كــــــلا ولا لغــــــة له إلا الذي

الشاعر: ابراهيم ناجي · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر ابراهيم ناجي، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

كــــــلا ولا لغــــــة له إلا الذي — قـد جـال فـي عـيـنـيـك أو عـيـنـيّا

أو لفـظـة جـمـدت عـلى شـفـتـيك من — فــزَع كــمــا مــاتـت عـلى شـفـتـيّـا

أو حــســرة مــنــي إليــك وحــســرة — مـــرتـــدة مـــن نـــاظــريــك إليّــا

لا أنــت نــائيــةٌ ولا أنــا نــاءِ — إنـــي لديـــك مُـــقَـــيَّدٌ بـــوفـــائي

بـعـضُ الهَـوى يُـسـدي كـمِـنَّةـِ مُـنـعمٍ — وجـــمـــيــلُهُ دَيــنٌ رهــيــنُ قــضــاء

ويــقـلُّ عُـمـر الدهـر تَـوفـيَـةً لمـا — أســـدَيـــتِه بـــجـــمـــالكِ الوضَّاـــء

عُـمـر الزمـان فِـدى لسـاعـةِ مُلتقًى — سـمـحـت بـهـا الأقـدارُ ذاتَ مـسـاء

أنـتِ التـي عـلَّمـتِـنـي معنى الحيا — ةِ حــبــيــبــةً ونــجــيَّةــً وصــديـقـا

أنـكـرتُ مـعـنـاهـا بـغـيرِك واستوت — وتــشــابــهــت ســعــةً عـليَّ وضـيـفـا

وَوَددتُ لو غـــال الخـــلائقَ غــائلٌ — مُـفـنٍ أو اشـتـعَـل الصـبـاحُ حـريقا

وســلمـتِ أنـتِ فـأنـتِ أدنـاهـم إلى — روحــي وأبــعــدهُــم عــليَّ طــريـقـا

لا تـسـألِيـنـي عـن غـدٍ لا تـسـألي — فــغـداً أعـودُ كـمـا بـدأتُ غـريـبـا

هَــتَــكَ الســتــارَ مُـقـنَّعـٌ حـسـنـاتُه — يــخــفــيـن خـلفَ ريـائِهـن الذِّيـبـا

كــان التــلاقــي بـيـنـنـا كَـفَّاـرةً — للدهـــر عـــن آثـــامِه لِيَـــتــوبــا

فـلتَـذهَـبِ الحـسـنـاتُ غـيـرَ كـريـمةٍ — ســأَعُــدُّهُــنَّ عــلى المـتـابِ ذنـوبـا

أرنــو وحــيــداً للمــكـانِ الخـالي — كــأســي وكــأسُــك فـارغـانِ حِـيـالي

مــرَّ المــسـاء مُـخَـيّـبـاً فـتـسـاءلا — وتَـلَفَّتـا لكِ فـي المـسـاء التـالي

حـــتـــى إذا مَـــلا تَـــرَقُّبــَ عــائدٍ — يُــحــيــي وَيــبــعَــثُ مــيّـتَ الآمـال

بَـكَـيَـاكِ بـالحـبَـبِ الحـزيـنِ وربّما — بـكـت الكؤوس على النديم السالي

أرنـو إلى الصـهـبـاء غامَ شعاعُها — وامـتـدَّ نـحـو النـفـسِ ظـلُّ جـنابها

وكــأنــمــا روحــي هـنـاك حـبـيـسـةٌ — تـطـفـو وتَـرسُـبُ فـي خـطـوطِ حَبابها

وكــأن راهــبــةً هــنــاك ســجــيـنـةً — مــغــمــورةً بــدمـوعـهـا وعـذابـهـا

ظـلَّت تُـقـيـم عـلى الشـموعِ صلاتها — حـتـى تـلاشـى النُّور فـي مِـحرابها

كـم ذكـريـاتٍ فـي الحـيـاةِ عـزيـزةٍ — مَـــرَّت عـــليَّ فـــكـــنـــتِ أغـــلاهُــنَّ

حـتـى إذا عَـفـتِ الصـبـابةُ وانقضى — مــا بــيــنــنــا أَقــبَــلتُ أسـأَلهـنَّ

وسـألتُ عـنـك العـمـر مـاضِـيَه وحـا — ضِــرَه فــكــان العُــمــر أنــتِ وهُــنَّ

والله مــا غــدَر الزمــانُ وإنـمـا — هــانَــت عــليــكِ الذكــريـاتُ وهُـنَّا

يــا زهـرةً عـذراء تـنـشـر عِـطـرَهـا — وتُـذيـعُ فـي جـفـنِ الضُّحـى أحلامَها

لاقـيـتُهـا والريـحُ تـجـمـعُ شـملَها — والسُّحـبُ تـجـمـع بَـرقَهـا وغَـمـامَها

عــانــقــتُهــا ظـمـآنَ أشـربُ راحَهـا — واسـتـقـطـرت قـلبـي لتـمـلأ جامَها

فـإذا الريـاحُ نَـزَعـنَها عن خافقي — ضَــمَّتــ عــلى أنــفــاسِه أكــمـامَهـا

حُــلمٌ كــمــا لمـع الشـهـابُ تَـوارى — سَــدَلَت عـليـه يـد الزمـانِ سـتـارا

وحــبــيــسُ شَـجـوٍ فـي دمـي أطـلقـتُه — مـــتـــدفِّقـــاً وَدَعـــوتُه أشـــعـــارا

ووديــعـةٌ رَجَـعـت فـمـا خـطـبـي إذا — رُدَّ الذي كــــان الزمـــانُ أعـــارا

قد كان قلباً فاستحال على المدى — لحــنــاً تَــنَـاقَـلهُ الرُّواة فـسـارا

يـا حِـصـنِـي الغالي فقدتُك وانطوى — رُكــنــي وأقــفَــرَ مَــوئِلي ومَــلاذي

نـعـطـي ونـأخُذ في الحديث ومُقلتي — مـــســـحـــورةٌ بـــجــمــالك الأخَّاــذ

والدهـرُ يُـغـريـنـي فـأُعـرِضُ لاهـياً — فــيَــظَــلُّ يَــفــتِـنُـنـي بـتـلكَ وهـذي

والدهـرُ يَهـزِلُ والغـرامُ يَـجـدُّ بـي — مــا كـنـتِ سـاخـرةً ولا أنـا هـاذي

هـل كـان عـهـدُك قبل تشتيت النَّوى — إلا مــخــالســةَ الخــيـالِ الطـارقِ

إشــراقــةٌ وطــغــى عــليـهـا مَـغـرِبٌ — غـيـرانُ يَـخـطـفُهـا كـخـطـفِ السـارقِ

أو لمــعــةٌ لم تَـتَّئـد ذهـبـت بـهـا — دَكــنَــاءُ مــدَّت كــفّهــا مــن حــالقِ

وكـأن ثـغـرك والنـوَى تَـعـدُو بـنـا — شَــفَــقٌ يــلوحُ عـلى نـضـيـدِ زنـابـقِ

شـفـتـاك فـي لُجِّ الخـواطـرِ لاحَـتَـا — كـــالشـــاطِـــئيـــن وراءَ لُجٍّ ثــائر

لهـمـا إذا التـقـتـا عـلى أغرُودةٍ — خـرسـاءَ فـي ظـلِّ الجـمـالِ السـاحـر

إســعــادُ مــلهــوفٍ ونــجــدةُ غــارقٍ — وعــنــاقُ أحــبــابٍ وعَــودُ مــسـافـر

وبــراءةُ المــلكِ المُــتَــوَّجِ حُـسـنُه — بــجــمــالِ رحــمــنٍ وطــيـبـةِ غـافـر

صَـحِـبَ الحـيـاةَ فـآدَهُ اسـتـصـحابُها — ركــبٌ عــلى طُــرُقِ الحــيــاةِ كـليـلُ

خـدعـت ضـلالاتُ الحـيـاةِ تـبـيـعها — والدَّربُ وَعـــرٌ والطـــريــقُ طــويــل

فــتــلفَّتــَ الســارِي لعَــلَّ لعــيـنـهِ — يـــبـــدو صــبــاحٌ أو يــلوحُ دليــل

فـــبـــدا له نــورٌ وأشــرق مــنــزلٌ — أَلِقٌ ورفَّتــــ جــــنــــةٌ وخــــمـــيـــل

لكِ فــي خــيــالي روضــةٌ فـيـنـانـةٌ — غَــنَّى عــلى أغــصــانِهــا شــاديـهـا

يَـحـمِـي مـغـارسَهـا وَيَـرعَـى نـبـتها — راعٍ يُــجَــنِّبــُهـا البِـلَى ويـقـيـهـا

فــإذا النـوى طـالَت عـليّ وشَـفّـنـي — جُــرحـي وعـاد لمـهـجَـتـي يُـدمـيـهـا

نَــسَـقَ الخـيـالُ زهـورَهـا وورودهـا — فـقـطـفـتُهـا وشَـمَـمـتُ عِـطـرَكِ فـيـها

بـعـضُ الهـوى فـيـه الدمـارُ وإنما — بـعـضُ النـفـوسِ عـلى الدّمـارِ حِرَاصُ

فـيـكـونُ فـيـه القـيـدُ وهـو تَـحـرُّرٌ — ويــكــون فــيـه المـوتُ وهـو خَـلاصُ

آمــنــتُ بــالحــبِّ القــويّ وحــتــمِهِ — مــا مــن هــوايَ ولا هــواكِ مَـنَـاص

إن كـــان داءً فـــالسّــقــامُ دواؤُه — أو كــان ذنــبـاً فـالمَـتَـابُ قِـصـاص

أصــبــحــتُ والدنــيــا وداعُ أحِــبَّةٍ — ودمـــــوعُ خُـــــلانٍ وحــــزنُ رِفــــاق

فـسـخِـرتُ مـن صَـرَخـاتـهـم وبـكـائهم — لا دمــعَ إلا الدمـعُ فـي أحـداقـي

لا صــوتَ إلا صــوتُ حُـبّـك فـي دَمـي — أُصـــغـــي له وأراه فــي أطــواقــي

مـتـدفـقـاً مـثـل العُـبـاب ومُـزبـداً — مــتــفـجـراً كـالسَّيـل فـي أعـمـاقـي

ســاهــرتُ أحــلامَ الظــلام وكـلُّهـا — أشـــبـــاحُ هــجــر أو طــيــوفُ وَداع

مـــرّت مـــواكـــبُه عـــليَّ بــطــيــئةً — وإلى الفــنــاء مَــشَـيـنَ جِـدَّ سِـراع

حــتــى إذا سَــفَـكَ الصـبـاحُ دمـاءَه — وهــوى قــتـيـلُ الليـلِ بـعـد صِـراع

أبــصــرتُ فـي المـرآةِ آخـرَ قـصّـتـي — ونَــعَـى بـهـا نـفـسـي إليّ النـاعـي

يــا ربّ أرسـلتَ الأشـعَّةـَ هـا هـنـا — وهـنـاك تُـشـرِقُ فـي الحِـمَى والدُّورِ

ومـن الشّـمـوسِ دفـيـنـةٌ فـي خـاطري — مــخــبــوءةُ الأضــواء طــيَّ شـعـوري

وأُحِـسُّ فـي نـفـسـي نـقـاءَ سـمـائِهـا — أصــفَــى بِــرَونــقِهــا مــن البَــلُّور

يـا ربِّ أودعـتَ الضّـحـى فـي مـهجتي — وأنــا الذي أشــقَـى بـهـذا النـور

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الوضاء: وضأ: الوَضُوءُ، بِالْفَتْحِ: الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، كالفَطُور والسَّحُور لِمَا يُفْطَرُ عَلَيْهِ ويُتَسَحَّرُ بِهِ. والوَضُوءُ أَيضاً: الْمَصْدَرُ مِنْ تَوَضَّأْتُ للصلاةِ، مِثْلُ الوَلُوعِ والقَبُولِ. وَقِيل …
  • بجمالك: الجَمَالُ : صفة كلّ ما ُيعْجِبُ من حيثُ شكلُه من بين الأحياء؛ إنَّ الله يُحِبُ الجَمَال/ علم الجمال في الفلسفة يبحث في الجمال ومقاييسه ونظرياته.-: كلّ ما يعجب عند النظر إليه مادّياً أو معنوياً؛ جمال العقل والأدب.-: إحدى …
  • رهين: الرَّهِينُ : المرهون. ـ بالأمر: المأخوذ به كُلُّ امرِىءٍ بما كَسَبَ رَهِينٌ أي مجازَى بفعله/ أنا لك رهين بكذا، أي ضامن.

قصائد ذات صلة

  • إيه إنعام والمحاسن كثر
  • إنعام يا روح الندى وأنسه
  • يا جزيل الهبات والإنعامِ
  • هب علينا عطر أنسامٍ
  • ثغر كما يعشق الفنان بسام
  • إن تجد يا قلب قلباً قد لها
  • ذات مساء صفا المساء
  • لا القوم راحوا بأخبارٍ ولا جاؤوا