شموخ الصابرين
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
لحقَ الشيخُ بركبِ الصالحينفلماذا يا جراحي تنزفين؟
ولماذا يا فؤادي تشتكيولماذا يا دموعي تَذرفين؟
رحل الشيخ عن الدنيا التيكلُّ ما فيها سوى الذِّكر لَعين
فارقَ الدنيا، وما الدنيا سوىخيمةٍ مَنصوبةٍ للعابرين
فارقَ الدنيا التي تَفَنَى إلىمنزلٍ رَحبٍ وجناتٍ، وَعِين
ذاكَ ما نرجو، وهذا ظنُّنابالذي يغفر للمستغفرين
رحل الشيخُ على مِثلِ الضُّحَىمن صلاحٍ وثباتٍ ويقين
فلماذا أيُّها القلبُ أرىهذه اللَّوعَةَ تسري في الوَتين؟
ولماذا يا حروفَ الشعر عنسرِّ آلام فؤادي تكشفين
أتركي الحسرةَ في موقعهاتتغذَّى من أسى قلبي الحزين
وارحلي بي رحلةً مُوغلةفي حياةِ العُلماءِ الأكرمين
واسلُكي بي ذلكَ الدَّربَ الذيظِلُّه يحمي وجوهَ السالكين
يا حروفَ الشعر لا تَصطحبيلغةَ الشعر الى جُرحي الدَّفين
ربماأحرقها الجرحُ، فماصار للشعر فَمٌ يَروي الحنين
واتركي لوعةَ قلبي، إنَّهاتارةً تقسو، وتاراتٍ تَلين
وادخلي بي واحةَ العلم التيفُتحت أبوابُها للوافدين
عندها سوف نرى النَّبعَ الذيلم يزل يَشفي غَليلَ الظامئين
شيخُنا ما كانَ إلاَّ عَلَماًيتسامى بخشوع العابدين
عالمُ السنَّةِ والفقهِ الذيهزَمَ اللهُ به المبتدعين
لا نزكّيه، ولكنَّا نرىصُوراً تُلحِقُه بالصادقين
في خيوط الشمس ما يُغني، وإنأنكرتها نظراتُ الغافلين
راحلٌ ما غاب إلا جسمُهولنا من علمه كنزٌ ثمين
ما لقيناه على دَربِ الهوىبل على دَربِ الهُداةِ المهتدين
لكأني أُبصر الدنيا التيبذلت إغراءَها للناظرين
أقبلت تَعرض من فتنتهاصوراً تَسبي عقول الغافلين
رقصَت من حوله، لكنَّهالم تجد إلا سُموَّ الزَّاهدين
أرسل الشيخُ إليها نَظرةًمن عُزوف الراكعين الساجدين
فمضت خائبةً خاسرةًتتحاشى نظراتِ الشَّامتين
أخرجَ الدنيا من القلبِ، وفيكفِّه منها بلاغُ الراحلين
لم يكن في عُزلةٍ عنها، ولميُغلقِ البابَ عن المسترشدين
غيرَ أنَّ القلبَ لم يُشغَل بهاكان مشغولاً بربِّ العالمين
أوَ ما أعرض عنها قَبلَهسيِّدُ الخلقِ، إمامُ المرسلين
أيُّها الشيخُ، لقد علَّمتناكيف نرعى حُرمَةَ المستضعفين
كيف نَستَشعِرُ من أمَّتناصرخة الثَّكلَى ودَمعَ الَّلاجئين
كيف نبني هِمَّةَ الجيل علىمنهج التقوى، ووعي الراشدين
كنتَ يا شيخ على علمٍ بمانالنا من غَفلةِ المنهزمين
قومُنا ساروا على درب الرَّدَىفغدوا ألعوبةَ المستعمرين
شرَّقوا حيناً وحيناً غرَّبواواستُبيحت أرضهم للغاصبين
هجروا الصَّالحَ من أفكارهمفتلقَّتهم يدُ المستشرقين
وارتموا في حضن أرباب الهوىمن ذيول الغاصب المستعربين
ضيَّعوا الأقصى وظنُّوا أنَّهمسوف يحظون بِسِلمِ المعتدين
فإذا بالفارس الطفل علىهامة المجد ينادي الواهمين
صاغها ملحمةً قُدسيَّةًذكَّرتنا بشموخ الفاتحين
قالها الطفلُ، وقُلنا معهإنَّ بيعَ القدس بَيعُ الخاسرين
أيُّها الشيخُ الذي أهدى لناصُوَراً بيضاءَ من علمٍ ودين
لم تكن تغفل عن أمَّتناوضلالاتِ بَنيها العابثين
كنتَ تدعوها إلى درب الهُدَىوتناديها نداءَ المصلحين
قلتَ للأمةِ، والبؤسُ علىوجهها الباكي غبارٌ للأنين
إنما تغسل هذا البوسَ عنوجهكِ الباكي، دموع التائبين
أيها الشيخُ الذي ودَّعَناعاليَ الهمَّةِ وضَّاح الجبين
نحن نلقاك وإن فارقتَنافي علومٍ بقيت للرَّاغبين
أنتَ كالشمسِ إذا ما غَربَتأهدتِ البَدرَ ضياءَ المُدلجين
أنتَ ما ودَّعتَنا إلاَّ إلىحيث تُؤويكَ قلوبُ المسلمين
إن بكيناكَ فإنّا لم نزلبقضاء الله فينا مُوقنين
في وفاةِ المصطفى سَلوَى لناوعزاءٌ عن وفاةِ الصالحين
ذلك الرُّزءُ الذي اهتزَّ لهعُمَرُ الفاروقُ ذو العقل الرزين
ماتَ خيرُ الناس، هذا خَبَرٌترك الناسَ حيارى تائهين
طاشت الألبابُ حتى سمعواما تلا الصدِّيقُ من قولٍ مُبين
لا يعزِّينا عن الأحبابِ فيشدَّةِ الهول سوى مَوتِ الأمين
إنها الرُّوح التي تسمو بناويظلُّ الجسم من ماءٍ وطين
يحزن القلب ولكنَّا علىحُزنه نَبني شموخ الصابرين
كلُّنا نفنَى ويبقى ربُّناخالق الكون ملاذُ الخائفين
عن القصيدة
«شموخ الصابرين» من شعر عبدالرحمن العشماوي، من العصر الحديث، وتقع في ٦٢ بيتًا. ورويّها حرف النون، وغرضها الرثاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.