من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)
التعبير (٢)
لا ينبغي للخطيب أن يكون ثرثاراً. وإن داوم المولى الطرّاد على الثرثرة فلا يأمن منان يسقط سقطة تدق بها عنقه والله اعلم.
فكان هذا التعبير أنكى له وأقهر مما تقدم وذلك لنهيه عن كثرة الكلام ولو جازة العبارة. فلما كان بعد أيام جاءه برقعة فيها ما صورته: حلمت أن رجلاً من أصحابي قد أهدى إليّ قنبيطا مما ينبت في سهل الأردنّ. فاتخذت منه عشاء وبت فرأيت أني دككت أسوار مدينة في الجو تشبه مدينة أريحا في حصانتها ومناعتها. فكتب الفارياق بجانبه.
إذا ما تعشَّى القُنَّبِيط جراضمرمى الجوَّ من برج أسته بجلاهق
فيفعم ثقْبي منخريه عجاجهافيرجع أيضاً سبكها كالبنادق
فطالع امرأته بذلك فقالت لعلّ الرجل قد ألف الآن هواء البلاد فإني أراه ابتدأ يصيب. وقد ذهبت عنه تلك الحدة التي كانت تظهر سابقا في حركاته وكلامه. فسأجربها أنا الآن بنفسي في حلم رأيته البارحة. ثم أخذت رقعة وكتبت فيها. رأت السيدة ورها زوجة السيد ذاهول بن غافول ان بيدها قفلاً مصقولاً مجلوّاً ذا ثقوب كثيرة. وبيد زوجها مفتاح ذو ثقب واحد وقد صدئ. فكتب الفارياق تحته:
المرء والمرأة سيان في الميلإلى العشق وحبّ السفاح
لكنّ ذا مفتاحه يهيوتلك مأمون لها الانفتاح
فلما اطلّعت على المعنى قالت لزوجها هذا ما خطر ببالي قبل تعبيره. فما أقربه الآن إلى الصواب فخذ هذه الرقعة الأخرى. فتناولها الفارياق وإذا فيها: رأت السيدة ورها إن قد كتبت على جبين زوجها عدد اثنين. فلما ابصر نفسه في المرآة حاول أن يمحوهما. فبادرته وأمسكت يده فلم يقدر إلا على محو واحد فقط ولكن بقي الأخر غير ظاهر ظهوراً بيناً. فكتب تحته:
فرض علي الزوج أن يكفي حليلتهفي كل ليل ونفل بعده يُرضي
فإن تبدَّل لفظ الفَرض بالرفضتبدَّلت هي معنى العِرض بالعَرض
فاستحسنت البيتين جداً ثم ناولت زوجها رقعة أخرى كتبت فيها. رأت السيدة ورها سيدة السيد ذاهول بن غافول أنها ترى الأسود بعينها اليمنى أبيض. والأبيض بعينها اليسرى اسود. فكتب تحته:
رضاء الزوج صعب أي صعبولاسيما إذا رأت المعَنّى
فتنظر فيك كل الحسن قبحاوتنظر فيه كل القبح حسنا
فاستظرفتهما وقالت لزوجها أراه يحسن تعبير الأحلام النسائية القصيرة. فاحلم لي الآن يا عزيزي حلماً قصيراً واكتبه في رقعة وأنا أنا وله إياها لننظر هل يستمر على هذه الطريقة معك أو لا. فلما كان الغد جاءته برقعة فيها. رؤى في المنام شيء مطاول. ثم ظهر لعين الرائي مستديراً ثم مطاولاً ثم مستديراً وهلم جرّا. فكتب الفارياق تحته.
قد كنت أحسب هيئة الدنيانظير الفرج إذ في القدر يشتبهان
حتى استبانوا أنها كالإست تويراً فقلت تقارب الشَبهان
فلما أطلع زوجته عليهما ضحكت وقالت أراه لا يتأدب إلا معي. وأنه ليشمّ الأمور النسائية شما فإن هو إلا زير نساء. ولكن لا بأس في أن تجربه بحلم آخر وبعد ذلك نرى ما الذي ينبغي أن نصنعه معه. فلما كان الغد جاءه برقعة فيها. قد رأيت أن يدا خطت على صدغي عدد ثلاثة ثم توارت. فمددت يدي إلى صدغي لأحكه فمحت من العدد سنّين فصار الباقي واحدا ذا عوج. فكتب الفارياق تحته.
تكلفني زوجي ثلاثا ولم أطقسوى صرعة العجز من ذاك لامني
فقلبي وطرفي لا يملان بتّةكمهبلها لكن ذلك لا يغني
فأخذ الجواب واقبل يهرول إلى امرأته. فلما اطلعت عليه ضحكت وقالت إنه لا يزايد معك إلا جنونا وسفاهة. فينبغي الآن أن تدعه حتى حين وقم أنت إلى الصرعة. فقاما إليها واستراح الفارياق منهما أياما.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع