تجاوز إلى المحتوى

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)

الحض على التعري

ثم دخلا البلد ورجع الفارياق إلى التعبير وإصلاح البخر. وبعد مدة وجيزة قدم على صاحب المعبَر رجل من العجم قيل أنه كان مسلما ثم تنصّر وإنه شاعر مفلق ذو شهرة بين علماء فارس. فسار ومعه الفارياق ليسلما عليه في المعتزل وإذا به جحشوش حتروش حزقّة ألحَي. فلما دخل البلد أقام في المعبّر فرأى الرئيس بادئ أن يحلق لحيته. فجيء بالحلاق واعمل فيها الموسى فلما انتهى إلى شاربيه سترهما بيديه فأقبل إليه صاحب المعبر وبيده كتاب ليحجّه منه على لزوم حلق الشوارب. فدار بينهما البحث والجدال حتى رضي الرئيس بنصف الشعائر. فلما كان ذات يوم من الأيام المشئومة ذهب الفارياق إلى المعبر فوجد الرئيس قد تعرّى من ثيابه بالكلية وجعل يطوف الدار على هذه الحالة ويحض الناس على الاقتداء به. ويقول يا أيها الناس ما جعلت الثياب إلا لستر العورة. ولا عورة لمن كان طاهراً بريئاً من الذنوب والمعاصي. فأن آدم لما كان في الفردوس في حالة العصمة والبراءة لم يكن له حاجة بالثياب فلما انتهى إلى زوجته ليغريها بالتعرّي قالت له إن النساء لا عصمة لهن إلا في الليل فلا بدّ لهن من الستر نهاراً. فرآه العجمي على تلك الحالة فسأل الفارياق قائلاً ما بال صاحبنا قد غيّر اليوم زيّه الأسود وتردّى بهذا الزيّ الأحمر. قال هو من جنود الخرج والجند هنا يلبسون اللباس الأحمر. ثم اشتد اللمم بكل منهما واستحكم. فخافت الزوجة أن يتلاقيا في مأزق وينشب ما بينهما الجدال أو الجلاد. فرغبت إلى الفارياق في أن يضم إليه العجمي. وكان الغصن قد قدم إليها في أثناء ذلك من الديار الشامية وهو مترجم عن جني شهي، وجذع قوي. فبوّأته عندها مقاماً كريماً. وحاولت أن يخلو لها معه المعبر خلوّاً مستديماً. ولو بدوام لمم بعلها. وفقد أهلها فأقام الغصن في أرغد عيش وأهنأ حال. وظلت هي معه أشغل من ذات النحيين في أصفى بال وظل زوجها يحض على التعري. وأنه من شعار المتزكي المتبرّي. ولبث العجمي في منزل الفارياق. وإنما قبله عنده لدمامته وضعفه ولغلبة السكوت عليه. فلما كان ذات ليلة وقد رأى عند زوجة الفارياق نساء حساناً أنحلت عقدة لسانه ونطق بكلام دل على أنه لم يتنصر عن هدى وإنما أضطره إلى ذلك أبو عمرة ثم بات تلك الليلة وقد أضطرم الغرام في قلبه فخرج ليلاً يقصد غرفة الفارياقية. فأحسّ به زوجها فبادره بحبل وهو لا يستطيع دفاعاً عن نفسه فلما كان الغد شاور زوجته في أمره. فقالت أظن أن هذا العجمي إنما جنّ لعدم الزواج وكذا سائر المجانين. إلا ترى أنه رأى البنات عندنا البارحة تهلل وجهه وتكلم؟ فقلت ما أرى الحق معك هذه المرة فإن صاحبنا الخرجي جنّ من بعد الزواج قالت لكن عقله كان قبل ذلك مختلاّ بأحلام. ولما تزوج لم يؤد الزواج حقه فأقتصّ الحق منه فلأعتبر به غيره. قلت من أين علمت هذا؟ قالت أن المتزوج لا ينبغي له أن يكون فضولياً يتعرض لغير ما هو فيه. قلت هذا تعطيل المصالح الخلق. قالت لا تعطيل فإني لا أمنعهم عن العمل بل عن فضول الكلام. واللهج بالأحلام. فأن التمحّل لعلم خرق العادات، أجهد من التحمّل لعمل عادات الخرق. ألاّ ولو كان الأمر ألي لداويت المجانين كلهم بالنساء ومن النساء وعن النساء. قلت أكل حروف الجرّ للنساء. قالت نعم كل الجرّ في النساء. قلت قد حذفت الحروف قالت بل هي باقية قلت دعيني من المطارحة وافقيني في أمر هذا المجنون. قالت ردّه إلى المعَّبر وإني أكره طول مكثه عندنا مخافة أن أحبل فيأتي الولد على شكله. قلت ما مدخل الجنون في الجنين. قالت أو ليس الأولاد يأتون بيضاً صباحاً ووالدهم قباح. فلو لم يكن لعين الأم من فاعلية عند توّحمها لما كان ذلك. قلت هذا رأي يؤدي إلى الكفر والمحال أما الكفر فلأنك تزعمين أن المرأة مشاركة في خلق الإنسان. وأما المحال فلانّ المرأة لو كان لها فاعلية في ذلك لأشبهت الأولاد آباءهم أو لجاءوا كلهم صباحاً. قالت أما جواب الكفر فلا ينكر أن يكون الله ﷿ قد خلق هذه الخاصية في المرأة وهو مسبب الأسباب. بمعنى أن القوة الوحمية التي أودعها فيها الخالق القدير تكون مؤثرة في كونية الولد. وأما جواب المحال فلأن المرأة أبداً تشتهي أن يأتي ولدها على غير هيئة أبيه. وما تراه منهم مشبهاً أباه فالغالب أنه البكر. قلت كثر الله من أمثالك ما كأنك قرأت الكلام إلا على الأشعري قالت نعم

الكلام هنا في الأشعري لا في الجميش ولا النميص قلت المجنون المجنون ودعيني إلى المجنون فقد كدت تلحقينني به بكلامك هذا المعصود قالت متى كنت تكره العصد، وهو لك غاية القصد. أما المجنون فليس إلاّ ما قلت أنطلق به إلى المعبر ودعه هناك من غير أن تخبر به أحد. قال فانطلقت به وأدخلته في إحدى الحجر وقفلت عليه الباب. فلما جاع طفق يعالج الباب ليخرج فسمعه الخادم فأخرجه. فتوصلت زوجة صاحب المعبر في أن رجعته من حيث جاء وعزمت على السفر بزوجها إلى بلادها. وناب عنه آخر من بلاده في المصالح التعبيرية ولكن لم تطل مدته لأسباب يأتي بيانها. وقبل إيرادها ينبغي أن نختم هذا الفصل بما نظمه الفارياق حين كان رئيس المعّبر يحض على التعرّي وهو

ألا تريد صاح أن نجنّاونخلع اليوم الثياب عنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ولا تنام ليلنا أن جنّاولا نسي بالنساء الظنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ولا نرى متى يجي حناوإن يغب نقل مريض مَنّا
وأن أتانا فاسق وزنّانركبه الخيل فلا يعنَّى
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ونجعل الزوج له مجنّاتقيه من كل معَنّ عنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ولا نبالي أن رأينا قرناقد طنّ في أصداغنا ورنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فقد رأيت العقل يضنى الطُنّاويحرم الحرّ الذي تمنى
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ولن ينال الحظ مطمئناإلا الذي باح بما أكنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
مه أيها الشيخ الذي أسنّاما أنت والغناء والأغنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
تدخل في مضايق وتعنىوما تبالي لو لقيت وهنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ماذا لقيت من نزير جنّاومن طواف ههنا وهنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وأفيتنا في شهر نحس أخنىعلى المحبين فقلنا أنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
لم تخل دار بتّ فيها معنامن حادث غارة سوء شنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
يشكوك كل ذي عيال مناأوردتهم من كل رزء فنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فمن مجانين أبانوا الهنّاومن مصاب بالحمام أطْنى
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ومن عليل دنف أناحتى رثى الضدّ له وحنّا
قدك اتئد أوقدت فينا الحزناوقد شحنت المصر همّا شحنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فاضعن هداك الله وأرحل عنامن قبل أن تقطع عنه الطحنا
وتنضب الماء وتنفي اليمناعن بلد من قبل كان أمنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وأختر بغير ذا المكان كنّاتأوي إليه مستريحا طمْنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فما عليك أن أصبت غبناثمَّ ودَعّا أو لقيت زبْنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أو كنت تأتي هذّرا وأقناوتنظر القبيح منك حسنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
بحيث لا تبصر يوماً قرناوكاشحا أخفى عليك ضغنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
كما أصبت ههنا خُبُنّاأصدأ منك الضرس ثم السنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
لو استطاع لقراك سجناتصبح فيه للرزايا رهنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
شيطانه عليك قد تجنىيقول من تبغك قد أسنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
جعلت في دار الصلوة فرنادخانه عمَّ وأعمى الرعنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وقال قوم تفله أصنَّاولحنه يبلغ ضرّا منا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فليبغ في دار سواها خدناوما علينا أن سخا أو ضنّا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وأن بكى من شؤمه أو غنّىأو أخلص الدعا لنا أو لعنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أو خار من جوع وذلَّ وهناأو قال صرنا بعد ما قد كنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أنك يا مغرور لم تعشقناولم تعرّ بنا ولم تشُقنا
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

فلا جزاك الله خيراً عنا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.