الخروج من البحر الميّت
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كعشب البراري أنا،نديٌّ كتفاحة الغيم، أسبحُ في لُجَّةِ الكهرباءْ
حنونٌ كوحشة طفلٍ، رأى أمَّهُ الغائبةتشعلق في ذيل ثوب الحزينةِ، فانكمش الأرجوانْ
على قبَّة الصدر، واندلع الأقحوانْعلى ساحل النهر، شفتُ طيوراً تنام.
رأيت قطيعاً من الحور، كدتُ أقولْ:نساءُ أثينا اغتسلن على العين مثل العناقيدِ،
قرب غيوم الصباحركضن إلى طاولات المصيفِ،
اقتلعنَ الأسى من جبين الكلام.ولم يكن البحر منتبهاً لأغاني الحمام
رأيتُ المدى زرقةً مثل فتنةٍ راعيةٍ،في سهول الشآمَ.
تلاحق أغنامها الشاردات من الطخِّ،بين الصخورْ
فراشاتُ قلبي، حصى الماء في الليلِ،بلّلهُنَّ الحبورْ
رَماهُنَّ سيلٌ إلى الرمل قبل الهجيرتوسَّدْنَ ساقيةً، ثمَّ ناغشن سرب يمام
توسَّدن بحَّةَ هذا المغنّي الجريحأراهُنَّ قرب نجيل المساء
يُبايعن غزلانَ بريَّة الله / ثمَّ جلسن هنا /على شاطئ البحر مثل زجاج الخليل.
كعُشب البراري أنا،كوديانك المعشبات، موشَّحةً بالدماءْ
كوجهكِ لو كنتِ ناطورةً للكرومْكعصفورةٍ في السواقي تحومْ
أراني أطاردُ رائحة القافيةأراني كنقشٍ قديمْ
أُغربل شمسي على التلِّ، علَّ الغيومْتُطاوعني مثل أرنبةٍ من بياضْ
أسافر في سفن الملح نحو الرمادْإلى طبقات الرخام
أسافر في قارب الرحم نحو السدودْأُغطّي شجيرات هذا الرصيف الأنيقْ
سأحلم يا لعنة اللّذة النائمةوأنت مُلَوَّحَةُ الخدّ، سمراء، عاريةُ الرأسِ،
مفتولةُ الشَعْرِتجرين تحت السماءْ
كأنكِ سلطانةُ البحر، جمرةُ هذا الفراقْتبوسينَ أقدام هذا القتيلْ.
سمعتكِ قبل انحسار الغيوم، وقبل جفاف العيونْسمعتكِ قبل خروج الظباء من الوكر في الفجرِ
في الصخر، عند مسيل المياهيُراقبن من هامش الليلِ، زلزالَ هذي المتون.
رحيلك،لا، لن يكونْ
رحيلك كالبحر كالشمس مثل رحيل المطرتعودين عبر الشرايين قبل أفول القمر
تعودين مثل الحمام إلى بيتك الأخضر الأبديّْوبين جزائر هذا الزمان الخؤونْ
تقيمين عُرساً لأبنائك الطّيبينْتقيمين عرساً لأبنائك السُمْر، جاءوكِ
من صخر هذي الجبال الصَبيَّة قبل هبوط السكونْ.رحيلك، لا لن يكونْ
ولن يأكل البحر أطرافك الحجريَّة، والمصطبةْسأحلم يا لغةَ الأولين.
سأحلم يا أيّها الأكحل البدويُّ الصديقْسأحلبُ نهد صنوبرةٍ رائعة
سأشرب نبعاً بكامله،كي أُفيقْمن الغفوة المُرعبة
فَبَيّضْ سَماركَ بامرأةٍ متعبهْوجَهِّزْ لكنعانَ بيرقه بعد هذا الرقاد العتيقْ
ليشعل ألوانه الأربعة.- اللون الأزرق ... لا
إلاّ إن كان الأزرق مفتوناً بالفتنة في الأسواقْاللون الأحمر ... لا
إلاّ إن كان الأحمر قرميداً أو حجراًفي طين الأعماقْ
اللون الأسود ... لاإلاّ إن كان حريقاً لفتات البركانْ
لستُ الصَّدفَةَ، حتى أصبغ وجهي بالألوان.طينةُ وجهي من حجر الصوّان الأسود في الوديانْ
شلاّلاتُ شراييني مرجانْالشعر النابت في صدري،
في صدغي في الساعدْفلقد أعلنت على رأس الشاهدْ،
ملعونٌ من يسمع قهقهة الجانْ.هل تعرفني يا هذا
إني من هذا الرمل الأصفرإني من هذا الطين الأحمر
في هذا البحر الميت أحيا كالدوريّ البدويِّ العطشانْأشربُ كأسَ نبيذي من وجع الدالية الشقراءْ
أعصرها، أستنشق عطر الأجدادْأتمزمز بالليمون مع الحجل المشويّْ.
في غابة بلّوط تتراكض فيها غزلانٌ ووعولْأرسم ألوان حبيبي المعلومْ
قلبي من هذا البحر الولهانْ.- اللون الأزرق ... لا
اللون الأحمر ... لااللون الأخضر ... لا
تلك مفاتيح الشِعْرِ المغمورْ.في قاع البحر الظمآنْ
سأعيد العاصفة النائمة على صمت مكاتبهاألقيها في خطّ النار
كيما تتحرر من أسر العارْلن أصبغ وجهي بالألوان المختلطة,
حتى لا يدهمني طيرُ الوِرْوارْوجهي من هذا البحر المخمور
قلبي من هذا الزمن السكرانْالأبيض لوني إن عُدت وحيداً كالنجمة
أو عدت كبفت الموتىسأكون وحيداً في شُرُفات مطارات المنفى
سأعيد إلى الألوان، ربيع الألوانْيا سينات الحلم، ويا الوعد المقهور.
- العالم يبدأ من إشراقة قلبي:(بردى) سوف يصبُّ قليلاً من دمه في كأس اليرموكْ.
النهر المنشطر الروح يصبُّ قليلاً من مطر الصيفِ،على بئر السبع العطشانْ.
البحر الميّت، سوف يرشّ الملح على مائدة الشام.القدسُ تصاهر بيروتْ.
بيروتُ توزع بسمات تسامحها في كَرْكوكْ.شجر الغوطة يرقص مُنْتَشِيًا في عمّانْ
تلك التفعيلةُ من قَصَبِ،ولها صوتٌ رنّانْ
طعمُ عصير الرمَّانْأما فعلنْ، فانظُرْ في شعر فسائلها
تتناسل ألواناً خلف الألوان.مريمُ تنتشر قلائدَ من صَدَفٍ حول الأعناق.
ثمَّ توحّدُنا ألوان الروحْمشروخٌ قلبي،
الضِلْعُ كسيرٌ،الصمتُ ندوبٌ وجروحْ.
- ولكنني ساطعٌ مثل عشب السطوحْوإن جعتُ ... لكنني لا أبوحْ
سوى للجبال التي أشعلتْ نارهاوللموج للرمل يا سيّدي يا تراب
كعشب السطوح أنا،ولكنني ... لا أبوح.
- تقول البراريإلى مطلع الفجر، وهي تقولْ
أتيتكِ ... لو تسمعين العويلْعويلَ المدائنِ غارقةً في صهيل الخيولْ
أتيتك في النومطيفاً عزيزاً عليك، ولو في المنام، أجيءْ
أزور الأحبةَ في الحلم كالحلم، أقرع باب الذهولْوقالت وقالت وقالتْ
إلى مطلع الفجر، وهي تقولْبكت عندها، وحكت أنّها، قد رأتْ أهلها الغائبينْ.
ولم ترتشف شفطةً من حليب الأرقْ:ينام وحيداً، ويصحو وحيداً، ويبكي وحيداً،
يقهقهه من فرط غربته، ليشدَّ الجناحْوتبكي الخرائب من صحوةٍ كالرقادْ
أتيتك في ليلةٍ مُرَّةٍ كاحتراق الفراقْوكنت أقصّ عليك حكايا المدائن بعد الغَرَقْ
وأحكي عن الشجر المحترقْيعانق نرجسة النبع بعد العناقْ.
وعن قمر الشام كان مُحاقا،فصار زُقاقاً، فدربا ... وصار طريقا
ولمّا بلوتُ الليالي رمانيإلى جزر الصمت فجراً،
وصرت زماناً لقيطا.وقال: أعود سحاباً وخمراً وخبزاً لكمْ في الشروقْ
أعود لكم في عروق الصخور.- إذن صرتُ طفلاً عجوزاً يسابق حكمتك البكر،
فوق الحصانْإذن صرتُ شمساً ترى قاع بحر الأمانْ
إذنْ صرت فوق جبينكِ تاجْ.كقطيع الغنمات البيض المذعورات من الذئب المذعورْ.
يتوالى الزَّبَدُ الأبيضُ، موجاتٍ من صحْوٍ، يعلوموجاتٍ، تهبط أو تتوارى أو تنعسُ مثلَ
يماماتٍ خلف الصخر الوهّاجْكنّا نتسلّق أعمدة الضوء البحرية
ونرشُّ الملح على الموتى، نخلطه بسناجقيل لنا: إنَّ العاصفة الغربية
ستجيء لتحرس أطراف البحر الشرقيْلكنَّ المدن الغارقة الفضيّةْ
شَقَحتْ نجماتِ الأهل بسكينالريح الشرقية غضبتْ
قَلَبَتْ سفن الصيادينْفوق الشطآن الصخرية.
غضب الرملُ، وفَنْخَرتِ الخيلُ، وثار عجاجْقالت أمي: بعد خروج الموتى يا كرم الزيتونْ
من هذي المدن الصامتة العزلاءْقالت: يأتون من الريح، يجيئونْ
لكنْ، سأمطُّ شفاهي أيتها الأمواجْ.بكينا طويلاً، ولم يبك أعداؤنا مرَّةً واحدةْ!!
تقولون: قد شرَّقوا، غرَّبوا، قَبَّلوا يا حمامْوشمّوا رياح الشمال، وكانت كغربتنا الباردة.
مواويل أُمّي على تلّةٍ موحشةتعاند قسوة ما حدث البارحة
إذا دشَّروا تينهم في الصباحِ، يكون التسوُّلُكالشاهدةْ.
وماتوا على صخرةٍ بين بُصرى وبيروت،ماتوا على حجر مقمر، عشقته النساءْ
نجوم النوى تستغيث ورُمّانُها والخيامْبكت حوله في الدُجى، فاتناتُ الكلامْ
بكينا طويلاً ولم يبكِ أعداؤنا مرَّةً واحدة.!!!- لقد جئتكمْ في دمي شهوةٌ للغناءْ
لأعزف هذي التلالْولملمتُ قبل مجيئي إليكمْ
خرائطَ للمدن الغارقاتْحملتُ لكم من رمال الجزيرةِ، قمحاً،
وكوفيةً وعقالْحملت لكم من كتاب الأماني، عِظاتْ
ومن جبل الشام هذا القرنفل والثلج والياسمينرأيت أبي في خليج الشمالِ، يبيع الأسى للشمالْ
يغني لغزلانك الشارداتِ، قصائدَ عشقٍ حزينْيطارد وعلاً من الملح خلف السدودْ
ويقتلع المرمر البكر في غابة من حديدْ.وجدّي،
إذا كنتُمُ تذكرون الذي صاغ وهْج الحروفْووزّع في العالمين اللغاتْ
وفي شاطئ النيل، ذقتُ اسمرار خدود البناتْفقلت إذا احمرَّ خدُّ البُنيّةِ هاجتْ جموعُ الرجال
لقد قلت يا سيدي ما يقالْوما لا يقالْ
ولم يبق إلاّ نقوش الخرائب والمدن النائماتفماذا تقول
وماذا أقولوماذا نقول
أنا أعرف البئريا سيّدي والغطاء. - ها أنذا قُدَّامك أهذي وأشير إلى اللوح المحفوظْ
العالمُ بين يديّ حظوظوسأحكي عن وطن يأتيني في منتصف النومْ
يصرخ بي: يا مولانا: أين القومْ؟!قلت له: بالأمس ظعائنهمْ عادت من بحر الملحْ
حاملةً عطر العذراءناسيةً جسد العذراء.
- لأنّكَ كنتَ كثير الكلام، كثير السكوتْإذن تركوني هنا في مدائن هذا البياض الرماديّ،
أشكو موانئها، ثم أعشاشَ وقواقها، بانتظار النعوشْإذن صرت مثل التماثيل منقوشةً في القبورْ.
- لماذا إذاً حاصروني، لماذا أدورْوكيف إذا جوَّعوني، أثور!!
- لأنك تهرب من قَدَر أعرجٍ ... لا يموتْلأنَّ البلاء إذا عمَّ نامتْ عيونُ المدائنِ تحت المياه
لأنك كنت كثيرَ الكلام كثير السكوتْ.- لذا ستظلّ هنا في المقابر، تحت البحار التي لا تعيش
نعم وتموت هنا، قبل يوم الخروج، وقبل قدوم الجيوش.- إذن تركوني هنا، مثل راعٍ وحيدْ
يحوم ويسأل عن ظلّ أشجارك الباسقة.يحوم ويسأل في الظلّ طيراً عن النجمة الشاعرة
يحوم ويسأل ... لا تسأل الكاهنةإذن تركوني أغازل شمس النهار
هنا مثل عشب السطوحولكنني لا أبوح.
- حدّقْ في صمت التطريزِ على الإفريزْالموجةُ سلسالٌ ذهبيٌّ تجري خلف الموجة.
فاتنةٌ من عنب تغزل مكبوتَ الأشواقِ الناريَّةْخلف الجفنين المرسومين ذُنوبٌ وذنوبْ
شُبَّاكٌ مفتوحٌ وجبالُ الملحِ تذوبُ تذوبْ.- أسمعُ طقطقةَ الأوهام على بالي / وعواء امرأةٍ في
جوف البحر / عمودٌ من ملحٍ، ثم يغيب.خرج الشاعر مجروحاً من قلب الموّال
يا أهلَ الأرض أفيقوا من هذا النوم المُزْمنْلكن الناس اندمجوا في التطبيلْ
حيث انتصر البركان الأرعنْ.من خاصرة البحر الشرقيّ يكونُ الأردنْ
ومن البحر الغربيِّ تكونْ فلسطينْمع هذا يلتقيانْ.
يا هذا، إنْ ناداناجَدُّكَ، أوْ جَدّي: (كنعانْ).
عن القصيدة
«الخروج من البحر الميّت» من شعر عزالدين المناصرة، وتقع في ١٢٧ بيتًا. ورويّها حرف الميم.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.