قصّة من الماضي

الشاعر: عبدالله البردوني · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل

«قصّة من الماضي» من شعر عبدالله البردوني، من العصر الحديث، وتقع في 84 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف القاف، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

خذها فديتك يا شقيقي — ذكرى أرقّ من الرحيق

و ألذّ من نجوى الهوى — بين العشيقة و العشيق

خذها أرقّ من السنى — في خضرة الروض الوريق

واذكر تهادينا على — كوخ الطفوله و الطريق

و أنا و أنت كموثقين ؛ — نحنّ في القيد الوثيق

نمشي كحيرة زورق — في غضّبة اللّج العميق

و نساجل الغربان في الوديان أصوات النعيق — و إذا ذكرت لي الطعام

؛ أكلت أنفاسي وريقي — ***

أيّام كنّا نسرق الرمان — في الوادي السحيق

و نعود من خلف الطريق — و ليلنا أحنى رفيق !

و نخاف وسوسة الرياح ؛ — و خضرة الطّيف الرشيق

حتّى نوافي بيتنا ... — و الأهل في أشقى مضيق

فيصيح عمّي والشراسة ؛ في محيّاه الصفيق — و هناك جدّتنا تناغينا

مناغاة الشفيق — تهوي الحياة و عمرها

أوهى من الخيط الدقيق — و أبي و أمّي حولنا

بين التنهّد و الشهيق — يتشاكيان من الطوى

شكوى الغريق إلى الغريق — شكواهما صمت كما

يشكو الذّبال من الحريق — و يحدّقان إلى السكون ؛ ورعشة الكوخ العتيق

و اللّيل ينصت للضفادع ؛ و هي تهذي بالنقيق — و الشهب تلمع كالكؤوس ؛ على شفاه من عميق

*** — وجوارنا قوم لهم

إشراقة العيش الطليق — من كلّ غرّ يمز

بين الأغاني و النهيق — و تظنّه رجلا و خلف ثيابه وحش حقيقي

و تراه يزعم شخصـ — ين جوهر المسك الفتيق

يتحادثون عن النقود ؛ — حديث تجار الرقيق

يتخيّرون ملابسا — تصبي و تغري بالبريق

حتّى تراهم صورة — للزور و الجهل الأنيق

و نماذجا برّاقه — لأناقة الخزي العريق

*** — يمشون في نسيج الحرير ؛ فهم رجال من حرير

و كأنّهم مهن خلق نسّاج ؛ و خيّاط قدير — لولا خدّاع ثيابهم

كسدوا بأسواق الحمير — فقراء من خلق الرجال ؛

و يسخرون من الفقير — و يسائلون مع الرجال ؛

عن المشاكل و المصير — و مصيرهم بيت البغيذ ؛

و بيت خمّار شهير — و هناك بنت غضّيه

أحلى من الورد المطير — ترنو و في نظراتها

لغة الدعارة و الفجور — و حدجيثها كالجدول

السلسال فضّي الخرير — حسناء تطرح حسنها

للمترفين ؛ و للأجير — فجمالها مثل الطبيعة ؛

للنبيل .... و للحقير — في مشيها رقص الحسان ؛

و خفّة الطفل الغرير — و يكاد يعشق بعضها

بعضا من الحسن المثير — أودى أبوها و هو في

إشراقه العمر القصير — كان امرءا يجد الضعيف ؛ يمينه أقوى نصير

يحنو و ينثر ... ماله — للطفل و الشيخ الكبير

يرعى الجميع فكلّـ — لب سماويّ الضمير

جادت يداه بما لديه ؛ و جاد بالنفس الأخير — فذوت صبيّته الجميلة ؛ كالزنابق في الفهجير

و بكت إلى أختي كما — يبكي الأسير إلى الأسير

و مشت على شوك المآسي — الحمر و اليتم المرير

و مضت تدوس الشوك ؛ و الرمضا على القلب الكسير — و الحزن في قسماتها

كالشك في قلب الغيور — تعرى فتكسوها الطبيعة

حلّة الحسن النظير — صبغت ملامحها الطبيعة

من سنا البدر المنير — من وقدة الصيف البهيج

و هدأة اللّيل الضرير — من خفّة الشجر الصبور ؛ على رياح الزمهرير

و من الأشعّة و الشذى — و صراحة الماء النمير

فتعانقت فيها المباهج ؛ — كالأشعّة ... و العبير

فجمالها قبل الحنين ؛ و صدرها أحنى سرير ! — ***

قل لي . أتذكر يا أخي — من تلك جارتنا الشهيّة ؟

هي فوق فلسفة التراب — و غلظة الأرض الدنيّة

رحمت مجانين الغواية — فهي مشفقة غويّة

بنت الطبيعة فهي ظلّ الحبّ ؛ و الدنيا الشّذيّة — كانت ربيع الأمنيات ؛

و أغنيات الشاعريّة — فانصت إليّ فلم تزل

من قصّة الماضي بقيّة — جاءت بها الذكرى ؛ و ما الذكرى ؟ خلود الآدميّة

حدّق ترى ماضيك فيها ، — فهي صورته الجليّة

أوّاه ! ما أشقى ذكيّ القلب ؛ في الأرض الغبيّه ! — ***

ما كان أذكى " مرشدا " — و أبرّ طلعته الزكيّه !

كان ابتسامات الحزين ؛ — و فرحة النفس الشجيّة

عيناه من شعل الرشاد ، — و كلّه من عبقريّة

إن لم يكن في الأنبياء — فروحه المثلى نبيّة

قتلته في الوادي اللّصوص ؛ فغاب كالشمس البهيّة — كان ابن عمّي يزدريه ؛

فلا يضيق من الزريّه — و من ابن عمّي ؟ جاهل

فظّ كليل الجاهليّة — يرنو إلينا ... مثلما

يرنو العقور إلى الضحيّة — نعرى ؛ و يسبح في النقود ؛

و في الثياب القيصريّة — و نذوب من حرق الظماء

و عنده الكأس الرويّه — و الكأس تبسم في يديه ؛ كابتسامات الصبيّة

و الكرم في بستانه — يلد العناقيد الجنيّه

حتّى تزوّج أربعا — أشقته واحدة شقيّة

فكأنّ ثروته دخان — ضاع في غسق العشيّة

فهوى إلينا و التقينا ؛ — كالأسارى في البليّة

*** — و أتى الخريف و كفّه

تومي بأشداق المنيّة — و توقع الحيّ الفنا

فتغيّرت صور القضيّة — و تحرّك الفلك الدؤوب

فأقبلت دنيا رخيّة — و تضوّع الوادي بانسام الفراديس النديّة

قل لي : شقيقي هل ذكر — ت عهود ماضينا القصيّة

خذها فديتك قصّة — دفاته النجوى سخيّة

و إلى التلاقي يا أخي — في قصّة أخرى طريّة

و الآن أختم الكتا — ب ختامه أزكى تحيّة !

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف القاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العشيق: العَشِيقُ : العاشق، أي المحبُّ.-: المعشوقُ أي المحبوب.
  • العميق: العَمِيقُ : البعيد الغَوْر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ/ الطريق العميق، أي الطويل/ حزن عميق ج عُمُقٌ.
  • النعيق: النَّعِيقُ : مصـ. ـ: الصّياح والزَّجْر؛ أَوْقِفُوا هذا الثَّرثارَ عن النّعيق. ـ: صوت الغُراب؛ أفاق من نومه على نعيق الغراب.
  • الوثيق: الوَثِيقُ : المُحْكَم؛ رَبَط رزمة الكتُب ربْطاً وَثيقاً ج وِثَاقٌ.
  • الوديان: الدَّيَّانُ : اسم من أسماء الله عزَّ وجلَّ.-: القهَّارُ؛ لا يقدر على الظالم إلّا الدَّيَّانُ.-: القاضي والحاكم.-: المجازي بالخير والشرِّ؛ كان ديَّاناً عادلاً.-: الحاسب.
  • الوريق: الوَرِيقُ : الشَّجَرُ ذو الورقِ. -: الكثيرُ الورقِ الحسَنُهُ؛ تلك الفنونُ المُشتهاةُ هي الّتي ** غصْنُ الحياةِ بها يكون ورِيقا

قصائد ذات صلة

  • منزغ الشياطين
  • الربيع والشعر
  • أخي يا شباب الفدا في الجنوب
  • تائه
  • ليلة الذكريات
  • فجران
  • أبو تمام وعروبة اليوم
  • أمي