تعال نزف للثغرِ السلاما
الشاعر: ابراهيم ناجي · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة شوق
«تعال نزف للثغرِ السلاما» من شعر ابراهيم ناجي، من العصر الحديث، وتقع في 44 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تعالَ نزفُّ للثغرِ السلامَا — ألستَ تَرَى على الثغرِ ابتسامَا
ألم تشعر كأن يَدَي عزيزٍ — مَسَحنَ لك المواجعَ والسقاما
كأن خُطى العبابِ خطى حبيبٍ — كأنَّ الموجَ أفئدةٌ تَرامى
سلاماً يا عروسَ الماء إني — أحبُّكِ لا أملُّ بكِ المقاما
أسيرُ إِلى لقائكِ نِضوَ شوقٍ — وأرجعُ عن ربوعكِ مستهاما
أراكِ فتنتشي روحي وقلبي — كأني قد سُقِيتُ بك المدَاما
وإن طُوِيَ البساطُ فنصبَ عيني — عليكِ خيالُ أحبائي القدامى
وإن طاحَ الزمانُ بكأس حبي — فلا الساقي نسيتُ ولا الندامى
فؤادي قم بنا نذكر شجانا — لصخرٍ في جوارِ المكسِ قاما
تعالَ ولا تقل هذا جمادٌ — وكيفَ ترومُ بالصخرِ اعتصاما
فكم في الحيِّ من قلبٍ أصمّ — تَنَكَّرَ أو تَجَاهَلَ أو تعامى
وكم صخرٍ أحسَّ بما عنانا — وما عَرَفَ الحديثَ ولا الكلاما
وكم في الناسِ من رجلٍ قويٍّ — شديدِ البأسِ يقتحمُ اقتحاما
تَعرَّضَ للحوادث لا يبالي — تَلقَّاها نصالاً أم سهاما
فإِن عَرضت له الذكرُ الخوالي — رأيتَ الكونَ في عينيه غاما
عرته الرجفةُ الكبرى وراحت — جيوشُ الصبرِ تنهزمُ انهزاما
بربكِ أيها الأنوارُ ماذا — صنعتِ بساهرٍ ألِفَ الظلاما
بربك أيها الأمواجُ ظلَّت — على الشطئانِ ترتطمُ ارتطاما
أتيتُكِ أبتغي منك التأسِّي — وأَنشدُ في نواحيك السلاما
أراكِ فتحتِ لي شجناً جديداً — وكنتُ أرومُ للماضي التئاما
وَهَيتُ وخانني جَلَدِي وإلا — فهذي الدمعةُ الحرَّى علاما
أيا بلدَ التأسي كيف أنسَى — زماني فيكِ كهلاً أو غلاما
ويومَ أتيتُ مكتئباً عليلاً — أحسُّ البَينَ يدنو والحِماما
أجرجرُ فيكِ أقداماً ثقالاً — وأجمعُ مِن عزيمتيَ الحطاما
وعلاتي وأدوائي كبارٌ — شربنَ دمي وأبلَينَ العظاما
أراكِ فلا أبالي بالمنايا — وأَحمدُ عند شاطئكِ الختاما
وكم طافَ الرفاقُ وغادروني — كَعُوَّادٍ ومروا بي كراما
تمرُّ بيَ الحياةُ ولستُ أدري — أيومٌ مرَّ أم قضَّيتُ عاما
عرفتك والشتاءُ يمدُّ ظلا — وينشر في جوانبكِ الغماما
عرفتكِ والمصيفُ عليكِ زاهٍ — وقرنُ الشمسِ يضطرمُ اضطراما
عرفتكِ والعواصفُ فيك غضبى — نشرنَ على مُحَيَّاكِ القتاما
عرفتك والفلائكُ فيك بيضٌ — مجنحةٌ يحاكينَ الحَماما
عرفتكِ هادئاً والفجر غافٍ — كأَنَّ البحر وَسَّدَه فناما
عرفتك كالصديقِ بكلِّ حالٍ — وكنتِ شرابَ روحي والطعاما
وملحُكِ في دمي وشذاكِ باقٍ — وهذا الصوتُ أسمعُه دواما
تعالي صخرةَ الماضي أجيبي — وقوفُكِ وانتظارُكِ ذا إلاما
لقيتِ من العبابِ كما لقينا — من الأيَّام قرعاً واصطداما
كأنكِ للورى هدفٌ وهذي — جموعٌ تبتغي أمراً جساما
إذا ما أخفقوا رجعوا فُرَادَى — وإن هَمُّوا وجدتهُمُ زحاما
فؤادي إن تغيرتِ الليالي — فمثلكَ مَن رَعَى فيها الذماما
بلغنَا كعبةَ الآمالِ فاخشع — ودعنا في مناسِكهَا قياما
خُذِ السلوانَ من حجرٍ صموتٍ — فما أحراكَ بالحجرِ استلاما
بربكَ أينَ أحلامٌ غَوالٍ — وعمرٌ قد قطعناهُ نياما
وعهدٌ كانَ فيك ربيع وردٍ — كهذا اليومِ حُسناً وانسجاما
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البساط: البَسَاطُ : الأرض المستوية المنبسطة؛ وجلس في مكان بَسَاط.
- الساقي: السَّاقِي : فا.-: من يُقَدِّمُ الشّرابَ ج سُقَاةُ.
- العباب: العَبَابُ : العَبُّ، أي شرب الماء بلا تنفّس؛ أخذ العطشانُ الماء عَبَاباً.