علمت أن السيف بنّاء الدولْ
الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
علمت أن السيف بنّاء الدولْ ... وركنها في الآخرين والأول
ما زال في المماليك الأساسا ... به بناها من بنى وساسا
يقصر حبل الملك أو يمدّه ... مـــــا رســـــم الحـــــدود إلا حـــــدّه
لم يــــبــــنِ للفرس ولا الرومان ... حائط ملكها سوى اليماني
وأي دين بسوى السيف انتشر ... كم أيّدت بالسيف أديان البشرْ
لم يغن داعي الحقّ والفلاح ... عنها وأغنتْ صلّة السلاح
فــــلا تــــقــــولن بــــغــــت مــــروانُ ... ووطـــــأ المـــــلك لهــــا العــــدوانُ
كذاك قبل كانت الممالكُ ... وبعد لم تختلف المسالكُ
تنال بالقوة مبتغاها ... وإنما أذهبها أبغاها
في الشرق والغرب بنت أميّة ... ســــلطــــنــــة ليــــس لهــــا سميّهْ
خلاقةٌ على البسيطة احتوتْ ... شرق الثرى حازت وغربه حوتْ
حيزت بجند الحِيَل المجند ... وأحــــرزت بــــالرأي والمــــهــــنّــــد
احتازها من الجريء القلّبُ ... وغلب الليثَ عليها الثعلبُ
بنيان قطب الملك والرياسهْ ... داهية الأمور و السياسه
ونـــــــالهـــــــا مــــــن آله مــــــلوك ... تــــفــــاوتوا واختلف السلوك
فمنهمو الدرّ ومنهمو الحصا ... ومن هو السيف ومن هو العصا
خــــليــــفــــة بــــرّ وآخــــرٌ فــــجــــرْ ... ذا حجر الأرض وذا بعض الحجرْ
مــــــا تــــــلك إلا دولة الزمــــــان ... حــــــلّت مــــــحـــــلّ دولة الرومـــــان
مـــــن الطّـــــراز العــــربــــيّ الأوّل ... عــــلى الدخــــيل قطّ لم تعوّل
لم تعتمد على عقول فارس ... ولا ســــيــــوف الدّيــــلم الفــــوارس
كالشمس في الشرق زهتْ ضحاها ... والغرب لا يخرج عن رحاها
تقلّب الإسلام في رخائها ... وجــــرت الآمــــال فــــي رحــــائهــــا
وزخـــــرت بـــــالعــــلم والبــــيــــان ... وأخــــرجــــت فــــرائد الأعــــيــــان
حاز لواءَ الشعر فيها الزردقُ ... جــــريــــرُ والأخــــطــــلُ والفــــرزدقُ
وما رأي المنبر من عطفي ملك ... كابن أبي سفيان أو عبد الملك
أو كزياد خطبة إذا انبرى ... والثقفي حين يرقى المنبرا
ورزقـــــتْ أربـــــاب ســــيــــف قــــادهْ ... أعطتهمو الممالك المقادهْ
فنابها المهلّب الغضنفر ... وغابها قتيبة المظفر
سل ثبج البحر وعرض البرّ ... عن طول باع الفاتحين الغرّ
ابــــن نصير مرسل البزاة ... والحكم الحاكم في الغزاة
أمــــا دمــــشــــق فمقرّ الملك ... ومقعد التاج ونظم السلك
بل شامةٌ والشام جنة الثرى ... ترفّ فردوساً و تجري كوثرا
مهد معالي ملكهم وأسّها ... لا عجب أن يرفعوها للسّها
ظــــلّت عــــلى أيــــامهم تزيّد ... تعمرها يد و تكسوها يد
وتزلف الدنيا لها وتجبى ... وينثني بها الزمان عُجْبا
حــــتــــى جلتها دولة الوليد ... في أزين الطريف والتليد
وكـــــمـــــلت مــــحــــاســــن العــــروس ... وعــــوّذت بــــالجامع المحروس
تأنقت يد الوليد فيها ... واستبقت أكفُّ مترفيها
فأصبحت ْ حديقة الفنون ... وهيكلا من مرمر مسنون
تفيض من عجائب العمارة ... وحــــــجــــــر الصـــــلاة والإمـــــارة
ثم هوى أقمارها وأبعدوا ... فحلفتْ بعدهمو لا تسعد
رمتْ يد الدهر بني مروانا ... إن لكـــــــل مـــــــصـــــــرع أوانـــــــا
فذهبوا عن حسنات تذكر ... وســــيــــئات جــــمّــــةٍ لا تــــنكر
أما الأمور فهمو دهاتها ... دنتْ ودانت لهمو جهاتها
وهم على الأمر العظيم أصبر ... لا يقربون اليأس حتى يقبروا
أقوى بيوت العرب التئاما ... وخيرها بيتهمو وئاما
شبابهم من طينة الأبالس ... وشيبهم أنكر في المجالس
إذا جروا لغاية لم يحفلوا ... ما المركب الأعلى ولا ما الأسفل
منهم من استحسن قتل الآل ... ولم يـــــخـــــفْ مــــســــاوىء المــــآل
ومن رمى الكعبة بالحجارهْ ... وذعــــــر البــــــيـــــت وراع جـــــاره
و منهمو من مزّق الكتابا ... معاتباً يا قبحه عتابا
عاقر غلمانهمو المداما ... ولازمــــوا القيان والنّدامى
وانغمسوا في الشهوات والترفْ ... وأفسدوا شبان أبناء الشرفْ
رعوا على اليقظة ثم ناموا ... فــــأصبحت للأسد الأغنام
جــــنى عليهم سرف الأبوه ... وبغيهم على بني النبوّه
ونصبهم للحكم كل غاشم ... جــــرت يــــداه في دماء هاشم
ولعــــنهم خلاصة الأكابر ... أبا الزّكيين على المنابر
وغدرهم بابن نصيرٍ الوفي ... مشيد الدولة في البر وفي
أمسوا حماهم حرم الأمان ... وأصــــبــــحــــوا طــــريدة الزمان
مــــروان وهو منتهى أميّه ... لم يفقد العزم ولا الحميّه
قاتل حتى خانه المجالُ ... وأســـــلمـــــت دولتــــهــــا الرجــــال
والجند كالدنيا مع الموفّق ... أعوانُهُ على الشقيّ المخفق
فــــلم يــــزلْ مــــن بلد الى بلد ... بالنفس ينجو والنساء والولد
حتى رمى مصر به المصير ... وهــــيــــئت قــــبرا له بوصير
وآله بـــــيـــــن مــــخــــالب الأســــد ... يتنزع الروح و يهتك الجسدْ
قد وطئوا النّطوع لا النمارقا ... وطأطئوا للسائف المفارقا
دنياهمو مسدودة المذاهب ... ودورهــــــم لواهــــــب أو نـــــاهـــــب
وحــــزبــــهم ممتنع الهدوّ ... حثيثةٌ فيهم يد العدو
حــــتــــى إذا قيل خلتْ مروان ... وذهـــــب الســـــلطـــــان والأعـــــوان
تلفت الناس وراعهم عجب ... الكوكب الشرقي في الغرب احتجب
صقر قريش منعوه جلقا ... فطار في قرطبة وحلقا
أنشأ ملكا أمويا ضخما ... كملك كسرى رقعة وتخما
ودولة قصّر عنها قيصرُ ... سما بها الممدّن الممصّرُ
زهــــراء فــــي قــــرطــــبــــة تــــألق ... بغداد منها اقتبستْ و جلق
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الدول: دَوَلَ: الدَّوْلةُ والدُّولةُ: العُقْبة فِي الْمَالِ والحَرْب سَواء، وَقِيلَ: الدُّولةُ، بِالضَّمِّ، فِي المال، والدَّوْلةُ، بالفتح، في الْحَرْبِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ فِيهِمَا، يُضَمَّانِ وَيُفْتَحَانِ، وَقِيلَ: بِالض … (لسان العرب)
- الرومان: روم: رَامَ الشيءَ يَرومُهُ رَوْماً ومَراماً: طَلَبَهُ، وَمِنْهُ رَوْمُ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَما الَّذِينَ رَامُوا الْحَرَكَةَ فإِنه دَعَاهُمْ إِلى ذَلِكَ الحِرْ … (لسان العرب)
- العدوان: (عَدَوَ) الْعَيْنُ وَالدَّالُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَجَاوُزٍ فِي الشَّيْءِ وَتَقَدُّمٍ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ. مِنْ … (مقاييس اللغة)
- المسالك: سلك: السُّلُوك: مَصْدَرُ سَلَكَ طَرِيقًا؛ وسَلَكَ المكانَ يَسْلُكُه سَلْكاً وسُلُوكاً وسَلَكَه غَيْرَه وَفِيهِ وأَسْلكه إِيَّاهُ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ؛ قَالَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ رِبْعٍ الهُذَلِيُّ: حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُم … (لسان العرب)
- المماليك: (مَلِيَ) الْمِيمُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ. كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ. وَأَقَامَ مَلِيًّا، أَيْ دَهْرًا طَوِيلًا. وَتَمَلَّيْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَقَامَ مَعَكَ زَمَانًا طَوِيلًا. وَالْمَلَوَ … (مقاييس اللغة)
- اليماني: مني: المَنى، بالياءِ: القَدَر؛ قَالَ الشَّاعِرُ: دَرَيْتُ وَلَا أَدْري مَنَى الحَدَثانِ مَنَاهُ اللَّهُ يَمْنِيه: قدَّره. وَيُقَالُ: مَنى اللهُ لَكَ مَا يسُرُّك أَي قَدَّر اللَّهُ لَكَ مَا يَسُرُّك؛ وَقَوْلُ صَخْرِ الْغَ … (لسان العرب)
- بغت: بغت: البَغْتُ والبَغْتَةُ: الفَجْأَة، وَهُوَ أَن يَفْجَأَكَ الشيءُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً أَي فجأَةً؛ قَالَ يَزيد بْنُ ضَبَّةَ الثَّقَفِيُّ: ولكنَّهم ماتُوا، وَلَمْ أَدْرِ، بَغْتَةً، … (لسان العرب)