رسالة مغترب
الشاعر: مروة دياب · البحر: المجتث · الغرض: قصيدة غزل
«رسالة مغترب» من شعر مروة دياب، وتقع في 93 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لما عرفت الحب.. — كنت صغيرة ألهو
لأسرق من بحور العشق أشرعتي — و أبصرَ كيف فوق الموج يرسو
ألف نهر من أنين المُبْعَدين؟؟ — أو كيف وسط الغيم
وسط عواصف الأحقاد — و الموت المزيَّن
بالسنابل.. — بالمشاعر..
بالأناس الطيبين! — كيف وسط الزيف يبقى
للندى صوتٌ — ليسمو كل شوق أو حنين؟!
و يلومني الناسُ.. — لأني طفلة و الحب عندي
لا يجاوز حب نَوْرِ الياسمين — لكنني لما أبالِ بلومهم
و مضيت كالعصفور أسبح في الفضا — و أعود يحملني الحنين..
... — وطني الحبيب..
الشوق ينبض في دمي — أنفاسك الحرّى تعانق وحدتي
فتزيدني ألمي و قد حن الغريب.. — و سماؤك الحيرى
أمام النيل ساجدة — تسطر فوق صفحة مائه الفضي ماضيها
و تحكي قصة التغريب.. — فرق البدر من حِلّي و ترحالي
و هاج البحر ينهرها.. — لكي تأسى على حالي
و ليس تجيب!! — و ذاك النيل قد طافَ
بحسنه ماحِيًا لحنَ المغيب — فبدا المساء بوجهه العبس الكئيب
ليبدد البؤس الحياة — ...
وطني الحبيب.. — أنا ما نسيت حنانك الأبَدي
و لا ذقت الهنا بعد الرحيل — فهل عرفت الحب بعدي؟؟
هل حننت إلى العيون و همس يَدِّكَ في يَدي؟ — أوَ قد نسيت رسائلي؟
و مداد شوقي فوق جدران المعابد شاهدٌ — تتلاطم الآهات في وجدي
تنازعني الحنين لعطرك الوردي — و تصفعني على وَجْدي
لماذا لم تُحَرِّكْ فيك ذكرايَ الحنين؟! — عشرون عامًا..
مرت الأعوام عامًا بعد عام.. — عشرون عامًا..
أدفن الأفراح و الأحزان في قلبي الذبيح — "و أشق أفواهًا لمد الريح"
لعلي أسبق الأيام بالأحلام — أو يأتي الصباح
عشرون عامًا.. — كل عام بين زحم الغيم أدفعه
أصارعه فيصرعني — أكابده هنا وحدي..
و لا يمضي.. — و دمعي فوق ورد الخد يفضحني
يُمّزِّقُ مهجة المشتاق — و يزحف تارِكًا يأسي
و لا يمضي!! — و أصبر عَلَّ هذا الشوق يحمله لعينيكَ
فصارحني.. — ألم يوصل لك الفرعون مرسالي؟
ألم يحمل لك الأشواق و الأحزان؟ — فكيف تقول لي: "كلا"؟!!
أنا من أرسل الأشعار و الألحان — و ذقت عذابها وحدي..
فمرسالي قديم هَدَّهُ الترحال — و عاد الشوق يحمله لعينيكَ
و لم يأسِرْكَ من لَحْنِ! — و لم تكتبْ تُطَمْئِنّي
بأن القلب أملكه أنا وحدي.. — أنا وحدي..
فلو لمست جفونك هزَّةَ المشتاقْ — و رعشة حبره الدامي على الأوراقْ
لأبصرت الحنين يذيب أشرعتي — فذا شعري.. و ذي أنّات آهاتي
فكي تتردد الأنفاس في حرفين أختنقُ — و كي تتلألأَ الأضواء في بيتين أحترقُ
و كي أنسى عذاباتي.. — و أنسى أنني أفّاق
أمضي جاهلاً ذاتي — بذي الغربة..
نقشت اسمي على الصخر — نقشت الحب بالأنسام
بالشعرِ.. — و بالنثرِ..
لتحمله الطيور لعطرك الغالي — فكم ودَّ الفؤاد لَوَ انَّهُ طيرٌ
لأهبط بعد طول البين يا وطني — على بابك..
و أطرقَه لتفتحَ لي — فألثمُ تربك الغالي
و أبكي بين أحضانك.. — فسامحني..
لكل قصيدة قدرٌ و ذا قدري — بأن أحيا بعيدًا عن عذاباتك
بأن أحيا غريبًا لم يذق يومًا — جراحاتك..
و لكني.. — و ربِّ الكون لم أهنأْ
بعيدًا عن شذا دارك.. — و لم أعرف حبيبًا قد أناجيهِ
فكل الناس أرماسٌ — تُرائي قلبيَ الصّافي
لتحويهِ.. — فسامحني..
لأن الحزن ينزف في فؤادي كلَّ خاطرةٍ — جعلت الحزن عنواني..
فسامحني.. — فمن بؤسي و أشواقي إليك نظمت ديواني
و عدت و همهمات الشكِّ تصرخ بين ألحاني: — لماذا لم تحرك فيك ذكراي الحنين؟!!
أَوَ قد نسيت محبتي؟ — أم لا أليق بأن أكون لك الحبيب؟
... — وطني الحبيب..
إن لم أكنْ حُبًّا لقلبك — فاعتبرني كاليتيم
و لأجل عينَيْ طفلك المحروم من ذاك الحنان — و لأجل من رَبَّتْهُ راحات الشقاء بذا الزمان
ارْدمْ بعطفك خندق الهجر العتيق — و امددْ دروب العنفوان..
فبودِّ طفلك لو إلى الصدر الحنون تضمُّهُ — وطني.. فقد آن الأوان..
... — وطني الحبيب..
قد علمتني غربتي عنك الكثير.. — فالغربة السوداء مدرسةٌ
لكل مهاجِرٍ مشتاق — و قاسية هي الغربة
و لكن.. — عَلَّمَتْني من تكون و علمتني من أنا
فرأيت جرحك غائرًا — و دموعك البكماء تخترق السكون
و أراك مرتعدًا من الوهم المصير.. — لكن حبيبي.. كلُّنا ذاك المصير
و علمتني غربتي.. — مهما سئمت فأطلقِ الأحلام تسبح في العنان
و اركنْ إلى قلب حنون — و اسبحْ بفكرك أينما يحلو له
و اطرحْ عن القلب الشجون — فلديك فجرٌ حالمٌ..
أما هنا.. — صعبٌ على الأحلام أن تكسو العيون
و علمتني غربتي.. — مهما تلاشت أسطر الأحلام بين قصيدتي
ألاّ ألين.. — و إن توحشتِ الطريق و أقفرت
سيضيئها الدمع الدفين.. — رغم احْتدام كواكب العتماء في عيني
و رغم تصارع العبرات — لأبقى إبنة للنيل أعشقه و يعشقني..
و مهما برق ذاك الحلم في عيني — تبدَّدَ و استحالْ
و إذا السؤال يجيبه — بعد الشَّقا ألفا سؤالْ!!
لا زال فجر الغَدِّ مرتقبًا — ليمحُوَ من قواميس الدُّنا
لفظَ المحالْ.. — ...
وطني الحبيب.. — حتى أعود إليك أشواقي..
و لا تنسَ السلام لكل أحبابي و أصحابي — و حتى تنطوي الغربة
سأكتب كل يومٍ كي أطمئنكَ — بأني رغم طول البعد عن عينيك أعشقكَ
و أذكر تلْكُمُ الأيام.. — و أسألها لأن تمضي
لتطوي غربة الأحباب — بإذن الله يا وطني
سأرجع كي نعيد الروح للبدنِ — فقد سئم الفؤاد الرَّحْل و الترحال
سأرجع حاملاً باقة — صففت بها عبير الشرق و الغربِ
و مُنْيَةَ أمَّة العُرْبِ — أقدمها لعينيكَ..
فمهِّدْ لي السبيل.. — لنعيد ما انتزعته أيام الرحيل من الحنين..
و نهدَّ بالآمال باب المستحيل..
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الزيف: زيف: الزَّيفُ: مِنْ وصْفِ الدَّراهم، يُقَالُ: زَافَتْ عَلَيْهِ دَراهِمُه أَي صَارَتْ مَرْدُودةً لغِشٍّ فِيهَا، وَقَدْ زُيِّفَتْ إِذَا رُدَّتْ. ابْنُ سِيدَهْ: زَافَ الدِّرهمُ يَزِيفُ زُيُوفاً وزُيُوفةً: رَدُؤَ، فَهُوَ زَا …
- المزين: المُزَيَّنُ : مفعـ.-: المُحَسَّنُ المُجَمَّل ؛ كتابٌ مزيَّنٌ بالرُّسوم.
- بالمشاعر: المَشَاعِرُ : [بصيغة الجمع] - من الحجِّ: مناسِكُه والأعمالُ التي تُتمِّمُهُ؛ قام الحاجُّ بكلِّ المشاعر.-: مفـ مَشْعَرٌ، الإِحساساتُ، مشاعرهُ طيّبة نحو أصدقائه.