خطوطاً لنخْطُوَ نحو نهاياتِنا،

أو تكونَ خيوطاً من الضوْءِ، — كي لا تُبدِّدُنا ظُلُماتُ المتاهةِ ...

بيْتٌ أَقمْناهُ حتى نُقيمَ، — فلم نسْتطِعْ، وهْو لم يسْتطِعْ،

وأَقمْنا معاً في المتاهةِ ... — لكنّهُ هو قلْبُ الحديقةِ،

والشجَراتُ القريبةُ منهُ تَرى — وتَميلُ وتَسْمعُ أكثرَ من غيْرِها.

تتهالكُ من حوْلهِ، — كالشِّغافِ الذي أنهكَتْهُ الصواعقُ،

بيْتٌ لنا لا يغادرُنا إذْ نغادرُهُ، — ساكنٌ أبداً حيث نذهبُ،

حيث ننامُ ونصْحو. — إذاً، هو بيْتٌ لرحْلتِنا.

هو قلْبُ حديقتِنا وهْي تسْمو وتمْتدُّ، — تمحو الجهاتِ وتمحو الحدودَ،

وتعلو وتعلو بِنا. — هو بيْتٌ على تلّةٍ تُشْرِقُ الشمسُ منها،

وتَغْربُ فيها. — ينامُ عليها الشتاءُ ويسْتيقظُ الصيْفُ،

تدْنو السهولُ إلى سَفْحِها، — ثم ترجعُ ضيِّقةً،

تتعرَّجُ نحو الجبالِ البعيدةِ، — ترسمُ أوديةً وهضاباً لها فِتْنةُ الموْجِ والغيْم ِ...

بيْتٌ لنا لا يُخَبّئُ أسرارَنا، — بل يُنقّي الهواءَ بها، حين يُطْلِقُها،

كي تُشَكِّلَ في كلّ يوم ٍفضاءً جديداً. — ولكنّهُ يتعهَّدُ بالشعرِ أسرارَنا،

فيُهَدْهِدُها في أسِرَّةِ أحلامِنا... — هو قلْبُ الحديقةِ،

بيْتٌ أردْتُ لهُ أنْ يُحَصِّنَ من وحْدتي، — فانتَبذْتُ بهِ تلّةً للغيوم ِالشريدةِ،

آوَيْتُها، — كلُّ واحدةٍ قد جعلْتُ لها حُجْرةً،

فتناثرْتُ في وحْدتي، — إذْ غدَتْ كالسماءِ الصغيرةِ في حصْنِها...

هو قلْبُ الحديقةِ، — بيْتُ الرؤى والغيوم ِالشريدةِ،

بيْتٌ أقمْناهُ في أُفُقٍ للرحيلْ. — فاسْتَقَرَّتْ لهُ شُرْفةٌ في أعالي الذهولْ.

شُرْفةٌ لا يُبدِّدُها العصْفُ، — تبْقى على عهْدِها،

... وتَشيخُ الفصولْ. — ( 2013 _ 2014 )

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • اجتياز: [ج و ز]. (مصدر اِجْتَازَ). 1."اِجْتِيَازُ الْمَسَالِكِ": سَلُوكُهَا، قَطْعُهَا. 2."اِجْتِيَازُ الاِمْتِحَانِ" : التَّقَدُّمُ إِلَى الاِمْتِحَانِ وَالاخْتِبَارُ فِيهِ. 3."اِجْتِيَازُ اَلسَّفِينَةِ لِلْمَضِيقِ" : عُبورُهَا …
  • تقعد: تَقَعّـدَ يَتَقَعَّدُ تقَعُّداً :- ــه عن الأمر: عاقه عنه وحبسه؛ تقعّده المرضُ عن التفوّق على أقرانه.- ـــه: قام بأمره؛ تقعّد أمور النادي.- عن الأمر: أهمله ولم يهتمّ به، أي تقاعد عنه؛ تقعدَّ عن متابعة بحوثه.
  • حاجز: الحَاجِزُ : فا.-: الفاصل بين شيئيْن. -: الذي يمنع بعض الناس من بعض ويفصل بينهم بالحق / سباق الحواجز / الحاجز الكهربائي.
  • ستون: السِّتُونَ :[ يستوي فيه المذكّر والمؤئث] سِتُّ عشرات من العَدَد، يُرفع بالواو ويُنصَب ويجر بالياء فَمَنْ لمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مسْكِيناً.
  • فشق: فشق: الفَشَقُ، بِالتَّحْرِيكِ وَالشِّينِ مُعْجَمَةً: النَّشَاطُ، وَقِيلَ الفَشَقُ انْتِشَارُ النفْس مِنَ الحِرْص؛ قَالَ رُؤْبَةُ يَذْكُرُ الْقَانِصَ: فَبَاتَ والحِرْص مِنَ النَّفْسِ الفَشَقْ وَيُرْوَى: والنَّفْسُ مِنَ ال …

قصائد ذات صلة

  • داءٌ هو المعنى
  • شُرود
  • لم أُخاطب سوى الليلِ في حضرَمَوت
  • ربّما نتذكَّرُ يوماً
  • عُشْب
  • لم تدَعني السماءُ وشأني
  • عبث
  • قصيدةٌ إلى اليمن