سَــــرَقَ اللصُّ وهــــو رَبُّ الدهــــاءِ

الشاعر: سليم عنحوري · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر سليم عنحوري، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

سَــــرَقَ اللصُّ وهــــو رَبُّ الدهــــاءِ — بـعـض مـالٍ مـمن جيب عبد الثراءِ

بــاحــتــيــالٍ ودربــةٍ واحــتــرازٍ — كــان مــنــهــا أليــفِ الف عـنـاءِ

لبـسَ الخـوفَ واكتسى الرُعبَ القى — بـــيـــديـــه حـــيـــاتـــهُ للبــلاءِ

كــان هــذا التــمـاسَ قُـوتِ عـيـالٍ — ضـاق عـنـهـا بالبؤس رَحبُ الفضاءِ

يـــالحـــي الله خـــلَّةً مـــذ المَّت — دفـــعـــتــهُ للخــطــة الشــنــعــاءِ

لا لعــمــري مــاكــان ذيّـاك لصّـاً — لو تــربــى مــن مــعــشــرٍ فـضـلاءِ

هـــذَّبـــوهُ واكــســبــوهُ نــشــاطــاً — واجــتــنــابَ الأضـرارِ والأسـواءِ

عـلَّمـوهُ عـلى النـفـوسِ اعـتـمـاداً — يُــنـتـج الدأب للغـنـى والنـمـاءِ

إن جــرثــومــةَ الرذائلِ فــيــنــا — ولَدَت مــــن تــــهــــاونِ الآبــــاء

صــبــيَـةٌ بـعـضـهـم يـسـبـق البـعـض — هـــزالاً بـــفــعــل ســوء الغــذاءِ

وبــنـاتٌ تـسـمـو المـلائكِ حـسـنـاً — بــاكـيـاتٌ يـرزحـن تـحـت الشـقـاءِ

حَــولَ أُمٍ تــقــرَّحــت مــقــلتــاهــا — مــن عــوادي الاقــلال والأرزاءِ

تـلبـس العُـري لا كـسـاءٌ يـقـيـها — لفـحـةُ البـرد لا وقـود اصـطـلاءِ

كـم نـهـارٍ كـم ليـلة قـد قـضـتها — بـــيـــن نـــوحٍ وحـــســـرة ودعـــاءِ

شُــرُفــاتــلإ بــلا سُــدُولٍ وسَــقــفٌ — دام بـالوَكـفِ مـمـطـراً سُـحـبَ مـاءِ

لا بـــســـاطٌ ولا فِــرَاشٌ وَ ثــيــرٌ — لا ســرَاجٌ يــنـيـل بـعـضَ الضـيـاءِ

ظُـــــلُمـــــاتٌ صَــــوَاعــــقٌ وبــــروقٌ — وريـــاحٌ تـــهــبُّ فــصــل الشــتــاء

اصـبـح القـبـر عـنـدهـا خـيرَ صرحٍ — والمـمـات المـمـات عـيـنَ الهناءِ

قَــعــدَ الزَوجُ بــرهــةً دون صُــنــع — فــيــهِ كَــســبٌ كــســائِر البــلداءِ

صــار لصــاًّ يــرجــو بــذك نــجــاةً — مــن بــلاءِ الاعــســار واللأواءِ

رَقَــبَ الصــيــرفــيَّ بـعـد انـصـرافٍ — وهو يمشي في السوق وقت العشاءِ

فـــدنـــا مــنــهُ والفــؤاد هــلوعٌ — فــي طــريــقٍ خَــلَت مــن الرقـبـاءِ

مــدَّ كــفًّاــ بــخــفــةٍ نــحــو جـيـبٍ — فــيــه ألفٌ مــن فــضَّةــٍ بــيــضــاءِ

ســلب المــال ثــم اســرع يــعــدو — بـــيـــن يــأس وخــشــيــةٍ ورجــاء

بــلغَ البــيــتَ بـعـدَ جـهـدٍ مُـذِيـبٍ — آمــنــاً مِــن ســعــايــةِ النـظـراءِ

بـفـؤادٍ يـبـغـي الكـفـافَ ليـحـيـى — وضــمــيــرٍ يــخــاف سُـخـطَ السـمـاءِ

وَلجَ الدارَ طــافِـحَ الوجـهِ بِـشـراً — حــاســبـاً نَـفـسـهُ مـن الأغـنـيـاءِ

افـرغ المـال ضـاحـكـاً بـين ايدي — فــتــيـةٍ يـجـهـلون طـعـمَ الحـسـاء

فَــرِحَ الكـلُّ بـالغـنـى بـعـد فـقـرِ — ثــم نــامــوا بــغــبــطــةٍ وعــزاءِ

اشــرفَ الجــارُ بـغـتـةً فـوق سـطـحٍ — مــذ وعـى السـرَّ عـادَ كـالحَـربـاءِ

كــم لئيــمٍ مـن مـثـل ذا يـتـزيـى — زِيَّ أهــل الاخــلاص وهــو مُــرآءِي

يَـزرعُ الشـرَّ مـوضـعَ الخـيـرِ بغياً — انــمــا البـغـيُ شـيـمـة اللؤمـاءِ

راح يــســعــى بـجـارهِ دون نـفـعٍ — لذوي الحـكـم تـحـت سـتـر الخفاءِ

قَــرَع البــاب شــرطــةٌ بـعـد نـصـف — الليــل هــبَّ النـيـامُ بـالبـرداءِ

عــايــنــوا الطُـرق عـاصَّةـً بـالوفٍ — يــزعــجــونَ الآفــاقَ بــالضـوضـاءِ

غــادروا النـومَ ركَّضـاً دون سـتـرٍ — غــيــرَ سِـتـر السـمـاءِ والظـلمـاءِ

بـعـضـهـم بـالزحـام يـسـحـق بـعضاً — ســائليــنَ الشُــرطــيَّ بــالايـمـاءِ

أي ويــــلٍ وايّ خـــطـــبٍ دهـــانـــا — تـلك حـال الفـضـول فـي الجـهلاءِ

امـسـكـوا اللص بـعـد ضـربٍ وشـتـمٍ — كــــبَّلــــوه ســــاقـــوهُ للايـــذاءِ

بــيـن نـدبٍ يـفـتّـت القـلبَ حُـزنـاً — وعــويــل الأولادِ بـعـد النـسـاءِ

ليــس يــدري أيــقــظــةٌ أم مـنـامٌ — مــا رأى مــن مــصــيــبــةٍ دهـمـاءِ

طــرحــوهُ فـي السـجـن بـيـن مـئاتٍ — مـــن رجـــالٍ زَعـــانـــفٍ ســفــهــاءِ

حــرَّضـوهُ عـلى ارتـكـاب الدنـايـا — والمـعـاصـي حـتـى لسـفـكِ الدمـاءِ

كــان قــبــلاً يــخـافُ سـرقـةَ مـالٍ — اصــبـح اليـوم أجـراَ الأشـقـيـاءِ

تـلك حـال السـجـون مـذ ألف عـامٍ — فــي بــلاد الجُهَـالِ والأغـبـيـاء

انـــمـــا الســـجـــن رادعٌ لذويــهِ — عــن فــعـال الطـغـام والارديـاءِ

فــيــهِ عــلمٌ صــنــائعٌ واشــتـغـالٌ — يــكــســب المــرء حـالة الادبـاء

مـحـكَـم الوضـع مُـتـقن الصُنع زاهٍ — صـــالحُ العـــيــش جــالبٌ للرخــاءِ

فــيـهِ كُـتـبٌ تـهـذّب الخُـلق قـسـراً — فـــيـــهِ طــبٌّ يــزيــلُ أَعــضــلَ داءِ

فــيــهِ قــومٌ ليــرشــدوا كـلَّ غـاوٍ — بـــحـــديـــثٍ ذي حـــكــمــةٍ وجــلاءِ

هـكـذا السـجـن فـي بـلادِ حَـبَـاها — مـــالكـــوهــا ذرائعَ الارتــقــاءِ

لا كــســجــنٍ حــوى جــحــيـمَ شـرورٍ — فــيـهِ تـنـمـو نـقـائصُ الادنـيـاءِ

زوجــةُ اللصّ بــادرَت بــعــدَ شـهـرٍ — نـحـو مَـغـنـى رئيـسِ رَهـط القـضاءِ

حــالَ دون اللقــاءِ حُــجَّاــب بــابٍ — نَــــفَــــحَــــت بـــليـــرةٍ صـــفـــراءِ

ادخــلوهــا مــقــصــورةً ذات عــرشٍ — فــوقــهُ مــاكــرٌ كــثــيـرُ الريـاءِ

قـــبَّلـــت هـــدبَ ذيـــلهِ ثــم خَــرَّت — فــرمــاهــا بــنــظـرةِ الكـبـريـاءِ

ســـألتـــهُ فـــكـــاكَ زَوجٍ أثـــيـــمٍ — رحــمــةً بــالبــنــاتِ والابــنــاءِ

وحَــبَــتــهُ بــعـضَ المـئاتِ نـقـوداً — فــاحــتــواهــا بــغــلظــةٍ وجـفـاءِ

قــال هــلاَّ ارضـيـتِ بـعـضَ رفـاقـي — فـــقـــوامُ الرؤوس بـــالاعـــضــاءِ

خــرجــت تــســبــلُ الدمـوعَ غِـزاراً — نــحــو قــاضٍ يــعـتـزُّ بـالفـحـشـاءِ

رامَ مــنــهــا لكــي تــنـالَ رضـاهُ — مــا يـرومُ السـفـيـهُ مـن حـسـنـاءِ

هــالهــا الأمــرُ أعـولت ثـم وَلَّت — دون جــدوى مــن فـاسـدِ الحـوبـاءِ

لزم الســـجـــنَ زوجُهــا ولصــوصُ ا — لحـــق فـــازوا بـــســـؤددٍ وعُــلاءِ

واللصـوصُ الكِـبـار صـاروا قُـضـاةً — للُّصــوصِ الصــغــار اهــل الشـقـاءِ

سلبوا المالَ عنوةً واستباحوا م — العـرض جـهـراً وهـم مـن العـظماء

واذا قــيـلَ مـن لَنـيـل المـعـالي — قــيــلَ هــذا وذاكَ دون امــتــراءِ

واذا عُــدّ مَــعـشَـرُ الفـضـلِ يَـومـاً — حــســبــوهـم مـن أفـضـل العـقـلاءِ

أبـــهـــذا ومـــثـــل هـــذا صـــلاحٌ — لا وربّ الأنــبــاء والانــبـيـاء

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • التماس: [ل م س]. (مصدر اِلْتَمَسَ). 1."اِلْتِمَاسُ العَفْوِ": طَلَبُهُ، رَجَاؤُهُ. 2."اِلْتِمَاسُ العُذْرِ" : إيِجَادُهُ.
  • الثراء: ثرا: الثَّرْوَة: كَثْرَةُ العَدَد مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ. يُقَالُ: ثَرْوَة رجالٍ وثَرْوَة مالٍ، والفَرْوة كالثَّرْوة فَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ إِلا فِي ثَر …
  • الدهاء: دها: الدَّهْوُ والدَّهاءُ: العقل، وقد دَهِيَ فلانٌ يَدْهَى ويَدْهُو دَهاءً ودَهاءَةً ودَهْياً، فهو داهٍ من قوم دُهاةٍ، ودَهُوَ دَهاءةً، فهو دَهِيٌّ من قوم أَدْهِياءَ ودُهَواءَ، ودَهِي دَهىً، فهو دَهٍ من قوم دَهِينَ. الته …
  • الشنعاء: الشَّنْعَاءُ : مذ أُشنَعُ، القبيحة بالغةُ القُبح؛ فََعْلَةٌ شَنْعَاء ج شُنْعٌ.
  • باحتيال: [ح و ل]. (مصدر اِحْتَالَ). "إِيَّاكَ وَالاحْتِيَالَ": إِيَّاكَ وَتَدْبِيرَ الحِيَلِ وَالْمَكائِدِ.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة