سمعت نعيها صما صمام
الشاعر: أبو العلاء المعري · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة عامة
«سمعت نعيها صما صمام» من شعر أبو العلاء المعري، من العصر العباسي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَمِعْتُ نَعِيّها صَمّا صَمَامِ — وإنْ قالَ العَوَاذِلُ لا هَمَامِ
وأمَتْني إلى الأجْداثِ أُمٌّ — يَعِزّ عَلَيّ أنْ سارَتْ أمامي
وأُكْبِرُ أنْ يُرَثّيها لِساني — بلَفْظٍ سالِكٍ طُرُقَ الطّعامِ
يُقالُ فَيَهْتِمُ الأنْيابَ قَوْلٌ — يُباشِرُها بأنْبَاءٍ عِظَامِ
كأنّ نَواجِذي رُدِيَتْ بصَخْرٍ — ولم يَمْرُرْ بهِنَّ سِوَى كلامِ
ومَنْ لي أن أصُوغَ الشُّهْبَ شِعْراً — فأُلْبِسُ قَبْرَهَا سِمْطَيْ نِظامِ
مَضَتْ وقد اكتَهَلتُ فخِلتُ أنّي — رَضِيعٌ ما بَلَغْتُ مَدى الفِطامِ
فيا رَكْبَ المَنُونِ أمَا رَسُولٌ — يُبَلّغُ رُوحَها أرَجَ السّلامِ
ذَكِيّاً يُصْحَبُ الكافُورُ مِنْهُ — بِمِثْلِ المِسْكِ مَفضُوضَ الخِتامِ
ألا نَبِّهْنَني قُيْنَاتِ بَثٍّ — بَشَمْنَ غَضىً فمِلْنَ إلى بَشامِ
وَحَمّاءَ العِلاطِ يَضيقُ فُوهَا — بما في الصّدرِ من صِفَةِ الغَرامِ
تَداعَى مُصْعِداً في الجيدِ وَجْدٌ — فغالَ الطَوْقَ منها بانْفِصَامِ
أشاعَتْ قِيلَها وبكَتْ أخاهَا — فأضْحتْ وهْيَ خنْساءُ الحَمامِ
شَجَتْكَ بظَاهِرٍ كقَريضِ ليْلى — وباطِنُهُ عَوِيصُ أبي حِزامِ
سألتِ مَتَى اللّقاء فقيل حتى — يَقُومَ الهامِدُونَ مِنَ الرِّجامِ
ولو حَدّوا الفِراقَ بعُمْرِ نَسْرٍ — طَفِقْتُ أعُدّ أعْمَارَ السِّمامِ
فلَيْتَ أذِينَ يَوْم الحَشْرِ نادى — فأجْهَشَتِ الرِّمامُ إلى الرّمامِ
ونَحْنُ السَّفْرُ في عُمْرٍ كمَرْتٍ — تَصَافَنَ أهْلُه جُرُعَ الحِمامِ
فصَرَّفَني فَغَيّرَني زَمَانٌ — سيُعْقِبُني بِحَذْفٍ وادّغامِ
ولا يُشْوي حِسابَ الدّهْرِ وَرْدٌ — له وِرْدٌ مِنَ الدّمِ كالمُدامِ
يُعَنّيهِ البَعُوضُ بكُلّ غابٍ — فَريشٍ بالجَماجِمِ واللِّمامِ
بَدَا فَدَعا الفَرَاشَ بناظِرَيْهِ — كما تَدْعوهُ مُوقِدَتَا ظَلامِ
بنَارَيّ قادِحَيْنِ قد اسْتَظَلاّ — إلى صَرْحَيْنِ أوْ قَدَحَيْ مُدامِ
كأنّ اللّحْظَ يَصْدُرُ عن سُهَيْلٍ — وآخَرَ مِثْلِهِ ذاكي الضّرَامِ
تَطُوفُ بأرضِهِ الأُسْدُ العَوادي — طَوَافَ الجَيْشَ بالملكِ الهُمامِ
وقالَ لِعِرْسِهِ بِيني ثَلاثاً — فما لَكِ في العَرِينَةِ مِنْ مُقامِ
وقد وطِئَ الحَصى ببَني بُدورٍ — صِغارٍ ما قَرُبْنَ من التّمامِ
أمُحْتَذِيَ الأهِلّةِ غَيْرَ زَهْوٍ — سَلَبْتَ مِن الحُلِيّ شهورَ عامِ
ولا مُبْقٍ إذا يسعى صُدُوعاً — غَوَائِرَ في الدّكادِكِ والإكامِ
حُبابٌ تَحْسَبُ النَّفَيَانَ منه — حَبَاباً طارَ عن جنَبَات جامِ
تَطَلَّعَ من جِدارِ الكاسِ كَيْما — يُحَيّيَ أوْجُهَ الشَّرْبِ الكِرامِ
يَهُمّ شَمَامُ أنْ يُدْعَى كَثيباً — إذا نَفَثَ السَّمَامَ على شَمَامِ
مَشَى للوَجْهِ مُجْتَاباً قَمِيصاً — كلامَةِ فارِسٍ يُرْمَى بلامِ
كدِرْعِ أُحَيْحَة الأوْسيّ طالتْ — عليه فهْيَ تُسْحَبُ في الرَّغامِ
نَسِيبُ مَعاشِرٍ وُلِدَتْ عليهِمْ — دُرُوعُهمُ فصارتْ كاللِّزامِ
كدَعْوَى مُسْلِمٍ ليَزيدَ حَمْل السْ — سَوابغِ في التّغاوُرِ والسلامِ
وتُلقى عنهُمُ لكَمالِ حَوْلٍ — كثِيراتِ الخُرُوقِ مِنَ السِّمامِ
على أرْجائِها نُقَطُ المَنايا — مُلَمَّعَةً بها تَلْيمعَ شامِ
إلى مَن جُبْتُ والحِدْثانُ طاوٍ — قبائلَ عامرٍ لا كُنْتَ عامِ
وقد ألِفوا القَنا فغدَتْ عليهِمْ — رِماحُهمُ أخَفّ منَ السّهامِ
كأنّ بَنَانَةً في الكفّ زِيدَتْ — قناةٌ غيرُ جاذِيَةِ القَوَامِ
وتَبْيَضّ البلادُ إذا أراحوا — بما نَضَحَتْه أخْلافُ السَّوامِ
ولَيْلاً تُلْحِقُ الأهْوالُ فيه — بفَوْدِ الشّيْخِ ناصِيَةَ الغُلامِ
إذا سَئمُوا الرّحالَ فكُلّ غِرّ — يَرَى صَرَعَاتِه خُلَسَ اغْتِنامِ
كأنّ جُفونَهُ عُقِدتْ برَضْوَى — فما يُرْفَعْنَ مِنْ سُكْرِ المَنامِ
لو أنّ حَصَى المُناخِ مُدىً حِدادٌ — أزَارَتْها النّحُورَ مِنَ السّآمِ
وجازَ إليَّ أبرادي هَجيرٌ — يَجوزُ من القِرابِ إلى الحُسامِ
يَرُدّ مَعَاطِسَ الفِتْيانِ سُفْعاً — وإنْ ثُنِيَ اللّثامُ على اللّثامِ
إذا الحِرْباءُ أظْهَرَ دينَ كِسْرَى — فصَلّى والنّهارُ أخُو الصّيامِ
وأذّنَتِ الجَنادِبُ في ضُحاها — أذَاناً غيرَ مُنْتَظَرِ الإمامِ
وغاضَ مِياهُنا إلاّ فِرِنْداً — إذا نَكَزَ المَوارِدُ جاشَ طامي
فأفْلَتَ سالِماً إلاّ بَقَايا — على أثْرَيْةِ مِنْ أَثَرِ القَتامِ
له ثِقَلُ الحَدائدِ فهْوَ رَاسٍ — وإصْعادُ التّلَهّبِ فهْو نامِ
كأنّ الضّبّ كان له سُجَيْراً — فحالَفَهُ على فَقْدِ الأُوَامِ
أقَلَّ عَمُودُهُ شَهْرَيْ رَبيعٍ — وقَيْظاً للمَنِيةِ في احْتِدَامِ
خِضَمٌّ لُجُّهُ سِيفُ الرّزايا — وصَفْحَتُه منَ المَوْتِ الزّؤامِ
وشَفْرَتُه حَذامِ فلا ارْتِيابٌ — بأنّ القَوْلَ ما قالتْ حَذامِ
تَوَارَثَهُ بَنُو سَامِ بْنِ نُوحٍ — ثَقِيلَ الغِمْدِ مِنْ دُرٍّ وَسَامِ
ولوْ أنّ النّخِيلَ شَكِيرُ جِسمي — ثَنَاهُ حَمْلُ أنْعُمِكِ الجِسامِ
كَفاني رِيُّها مِنْ كُلّ رِيّ — إلى أن كِدْتُ أُحْسَبُ في النّعامِ
وكمْ لكِ مِنْ أبٍ وَسَمَ اللّيالي — على جَبَهَاتِها سِمَةَ اللئامِ
مَضَى وتَعَرُّفُ الأعْلامِ فيهِ — غَنِيَّ الوَسْمِ عن ألِفٍ ولامِ
سقَتْكِ الغادياتُ فما جَهَامٌ — أطَلّ على محَلّكِ بالجَهامِ
وقَطْرٌ كالبِحارِ فلسْتُ أرْضَى — بقَطْرٍ صابَ مِن خَلَلِ الغَمامِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الفطام: الفِطَامُ : قطعٌ الولدِ عن الرَّضاع، تحسّنت صحةُ الولدِ بعد فِطامه/ إذا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيُّ ** تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِدِينَا
- بصخر: صخر: الصَّخرة: الْحَجَرُ الْعَظِيمُ الصُّلْب، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قِيلَ …
- بلفظ: لفظ: اللَّفْظُ: أَن تَرْمِي بِشَيْءٍ كَانَ فِي فِيكَ، وَالْفِعْلُ لَفَظ الشيءَ. يُقَالُ: لفَظْتُ الشَّيْءَ مِنْ فَمِي أَلفِظُه لَفْظاً رَمَيْتُهُ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ لُفاظةٌ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَصِفُ حِمَارًا: يُوا …
- رضيع: الرَّضِيعُ : الرَّاضِع؛ ما زال ولدُك طفلاً رضيعًا/ هو رَضيعي، أي أخي من الرِّضَاع/ هو رضيعُ اللؤم، أي لئيم.
- سالك: سأل: سَأَلَ يَسْأَلُ سُؤَالًا وسَآلَةً ومَسْأَلةً وتَسْآلًا وسَأَلَةً[[. قوله [وسَأَلَةً] ضبط في الأَصل بالتحريك وهو كذلك في القاموس وشرحه؛ وقوله قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: أسَاءَلْت، كذا في الأَصل، وفي شرح القاموس: وسَاءَلَه …