جائعٌ يأكل أسنانَه
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: المتدارك
«جائعٌ يأكل أسنانَه» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 43 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
كانَ ما كانَ مِنِّي ... وما لم يكنْ لن يكونْ!
فيا شجرَ العُمْرِ ... مات الربيعُ الأخيرُ
فلا تنتظرْ من طيور الهواجرِ ... شدوًا يُطيلُ الغصونْ
أنا وَهَجُ الكائناتِ الخفيُّ ... وأَوَّلُ مَنْ عشقوا الأرضَ أو ضيَّعوها..
هِيَ الأرضُ ... لؤلؤةٌ في بحار الخليقةِ زرقاءُ
ضَيَّعَها العاشقونْ! ... لم أزلْ طازجاً
منذ أولى الرغائبِ في الحَمَأِ الفجِّ ... تسكنُني رغبةٌ لاكتشافي..
أُقَلِّمُ أسئلةَ الشكِّ ... قبل تَصَلُّبِ أظفارِها في دمائي..
كأنِّيَ في مشهدِ البدءِ وحشيَّةٌ رَوَّضَتْهاَ الفنونْ ... لقد كنتُ أحملُ جرحي
إلى عيدِ ميلادِهِ (الألفِ) ... حين تعثَّرتُ في سلَّةٍ من حكايا الصغارِ..
تساقطتُ أوْ قُلْ تساقطَ بعضي.. ... غدي فرَّ من ساعتي
هارباً من تقاويمِها الصُّمِّ ... حيث التقاويمُ بعضُ السجونْ
يدي ... شقَّ فيها الزمانُ ممرًّا لهُ باتِّجاه الخلاصِ..
ووجهي ... سريرُ الكوابيس أوْ شرشفٌ من غُضونْ
أنا موعدٌ أَكَلَتْهُ السُّنونْ ... يواعدُني الموجُ لكنَّهُ لا يجيءُ..
برئتُ إلى البحرِ من كلِّ موجٍ يخونْ! ... أنا واحدٌ شَطَرَتهُ الشعاراتُ:
نصفي جنونٌ ونصفي جنونْ! ... تأرجحتُ في حبلِ اِسمَيْهِماَ
دونَ اِسْمٍ ... أحاولُ أن أستقرَّ على ضِفَّةٍ تنتمي لي
وما زلتُ أرجوحةَ الضِّفَّتينِ.. ... أُصيخُ إلى رئةِ النهرِ في الشهقاتِ الأخيرةِ..
واخَجْلَتاهُ!! ... سأعترفُ الآنَ
أنِّيَ من جَفَّفَ النهرَ غدراً بأسماكِهِ ... غيرَ أنِّي ظمئتُ.. ظمئتُ..
وأدركتُ كم هِيَ مسكينةٌ قطرةُ الماءِ ... حين تُشَرَّدُ من نهرِها في مهبِّ الضياعِ
وأنِّيَ أحقرُ من صارمٍ ... خان ميثاقَهُ في احتدام الصراعِ..
أنا الآنَ لا توأمٌ ليَ غير الخطيئةِ ... تقطفُ كفَّارةً من ثميراتِ حزني
وحزنيَ أشبهُ منِّي بِنفسي ... ونفسيَ
قُبَّرَةٌ من شجونْ ... ونفسيَ
دمعٌ تَنَكَّبَ دربَ الجفونْ ... ألاَ عالمٌ بالتفاسيرِ يقرأُ رؤيايَ:
إنِّي أرانيَ أعدو على الحِبرِ.. ... أهمزُهُ بالبياضِ
ولكنَّ حِبري حرونْ! ... ويحدثُ أنْ أغتدي راعيًا
في مروجِ التَّوَسُّلِ ... أرعى قطيعَ الظنون!
يُعَلِّمُني الشعرُ ... كيف أشمُّ الزهورَ بأسمائِها
وأقودُ الخيولَ بإيماءةٍ للوراءِ ... تُنَبِّهُ فرسانَها من سباتِ القرونْ
يُعَلِّمُني الشعرُ ... والشعرُ وحيُ السماءِ..
ألمْ تقرأوا قولَهُ في الرجاءِ: ... ألاَ إنَّ من شاءَ صونَ الحجابِ
وحَجَّبَ نافذةً بالستائرِ ... فالنارُ مثواهُ يا أيُّها اليائسونْ!
يُعَلِّمُني الشعرُ ... لكنَّني جائعٌ لرغيفِ الكلامِ..
فمي ... يأكلُ الآنَ آخرَ أسنانِهِ
غارقاً في خضمِّ السكونْ ... وثَمَّةَ طوفانُ صمتٍ يفورُ
وقد بلغ الماءُ حنجرتي.. ... أينَ (نوحُ) الحوارِ:
أنا ابنكَ يا (نوحُ) ... لا جبلٌ يعصمُ الآنَ
من موجةِ الخَرَسِ المستبدِّ ... وقد جاوزَ الماءُ حنجرتي..
آهِ ما عاد في الفمِ مُتَّسَعٌ للحوارِ ... فهل ثَمَّ مُتَّسَعٌ في العيونْ؟!
*** ... ذو القعدة 1418هـــــ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.
تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- الخفي: (خَفِيَ) الْخَاءُ وَالْفَاءُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ مُتَضَادَّانِ. فَالْأَوَّلُ السَّتْرُ، وَالثَّانِي الْإِظْهَارُ. فَالْأَوَّلُ خَفِيَ الشَّيْءُ يَخْفَى ؛ وَأَخْفَيْتُهُ، وَهُوَ فِي خِفْيَةٍ وَخَفَاءٍ، إِذ … (مقاييس اللغة)
- العاشقون: عشق: العِشْقُ: فَرْطُ الْحُبِّ، وَقِيلَ: هُوَ عُجْب الْمُحِبِّ بِالْمَحْبُوبِ يَكُونُ فِي عَفاف الحُبّ ودَعارته؛ عَشِقَه يَعْشَقُه عِشْقاً وعَشَقاً وتَعَشَّقَهُ، وَقِيلَ: التَّعَشُّقُ، تَكَلُّفُ العِشْقِ، وَقِيلَ: العِشْ … (لسان العرب)
- الفج: (فَجَّ) الْفَاءُ وَالْجِيمُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى تَفَتُّحٍ وَانْفِرَاجٍ. مِنْ ذَلِكَ الْفَجُّ: الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ. وَيُقَالُ: قَوْسٌ فَجَّاءُ، إِذَا بَانَ وَتَرُهَا عَنْ كَبِدِهَا. وَالْفَجَجُ أَقْبَحُ مِنَ ال … (مقاييس اللغة)
- تصلب: صلب: الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْب، وَالْجَمْعُ: أَصْلُب وأَصْلاب وصِلَبَةٌ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَما تَرَيْني، اليَوْمَ، شَيْخاً أَشْيَبَا، ... إِذا نَهَضْتُ أَتَشَكَّى الأَصْلُبا جَمَعَ لأَ … (لسان العرب)