أما الإمام فالأغر الهادي

الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الرجز

هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 98 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أما الإمام فالأغر الهادي ... حامي عرينِ الحق والجهاد

العُــــمــــرانِ يــــأخــــذان عــــنــــه ... والقمران نسختان منه

أصلُ النبي المجتبَى وفرعُهُ ... وديــــنُه مــــن بــــعده وشَرعُهُ

وصفحتاهُ مقبِلًا ومدبرا ... وفي الوغا وحين يرقى المنبرا

يدنوا إلى ينبوعِه بيانا ... ويلتقي بحراهما أحيانا

الحــــجــــر الأول فــــي البناء ... وأقرب الصحبِ بلا استثناءِ

وأزهدُ الناس وفي الدنيا يدُه ... وأخشع العالم وهو سيده

وجــــامــــعُ الآيــــات وهي شتَّى ... وسُدَّةُ القضاءِ بابُ الإفتا

والسَّهـــــــِدُ الآوي إلى أشـــــــواقِه ... إذا الظلامُ مدَّ من رواقه

بحرُ الهوى والقوم رُكْبُ السُّفنِ ... كم من شِراعٍ دون عِبْرَيْهِ فَنِي

يا ليت شعري والأمور تَخفى ... والفكرُ في هذا الطريق يحفَى

ما ساءَ هذا الناس من عَليِّ ... وحـــــاد بـــــالنــــاصــــرِ والوليِّ

وغرَّ بالليث الذئابَ العاويهْ ... وسهَّلــ الغابَ على مُعاويهْ

قيل دم الشيخ الضعيفِ المُسلَمِ ... يطلبه الله وكلُّ مسلمِ

تــــركُ الإمامِ قاتِلَ الإمامِ ... أخــــلَّ بــــالهيْبة للزمامِ

وقيل بل أدلَّ بالمكانهْ ... ولو تصوَّرَ الخشوعُ كانهْ

والزهوُ أحيانًا من المعاني ... إن سال من معاطف الشُّجْعان

وقيل في سياسة الطباعِ ... وفي المداراة قصيرُ الباع

لو صــــانــــع الإمامُ أو تأنَّى ... ما بلغ الشاميُّ ما تمنَّى

وقيل عِلمٌ ما له انتهاء ... لم يَجرِ فيه الرأيُ والدهاءُ

في ثقةٍ بمن به لا يوثَقُ ... ولا يدوم عهدُه والمَوْثِقُ

ونبذُ رأي الناصح المماحضِ ... في قُحُم الأمر وفي المداحضِ

وقيل أخفى للثلاثة الحسدْ ... وكادتِ الجيفةُ تأكلُ الأسد

لا بل هو المنازعُ التوَّاقُ ... طِلبتُه الأعباءُ والأطواقُ

سما إليها بعيونِ الفضلِ ... وحنَّتِ الحسناءُ تحت العَضْلِ

من كان في منزله الرفيعِ ... يدرِ مكانَ مِنبَرِ الشفيعِ

وطالما استأخرَ غيرَ فاحمِ ... ولاذَ بــــالحياءِ لم يُزاحمِ

يا جبلًا تأْبى الجِبالُ ما حَملْ ... ماذا رَمت عليك ربَّةُ الجمل

أثأرُ عثمانَ الذي شجاها ... أم غُصةٌ لم يُنتزَعْ شَجاها

قضيةٌ مِن دمه تبنيها ... هبَّتْ لها واستنفرتْ بنيها

ذلك فتقٌ لم يكن بالبال ... كيدُ النساءِ مُوهِنُ الجبال

وإن أُمَّ المؤمنين لامْرأهْ ... وإن تَكُ الطاهرة المبرَّأهْ

أَخرجها من كِنِّها وسِنِّها ... ما لم يُزِلْ طولُ المدى من ضِغنها

وشــــرُّ من عَداكَ من تقيه ... ومُلقِيَ السلاح تلتقيه

جــــهــــزهــــا طلحةٌ والزُّبيْرُ ... ثلاثةٌ فيهم هدًى وخير

صاحبةُ الهادي وصاحبَاهُ ... فكيف يمضون لما يأباهـ؟

يا ليت شعري هل تعدَّوْا وبغَوْا ... أم دمَ ذي النورين بالحق بَغَوْا؟

جاءَت إلى العراق بالبنينا ... قاضين حق الأم محسنينا

فانصدعتْ طائفتين البصرهْ ... فريقُ خَذْلٍ وفريقُ نُصْرَهْ

أو ذادةُ البَــــيــــعــــةِ والذمــــامِ ... وقــــادةُ الفــــتــــنة والزمام

وانتهكَ الحيُّ دماءَ الحيِّ ... من أجل ميْت غابر وحيِّ

وجــــاءَ في الأسد أبو تُرابِ ... عــــلى مــــتــــون الضُّمَّرِ العِراب

يرجو لصَدعِ المؤمنين رأْبا ... وأمُّهـــــم تـــــدفَــــعُه وتــــأبــــى

وعجِزَ الرأيُ وأعيا الحلمُ ... وخُطبتْ بالمُرْهَفاتِ السِّلمُ

من كل يومٍ سافكِ الدماءِ ... تعوذ منه الأرضُ بالسماءِ

تجرُّ ذاتُ الطهرِ فيه عسكرا ... وتَذمُر الخيلَ وتُغري العسكرا

ظل الخِطامُ من يدٍ إلى يدِ ... كالتاج للأَصْيَدِ بعد الأَصْيَدِ

مستلَما توهَى الغيوثُ دونَهْ ... وبالدماءِ أنهُرًا يفدونه

حتى أراد الله إمساك الدم ... في كرمٍ لسيفه المقدَّم

وظــــــفــــــرتْ ألويـــــةُ الإمـــــام ... وألقــــتِ البــــصــــرةُ بالزمام

فـــــرُدَّتِ الأم إلى مـــــقـــــرِّهـــــا ... مبالَغًا في نقِلها وبِرِّها

وظلَّلت مَن حلَّ أرضَ الملحمهْ ... من الفريقين سماءُ المرحمهْ

هلْكى بكى البيت عليهمْ والحرَمْ ... الموتُ دون العهدِ غايةُ الكرمْ

يا يوم صفِّين بمن قضاكا ... هل أنصف الجمعان إذ خَاضَاكا

فيك انتهى بالفتنةِ التراقي ... واصــــطــــدم الشــــآمُ بالعراق

ونفدتْ بقيةٌ من صَحْبِ ... تلقتِ الطعنَ بصدرٍ رَحْبِ

بنو الظُّبَى، أبوَّةُ الأسنَّهْ ... آلُ الكــــتــــاب أولياءُ السُّنَّهْ

لقــــد وْفَــــى بــــدرٌ لهم أهلَّهْ ... وخُنْتَهُمْ مَشيخَةً أجلهْ

لو في بناء المجد ذلك الدمُ ... بل عمدوا لما بَنَوْا فَهدَموا

فيا مجالًا قصرَ الأعنَّهْ ... ومدَّ في اشتجارِها الأسنَّهْ

ترجرجتْ بالفئتين أرضهُ ... وضاق عنهم طولُهُ وعرضُهُ

ما كان ضرَّ نُصَرَاءَ البيعهْ ... لو صبَروا على الوغى سُويعهْ

بينا بنُودهم هي العوالي ... والنصرُ حولَ البيض والعوالي

غادرهُم بسحره معاويهْ ... كأنهم أعجازُ نخلِ خاويهْ

ألقى القنا وشرَّع المصاحفا ... يَنْشُدُ بالله الخميس الزاحفا

فلا تسلْ عن فشلِ العزائمِ ... ولم يزل طليعة الهزائمِ

انقطع النَّظمُ والانقيادُ ... وحكمتْ في الشُّكُمِ الجياد

وافتيتَ في الرأي على الأعيان ... وهُدِّدَ الإمامُ بالعصيانِ

ما كان في قبوله التحكيما ... عــــلى علو رأيه حكيما

لا يُرفعُ المُصحفُ كالدُّفوفِ ... والسِّلمُ لا تُذكَرُ في الصفوف

ورأيه في الأشعريِّ أعجبُ ... لله فــــيــــه قــــدَرٌ مُــــحــــجَّبــــُ

أين أبو موسى وأين عَمْرو ... لا يستوي مجرِّب وغمْرُ

أمَن دها قيصرَ والمقوقسَا ... كمَن على مصحفه تقوَّسا؟

قــــام فــــردَّ الرجــــليْــــن ونــــزل ... وقــــام عــــمرو فأقرَّ وعزل

أبى عليًّاــ وارتضى معاويهْ ... ونقَض المِنبرُ عَقد الزاويهْ

يَا زيْدَ كلِّ مُسرَجٍ ومُلجَمِ ... كيف علا غُرَّتَك ابنُ ملجم

أصاب قَرنًا لا تُرامُ شمسُهُ ... أعيا على الأقرانِ دهرًا لمسهُ

بالمرهَفِ المسموم فِيما قد ذُكِرْ ... وكلُّ شيءٍ قَتَلَ، الماضي الذَّكِرْ

يا شُؤمَ سيفٍ قطَع الصلاةَ ... واغترَّ ليثَ الغابة المِصْلاتا

ولم يكُ ابنُ ملجمٍ صُعلوكا ... بل غاليًا يقتحِمُ الملوكا

وضــــاريًــــا فــــي دمه العُدوانُ ... لم يَخلُ من أمثاله أوانُ

وقال قومٌ ذاك مُسلِمٌ نقِمْ ... حكومةَ القرآنِ فهو منتقِمْ

قولٌ غدَا عند النُّهَى مفروضا ... لو صح راح العالمون فُوضَى

الرأيُ للأمــــــــةِ فــــــــي الوُلاةِ ... وليـــــس للغِـــــصّـــــابِ والغُـــــلاةِ

وقتلُكَ الإنسانَ غِيلةً شَنِعْ ... الجبنُ أن تَقْتُلَ مَن لا يمتنعْ

النــــــفــــــسُ لله وللنــــــظــــــامِ ... والدمُ إحْدَى الحُرَمِ العِظام

فكيف بالبغْيِ على عَليِّ ... الراشـــــــدِ المـــــــقــــــرَّبِ الوليِّ

مـــــا لكَ والنـــــاسَ أبــــا تــــرابِ ... ليــــس الذئابُ لك بــــالأتــــراب

هم طردوا الكليمَ كلّ مَطرَدِ ... وأتعبوا عَصاه بالتمرُّدِ

وزُيِّنَ العِجلُ لهم لمَّاــ ذهبْ ... وافتتَنوا بالسامَريِّ والذهبْ

وبابن مريمٍ وشَوْا ونمُّوا ... واحتشدوا لصَلبهِ وهمُّوا

وأخرجوا محمدًا من أرضه ... وسَرحتْ ألسُنهُم في عِرضه

وغيَّبوا المسوِّيَ الفاروقا ... وخيرَ شمسَيْهم لهم شروقا

وذبحوا الشيخ على الفُرقانِ ... حتى بَكى الذِّكْرُ بدمعٍ قانِ

وهبَّ منهم من لحقِّكَ اختلسْ ... وفَجَعوك بالصلاة في الغلسْ

وأشرقوا الحسينَ بالدماءِ ... ملوَّحًا بين عيون الماءِ

فاسمُ سموَّ الزاهدِ الحواري ... فــــي درجــــات القرْبِ والجوارِ

إن زال مُلكُ الأرضِ عنك من ملكْ ... يا طولَ مُلكٍ في السماءِ تمَّ لك

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح:

  • العمران: عمر: العَمْر والعُمُر والعُمْر: الْحَيَاةُ. يُقَالُ قَدْ طَالَ عَمْرُه وعُمْرُه، لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، فإِذا أَقسموا فَقَالُوا: لَعَمْرُك فَتَحُوا لَا غَيْرُ، وَالْجَمْعُ أَعْمار. وسُمِّي الرَّجُلُ عَمْراً تَفَاؤُلًا أ … (لسان العرب)
  • الوغا: (وَغَا) الْوَاوُ وَالْغَيْنُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ. الصَّحِيحُ مِنْهُ الْوَغَى: الْجَلَبَةُ وَالْأَصْوَاتُ. وَكَلِمَةٌ يُقَالُ إِنَّ الْأَوَاغِيَ: مَفَاجِرُ الدِّبَارِ فِي الْمَزَارِعِ. (مقاييس اللغة)
  • بيانا: قولهم: حَيَّاكَ الله وبَيَّاك. معنى حَيَّاكَ مَلَّكَكَ، وبَيَّاكَ قال الاصمعي: اعتمدك بالتحية. وقال ابن الاعرابي: جاء بك. قال الراجز [[أبو محمد الفقعسى.]] : باتت تبيا حوضها عكوفا * مثل الصفوف لاقت الصفوفا [[بعده: وأنت لا … (الصحاح)
  • عرين: عرن: العَرَنُ والعُرْنَةُ: دَاءٌ يأْخُذُ الدَّابَّةَ فِي أُخُرِ رِجْلِهَا كالسَّحَج فِي الْجِلْدِ يُذْهِبُ الشَّعر، وَقِيلَ: هُوَ تَشَقُّق يُصِيبُ الخَيْل فِي أَيديها وأَرجلها، وَقِيلَ: هُوَ جُسُوء يَحْدُثُ فِي رُسْغِ رِ … (لسان العرب)
  • نسختان: سخت: السُّخْتُ: أَوّلُ مَا يَخْرُجُ مِنَ بَطْنِ ذِي الخُفِّ ساعةَ تَضَعُه أُمُّه، قَبْلَ أَن يَأْكُلَ، والعِقْيُ مِنَ الصَّبِيِّ سَاعَةَ يولَدُ، وَهُوَ مِنَ الْحَافِرِ الرَّدَجُ. والسُّخْتُ مِنَ السَّلِيل: بِمَنْزِلَةِ ا … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • سلو قلبي غداة سلا وثابا
  • قصيدة
  • سلام من صبا بردى أرق
  • أحب أشوفك كل يوم
  • ريم على القاع بين البان و العلم
  • قم للمعلم وفه التبجيلا
  • سلام من صبا بردى أرق
  • ولد الهدى فالكائنات ضياء