إمسحوا عن ناظري كحل السهاد
الشاعر: ابن هانئ الأندلسي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة هجاء
«إمسحوا عن ناظري كحل السهاد» من شعر ابن هانئ الأندلسي، من العصر العباسي، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة هجاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إمسحوا عن ناظري كحلَ السُّهادْ — وانفضُوا عن مضْجعي شوك القَتادْ
أوْ خُذوا مِنّيَ ما أبْقَيْتُمُ — لا أُحبُّ الجسْمَ مسْلوبَ الفؤادْ
هل تُجيرُونَ محِبّاً منْ هَوىً — أو تَفُكُّونَ أسيراً من صِفاد
أسُلُوّاً عنكُمُ أهجُرُكُمْ — قلّما يَسْلُو عن الماءِ الصَّواد
إنّما كانتْ خطوبٌ قُيِّضَتْ — فَعَدَتْنا عنكُمُ إحدى العَواد
فعلى الأيّامِ من بَعْدِكُمُ — ما على الثَّكلاءِ من لُبسِ الحِداد
لا مَزارٌ منكُمُ يدنو سِوى — أن أرى أعلامَ هَضْبٍ ونِجاد
قد عقلْنَا العيسَ في أوطانها — وهي أنْضاءُ ذميلٍ ووِخاد
قَلَّ تَنْويلُ خَيالٍ مِنكُمُ — يَطَّبي بين جفونٍ وسُهاد
وحديثٌ عنكمُ أكثَرهُ — عن نسيم الريح أو بَرْق الغَواد
لم يَزِدْنَا القُربُ إلاّ هِجْرَةً — فرَضينَا بالتَّنائي والبِعاد
وإذا شاءَ زمانٌ رابَنَا — برقيبٍ أو حَسودٍ أو مُعاد
فهداكمْ بارقٌ مِنْ أضْلُعي — وسُقِيتُمْ بغَمامٍ مِن وَداد
وإذا انهَلَّتْ سماءٌ فَعَلى — ما رفَعْتُمْ من سماءٍ وعِماد
وإذا كانَتْ صلاةٌ فَعَلى — هاشِمِ البطحاءِ أربابِ العِباد
هُمْ أقَرُّوا جانبَ الدَّهرِ وهُمْ — أصْلحوا الأيّامَ من بعدِ الفَساد
من إمامٍ قائمٍ بالقِسْطِ أو — مُنذِرٍ مُنتخَبٍ للوَحي هَاد
أهلُ حوضِ اللّهِ يجري سلسَلاً — بالطَّهور العَذْبِ والصفو البُراد
أسِواهم أبتغي يومَ النَّدى — أم سواهم أرتجي يومَ المَعاد
هُمْ أباحوا كلَّ ممنوعِ الحِمَى — وأذلُّوا كلَّ جَبّارِ العِناد
وإذا ما ابتَدَرَ النّاسُ العُلى — فلهم عاديُّها من قبل عاد
فَلَهُمْ كلُّ نِجادٍ مُرْتَدىً — ولهمْ كلُّ سليلٍ مُستَجاد
تَطلَعُ الأقمارُ من تيجانهم — وعليهمْ سابغاتٌ كالدَّآد
كلُّ رَقراقِ الحَواشي فوقَهُمْ — كعيونٍ من أفاعٍ أو جَراد
فعلى الأجساد وَقْدٌ من سَنىً — وعلى الماذِيِّ صِبْغٌ من جِساد
بجِيادٍ في الوَغى صافِنَةٍ — تَفحَصُ الهامَ وأُخرى في الطِّراد
وإذا ما ضَرَّجُوهَا عَلَقاً — بَدَّلوا شُهْباً بشُقْرٍ وَوِراد
وإذا ما اختَضَبَتْ أيديهِمُ — فَرَّقوا بينَ الأسارى والصِّفاد
تلكَ أيدٍ وَهَبَتْ ما كسَبَتْ — للمعالي من طريفٍ وتِلاد
هم أماتُوا حاتماً في طيِّءٍ — مَيْتَةَ الدَّهْرِ وكعباً في إياد
وهُمُ كانوا الحيا قبل الحيا — وعِهادَ المُزنِ من قبل العِهاد
حاصَرُوا مكَّةَ في صُيّانَةٍ — عَقَدوا خيرَ حبىً في خيرِ ناد
فلهُمْ ما انجابَ عنه فَجرُها — من قَليبٍ أو مَصادٍ أو مَراد
أو شِعابٍ أو هضابٍ أو رُبىً — أو بِطاحٍ أو نِجادٍ أو وِهَاد
في حريمِ اللّه إذْ يَحمُونَهُ — بالعَوالي السُّمْرِ والبِيضِ الحِداد
ضارَبوا أبْرَهَةً من دونِهِ — بعدَما لفَّ بَياضاً بسَواد
شَغلوا الفيلَ عليه في الوغى — بتُوامِ الطَّعْنِ في الخَطْوِ الفُراد
فيهِمُ نارُ القِرى يَكنُفُها — مثلُ أجبالِ شَرَورَى من رماد
لهُمُ الجودُ وإنْ جادَ الورى — ما بِحَارٌ مُتْرَعاتٌ من ثِماد
وإذا ما أمْرَعَتْ شُهْبُ الرُّبَى — لم يكُنْ عامُ انتِقافٍ واهْتبِاد
لكمُ الذَّروةُ من تلك الذّرى — والهوادي الشُّمُّ من تلكَ الهَواد
يا أميرَيْ أُمراءِ الناس مِنْ — هاشِمٍ في الرَّيدِ منها والمَصَاد
وسَلِيلَيْ ليْثِها المنصور في — غِيلِها مِنْ مُرْهَفاتٍ وصِعاد
يا شَبيهَيْهِ نَدىً يَومَ نَدىً — وجِلاداً صادقاً يومَ جِلاد
إنّما عُوِّدْتُما في ذا الورى — عادةَ الأنواءِ في الأرض الجَماد
ما اصطناعُ النفس في طُرقِ الهوى — كاصْطناع النفس في طُرق الرشاد
إنَّ يحيَى بنَ عليٍّ أهلُ ما — جئتماهُ من جزيلات الأياد
كانَ رِقّاً تالِداً أوّلُهُ — فأتَى الفضْلُ بِرقٍّ مُستَفاد
كم عليهِ من غَمامٍ لكما — ولديه من رجاءٍ واعتِداد
عندَهُ ما شاءَتِ الأملاكُ منْ — عَزمةٍ فصْلٍ وذَبٍّ وذِياد
واضطلاعٍ بالّذي حُمِّلَهُ — واكتفاءٍ وانتِصاحٍ واجتِهاد
مِثْلُهُ حاطَ ثُغورَ المُلْكِ في — كلِّ دَهياءَ على المُلك نآد
أيُّ زَنْدٍ فاقدَحاهُ ثم في — أيِّ كفٍّ فصِلاها بامتِداد
وغنيٌّ مثلُهُ ما دُمْتُمَا — عن حُسامٍ وقَناةٍ وجَواد
إنَّ من جرَّد سيفاً واحداً — لمَنيعُ الركن من كيد الأعاد
كيف من كان له سيفا وغىً — منكما وهو كَمِيٌّ في الجِلاد
إن أكُنْ أُنبيكما عن شاكِرٍ — فلقد أُخبِرُ عن حَيَّةِ واد
نِعمَ مُنضي العِيسِ في ديمومَةٍ — ومُكِلُّ الأعوَجِيّاتِ الجِياد
تحتَ برقٍ من حُسامٍ أو غَمامٍ — من لِواءٍ أو وشاحٍ من نِجاد
نَبّهَا المُلكَ على تجريدِهِ — فهُوَ السيْفُ مَصُوناً في الغِماد
كمْ مقامٍ لكما من دونهِ — يُبْتَنى المجدُ على السَّبْع الشِّداد
نِعَمٌ أصْغَرُهَا أكبرُهَا — ويَدٌ معروفُها للخَلقِ باد
قد أمِنّا بعَمِيدَيْ هاشِمٍ — نُوَبَ الأيّامِ من مُمْسٍ وغاد
بالأمير الطاهرِ الغَمْرِ الندى — والحُسينِ الأبْلج الواري الزِّناد
ذاكَ ليثٌ يَضْغَمُ الليثَ وذا — حيَّةٌ تأكُلُ حَيّاتِ البِلاد
أنتُما خيرُ عَتادٍ لامرىءٍ — هو من بعدكما خيرُ عَتاد
بكما انقادَ لنا الدَّهْرُ على — بُعْدِ عَهدِ الدهرِ منّا بانقياد
وبما رفَّعْتُما لي عَلَماً — ينظُرُ النّجمُ إليه من بُعاد
والقوافي كالمطايا لمْ تَكُنْ — تَنبري إذ تنتحي إلاّ بِحاد
جوهَرٌ آليْتُ لا أُوقِفُهُ — موقفَ الذِّلَّةِ في سوق الكَساد
وإذا الشِّعْرُ تَلاقَى أهْلَهُ — أشرَقَتْ غُرَّتُهُ بعد اربِداد
وإذا ما قَدَحَتْهُ عِزَّةٌ — لم يَزِدْ غيرَ اشتِعالٍ واتِّقاد
كقَناة الخَطِّ إنْ زَعْزَعْتَهَا — لم تَزِدْ غيرَ اعتِدالٍ واطِّراد
يا بْنَيِ المنصورِ والقائمِ إنْ — عُدَّ والمهديِّ مهديِّ الرشاد
لا أرى بيْتَ مديحٍ شاردٍ — في سواكم غيرَ كفْرٍ وارتداد
ولقد جِئتُمْ كما قد شِئْتُمُ — ليس في فخركُمُ من مُستَزاد
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الحداد: الحِدَادُ : مصـ. -. ثياب المأتم والحزن؛ لبست المرأة ثياب الحدادِ. -: اتخاذ موقف للإشعار بالحزن على ميت.
- العواد: العَوَاد : الكراهة؛ ما تركت هذا الشخص إلاَّ عواذا منه.
- القتاد: القَتَادُ : شجر صلب له شوك كالإبر؛ (دونه خرط القتاد) مثل يُضرب للشيء لا ينال إلا بصعوبة.
- ذميل: الذَّمِيلُ : مصـ. -: السَّيْرُ السَّريعُ اللَّيِّنُ.