تجاوز إلى المحتوى

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)

جوع دَيْقوع دهقوع

لما رأى الخرجي أن سكناه في بيروت لا تصلح لجسمه ولا لرأسه عزم على الشخوص منها إلى الجبل. فألقي في روعه أن يسكن في دير للروم. فسار بزوجته وبالفارياق فأقاموا في قرية تحت الدير يومين. وكان يأنس بالفارياق بعض الحسان منها ويواكلنه. فلما علمت إحداهن إنه صاعد في الغد إلى الدير طفقت تبكي. فكأنما ظنت إنه نوى الرهبانية. فظهر له إنها خالفت عادة النساء لأنهن يحببن الرهبان أكثر من العامة. فإن فتنة النساك العباد تتوقف على روم وكيد أبلغ وهو مما يلذ النساء أو بالعكس. حتى إذا رأينهم طوعاً لهن رجعن بعد ذلك إلى ما كنَّ عليه ليختبرن جميع ضروب الحبّ فلا يفوتهن منه شيء والحاصل أن الفارياق بُكي على فراقه هذه ثاني مرة في عمره حتى صار يحسب في عداد المحبوبين. وإنه ذهب في الغد إلى الدير واتخذ له فيه صومعة بلا قفل ولا مفتاح فصار من جماعة باعرْ باي "الذين ليس لأبوابهم إغلاق. قلت وهو بناء غريب" وكان ذلك الدير منتابا لجميع أهل القرى المحيطة به. فإنهم كانوا يودعون فيه أمتعتهم خوفاً من هجوم العساكر المصرية عليهم. لأن الدير حرم آمن.

وكانوا إذا جاءوا إليه يدخلون جميع الصوامع من غير محاشاة ومن جملتها صومعة الفارياق. فكانوا إذا وجدوا على فراشه أوراقاً فيها تفسير حلم أو غيره تلفقوها وقرءوها. فمنهم من كان يفهم منها قدر ما يدور به لسانه. وآخر قدر ما يدور به رأسه. وآخر قدر ما يدور به جسمه كله فيوليه ظهره ويخرج. ومنهم قدر ما تدور به يده فيرفعها ليبطش بالكاتب والمكتوب معاً. ومنهم من كان يسخر منها ويقول إنما هي أضغاث أحلام. ومنهم من كان يقول إنها لا تصلح لوقت الحرب ولم يجد منهم من استحسنها. وكان يدخل أيضاً مع هؤلاء الدامقين دامقات فيهن من يحب تلقيها بأهلا وسهلا ومرحبا. وفيهن من تجدر بواحد من ذلك فقط. وفيهن من تجدر باثنين مواترة. وفيهن من لا تصلح لشيء.

وكل ذلك كان يمكن تحمله إذا حُمل بعضه على بعض. إلا الجوع الذي تسبّب عن تعطيل الطرق فإنه كان لا يطاق. مع أن الفارياق كان قد خرج من عناء سفر البحر الذي مناه بالصيام أياماً متوالية. فكان لا بدّ له من اللمج فمن ثم كان يذهب إلى القرية وينادي يا من عندها دجاجة للبيع فتبيعني إياها. فكان بعض النساء يجبنه هذه الدجاجة السارحة مع الدجاج في الحقل أريد بيعها. فإن أردتها فاسع إليها واقبضها بيدك. فكان يسعى وراء الدجاج ويطفر معها على الجدران. فإن ساعده الحظ على كسر ساق إحداها أو إعيائها قبض عليها. وكان عند جريه وراءها يجري معه خاطره فيقول في نفسه.. أنا اجري الآن وراء دجاجة فهل زوجتي تجري في الجزيرة وراء ديش.

وينبغي لي أن أقف قليلاً عند هذا الجري وأقول. قد ذكرت سابقاً إن الفارياق كان ذا هَوَج ونزق وجزع. فكان من طبعه إذا غاب عن أهله أن لا يزال يقابل حاله بحالهم بالمقابلة الاطّرادية وبالمقابلة الامتيّة. مثال الأولى قوله أنا اجري وراء دجاجة فهل زوجتي وراء ديش. وقوله مثلاً وهو لابس هل هي في هذا الوقت عريانة. وفي حالة كونه قائماً هل هي الآن مضطجعة. وقس على ذلك. ومثال الثانية أنا اجري الآن وراء دجاجة فهل يجري وراءها ديش.

على أن خبز الدير والقرى ح كان مخلوطا بالزؤان. فكان الفارياق إذا أكل منه خيّل له انه لم يزل في السفينة عرضة للتنانين. ويتأكد عنده ذلك بدخول أحد الرهبان عليه وهو تلك الحالة. فلما ضاق بها ذرعاً نظم أبياتاً وبعث بها إلى رئيس دير غير الدير المذكور وكان يظن أن عنده غناء. وهي:

ليت شعري ماذا يفيد البيانمع خواء البطون والتبيان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وفنون البديع من غير أكْلتستشيط اللهى بها واللسان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
هاك ألف استعارة برغيفوبخسّ تخس تفتازان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أيها المعربون هبّوا فما منضرب زيد عمرا يرص الخوان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أين أين الكباب والرز والبرغل تصغوا من فيضهن الجفان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ذهبت دولة الطبيخ وجاءتنوبة الجوع أمّها لبنان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
يالها من معرة نبعث الدنيار ما إن يعبا به إنسان
ليس بيع ولا شراء بأرضقد قضى عيشها وعاش الزوان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
طال مكثي في الدير حتى كأنيراهب لا ترضى به الرهبان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
إذ رأوني وحولي الكتب وألاقلام مَّما عنه نهى المطران
أنا في وحشة من الإنس وحديلا تراني فلانة وفلان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
عيشة لو أريتها في منامما شجتني من بعدها الألحان
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فبعث إليه الرئيس بأرغفة لازوان فيها ومعها هذان البيتان:

وصلتني الأبيات يا فرقيانإنما نحن في الدنيا رهبان
ما عندنا طعام كما تشتهيولا نبيذ ولا نسوان

فهرول إليه الفارياق ليعاتبه على تغيير اسمه. فرأى في الدير إحدى نساء الأمراء كانت قد جاءت إلى الدير استئماناً من العساكر فلما رآها قال له قد شفع الخبز سيدي في وزن البيتين ولكن لم غيرت اسمي. ثم تذكر السيدة فقال وقلت أيضاً أنكم رهبان وما عندكم نسوان. وها أنا أرى عندكم سيدة زهراء قد ملأت الطنفسة شحماً ولحماً قال إنما غيرت اسمك لأجل القافية وهو جائز للشعراء. وأما قولي ما عندنا نسوان أي ليس لنا أزواج. ولكن لا ننكر أن عندنا نساء غيرنا يزرننا أحياناً للبركة. قال أيكم يحصل ذلك. فلم يفهم لكن السيدة فطنت لذلك ودعته إلى الاركيلة المعروفة فلبث عندها ساعة شفعت في تغيير اسمه أيضاً.

وآب إلى صومعته راضياً. فوجد رئيس المعّبر قد تعكبش في رأسه غصن من أغصان الحلم الأول فزاده خبالا. فكان يقول إذا سمع صوت الطبول من خيام العسكر وإذا ابصر بريق سلاحهم. ألا تسمعون طبل الشيطان. يضرب به بعض الرهبان. ألا تبصرون قرون الشيطان. كيف تتقد منها النيران. إذ تحتك بها النسوان. والسيدة زوجته غير مكترثة بصراخه ولا بتخييم العسكر قرب الدير لأن حب الغصن لم يدع في قلبها موضعاً لغيره ثم منّ الله تعالى بإصلاح الحال فسارت العساكر من البلاد وأمنت الطرق والمسالك وسكن صاحب المعبر. فرأى أن يذهب إلى مدينة دمشق ويمر ببعلبك ليرى قلعتها العجيبة. فاكتروا لهم خيلاً وبغالاً وعزموا على السفر.

ركب كل من الفارياق والغصن بغلاً وكل من السيدة وزوجها فرساً. وانضم إليهم ركب وساروا يقصدون دمشق. حتى إذا كانوا بعض الطريق أجفل بغل الفارياق لوهم خطر له فقمص به وشمص. فألقاه على ظهره فوقع على وركه على صخر فقام يخمع من الخامعين. فجزع عليه صاحب المعبّر إشفاقاً من تعطيل مصلحة التعبير. وشتمت به زوجته إذ كانت تحسبه رقيبا عليها وعلى غصنها. وكذا مساءة الرجل قد تكون مسرة المرأة. وهنا ينبغي أن تضيف إلى معلوماتك الواسعة هذه القضية. وهي إنه لا شيء من أنواع السفر اشق من الركوب على هذه البغال العاتية فإنها بلا سروج ولا لجم ولا ركُب. وقد جعل لها هؤلاء المكارية المقى بدل اللجم حبالاً تتصل بسلاسل من حديد جافية. يمسك الراكب بيده سلسلة فإذا شرد البغل وهنت يد الممسك بها عن كبحه. والعادة إنه متى شرد بغل سائر البغال. ثم أجفل بغل الغصن فمال عن ظهره وتعلقت رجله بحبل فتدلى رأسه يخبط على الأرض. فذهب ما عند السيدة من قليل الصبر عنه. ولم يقدر أحد على رد البغل. فكنت ترى عينها في جهة وقلبها في جهة أخرى. وكبر منها ما كبر. وصغر ما صغر. وجف ما جف. وقف ما قف. وابتل ما ابتل. وانحل ما انحل. واقشعر ما اقشعر. وازبأر ما ازبأر. وتنغّض ما تنغّض. وانتفض ما انتفض. وتنضنض ما تنضنض. وتلمظ ما تلمظ وتلظلظ ما تلظلظ. وضجم ما ضجم. وشخم ما شخم. وغدت تتململ وتتلوّى. وتتقلب وتتحوى. ودخل في رأسها أول مرة في عمرها مُنيةُ أن تكون رجلاً لتجيره. ثمهون الله الصعب ووقف البغل فاستوى عليه الغصن وساروا حتى وصلوا إلى بعلبك والفارياق على رمق فذهب وتفيَّأ في ظل شجرة فهوّم به النسيم فنام فقام منهوكا. ثم ركبوا وبلغوا دمشق وهو مريض فاكترى غرفة في خان وبقي أياماً لا يقدر على الخروج فلما نقه توجّه إلى منزل أهل زوجته وعرّفهم بحاله ففرحوا به. ثم عاودته الحّمى ثم أفاق فرأى أن يذهب إلى الحمام ليغتسل فلمّا رجع رجعت إليه. واتفق إنه انزل يوماً إلى المرحاض فأغمى عليه فيه فوقع وقد دخل رأسه فيشق المرحاض فجعل يصرخ ويقول: ألا إن رأسي في الشق. إلا أن الشق في رأسي. فبادروا إليه فرأوه على تلك الحالة. فمنهم من ضحك منه ومنهم من رقّ له. ثم عوفي قليلاً فبدا له ولصاحبه السفر. ولكن لا بدّ لي قبل رحيله من هذه المدينة الشريفة أن أرهقه وأغسره حتى يصف لنا محاسن نسائها إذ هو لا يحسن شيئاً غيره. فأما الكلام على خوّاص نبات الأرض ومعادنها وهوائها وعدد سكانها وعلى الأمور السياسية فليس من شأنه.

قال دخلت دمشق وبي حّمى صحبتني من بعلبك. وما كدت انقه حتى سافرت منها فلا أستطيع وصف نسائها إلا وصفاً سقيماً. فإن رضيتم به أقول. أني لما دخلتها نزلت في خان يسمى خانفارس. فعّين لي صاحب الخان عجوزاً لخدمتي فلحظت من طبّها وشَمْظها أي خلطها الكلام الليّن بالشديد. إن للعجائز يداً طويلة في المعاملات النسائية. أعني أنهن يدخلن الديار بحيلة أنهن يبعن للنساء ثياباً ليكتسين بها. فيخرجن من عندهن وقد تعاهدن على تعريتهن رأساً فهن السبب الأقرب والذريعة الوثقى في الجمع بين العاشق والمعشوق. فأما نساء المسلمين فقد ظهر في بادئ الرأي أنهن أجمل من نساء النصارى. كما أن الرجال من المسلمين أجمل من النصارى وأفصح لهجة وكذا هم في سائر البلاد الإسلامية. ولون النساء عموماً البياض المشرب بالحمرة. والغالب عليهن الطول والشطاط. غير أن هذا الإزار الأبيض الذي يتزرن به عند خروجهن من ديارهن لا يحلو للعين كحبر نساء مصر. وكلاهما مخفٍ لمحاسن القد ولعلهن يلبسن ذلك عمداً لتأمن الرجال فتنتهن فلهنّ الشكر عليه. ولكن ما هذه المغازلة والاتلاع. وما هذا التبهكن والتبدح. أفليس للقلب عينان يبصر بهما ما وراء ذلك؟ أيخفي الشمس غيم وهي لولاه لم يمكن لعين أن تراها. فأما زيهن في الديار فأشوق وأفتن ما يكون. قال وقد ظهر لي أيضاً وأنا موعوك بالحمّى بعد أن خرجت من الخان وشممت رائحة الزائرات من النصارى إنهن مؤانسات حلوات الحديث والشمائل مناطيق. حتى اعتقدت أن شفاي يكون بذلك. ولولا أني خشيت من التبخيل بالاستغناء عن الطبيب ولا سيما إن أبي كان قد توفي بدمشق فألقى في روعي إني ألحق به لما احتجت إلى علاج آس. وحين كنت أسارق النظر إليهن وأنا على الوسادة كنت المح في صدورهن حين يتنفسن شيئاً يربو ويشبو. ثم رأيت بعض أعيان المسلمين يزورون رب الدار وينبسطون معه في الكلام. وهم من الهيبة والوقار بمكان. فلا أدري ما الذي حسّن للمطران جرمانوس فرحات حتى قال في ديوانه:

فكأنني حلب برقة طبعهاوكان طبعك بالغلاطة جلّق

ولهذا القائل الأحمق أن يقول الحلبي شلبي. والشامي شومي. مع أن أهل الشام أرق طبعاً من أهل حلب وأزكى أخلاقاً وأطلق لساناً ويداً ومحيا وأوفر سخاء وكرما. والدليل على ذلك أن دمشق مع كون النبي شرفها بقدمه وكانت مثوى لبعض الصحابة واصبحت وصيداً للكعبة ومازالت من ذلك العهد منزلا للحجاج. فإن النصارى فيها يتبوءون داخلها الديار الرحيبة والمنازل الفسيحة. بخلاف النصارى في حلب فإنهم لا يمكنون من السكنى إلا بخارج المدينة ولا يدخلونها إلا للبيع والشراء. هذا وقد حرس الله قطر الشام عن الزلازل التي يكثر وقوعها بحلب. وعن هذه الحبّة المشئومة المتسببة عن مائها. حتى إنها كثيراً ما تشوه وجه من يصاب بها. فهل مراد المطران أن يقول أن نصارى حلب وحدهم ارق طبعاً. أم يصح أن نبخس الناس حقوقهم لأجل السجع والتجنيس. فيقال مثلا الجاثليق هَندليق. والمطران قَطران والقسيس لهيس والراهب ناهب. والسوقي بوقي. والخرجي دُرجي. فأما اللغة فليس لعمري من مناسبة بين فصاحة أهل دمشق وركاكة أهل حلب. لأن حلب لما كانت متاخمة لبلاد الترك دخل في كلام أهلها كثير من الألفاظ العجمية. كقولهم أنجق بيكفي يخرجون الجيم في أنجق مخرج الجيم التركية ويتقلنّه أي يستعمله وخوش خيو وما أشبه ذلك ما عدا لكنتهم ولخلختهم فينطق الألفاظ العربية.

ثم أن الفارياق سافر هو وصاحبه إلى بيروت ومنها إلى يافا. فدعاهما وربان السفينة نائب قنصل الإنكليز بها "هو غير الخواجا أسعد الخياط اللبيب البارع" ليشربوا عنده الماء بالسكر المعروف بالشربات مما اشتهر أيضاً بهذا الاسم عند المؤلفين من الإفرنج واستعملوه في كتبهم لا في ديارهم فساروا معه فاحضر لكل منهم كأساً تليق به بحسب ضخامة جثته. فلما فرغت الدعوة اقلعوا إلى الإسكندرية ثم إلى الجزيرة وأقاموا في معتزلها. فبعث الفارياق إلى زوجته يخبرها بوصوله ويستدعيها للاعتزال معه. أنا لا أحب الاعتزال ولا الكسل. ثم وافت بعد ذلك ولما استراح الفارياق من ألم السفر استروح منها رائحة النساء.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.