( قمرٌ ) على وجعِ المدينةِ
الشاعر: حسن إبراهيم الحسن · البحر: الكامل
«( قمرٌ ) على وجعِ المدينةِ» من شعر حسن إبراهيم الحسن، وتقع في 43 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الكاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قمرٌ على وجعِ المدينةِ رابضٌ — و الريحُ وشَّحها النحيبُ
و أراكَ تمرُقُ دونَ وجهٍ — لا تُبادِلكَ المرايا لفتَةً من عُريها
هل خانتِ المرآةُ وجهكَ يا غريبُ ؟ — أم خنتَ ذاكرةَ المرايا ؟
لا صدىً عندَ انكساركَ حين تحدو — لا صدىً ...
بُحَّ النشيدُ الملحميُّ و لا مجيبُ — لكأنَّنا اعتدنا المنافي
بعدما نأتِ الديارُ بساكنيها ، — من على وجعي أُطلُّ على الحِمى
لا بعدهم سكناً تطيبُ — و الآنَ تعبرني الظعائِنُ
لا الربابُ تهزُّ أدمُعيَ العجافَ ، — ولا القصائِدُ ،
لا ... و لا الراياتُ تلفحُها الرياحُ ، — كأنَّ أندلساً تغيبُ
لا القلبُ تفزعهُ الظلالُ الراعِشاتُ على الستائِرِ ، — فلَّةٌ بالبابِ ما انتبهت لخطوي
كلُّ شيءٍ صارَ ينكرني تماماً ها هنا ، — حتَّى الصدى قد باتَ ينهرني ، أبي ،
" لا أنتَ أنتَ ، و لا الديارُ ... " — الآنَ تُنكِرُني النوافِذُ
حينَ أعبرُ عتمَها صِفْرَ الملامحِ ، — ثمَّ أشهقُ مثلَ ماءٍ هزَّهُ حجرٌ ؛
كأنَّ دوائرَ الغرباءِ تنأى — ثمَّ تنأى كالصدى عنّي ،
أغنّي — حينَ أعثرُ مثلَ عكَّازٍ ترنَّحَ في يديكْ
أسفي عليكْ — أسفي عليكَ إذا خذلتكَ يا أبي /
إنْ خانتِ العيرُ انتظاركَ نِصفَ عمرٍ — لا قميصي عادَ يحملهُ المبشِّرُ ،
لا ( منامٌ ) زفَّني بشرى إليكْ — أسفي عليكْ
الليلُ يعبرني وحيداً — عندَ أطرافِ النهارِ ، على شفا امرأةٍ
أُنيخُ مدامعي لتخونها ! — و الدمعُ يخذلني عليكْ
أسفي عليكْ — قمرٌ على وجعِ المدينةِ ،
و الدروبُ متاهةٌ — لا بابَ يطرقهُ المسافِرُ ها هنا ،
في وحشةِ الطرقاتِ تعلكني وجوهُ العابرينَ — و لا نوافِذَ يا أبي للطفلِ تشرعها يداكَ
بكوبِ ماءٍ — لا نوافِذَ يا أبي ...
قمرٌ على وجعِ المدينةِ رابضٌ ، — و خُطاكمُ
حبقٌ على الطرقاتِ تفركُهُ النسائِمُ ، — لم تزلْ كلُّ الجهاتِ عليكَ تشرعني مُدىً
لكأنَّني ريحٌ على جمرِ المسافةِ بيننا — أو حِقدُ عوسجةٍ تُخاصِرُ ساعديكْ
أسفي عليكْ — مازالَ يرقبكَ الزوالُ ، على التخومِ
تُقَلِّبُ الصورَ التي حفظت وجوهَ الغائبينَ — و ما تَساقطَ من فُتاتِ الذكرياتِ ،
كأنَّهُ حلمٌ ... — كأنّي ما سَمِعتُ صراخكَ المحمومَ :
( يا بنَ الكلبِ ) اِرجعْ !! — لم يَعُدْ في العمرِ متسعٌ إليكْ
أسفي عليكْ — قمرٌ على وجعِ المدينةِ رابضٌ
و الدربُ أحجيةُ المسافِرِ، و الصدى كَذِبُ — العراءِ و خطوتي ضلَّتْ هناكَ ، فيا أبي :
لا بدَّ من طرقٍ تعودُ ليرجعَ المنفيُّ محمولاً — على الأكتافِ تنطرهُ الدموعُ
فَمَنْ سِواكَ يضمُّ قامتكَ النحيلةَ — حينَ يفجعُكَ الجوادُ بغيرِ سرجٍ عائداً ؟!
أَبَتَاهُ منْ ؟ — أَبَتَاهُ منْ ؟
أَوَكُلَّما مرَّ الحُداةُ هجرتَ حلمكَ حافياً — تقفو الصدى ؟
: إنّي أكادُ أشمُّ ريحكَ يا بنيَّ على المدى — - كمْ مرَّةً سأخونُ حدسكَ يا أبي ؟
و أقولها ملءَ انكسارِكَ : — لم يَعُد من كانَ تنطرهُ الشِفاهُ بقُبلةٍ
كَذَبَتْ عليكَ الريحُ .. — قدْ كَذَبَتْ عليكْ
أسفي عليكْ — قمرٌ على وجعِ المدينةِ رابضٌ
و القلبُ لفَّعَهُ السوادُ ، ... — حمامةٌ في وحشةِ الأضلاعِ قد هَدَلت عليكْ
أسفي عليكْ — * * * *
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الكاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اعتدنا: أَعْتَدَ يُعْتِدُ إعْتَادًا :- الشيءَ: هيّأه وأعدّه وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً.
- الرباب: الرَّبَابُ : السحابُ الأبيض، واحدته رَبَابةٌ.-: آلة شعبية موسيقية ذات وتر واحد.
- العجاف: العِجَافُ : مفـ أَعجف وعَجْفاءُ: المهزولةُ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ.-: الدَّهر.-: الحنظل.
- الملحمي: المُلْحَمُ : مفعـ. -: مَنْ يُطْعَمُ اللَّحمَ ويُرْزَقُ منه. -: جنس من الثياب يختلف نوعُ سَدَاهُ ونوعُ لُحْمته كالصُّوف والقُطْن أو الحرير والقطن.
- المنافي: المَنَافُ [ نوف]: المرْتفعُ؛ جَبَل عالي المَنَاف، أي عالي المُرْتَقَى.
- النحيب: النَّحِيبُ : مصـ.-: رَفعُ الصّوتِ بالبُكاء؛ سمعتُ نحيب أهل المتوفَّى.
- انكسارك: [ك س ر]. (مصدر اِنْكَسَرَ). 1."اِنْكِسارُ القَلْبِ": تَحَطُّمُهُ، فُتورُهُ. "اِنْقَلَبَ اعْتِدادُهُ بِقُوَّتِهِ وَخُيَلاَؤُهُ إلى اِنْكِسارٍ وَتَراخٍ وَخِذْلانٍ".(إسحق الحسيني). 2."اِنْكِسارُ شَوْكَةِ العَدُوِّ" : اِنْهِ …