مــــن لنضوٍ يتنزّى ألما
الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 129 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــــن لنضوٍ يتنزّى ألما ... بــــرح الشوق به في الغلس
حنّ للبان وناجى العلما ... أيــــن شــــرق الأرض من أندلس
بلبل علّمه البينُ البيانْ ... بات في حبل الشجون ارتبكا
في سماء الليل مخلوعَ العنانْ ... ضاقت الأرض عليه شبكا
كلما استوحش في ظل الجنانْ ... جنّ فاستضحك من حيث بكى
ارتدى برنسه و التثما ... و خطا خطوة شيخ مرعس
ويــــرى ذا حــــدب إن جــــثــــمــــا ... فــــإن ارتــــدّ بــــدا ذا قــــعــــس
فمه القاني على لبّته ... كبقايا الدّم في نصل دقيقْ
مده فانشق من منبته ... من رأى شقّي مقص من عقيق
وبكى شجوا على شعبته ... شجو ذات الثكل في الستر الرقيق
سلّ من فيه لسانا عنما ... ماضيا في البث لم يحتبس
وتر من غير ضرب رنّما ... في الدجى بيت الجوى و البرحا
يتعايا بجناح و ينوءْ ... بجناح مذ وهى ما صلحا
ساءه الدهر ومازال يسوء ... ما عليه لو أسا ما جرحا
كلّما أدمى يديه ندما ... سالتا من طوقه والبرنس
فــــنــــبتْ أهدابه إلا دما ... قام كالياقوت لم ينبجس
مد في الليل أنينا وخفق ... خفقان القرط في جنح الشّعر
فرغتْ منه النوى غير رمق ... فضله الجرح إذا الجرح نعَرْ
يــــتــــلاشى نزوات في حرقْ ... كذبال آخر الليل استعر
لم يكن طوقاً و لكن ضرما ... مــــا على لبته من قبس
رحــــمــــة الله له هــــل علما ... أن تلك النفس من ذا النفس
قلت ما واديه قال الشجو وادْ ... ليس فيه من حجاز أو عراقْ
قلت لكن جفنه غير جوادْ ... قال شرّ الدمع ما ليس يراق
نغبط الطّير وما نعلم ما ... هــــي فــــيــــه مــــن عذاب بئس
فدع الطّير وحظّا قسما ... صــــيّــــر الأيــــك كدور الأنس
ناح إذ جفناي في أسر النجوم ... رسفا في السهد والدّمع طليق
أيها الصارخ من بحر الهموم ... ما عسى يغني غريق عن غريقْ
إن هذا السهم لي منه كلوم ... كــــلّنــــا نازح أيك وفريق
قلّب الدّنيا تجدها قسما ... صرّفت من أنعم أو أبؤس
وانظر الناس تجد من سلما ... من سهام الدهر شجّته القسي
يا شباب الشرق عنوان الشباب ... ثمرات الحسب الزّاكي النّميرْ
حسبكم في الكرم المحض اللّباب ... سيرةٌ تبقى بقاء ابني سمير
في كتاب الفخر للداخل باب ... لم يلجْه من بني الملك أمير
في الشموس الزّهر بالشام انتمى ... ونمى الأقمار بالأندلس
قعد الشرق عليهم مأتما ... وانثنى الغرب بهم في عرس
هل لكم في نبأ خير نبأ ... حلية التاريخ مأثور عظيم
حل في الأنباء ما حلت سبأ ... منزل الوسطى من العقد النّظيم
مثله المقدار يوما ما خبأْ ... لسليب التاج والعرش كظيم
يعجز القصّاص إلا قلما ... في سواد من هوى لم يغمس
يؤثر الصّدق ويجزي علما ... قــــلب العالم لو لم يطمس
عن عصامي نبيل معرق ... في بناة المجد أبناء الفخار
نهضت دولتهم بالمشرق ... نهضة الشمس بأطراف النّهار
ثم خان التاج ودّ المفرق ... ونبت بالأنجم الزّهر الديارْ
غفلوا عن ساهرٍ حول الحمى ... باسط من ساعدي مفترس
حام حول الملك ثم اقتحما ... ومشى في الدم مشي الضرس
ثأر عثمان لمروان مجاز ... ودم السبط أثار الأقربون
حسنوا للشام ثأراً والحجاز ... فتغالى الناس فيما يطلبون
مكر سواس على الدّهماء جازْ ... ورعاة بالرّعايا يلعبون
جعلوا الحق لبغي سلّما ... فهو كالسّتر لهم والتّرس
وقديماً باسمه قد ظلما ... كــــــلّ ذي مــــــئذنـــــة أو جـــــرس
جزيت مروان عن آبائها ... ما أراقوا من دماء ودموع
ومن النّفس ومن أهوائها ... ما يؤدّيه عن الأصل الفروع
خلت الأعواد من أسمائها ... وتغطّت بالمصاليب الجذوع
ظلمت حتى أصابت أظلما ... حاصد السيف وبيء المحبس
فطنا في دعوة الآل لما ... همس الشّاني وما لم يهمس
لبست برد النبي النيرات ... من بني العبّاس نوراً فوق نور
وقديماً عند مروان تراتْ ... لزكيّات من الأنفس نور
فنجا الدّاخل سبحاً بالفرات ... تارك الفتنة تطغى وتنور
غسّ كالحوت به واقتحما ... بين عبريه عيون الحرس
ولقد يجدي الفتى أن يعلما ... صهوة الماء ومتن الفرس
صــــحــــب الداخل من إخوته ... حدثٌ خاض الغمار ابن ثمانْ
غـــــلب المـــــوج عــــلى قــــوتــــه ... فكأن الموج من جند الزّمانْ
وإذا بالشط من شقوته ... صائح صاح به نلت الأمانْ
فانثنى منخدعا مستسلما ... شاة اغترتْ بعهد الأطلس
خضب الجند به الأرض دما ... وقلوب الجند كالصخر القسي
أيها اليائس متْ قبل المماتْ ... أو إذا شئت حياة فالرّجا
لا يضقْ ذرعك عند الأزمات ... إن هي اشتدت وأمّل فرَجا
ذلك الداخل لاقى مظلماتْ ... لم يكن يأمل منها مخرجا
قــــد تــــولّى عزّه وانصرما ... فمضى من غده لم ييأس
رام بالمغرب ملكا فرمى ... أبعد الغمر وأقصى اليبس
ذاك والله الغنى كلّ الغنى ... أيّ صعبٍ في المعالي ما سلك
ليس بالسائل إن هم متى ... لا ولا الناظر ما يوحي الفلك
زايــــل المــــلك ذويــــه فأتى ... ملك قوم ضيّعوه فملك
غمرات عارضت مقتحما ... عالي النفس أشم المعطس
كل أرض حل فيها أو حمى ... منزل البدر وغاب البيهس
نزل النّاجي على حكم النوى ... وتوارى بالسرى من طالبيه
غــــيــــر ذي رحلٍ ولا زاد سوى ... جوهر وافاه من بيت أبيه
قمر لاقى خسوفا فانزوى ... ليس من آبائه إلا نبيه
لم يجد أعوانه و الخدما ... جانبوه غير بدر الكيّس
من مواليه الثقات القدما ... لم يخنه في الزمان الموئس
حين في افريقيا انحلّ الوئامْ ... واضمحلّت آية الفتح الجليل
ماتت الأمة في غير التئام ... وكثير ليس يلتام قليل
يمن سلت ظباها والشآم ... شامها هندية ذات صليل
فرّق الجند الغنى فانقسما ... وغدا بينهم الحقّ نسي
أوحش السؤدد فيهم وسما ... للمعالي من به لم تأنس
رحموا بالعبقري النّابه ... البعيد الهمة الصعب القياد
مدّ في الفتح و في أطنابه ... لم يقف عند بناء ابن زياد
هجر الصيد فما يعنى به ... وهو بالملك رفيق ذو اصطياد
سلْ به أندلسيا هل سما ... من أخي صيد رفيق مرس
جرّد السيف وهزّ القلما ... ورمــــــى بــــــالرأي أم الخــــــلس
بسلام يا شراعا ما درى ... ما عليه من حياء وسخاء
في جناح الملك الرّوح جرى ... وبريح حفها اللطف رخاء
غسل اليمّ جراحات الثّرى ... ومحا الشدّة من يمحو الرّخاء
هــــل درى أنــــدلس مــــن قدما ... داره من نحو بيت المقدس
بسليل الأمويين سما ... فتح موسى مستقر الأسس
أمـــــــوي للعـــــــلا رحــــــلتــــــه ... والمــــعــــالي بــــمــــطي وطرق
كالهلال انفردت نقلته ... لا يجاريه ركاب في الأفق
بُــــنــــيــــت مــــن خُــــلق دولتــــه ... قد يشيد الدّول الشمَّ الخلق
وإذا الأخلاق كانت سلّما ... نالت النجم يد الملتمس
فارق فيها ترق أسباب السّما ... وعلى ناصية الشمس اجلس
أي ملك من بنايات الهمم ... أسس الداخل في الغرب وشاد
ذلك الناشئ في خير الأمم ... ساد في الأرض ولم يُخلَقْ يساد
حكمت فيه الليالي وحكم ... في عواديها قيادا بقياد
ســــلب العــــزّ بــــشــــرق فرمى ... جــــانــــب الغرب لعزٍ أقعس
و اذا الخير لعبد قسما ... سنح السعد له في النّحس
أيها القلب أحق أنت جارْ ... للذي كان على الدهر يجيرْ
هاهنا حلّ به الرّكب وسار ... وهنا ثاو الى البعث الأسيرْ
فلك بالسعد والنحس مدار ... صرع الجام وألوى بالمديرْ
هاهنا كنت ترى حوّ الدمى ... فاتنات بالشفاه اللعس
ناقلات في العبير القدما ... واطئات في حبير السندس
خذ عن الدنيا بليغ العظة ... قد تحلت في بليغ الكلم
طرفاها جمعا في لفظة ... فتأمل طرفيها تعلم
الأماني حلم في يقظة ... والمنايا يقظة في حلم
كل ذي سقطين في الجو سما ... واقــــع يوما وان لم يغرس
وسيلقى حينه نسر السماء ... يوم تطوى كالكتاب الدرس
أيــــن يا واحد مروان علم ... من دعاك الصقر سمّاه العقابْ
راية صرفها الفرد العلم ... عن وجوه النصر تصريف النقاب
كنت إن جردت سيفا أو قلم ... أبت بالألباب أو دنت الرقاب
ما رأى الناس سواه علما ... لم يــــرم فــــي لجــــةٍ أو يبس
أعلى ركن السماك ادّعما ... و تــــغطى بجناح القدس
قصرك المنية من قرطبة ... فــــيه واروك ولله المصير
صــــــدف خـــــط عـــــلى جـــــوهـــــرة ... بيد أن الدهر نباش بصير
لم يدع ظلا لقصر المنية ... وكذا عمر الأمانيِّ قصير
كنت صقرا قرشيا علما ... ما على الصقر إذا لم يرمس
إن تسل أين قبور العظما ... فعلى الأفواه أو في الأنفس
كم قبور زينت جيد الثرى ... قبل موت الجسم أموات النفوس
وعظام تتزكّى عنبرا ... من ثناء صرن أغفال النفوس
فاتخذ قبرك من ذكر فما ... تبن من محموده لا يطمس
هبْك من حرص سكنت الهرما ... أين بانيه المنيع الملمس
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- استوحش: وحش: الوَحْش: كلُّ شَيْءٌ مِنْ دَوَابِّ البَرّ مِمَّا لَا يَسْتأْنس مُؤنث، وَهُوَ وَحْشِيّ، وَالْجَمْعُ وُحُوشٌ لَا يُكسّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ حمارٌ وحْشِيٌّ وثورٌ وَحْشِيٌّ كِلَاهُمَا مَنْسُوبٌ إِلى الوَحْشِ. وَيُقَالُ … (لسان العرب)
- التثما: ثمأ: الثَّمْءُ: طَرْحُكَ الكَمْءَ فِي السَّمْنِ. ثَمَأَ القومَ ثَمْأً: أَطْعَمَهم الدَّسَم. وثَمَأَ الكَمْأَةَ يَثْمَؤُها ثَمْأً: طَرَحَها فِي السَّمن. وثَمَأَ الخُبزَ ثَمْأً: ثَرَده، وَقِيلَ زَرَده. وثَمَأَ رأْسه بِالْح … (لسان العرب)
- الشجون: شجن: الشَّجَنُ: الْهَمُّ والحُزْن، وَالْجَمْعُ أَشْجانٌ وشُجُونٌ. شَجِنَ، بِالْكَسْرِ، شَجَناً وشُجُوناً، فَهُوَ شاجِنٌ، وشَجُنَ وتشَجَّنَ، وشَجَنَه الأَمرُ يَشْجُنُه شَجْناً وشُجُوناً وأَشْجَنهُ: أَحزنه؛ وَقَوْلُهُ: يُو … (لسان العرب)
- الغلس: غلس: الغَلَسُ: ظَلَامُ آخِرِ اللَّيْلِ؛ قَالَ الأَخطل: كَذَبَتْكَ عُيْنُك أَمْ رأَيتَ بِوَاسِطٍ، ... غَلَسَ الظَّلام، مِنَ الرَّباب خَيالا؟ وغَلَّسْنا: سِرنا بِغَلَسٍ، وَهُوَ التَّغلِيسُ. وَفِي حَدِيثِ الإِفاضة: كنَّا نُ … (لسان العرب)
- القاني: قأن: القَأْنُ: شَجَرٌ، يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، وَتَرْكُ الْهَمْزِ فيه أَعرف. (لسان العرب)