نــعــم قـبـضـت روح العـلا والفـضـائل
الشاعر: برهان الدين القيراطي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر برهان الدين القيراطي، من العصر المملوكي، وتقع في 92 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نــعــم قـبـضـت روح العـلا والفـضـائل — بــمــوت جـمـال الديـن صـدر الأفـاضـل
تــعــطــل مــن عــبـد الرحـيـم مـكـانـه — وغـــيـــب عـــنـــه فـــاضـــل أي فــاضــل
أحــقــاً وجــوه الفــقـه زال جـمـالهـا — وحــطــت أعــالي هــضــبــهــا للأسـافـل
لقـد هـاب طـرق المـذهـب اليـوم سالك — ولو كـان يـحـمـي بـالقـنـا والقـنابل
لقـد حـل فـي ذا العـام فـقـدان عالم — يــقــول فــلا يــلفــى له غــيـر قـائل
قــفــوا خــبـرونـا مـن يـقـوم مـقـامـه — ومـــن ذا يـــرد الآن لهـــفـــة ســائل
قــفــوا خــبــرونـا مـن يـوقـف ظـالمـاً — ويــجــزي فــي مــيــدان كــل مــنــاضــل
قــفــوا خـبـرونـا هـل له مـن مـشـابـه — قــفــوا خـبـرونـا هـل له مـن مـمـاثـل
فــأعـظـم بـحـبـر كـان للعـلم سـاعـيـاً — بــعــزم صــحــيــح ليــس بــالمـتـكـاسـل
وأعــظــم بــه يــوم الجـدال مـنـاظـراً — إذا قــال لم يــتــرك مــقـالاً لقـائل
وأسـيـافـه فـي البـحـث قـاطـعة الظبا — بــجــوهــرهــا لم يــفـتـقـر للصـيـاقـل
يــقــوم بــإنــضــاج المـسـائل مـرشـداً — لمــســتــفــهــم أو طــالب أو مــســائل
ويــجــمــيـع أشـتـات الفـوائد جـاهـداً — ويــســعــى بــجــد نـحـوهـا غـيـر هـازل
طــوى المــوت حــقــاً شــافـعـي زمـانـه — فــمــن بــعــده للأم وجــد الثــواكــل
ومــــذ رأتـــه خـــيـــر نـــجـــل لبـــره — بــهــا أرضــعــتــه مـن ثـدي الحـوافـل
أبــان الخــفــايــا شـارحـاً بـبـيـانـه — مــنــزهـة فـي الوصـف عـن سـحـر بـابـل
له قــدم فـي الفـقـه سـابـقـة الخـطـا — يــقــصــر عــنــهــا كــل حــاف ونــاعــل
تــبــارك مــن أعــطـاه فـيـه مـراتـبـاً — يـــقـــر له بـــالفـــضــل كــل مــجــادل
فــكــم كــان يـبـدي فـيـه كـل غـريـبـة — ويــظــهــر مــن أبــكــاره بــالعـقـائل
وكـم بـات يـحـيـى فـيـه ليـلاً كـأنـما — يـــصـــيــد دراري زهــره بــالحــبــائل
فــأفــلامــه قــيــد الأوابـد لم تـزل — يــقــيــد مــنــهـا كـل صـعـب التـنـاول
مــثــقــفــة ألفــاظــه حــلوة الجــنــى — فـمـا هـز فـي الحـاليـن غـيـر عـوامـل
مـضـى فـمـضـى فـقـه كـثـيـر إلى الثرى — وهــالت عــليــه التــرب راحــة هــائل
تــنــكــرت الدنــيــا ولكــن تــعــرفــت — بـطـيـب الثـنـا عـن فـضـله المـتـكامل
ومــا شــقــت الأفــلام إلا تــعــسـفـا — لفــقــدانــهــا بـالرغـم خـيـر أنـامـل
وكــم لبــســت ثــوب الحــداد مــحـابـر — لحـــبـــر غــدا فــي ســنــدسٍ أي رافــل
لقــد كــان للأصـحـاب مـنـه بـلا مـرا — جــمــال فــدع قـول الغـبـي المـجـامـل
حــوى مــن مــواريــث النــبــوة إرثــه — وحــاز حــقــيــقــاً سـهـمـه غـيـر عـائل
هــو النـجـم إلا أنـه البـدر كـامـلا — عـلى أنـه شـمـس الضـحـى فـي التـعادل
وبــلدتــه إســنــا مــحــلا ومــحــتــداً — ومـنـزله فـي الخـلد أسـنـى المـنـازل
إذا مــا أفـاد النـقـل فـهـو خـتـامـه — فــلا تــسـمـعـن مـن بـعـد نـقـل نـاقـل
صـــدوق لدى عـــزو النــقــول مــحــقــق — وحـاشـاه مـن تـلك النـقـول البـواطـل
وســحــبــان نـطـق فـي الدروس فـصـاحـة — فــدع مــن له فــي درســه عــيّ بــاقــل
يــؤدي مــن الأشـغـال بـالعـلم للورى — فــروضـاً ويـفـتـي مـقـدمـاً بـالنـوافـل
ويــنــهــر نــص الشــافــعــي ولم يــزل — يــنــاضــل عــنــه كــل خــصــم مــنـاضـل
حوى العلم والعلياء والجود والتقى — وحــاز بــســبــق فــضـل هـذى الخـصـائل
هـو النـجـم مـن أفق المعارف قد هوى — فــعــاد دجــى ضـوء البـدور الكـوامـل
هــو الجــبــل الراســي تــصــدع ركـنـه — فـــللأرض مـــيـــد بـــعــده بــالزلازل
فـمـن ذا تـطـيـب النـفـس يـوماً بقوله — إذا هــو أفــتـى فـي عـويـص المـسـائل
لئن مــهــد التــمــهــيــد مـضـجـعـه له — فــكــوكــبــه مــن بــعــده غــيــر آفــل
فـيـا عـالمـاً قـد أذكـر النـاس آخـراً — مـزايـا أولي العلم الكرام الأوائل
كـفـيـت الورى أمـر المـهـمـات نـاهضاً — بــأعــبــائهــا يـا خـيـر كـاف وكـافـل
وأعـلمـت فـيـهـا الدهـر حـتـى تـنـقحت — ولم تـشـتـغـل عـن أمـرهـا بـالشـواغـل
وأبــرزت مــكــنــون الجــواهــر للورى — لأنـــك بـــحـــر مـــاله مــن مــســاحــل
وأوضـحـت فـي الإيـضـاح للخـلق مشكلا — فــليــس يــرى فـي حـسـنـه مـن مـشـاكـل
وإن جــمــعــت أهــل العــلوم مــحـافـل — فــألغــازك العـليـا طـراز المـحـافـل
فــروقــك يــا مـن كـان للعـم جـامـعـاً — تــحــيــر أذهــان الرجــال الأمــاثــل
تـصـانـيـف لا تـخـفـي مـحـاسـنها التي — هــدايــتــهـا تـهـدي الورى بـالدلائل
وتــبــدو فــتـغـنـي عـن ريـاض أنـيـقـة — وتـتـلى فـتـغـنـي عـن سـمـاع البـلابل
تـمـحـض مـنـهـا القـصـد فـيـها فأرشدت — حـيـارى ثـووا مـن جـهـلهـم فـي مجاهل
تــوفــرت ســهــمـاً فـي الأصـول لأجـله — غدا السيف نائى الحد واهي الحمائل
لعـمـرك إن النـحـو يـا زيـد قـد بـدا — لمــوتــك فــي حــال مــن الحـزن حـائل
فــلو فــارســي الفــن غـامـرك اغـتـدي — لنــحــوك يــســعــى وهــو فـي زي راجـل
عـدمـنـاك شـيـخـاً كـم جـلا مـن عـلومه — عــقــائل صــيــنــت بـعـده فـي مـعـاقـل
وكـم جـاء فـي فـن الخـليـل بـن أحـمد — بــأحــمــد أقــوال أتــت بــالفــواصــل
لئن نــال أســبــاب الســمـاء بـعـلمـه — فــأوتــاده فــي المـجـد غـيـر مـزايـل
وأدمــعــنــا بــحــر مــديــد وحــزنـنـا — طــويــل لبــحــر وافــر الجــود كـامـل
وكـــان أبـــا للطــالبــيــن يــريــهــم — فـــواضـــله مـــقـــرونــة بــالفــضــائل
نــصــيــحـاً لطـلاب العـلوم جـمـيـعـهـم — فـلم يـأل جـهـداً عـنـد تـعـليـم جـاهل
يــحــرر فــي عــلم ابـن إدريـس للورى — دروســاً تــولى جــمــلهــا خـيـر حـامـل
ويــرشــد بــالتــهــذيــب طــلاب عـلمـه — فــيـنـظـر مـنـهـم كـامـلاً بـعـد كـامـل
ولا يــرتــئي فــي شـكـره غـيـر حـاسـد — ولا يــمــتـري فـي عـلمـه غـيـر نـاكـل
يــجــود بــأنــواع الفــضــائل جــهــرة — ويــجــهــد فــي إخــفــائهــا للفـواضـل
هو البحر علماً بل هو البحر في ندى — لقــد مــرج البــحــريــن مــنــه لآمــل
وإن ابــن رفــعــة لو تــقــدم عــصــره — طـوى نـحـوه البـيـداء سـيـر المـحامل
ولو شــاهــد القــفــال يــومـاً دروسـه — لمــا كــان يـومـاً عـن حـمـاه بـقـافـل
تـــرنـــم فـــي أمـــداحـــه كـــل صــادق — فــأطــرب فــي إنــشــادهـا سـمـع ذاهـل
ســأبــكــيــه بــالدريــن دمـع ومـنـطـق — لبـــحـــريــن مــن عــلم وبــر حــواصــل
لقــد هــجــرت صــاد المـنـاصـب نـفـسـه — كــمـا هـجـرت راء الهـجـا نـفـس واصـل
تــنــزه عــنــهــا وهــي لا تــســتـفـزه — بــزخــرفــهـا الخـداع خـدع المـجـامـل
ومــا مـد عـيـنـاً نـحـوهـا إذ تـبـرجـت — تــبــرج حـسـنـاء الحـلى فـي الغـلائل
ويـلقـاك بـالتـرحـيـب والبـشـر دائماً — فـــلم تـــره إلا كـــريـــم الشــمــائل
صــفــت مــنــه أخــلاق لقــاصــده كـمـا — صـفـا مـنـه للعـافـيـن شـرب المـنـاهل
أعــزى مــحــاريــب العــلا بـإمـامـهـا — وإن كــان مــأمــومــاً بــأعــظـم نـازل
أعــزى دروس الفــقــه بــعــد دروسـهـا — لتــصــديــرهــم مــن بــعـده كـل خـامـل
فـــقـــل لحــســود لا يــســد مــكــانــه — سـيـفـضـحـك التـخـجـيـل بـيـن المـحافل
بــحــق حــوى عــبــد الرحــيــم سـيـادة — وأعــداؤهــا كــم حــاولوهــا بــبـاطـل
تـــطـــاول قــوم كــي يــحــلوا مــحــله — فــمــا ظــفـروا مـمـا تـمـنـوا بـطـائل
أتــمــتــد نــحـو النـجـم راحـة قـاصـر — وأيــن الثــريــا مــن يـد المـتـنـاول
ومــن رام فــي الإقـراء عـالي شـأنـه — فــذلك عــنــد النــاس ليــس بــعــاقــل
أحــل جــمــال الديـن فـي الخـلد ربـه — ليــحــظــى بــعــفـو مـنـه شـافٍ وشـامـل
ورواه مـــولاه الرحـــيـــم بـــرحــمــة — يــحــيــيـه مـنـهـا هـاطـل بـعـد هـاطـل
ووافــاه رضــوان الجــنــان مــبــادراً — بــشــيــراً بــرضــوان ســريــع مــعـاجـل
وحــيــاه بـالريـحـان والروح والرضـا — إله البـرايـا فـي الضـحـى والأصـائل
لقـد كـان في الأعمال والعلم مخلصاً — لمــن لم يــضـيـع فـي غـد سـعـى عـامـل
فـــلهـــفــي لأمــداح عــليــه تــحــولت — مــراثــي تــبـكـي بـالدمـوع الهـوامـل
يــســاعــدنــي فــي الحـمـام بـشـجـوهـا — وأغــلبــهــا مــن لوعــتـي بـالبـلابـل
صــرفــت عــليــه كـنـز صـبـري وأدمـعـي — فــأفــنــيــت مــن هـذا وهـذا حـواصـلي
ســأنــشــد قــبــراً حــل فــيــه رثــاءه — وأســمــع مــا أمــليــه صــم الجـنـادل
ومـا نـحـن إلا ركـب مـوت إلى البـلى — تـــســـيــرنــا أيــامــنــا كــالرواحــل
قـطـعـنـا إلى نـحـو القـبـور مـراحـلاً — ومـــا بـــقــيــت إلا أقــل المــراحــل
وهــذا ســبـيـل العـالمـيـن جـمـيـعـهـم — فــمــا النــاس إلا راحـل بـعـد راحـل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الفقه: فقه: الفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ والفهمُ لَهُ، وغلبَ عَلَى عِلْم الدِّينِ لسِيادَتِه وَشَرَفِهِ وفَضْلِه عَلَى سَائِرِ أَنواع الْعِلْمِ كَمَا غَلَبَ النجمُ عَلَى الثُّرَيَّا والعُودُ عَلَى المَنْدَل؛ قَالَ ابْنُ الأَ …
- المذهب: المَذْهَبُ : الطريقة؛ (وللنّاسِ فيما يَعشقونَ مَذاهِبُ).-: المعتقَد الذي يذهب إليه الإنسان؛ ذهب مَذْهباً حسناً/ ما يُدْرَى له مذهبُ، أي أصْل.-: عند الفلاسفة، مجموعة من الأراء والنّطريات الفلسفية ارتبطت بعضها ببعض ارتباطا …
- بالقنا: قنأ: قَنَأَ الشيءُ يَقْنَأُ قُنُوءًا: اشْتَدَّتْ حُمرَتُه. وقَنَّأَهُ هُوَ. قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ: يَسْعَى بِهَا ذُو تُومَتَيْنِ مُشَمِّرٌ، ... قَنَأَتْ أَنامِلُه مِنَ الفِرْصاد والفِرْصادُ: التُّوتُ. وَفِي الْحَدِ …
- بموت: موت: الأَزهري عَنِ اللَّيْثِ: المَوْتُ خَلْقٌ مِنْ خَلق اللهِ تَعَالَى. غَيْرُهُ: المَوْتُ والمَوَتانُ ضِدُّ الْحَيَاةِ. والمُواتُ، بِالضَّمِّ: المَوْتُ. ماتَ يَمُوتُ مَوْتاً، ويَمات، الأَخيرة طائيَّة؛ قَالَ: بُنَيَّ، يَ …
- تعطل: تَعَطَّلَ يَتَعَطَّلُ تَعَطُّلاً : بقي بلا عمل؛ جعلني المرضُ أتعطّل أسبوعاً عن العمل/ تعطّلت الآلةُ، أي توقّفت عن العمل لخلل فيها/ تعطّلت القوانين، أي توقّف تطبيقها.- تِ المرأة: صارت بلا حُلِيّ.
- سالك: سأل: سَأَلَ يَسْأَلُ سُؤَالًا وسَآلَةً ومَسْأَلةً وتَسْآلًا وسَأَلَةً[[. قوله [وسَأَلَةً] ضبط في الأَصل بالتحريك وهو كذلك في القاموس وشرحه؛ وقوله قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: أسَاءَلْت، كذا في الأَصل، وفي شرح القاموس: وسَاءَلَه …