دليل اصطفاء الله للعبد علمه
الشاعر: محمود قابادو · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
«دليل اصطفاء الله للعبد علمه» من شعر محمود قابادو، من العصر الحديث، وتقع في 78 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دَليلُ اِصطفاءِ اللّه للعبدِ علمهُ — وتشريفُهُ أن يكشفَ الحقّ فهمهُ
وَليسَت فنونُ العلمِ إلّا طرائق — يؤمُّ بِها كلّ اِمرئٍ ما يهمّهُ
وهمُ الوَرى في النفعِ لكن فهومهم — لأوجهٍ شتّى فكلٌّ وزعمهُ
وَما خلقُهم إلّا وفاقٌ لحكمةٍ — بِها تمّ تأليفُ الوجود ونظمهُ
فَما بينَ راع لم يَسُس غيرَ نفسه — وآخرَ ماضٍ في طوائفَ حكمهُ
وكلّ على أسّ منَ العلمِ تنبنى — إِشادتهُ فيما يسوسُ وهدمهُ
وَكيفَ يَسوسُ النفسَ والناسَ جاهلٌ — بعاد وطبعٍ والحميّة قومهُ
لِذلكَ لمّا اِستخلفَ اللّه آدماً — توفّرَ من علمِ الحقائقِ قسمهُ
إِلى أَن درى سرّ التناسبِ بينها — وَوجه المسمّى المقتضي ما هو اِسمهُ
فَأَصبحَ يُلقي للملائكِ علمها — بِتوقيفهم لا بالّذي هو علمهُ
وَأَعلنَ فضلُ العلمِ أن سَجدوا له — وَحاقَ بمَن عنه تكبّر رجمهُ
وَلمّا اِنبرى للأرضِ مُستعمراً لها — تجشّم شقّاً يبهضُ النفس جشمهُ
فبثّ بنيهِ في ذرىً ومناكب — ليعنيَ كلّاً خطّ قطرٍ ورضمهُ
فكانَ مناطُ العلمِ والدينِ والعلى — بِحيثُ نَما العمرانُ واِمتدّ رسمهُ
فَلستَ تَرى نورَ النبوّة مشرقاً — عَلى غيرِ إقليمٍ توسّط خلمهُ
وَللنفسِ في بسطِ الحضارة نزوةٌ — بِها الوازعُ الدينيُّ يختلّ رسمهُ
لِذاك تَرى ظلّ التملّك سابقاً — بِعصرٍ طَوى ظلّ الخلافة لؤمهُ
وَما سوسُ ملكٍ في التمدّن واغلٌ — كَملكٍ تخطّاه الرفاهُ وجمّهُ
هنالك تُجتثّ الحميّة بالهوى — ويضعفُ مِن بأسِ التوجُّدِ قسمهُ
يُظِلّ الهوى مَن أمّه وهو تابعٌ — كظلٍّ لِمَن شمسُ العلومِ تؤمُّهُ
وَما خسرَ الإنسانُ وجهَ سعادةٍ — إِذا مِن فنونِ العلمِ وُفِّرَ سهمهُ
فَما الجِسمُ إلّا خادمُ المالِ ساعياً — وَما المالُ إلّا خادمُ الجاهِ لمّهُ
وَما الجاهُ إلا خادمُ الملكِ لائذاً — وَما الملكُ إِلا خادمُ الشرعِ حزمهُ
وَما الشرعُ إلّا خادمُ الحقّ مرشداً — وَبالحقّ قامَ الكونُ واِنزاح ظلمهُ
فَلستَ تَرى ما أرزمت أمُّ حائلٍ — عُلىً مُستمرّاً ليسَ بالعلم دعمهُ
يطالُ به بيض الأنوقِ وإن سما — وَتنزل من نيقِ الحوالقِ عصمهُ
إِذا أحكم الإنسانُ ظاهرَ منصبٍ — وَباطِنَه علماً مَضى فيه عزمهُ
فَمَن عَلِمَ الأشياءَ وفّى حُقوقَها — وَدانَ لَه فيما يحاولُ خصمهُ
وَكلُّ فنونِ العلمِ للملكِ نافعٌ — وَلا سِيما ما سايرَ الملكَ حكمهُ
أَرى الملكَ مثلَ الفلكِ تحتَ رئيسهِ — عويزٌ إِلى الأعوانِ فيما يؤمّهُ
فَذلكَ نوتيّ يعينُ بفعلهِ — وَآخرَ خرّتتٌ قصاراه علمهُ
وَمقصدُهُ جَريُ السفينِ وحفظها — ليسلمَ كلٌّ أو ليعظم غنمهُ
أَيَركب هولَ البحرَ دون مقاومٍ — وَفي طيّه حربٌ كَما يؤذنُ اِسمهُ
لِذاك تَرى ملكَ الفرنجِ مؤثّلاً — بعلمٍ على الأيّامِ يمتدّ يمّهُ
وَمملكة الإسلامِ يقلصُ ظلّها — وينقصُ مِن أَطرافها ما تضمّهُ
عَلى أنّها أَجدى وأبسط رقعةً — وَأوسطُ إِقليماً مِنَ الطبعِ عظمهُ
وَأعرَق في مَنمى الحضارةِ موقعاً — وَأَطولُ باعاً يفلقُ الهامَ خذمهُ
وَقدماً تناهَت في الفنونِ توغُّلاً — وجمِّعَ طمُّ الصنعِ فيها ورَمُّهُ
وَدوّخَ مَغزاها الأقاليمَ سبعةً — وَتاخَمها من سدّ يأجوجَ ردمهُ
فَلَم يجدِ المستعبدونَ لعزّها — سِوى العلمِ نهجاً للرئاسةِ أمّهُ
فَكانَ لَهم منهُ النفوذُ إِلى المنى — وَلا سيما ثغرٌ خَبا منه حجمهُ
فَمَن لم يجس خبراً أروبا وملكها — وَلَم يَتَغلغل في المصانعِ فهمهُ
فَذاكَ في كنِّ البلاهةِ داجنٌ — وَفي مضجعِ العاداتِ يُلهيه حلمهُ
وَمَن لزمَ الأوطانَ أصبحَ كالكلا — بِمنبتهِ منماهُ ثمّت حطمهُ
هُمُ غَرسوا دوحَ التمدّن فرعُه الر — رياضيّ وَالعلمُ الطبيعيّ جذمهُ
فَكانَ لَهُم في ظلّه متقيِّلٌ — مِنَ الصولِ يُحمى بالمكائدِ أطمهُ
لَقَد فاتَنا في بادئِ الرأي صوبُنا — وَأشفى لَعمري أَن يفوّتَ ختمهُ
تَباعَد شوطاً مقدمٌ ومقهقرٌ — إِذا لم يَحِن منهُ اِلتفاتٌ يزمّهُ
لَعَمري لَيس الميتُ من أُودِعَ الثرى — وَلكن مطيقٌ لِلغنى بانَ عدمهُ
وَميتُ القوى مَن لا يهيء بنفسهِ — لإنصافها من حيثُ يغبنُ جسمهُ
لَقد قَتلوا دُنيا الحياتينِ خبرةً — فَمن لم يُساهِمهم فقد طاشَ سَهمهُ
وَكلُّ رئيسٍ أَمكَنته فضائلٌ — فَأعوَدها نفعاً عَلى الخلقِ همُّهُ
أَيلزمُ حرُّ النفسِ برزخ حيرةٍ — عكوفاً عَلى أصنام وهم تهمّهُ
وَمسلكهُ نهجٌ وحاديه شائقٌ — وَمُرشدهُ يومي وَقد لاح أمّهُ
بَلى إنّه قد أبرمَ الأمرَ واِنبرى — إِلى ردّ ما قَد بزّ من عزّ عزمهُ
وزيرٌ عصاميُّ السيادةِ سابقٌ — عَلى المُرتأي مغزاهُ والخطبُ حزمهُ
تَراهُ فَلا تَدري لإفراط بشرهِ — تودّدَ أم دارى لأمرٍ يهمّهُ
يُبينُ له الإنصاف إحسانَ ضدّهِ — وَلكنّه يُخفي المساوئ حلمهُ
أغارُ عَلى تلكَ العلوم كآصفٍ — عَلى عرشِ بلقيس المنكّر رضمهُ
رَمى أُفقها بِالفَرقدينِ محمّدِ الش — شمائِلِ وَالمنجي المبارك نجمهُ
سَليليه نَجليه اللّذين كلاهِما — تَكلّم في مهدٍ بعلياه وسمهُ
وَحاذى بِمرآتينِ مِن فكرتَيهما — مُدوّنها حتّى تمثّل رسمهُ
وَمُذ أَعربا عَن ظهرِ قلبٍ فَأغربا — أقرّت بفضلِ العربِ في العلم عجمهُ
وَأيقَن كلٌّ أنّه بدءُ دورةٍ — يُراجعُ فيها أفقَ تونس نجمهُ
وَجزئيُّ أربابِ الرئاسَةِ نفعهُ — إِلى الخلقِ كليٌّ إِذا حان تمّهُ
إِذا كانَ مبدأ الأمرِ هديا فغبطةٌ — عَواقبهُ والنهجُ قصدٌ مأمّهُ
أَلا أيّها المولى الوزيرِ الّذي بهِ — حَبا اللّه هَذا القطر فخرا يعمّهُ
لِيهناك ما قَد شادَ نجلاكَ من علىً — وَما أتلدا من مفخرٍ أنت جذمهُ
فَرشّحهما للمعلواتِ محاضراً — وَأوطئهما أعقابَ فضلٍ تؤمّهُ
وَرقّهما في دولةِ الملكِ الّذي — دَرى منك ما يَخفى على الناس علمهُ
توخّى رضا الرحمنِ فيك بِما اِصطفى — إِليك منَ الفضلِ الّذي دقّ فهمهُ
خُصوصٌ توارى في غِشىً بشريّة — لآدم من قبل تقرّر حكمهُ
تبيّنه والناسُ في حجب غفلةٍ — إِلى أَن جَلا عن صبحه مُدلهمّهُ
فللّه ما أَهدى وأنفذ فكرةً — وَأوسعَ جأشاً يحتوي الكون ضمّهُ
وَيُخجِلُني اِستطرادُ بعض مديحهِ — وأُكبره عَن أن يسمّى به اِسمُهُ
وَلكنّه دين عليّ يصدّ عن — قَضائي له اِستنزارُ ما عنّ نظمهُ
بَقيتَ لهذا الملكِ إنسانَ ناظرٍ — بِرأيك مرآهَ ومرآك نعمهُ
وَبلّغتَ في نفسٍ وأهلٍ وفي الورى — مُنىً هي مبدأ كلّ فوزٍ وختمهُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اصطفاء: [ص ف و]. (مصدر اِصْطَفَى). "اِصْطِفاءُ الوَلَدِ": تَفْضيلُهُ، اِخْتِيارُهُ.
- النفع: نفع: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى النافِعُ: هُوَ الَّذِي يُوَصِّلُ النفْعَ إِلى مَن يَشَاءُ مِنْ خلْقه حَيْثُ هُوَ خالِقُ النفْعِ والضَّرِّ والخيْرِ والشرِّ. والنفْعُ: ضِدُّ الضرِّ، نَفَعَه يَنْفَعُه نَفْعاً ومَنْفَعةً؛ ق …
- بعاد: عَادَ يَعُودُ عُدْ عَوْداً وعَوْدَةً ومَعَاداً : - إليه وله وعليه: رجع وارتدّ؛ عاد من السَّفَر / عَوْدٌ على بَدءِ، أي رجوع إلى البداية.-: الأمرُ كذا: صار إيّاه؛ عاد الثوبُ نظيفاً بعد غسله.- الشيءُ فُلاناً: أصابه مرة بعد …
- خلقهم: خلق: اللَّهُ تَعَالَى وتقدَّس الخالِقُ والخَلَّاقُ، وَفِي التَّنْزِيلِ: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ؛ وَفِيهِ: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ وإِنما قُدّم أَوَّل وَهْلة لأَنه مِنْ أَسماء اللَّهِ جَل …
- فهمه: فهم: الفَهْمُ: مَعْرِفَتُكَ الشَّيْءَ بِالْقَلْبِ. فَهِمَه فَهْماً وفَهَماً وفَهامة: عَلِمَه؛ الأَخيرة عَنْ سِيبَوَيْهِ. وفَهِمْت الشَّيْءَ: عَقَلتُه وعرَفْته. وفَهَّمْت فُلَانًا وأَفْهَمْته، وتَفَهَّم الْكَلَامَ: فَهِمه …
- فهومهم: هوم: الهَوْم والتَّهَوُّم والتَّهْوِيم: النَّوْمُ الْخَفِيفُ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ يَصِفُ صَائِدًا: عَارِي الأَشاجِع مَشْفوهٌ أَخو قَنَصٍ، ... مَا تَطْعَمُ العَينُ نَوْماً غَيْرَ تَهْوِيم وهَوَّم الرجلُ إِذَا هَزَّ رأْسَه …