سَرَت لِنَواحي النَفسِ مِن جانِبِ الخِدر
الشاعر: مهدي أحمد خليل · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر مهدي أحمد خليل، من العصر الحديث، وتقع في 144 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَرَت لِنَواحي النَفسِ مِن جانِبِ الخِدر ... طَوارِقُ همٍّ ضاقَ ذَرعا بِها صَدري
فَزايَلتُه أَرتادُ مَلهىً فَمَرَّ بي ... فَتىً شمتُه يَختالُ في الناس كَالبَدر
سَباني بِلَفظٍ كان أَشهى مِنَ المُنى ... وَأَوقَعَ في نَفسي مِنَ العَفوِ عَن وِزري
فَسايَرتُهُ يَقتادَني الشَوقُ وَالهَوى ... وَبَينَ ذِراعَيهِ سَقَطتُ وَما أَدري
حَباني المُنى حيناً قَصيراً وَبَعدَه ... رَماني فَأَصماني بِسَهم مِن الهَجر
فَعادَ كَصَدري ضَيِّقاً كُلُّ ما أَرى ... وَعادَ بياضُ الحَظِّ أَسوَدَ من شَعري
فَلَو أَنَّ حَظّي تَحتَويهِ مَحابِرٌ ... غَنيتُ بِما اِستَمدَدتُ مِنها عَن الحِبر
فَوَلَّيتُ وَجهي شَطرَ مَصرَع عِفَّتي ... وَدابَرتُ وَجهَ الصَونِ في الزَمنِ النَضرِ
وَقارَفتُ في رَيق الشَبابِ مَخازِياً ... أَلَحَّتــ عَلى ما كانَ من شرفِ القَدر
مَرابِع مجدٍ أَقفَرَت جَنَباتُها ... فَأَمسَت خَلاءً من عِفافٍ ومن طُهر
جَهِلتُ طباعَ الكائِناتِ فَلَم أَزل ... أُدَنِّســـ فَرشَ الطُهرِ عَن طُرُقِ السِر
وَقد كانَ من نَقص التَجاريبِ إِنَّني ... جَهِلت بِأَن السِرَّ يَفضى إِلى الجَهر
طَهارَةُ نَفسٍ رُعتُها بِغَوايَتي ... فَوَلَّت عَلى حكم البِغاء من الذُعر
بِمال مُباعٍ بِعت عِرضي سَفاهَةً ... وَلم أَدرِ أَن العِرضَ خَيرٌ من التِبر
فجوزٌ سَرى في النَفسِ وَهيَ تَقِيَّةٌ ... فَكانَ سَواداً في خَلائِقي الغُرِّ
نكثتُ بِعَهدي لِلفَضيلَة فَاِغتَدى اِف ... تِضاحي جَزاءً لِلخِيانَةِ وَالغَدرِ
إِذا اِستَمرَأَت مَرعى الغَوايةِ أَنفسٌ ... فَهَيهاتَ أَن تَنكفَّ بِاللَومِ وَالزَجر
وَسبع سِنينٍ كنتُ فيهِن لَبوَةً ... تَصولُ عَلى الأَغرارِ بِالنابِ وَالظُفرِ
جَدعتُ بِها أَنفَ العفافِ وَهتَّكت ... اكفُّ الخنا ما كانَ دوني من سِتر
أَطــــوِّف في كُلِّ البِقاعِ كَأَنَّني ... أُفتش عن عقد تَناثَر من نَحري
عَــــلى مَهَــــل أَمــــشي الإِوَزّى تَدَلُّلا ... كَأَنّي أَقيسُ الأَرضَ بِالشِبرِ وَالفِتر
تَقاذَف جِسمي في النَهارِ شَوارِع ... وَإِن جَنَّ لَيلى جَنَّني مَوبِق العَهر
فَأَصبَحتُ سِرّاً باتَ في الناسِ فاشِيا ... وَقد كُنتُ من قَبل الخَنا بَيضَةَ الخِدر
وَقد كانَ لي ذِكرٌ تَضَوَّع عِطرُه ... فَأَصبَح في الآذانِ وَقراً عَلى وَقر
وَقَد كانَ صَدري مَوطنا لِمَبَرَّةٍ ... وَعطفٍ فَأَمسى مَوطنَ الكيد وَالخَتر
وَكنتُ عَلى عَهد اِعتِزازي بِعِفَّتي ... أَعيشَ بِفَينانٍ من العَيشِ مُخضَر
لِمَثوى البَغايا أَسلَمتني غَوايَتي ... لحريَّةٍ أَنكى لِنَفسي من الأَسرِ
أتاجر في عَرضي وَأَسخو بِبَذلِهِ ... لِكُلِّ فَتى يَسخو بِنائِلِهِ الغَمر
تُداوِلُني الأَيدي كانيَ سِلعَةٌ ... يغالي بِها التجارُ في السوم وَالسِعر
كَأَنّي لِسوءِ الرَأي قَد عُدتُ طِفلَةً ... تَنَقَّلُ من حِجر لِحِجر إِلى حِجر
كَأَنّي لطرّاق المَواخير مجزَم ... تَنَقَّلَ من خَصر لِخَصر إِلى خَصرِ
إِذا زُرتَني ظُهراً فَقَد زُرتَ بَوَّةً ... وَفي اللَيلِ اِذ تَأتى تَرى طَلعَة البَدر
تَصَنَّعتُ فيهِ الحسنَ وَالحُسنُ زُبدَةٌ ... إِذا واجَهَتها الشَمسُ ذابَت من الحُرِّ
لعــــمرُك إِن المَومساتِ بَراعِمٌ ... تَفَتَّحــ لَيلا ثُمَّ تذبُل في الظُهر
خُلِقن جُنوداً لِلشَياطينِ وُكَّلَت ... بِسلبِ التقى وَالعزِّ وَالعَقل وَالوَفر
لَهُـــــنَّ لَجـــــاجــــاتٌ شِــــدادٌ كَــــأَنَّهــــا ... لَجاجَةُ ربِّ البَيتِ في آخر الشَهر
وَيَــــشــــقــــى لَدَيهِنَّ الغَوِيُّ كَأَنَّه ... وَقد نالَ مِنهُ الذُلُّ مُستَخدَم مِصري
وَمن عجب يُجدي وَتَلقاه ماثِلا ... بِذِلَّةِ مُستَجدٍ وَوففةِ مُضطَر
يُجازي الفَتى وَصلا بِوَصل فَمالَه ... أَباحَ الرِبا حَتّى حَباهُنَّ بِالتِبر
تَجودُ عَلى تِلكَ البَغايا أَكفُّه ... بِما قَصَّرت عَنهُ يَدُ النيلِ في مِصر
وَلي ظاهِرٌ في الحُبِّ يَحلو مذافُه ... عَلى أَنَّهـــ يُطوى عَلى باطِنٍ مُرِّ
يُلاينُ عُشّاقى لِسانٌ مُخادِع ... وَوَجهٌ عَلاه زائِفُ الحُسنِ وَالبِشر
أَضــــاحِــــكُ زيداً بِاللِسان وَإِنَّني ... لأَقصدُ عَمراً حينَ أَرنو إِلى بَكر
تَكَلَّفتُ لينَ الطبعِ لِلغُرِّ خُدعَةً ... وَلكِــــنَّهــــ قَــــد شَفَّ عن خُلُق وَعر
يَراني نَسيمُ الرَوضِ لُطفاً وَرَفَّةً ... وَلكِنَّني أَقسى فُؤاداً من الدَهر
أَقولُ لَه لا تَنأ عَنّي فَساعةٌ ... بِبُعدِك عن عَينَيَّ أَطولُ من شَهر
وَإِنَّكــــ فــــي أَهليكَ إِن بِتَّ لَيلَةً ... يُخاصِمُني نَومي إِلى مَطلَع الفَجر
وَجَنبِيَ يَنبو حَشايا وَثيرَةٍ ... وَدَمعيَ طولَ اللَيلِ من فَوقِها يَجري
فَلَم أَرَ إِنساناً سِواكَ يَروقُني ... فَأَنتَ لَديَّ التِبرُ وَالناسُ كَالصُفر
فَزَيِّنــ بِتاجِ الماسِ رَأسي لكى تَرى ... ضَياءَ هلالٍ فَوقَ لَيلٍ من الشَعر
وَكَثِّر بِعِقدِ الدُرِّ فيكَ حَواسِدي ... لِيَهلِكن غَيظاً حينَ يامَعُ في صَدري
وَصع فَتخَةً في خِنصَري لِتَكونَ لي ... مذَكِّرَةً إِن كنتَ تَعزُب عن ذِكرى
وَما أَنسَ مِلأَشياء لا أَنسَ نائِلا ... جَنيتُ جناهُ من أَنامِلك العَشر
لساني وَقَلبي إِن وَفيتَ بِمَوعدي ... شَريكان في بَذلِ المَوَدَّةِ وَالشُكر
ثَناءٌ بِهِ طاشَت نَواحيِ لِلجَدا ... فَآنَستُ مِنهُ البَحرَ يَقذِفُ بِالدُرِّ
هو المَدحُ يَستَهوي الضِعافَ وَإِنَّهُ ... سَبيلُ اِعتِصار المالِ من راحَةِ الغُمر
فَلَم يَغدُ حَتّى آب أَوبَةَ قائِدٍ ... وَقد خَفَقت من فَوقه رايَةُ النَصر
حَمِدتُ لَهُ عودا فَقَد جاءَ شَيِّقاً ... بِشَتّى من الأَنداءِ جَلَّت عن الحَصر
وَلكِنَّها نُعمى وَإِن جل قَدرُها ... تقابلُ في عُرفِ الدَعارَةِ بِالكُفر
وَمن رامَ مَحضَ الوُدِّ من قلبِ مومِسٍ ... فَقَد رامَ نَبعَ الماءِ من ضَرَمِ الجَمرِ
وَقفتُ إِلى الشُبانِ في كُلِّ مَرصَد ... لأُنشِبَ أَظفاري بكلِّ فَتى مُثرِ
وَقد صدتُ مِنهم طائِرَ المالِ بَعدما ... نَصَبتُ لَهم أُحبولَةَ الخَتلِ وَالمكر
وَمن بَعضِ أَشراكي لَدَيهِم تَدَلُّلي ... وَتَفتيرُ أَجفاني وَمُبتَسَم الثَغر
فَتَحتُ لِصَيدِ المالِ حِجريَ بَعدَما ... وَأَدتُ بَناتِ الطُهر في ذلِك الحِجرِ
وَبي من هَوى الدينارِ حُبٌّ مُبَرِّحٌ ... وَما بي مِن حُبٍّ لِزيد وَلا عَمرِ
وَوا عَجَبا مِنهُم يَعودونَ بَعدَ ما ... تَرَكتُهموا خِلواً مِنَ البَيضِ وَالصُفر
وَلكــــن هــــذا المالَ طارَ مُبَكِّرا ... كَما طارَت الغِربانُ صُبحا من الوَكرِ
ظَفِرت بيسر لَم يَدم لي زَمانُهُ ... وَيا رُبَّ عُسر جاء في أَثر اليُسر
وَيا لَيتَني أَعدَدتُ بَيضَ دَراهِمي ... لِتَخفيفِ آلامي بِأَيّاميَ الغُبرِ
فَكَفي أَساءَت عِشرَةَ المالِ ضَلَّةً ... وَلَم تُبقِ من كُثر لَدَيَّ وَلا نَزر
رَماني الهَوى في حِجر خِبّ مُخادِع ... تَمَلَّكني بِالحُبِّ من حَيثُ لا أَدري
أَهَــــشُّ إِذا ما زارَني مُتَفَضِّلا ... وَإِن غابَ عَنّي عيلَ في بُعده صَبري
وَكم لَيلَةٍ أَنحى لِقَلبي وَمَسمَعي ... بِسَهمَين من هَجر مُمِضٍّ وَمن هُجر
وَفي لَيلَةٍ أَنحى عَلى المالِ خِفيَةً ... وَوَلّى بِما أَبقَيتُ لِلدَّهرِ من ذُخر
فَبِتُّ وَذُلُّ الفَقرِ يُقلقُ مَضجَمي ... وَيُلِمني همُّ الدُيونِ إِلى الفكر
إِذا ما جَمعتَ المالِ من غير حِلَّه ... فَإِن قُصارى ما جمعتَ إلى النَثر
تَجَمَّعَتِ الأَمراضُ فيَّ فَهِجتُها ... أَبابيلَ تَرمى كُلَّ مُستَهتَرٍ غِرِّ
فادخلُه الماخورَ خِلوا من الضَنا ... وَأُخرجُه والداءُ في جِسمِهِ يَفري
فَكم سيلانٍ من أَخيه رَمى بِهِ ... إِلَيَّ فكان السمَّ في جَسدي يَسري
وَمن قَبله أَزجى اليَّ ابنُ عمه ... جَراثيمَ سُلَّ بتن يَرعَين في سَحري
وَقَفّى عَلى آثارِهِ بَعضُ صَحبه ... بِحُمّى تَبيتُ اللَيل في أَعظُمي تَبري
عَــــوامِــــلُ جَــــزم لِلحَــــيــــاةِ وَإِنَّهــــا ... لأَنكى بِجُثماني من البيضِ وَالسُمر
عِصابَةُ بغيٍ مزقت ثَوبَ صِحَّتي ... فَلا غَروَ إِمّا قُمتُ آخذُ بِالثَأرِ
بَليت بِلى الأَطلالِ إِن لَم أَرُعهُمو ... بِمُختَلِفِ الأَدواءِ تَأكلُ في العُمر
أُعاقبهم كي لا يَعودوا وَإِنَّه ... من الحَزمِ عِندي دَفعُك الشَرَ بِالشر
عَدَتني المُنى إِن كُنتُ أُشفِق مرَّةً ... عَلى خائِن عَهدَ الفَضيلَة وَالطُهر
وَكلُّ امرىء يَجني عَلى الطُهر وَالتُقى ... فَعَمّا قَليلٍ مِنهُ يَنتَقِمُ الزُهرى
نَصحتُ إِلى الشبانِ أَبغي سلوكهُم ... سَبيلَ رشادٍ في الحَياةِ بِلا أَجر
همو اِستَعبدتهُم في الخَنا شَهَواتُهم ... وَيا رُبَّ عبدٍ في ثِياب فَتى حُر
تَراهُم بِمَثوى الموبِقات تَزاحَموا ... تَزاحمَ أَسرابِ الهمومِ عَلى صَدري
أَراهم بِسوقِ اللَهوِ باعوا رَشادَهم ... وَلم أَر في سوقِ المَحامِدِ من يَشري
يكرُرون في مَثوى المَخازى فَإِن دُعوا ... لِمَأثُرَةٍ حثّوا المَطايا عَلى الفَرِّ
همو اِمتَلَئوا إِلّا من العِلم وَالحجا ... وَهم فَرَغوا إِلّا من الزَهوِ وَالكِبر
إِذا هَبَطوا قالوا القَضاءُ وَإن عَلوا ... يَقولوا بِأَن الفَضلَ لِلعَقلِ وَالحِذر
وَأَحياءُ بِالأَجسامِ مَوتى بِأَنفُسٍ ... يَعيشون كَالأَبقارِ لكن بِلا دَرِّ
وَبي منهمو وجدٌ تَأَجَّجَ مِثلَما ... تَأَججت النيرانُ في منيةِ الغَمر
وَهم في عيونِ المَجدِ أَشبهُ بِالقَذى ... وَهم في خُدودِ الفَضلِ أَشبهُ بِالبَثر
بِمَنظرِهم تَقذى العيونُ وَإِنَّهُم ... على خِفَّةِ الأَحلامِ أَثقلُ من صخر
سوادُ نفوسٍ تحتَ بيضِ مَعاطِفٍ ... وَنتنُ خلالٍ تَحتَ نافِجَةِ العِطر
أُقَلِّبُ طَرفى في البِلاد فَلا أَرى ... أخا ثِقَةٍ منهم أَشُدُّ به أَزرى
مَلِلتُ حَياتي بَينَ قَوم حَديثُهُم ... يَدورُ عَلى الأَزياءُ وَالخَمر وَالقَمرِ
وَما كان صَوتُ الرَعدِ في سوءِ وَقعِهِ ... بِاَوقَرَ لِلآذانِ من كاذِبِ الفَخر
همو رَهنوا حَتّى المَساكِنَ خِفيَةً ... لكي يُنفِقوا الأَموالَ في اللَهوِ وَالسُكرِ
إِذا ما سَكَنتَ القَصرَ وَالرَهنُ مُغلَق ... فَقَصرُك في العَينَين أَشبَهُ بِالقَبر
وَرُبَّ اِبتِسامٍ شَفَّ عن مُضمَرِ البُكى ... وَرُبَّ يَسارٍ شَفَّ عن مُضمَرِ العُسر
غِنى النَفسِ بِالتَهذيبِ أَجدى من الغِنى ... بِمال يَسوقُ المُسرِفين إِلى الفَقر
فَإِن عِشتُ لَم أَترك تُراثا لِوارِثٍ ... تَــــبدِّدُه كَفاه في بُؤَر العَهر
إِذا العِلمُ لَم يَثنِ النُفوس عَن الهَوى ... فَذو الجَهل بَينَ الناسِ خَيرٌ من الحِبرِ
وَحُسنُ الفَتى بَينَ الوَرى بِخِلالَه ... كَما أَن حسنَ الرَوضِ في عاطِرِ النَشر
وَما خَيرُ عَقلٍ لا يَصونُك من أَذى ... وَما خَيرُ عَينٍ لا تَقيكَ من العَثر
وَصَعبٌ تَرَقّى المَرءِ في دَرَجِ العُلا ... وَسَهلٌ تَدَلّى المَرءِ في دَرَكِ الحَدر
هو الهَمُّ مِقراضُ الحَياةِ وَإِنَّما ... يَطولُ رِشاءُ العُمرِ بِالصَفوِ وَالبِشر
وَإِن أَصلَحَ الحرمانُ من شَأنِ ناشىء ... فَذلكمو الحِرمانُ نَوعٌ من البِرِّ
تَنمُّ عَلى أَصلِ الفَتى إِن جَهلتَه ... خِلال كَما نَمَّ الأَريجُ عَلى الزَهر
مَــــســــاءَةُ زيــــد في مَسَرَّةِ خالِد ... وَان اِبتِسامَ الزَهر من مَدمع القَطر
إِذا الأُمُّ لَم تُنجِب فَلا دَرَّ دَرُّها ... وَيا رُبَّ نَسل كانَ شَرّاً من العُقرِ
بَنو وَطن الاِنسانِ أَولى بِبِرِّه ... وَأُمُّ الفَتى أَحنى عَلَيهِ من الظِئر
وَنُصحُ الفَتى أَعمى بَصيرَتَه الهَوى ... يَراهُ ذَوو الأَحلامِ ضَرباً من الهَذر
هو الغِرُّ يَدري ما بِمَنزلِ غيره ... وَلَيسَ بِما يَجري بِمَنزله يَدري
جَبانٌ إِذا اِستَنجَدتَه لَعظيمةٍ ... وَأجرَأ من لَيثٍ بِخَفّانَ في الشَر
لَعَمرُكَ ما أَدري إِذا ما نَظَرتُه ... أَكانَ فَتىً ما شِمتُ أَم دُميَةَ القَصرِ
فَتىً راقَهُ لُبسُ القَباطي وَإِنَّها ... لأَخزى له في الناسِ من مَلبَس الطِمر
وَفَخرُ الفَتى بِالنَفسِ لا الجِسمِ إِنَّني ... أَرى الفَضلَ في الأَثمارِ لِلُّبِّ لا القِشر
وَيفضُل ثَوبُ القُطنِ ثَوباً مُبَرقِشا ... من الخَزِّ لا يَحمي من الحر وَالقُرِّ
وَمن حَكَّمَ الاسرافَ في ذاتِ مالهِ ... رمته عَوادي الدَهر بِالبُؤس والعُسر
عَلى المُسرِفينَ اقضوا بِحَجرٍ فَإِنَّهُم ... أَحقُّ من الأَطفالِ في الناسِ بِالحَجر
فَكَم آل بِالإِسرافِ كُثرٌ لِقِلَّةٍ ... وَكَم قِلَّةٍ بِالقَصد آلَت إِلى الكُثرِ
وَبالمالِ صونُ الدينِ وَالعِرضِ وَالنُهى ... كَما أَن صونَ العَينِ بِالهُدب وَالشَفرِ
وَمن باعَ أَخراه بِدُنياهُ طالِبا ... مُعَجَّلَ رِبحٍ باءَ في الناسِ بِالخُسرِ
وَمن كانَ أَتّاءَ البَغايا فَأُختُه ... سَتَقفو خطاه في البِغاء عَلى الإِثر
وَلِلغيدِ دولاتٌ تدولُ وَتَنقَضي ... إِذا وَلَّت الأَيّامُ بِالحِبرِ وَالسِبر
وَهل ترجِعُ الأَيّامُ عِزّيَ بَعد ما ... بَنيتُ بِها صَرحَ العفافِ عَلى الكَسرِ
وَهل يَغسِلُ العارَ الَّذي اِنتابَ سُمعَتي ... مَعاذيرُ خطت سَطرَها قِلَّةُ الخُبر
وَهل راجِعٌ ذاكَ الشَبابُ الَّذي مَضى ... فَــــأَرجعَ فيهِ لِلعَفافِ وَلِلطُّهر
وَلى العُذرُ في بِدءِ الصَبابَةِ وَالهَوى ... وَلكِن عَليَّ الذَنبُ في آخِرِ الأَمرِ
وَإِن كُنتُ في الماضي أَسَأتُ لِعِفَّتي ... فَقَد جِئتُ أُدلى الآنَ لِلطُّهرِ بِالعُذر
فَغُفرانَك اللَهُمَّ ذَنبي تَفضلا ... فَعاصيكَ أَولى الناسِ بِالصَفحِ وَالغَفرِ
كَفاني من التَعذيبِ ما قَد لَقِيتُه ... من العَيشِ بَينَ العارِ وَالخِزي وَالفَقرِ
وَفُقدان عزى في البَغاءِ وَصحتي ... وَسُكنايَ بَعدَ القَصر في الموحِشِ القَفر
ثَوَيتُ بِقَبري بَعدَ عِشرينَ حِجَّةً ... وَثنَتين كانَت مَبعَثَ البُؤسِ وَالشَرِّ
دَفنتُ بِهِ آلامَ نَفسي وَقبل ذا ... دَفنتُ بهِ الآمالَ في رَيِّقِ العُمر
أَوَيتُ إِلى فَرشٍ من التُربِ كانَ لي ... بِهِ راحَةٌ مِمّا أُعاني من الضُرِّ
أَلا في سَبيلٍ اللَهوِ عُمرٌ تصَرَّمَت ... حَواشيهِ بَينَ الطَبلِ في اللَهو وَالزَمر
فَلا تَطلُبا في مَتجَرِ الحُبِّ مَكسَبا ... فَوَالعَصرِ إِن العاشِقينَ لَفي خُسر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الخدر: خدر: الخِدْرُ: سِتْرٌ يُمَدُّ لِلْجَارِيَةِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ثُمَّ صَارَ كلُّ مَا وَارَاكَ مِنْ بَيْتِ وَنَحْوِهِ خِدْراً.، وَالْجَمْعُ خُدُورٌ وأَخْدارٌ، وأَخادِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ؛ وأَنشد: حَتَّى تَغَامَزَ رَبّ … (لسان العرب)
- بلفظ: لفظ: اللَّفْظُ: أَن تَرْمِي بِشَيْءٍ كَانَ فِي فِيكَ، وَالْفِعْلُ لَفَظ الشيءَ. يُقَالُ: لفَظْتُ الشَّيْءَ مِنْ فَمِي أَلفِظُه لَفْظاً رَمَيْتُهُ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ لُفاظةٌ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَصِفُ حِمَارًا: يُوا … (لسان العرب)
- تحتويه: حَتَّى حرف يجرّ به تارة كإلى، لكن يدخل الحدّ المذكور بعده في حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارة، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها، قال تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف : 35] ، و﴿حَتَّى مَطْل … (مفردات الراغب)
- حباني: حبن: الحَبَنُ: داءٌ يأْخذ فِي الْبَطْنِ فيعظُم مِنْهُ ويَرِمُ، وَقَدْ حَبِنَ، بِالْكَسْرِ، يَحْبَنُ حَبَناً، وحُبِن حَبْناً وَبِهِ حَبَنٌ. وَرَجُلٌ أَحْبَنُ، والأَحْبَنُ: الَّذِي بِهِ السِّقْيُ. والحَبَنُ: أَن يَكُونَ ال … (لسان العرب)
- ذراعيه: ذرع: الذِّراعُ: مَا بَيْنَ طرَف المِرْفق إِلى طرَفِ الإِصْبَع الوُسْطى، أُنثى وَقَدْ تذكَّر. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: سأَلت الْخَلِيلَ عَنْ ذِرَاعٍ فَقَالَ: ذِراع كَثِيرٌ فِي تَسْمِيَتِهِمْ بِهِ الْمُذَكَّرَ ويُمَكَّن فِي ال … (لسان العرب)
- سباني: سبن: السَّبَنِيَّةُ: ضرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ تُتَّخَذُ مِنْ مُشاقة الْكَتَّانِ أَغلظ مَا يَكُونُ، وَقِيلَ: مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَوْضِعٍ بِنَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ سَبَنٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْمِزُهَا فَيَقُولُ السَّ … (لسان العرب)
- شمته: شمت: الشَّماتة: فَرَحُ الْعَدُوِّ؛ وَقِيلَ: الفَرَحُ بِبلِيَّة العَدُوِّ؛ وَقِيلَ: الفَرَحُ ببليَّة تَنْزِلُ بِمَنْ تُعَادِيهِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُمَا شَمِتَ بِهِ، بِالْكَسْرِ، يَشْمَتُ شَماتةً وشَماتاً، وأَشْمَتَه اللهُ … (لسان العرب)