من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)
رثاء ولد
قد غُرس في طبع كل والد أن يحب ولده كلهم على كثرتهم وبرقحتم وعيوبهم وإن يراهم أحسن الناس. وأن يحسد كل من يفوقه في المحامد والمكارم إلا أباه وابنه. ومتى شاخ الرجل وضعف عن التمتع بلذات الدنيا فحسبه أن يرى ابنه متمتعاً بها. ولا لذة للمتزوج اعظم من أن يبيت مع امرأته على فراش واحد وبينهما ولد صغير لا يؤرقه ببكائه وصراخه ولا يبلّه ببلبله. كما إنه لا شيء أوجع لقلبه من أن يراه مريضاً غير قادر على الشكوى بلسانه ليعلم ما ينبغي أن يداوى به. بل الأطباء أنفسهم يحارون في مداواة الأطفال وقلما يصيبون الغرض. وكان الأولى أن يعيّن لعلاجهم أطباء اختصوا بمزاولة ذلك عهداً طويلاً. وأن ينوَّه بمن نبغ منهم فيه كل كلام مستطر ومطبوع. ويجب على الوالد أول ما يرى ولده قد مرض أن يتعهده ويراعي أحواله وما يطرأ عليه ويقيد ذلك في كتاب ليخبر الطبيب به أخباراً مبيناً. فربما أغنى ذلك عن كثير من الدواء الذي يجازف به الأطباء أحياناً لامتحان حال المريض. ومن أهم ما يستنهض عناية الوالدين في حق ولدهما أمر الطعام. لأن الطفل لما كان لا يدري حدّ الشبع الذي يقف عنده الراشد كان أكثر أسباب مرضه من الأكل. فليس من الحنّو والشفقة أن تطعم الأم ولدها كل ما يشتهيه. وإنما الأولى أن يلهّى عنه أشياء من اللعب والصور المنقشة والآلات المزوقة وما أشبه ذلك. وما أحلى الولد يطلب شيئاً من أبيه وقد حمّر الخجل وجنته أو غض الوجل طرفه. وما أحبّه وهو مطوق عنق والده أو والدته بيديه اللطيفتين ويقول إني أريد هذا الشيء لآكله. ومن سوء التدبير أيضاً أن يحرم ما يشتهيه. ويبكي لأجل ما لا ضرر فيه. ولعمري أن من أغفل رضى ابنه حتى أبكاه وأجرى دموعه لغير تأديب كان بمعزل عن الأبوة. وينبغي أن يدرّب الطفل على الخفيف من الطعام بعد ولادته بستة أشهر مع بقاء الإرضاع قليلاً. فإن الطعام يغذّيه ويقوّيه فضلاً عن أنه يحفظ صحة والدته. بل ربما مناها طول إرضاعها إياه بمرض ولم يفده شيئاً كما هو مذهب الإفرنج وهم أكثر الناس ذرّية. ولا ينبغي أن ترضعه وهي غضبى أو مذعورة أو مضطربة أو مريضة.
ثم إنه ما دام الرجل عزباً أو كان لم يربّ قط لم يشعر حق الشعور بالحنو على أولاد غيره. بل لم يقدر والديه اللذين ربّياه حق قدرهما إلا بعد أن يصير هو والداً مربّياً. والأمّهات اللائي يرضعن أولادهن يكن بالضرورة أحنّ فؤاداً عليهم من اللائي يستأجرن لهم المراضع. ولا جرم أن من كان له ولدا وقرأ قول الشاعر. وربّ أمّ وطفل حيل بينهما كما تفرّق أرواح وأبدان. لم يتمالك أن يذرف الدمع لوعة وتحسّراً. وكذا لو قرأ قصصاً فيها فجع الآباء بقتل أولادهم الصغار الأبرياء كقتل أطفال مدين بأمر موسى على ما ذكر في الفصل الحادي والثلاثين من سفر العدد سواء كان أبوا الطفل مؤمنين أو كافرين. ومن لم يكن قد تحلى بصفة الأبوة كالراهب وأمثاله ودعاك: يا بُني أو يا ولدي فلا تثق بكلامه ولا تعول على دعائه لأنه لا يعلم معزة البنوّة إلا من كان ذا أبوة.
وكان الفارياق ممن أذاقه الله حلواء البنين ثم تجرع مع ذلك مرارة الثكل. فقد كان له ولد بلغ سنتين وكأنه قد سبك في قالب الحسن والجمال فجاء لم يَعْدُه شيء مما تقر به العين. وكان على صغر سنه ينظر نظر المميز بين المؤنس والموحش ويألف من تملق له ولو بإشارة. فكان أبوه إذا رنا إليه ينسى في الحال جميع أشجانه وهمومه. ولكن لم يلبث أن يغشاه عارض من الكآبة إذا كان يوجس إنه لا يدوم له على عين الدهر اللامّة. ويرى نفسه إنه غير جدير بأن يتملى بتلك الطلعة الناضرة. وكان يحمله على ساعديه مسافة ساعة وهو يناغيه ويغني له. حتى ألفه الطفل بحيث لم يعد يشأ أن أحداً غيره يحمله أو يلهيه أو أنه يأكل وحده على انفراد. إلى أن قدر الله ربّ الموت والحياة أن أخذ الصبيّ سعال في تلك القرية. ولما كانت قرى الإنكليز الصغيرة كغيرها من قرى البلاد من أنه لا يوجد فيها أطباء مهرة وكان لا بدّ من مشاور طبيب على أية صفة كان، أستشار أبواه أحد المتطببين هناك. فأشار عليهما بأن يتداركاه بالاستحمام بالماء الساخن إلا رأسه. فعملا بوصيته أياماً. ولم يزدد الصبي إلا سقاماً. حتى كان إذا أنزل في الماء بعدها يُغشى عليه ويُرى فوق قلبه لطخة حمراء كالدم على شكل القلب. ثم أشتد بع الداء حتى أحتبس السعال في صدره وخفت صوته. وكان يعاوده مع ذلك الرعدة والهزة. وبقي في حالة النزع ستة أيام بلياليها وهو يئن أنيناً ضعيفاً وينظر إلى والديه كالشاكي لهما مما يقاسيه. استحال الورد من خديه عبهراً. وغارت عيناه النجلاوان. ولم يعد شيء من الغذاء والدواء يسوغ في حلقه إلاّ تكلفاً. وكان الفارياق في خلال ذلك يذرف العبرات ويجأر بالدعاء إلى الله ويقول: ربّ اصرف هذا العذاب عن ابني أليّ إن كان ذلك يرضيك. أنني لا مأربَ لي في الحياة من بعده ولا طاقة لي على مشاهدته في هذا النزع الأليم. فأمِتْني قبله ولو بساعة حتى لا أراه يجود بنفسه. آه عظمت ساعةً. وأن كان لا بدّ من نفوذ قضائك به فتوفّه الآن ولعل الفارياق هو أول والد دعا على ابنه بالموت عن شفق وحنوّ. فإن رؤية الطفل يغرغر ستة أيام مما لا يطاق. وبعد أن تُوفيّ الولد، وأبقى في قلوب والديه الحسرة والكمد، استوحشا من مقامهما إذ كان كل شيء فيه يذكرهما فقده ويزيد في لوعتهما. ففصلا منه إلى لندرة على حين غفلة وقد وضعاه في صندوق فلما دفناه واستقرا في منزل قال أبوه يرثيه:
الدمع بعدكما ذكرتك جارِوالذكر ما وأراك تربُ وارِ
يا راحلاً عن مهجة غادرتهاتصلي من الحسرات كل أوار
خطأ وهمتُ فأين بعدك مهجتيما في حشاي سوى لهيب النار
رَمَقاً أقل الجسم مني فادحاًفكأنه وقر من الأوقار
ما كان ضرّ الدهر لو أبقاك ليعيناً على الآثار والأذكار
ما بعد فقدك رائعي أو رائقيشيء من الظلمات والأنوار
سيان أن جنّ الظلام عليّ أوطلع الصباح وأنت عني سار
يا بئس ذاك الليل إذ لم يبق ليمن مطمع فيه إلى الأسحار
أرّقتني من قبله ستّاً وفيهحُرمْت خمسي واستطبت شعاري
أبُني ما يجدي التصبر قولهمحكم المنية في البرية جار
كلا ولا بي قرّ بعدك من حمىما هذه الدنيا بدار قرار
كم قد حملتك فوق راحي إذ غدوتورحت ثُمت حُرْتُ خير محار
ولكم سهرت الليل من جزع فماأغنى بكاي عليك أو أسهاري
ولكم جأرت لبرء دائك ضارعاًولغير نفع كان طول جؤاري
ولكم حضنتك في الحنادس خوف أنيطرأ عليك من الحوادث طاري
وجمال وجهك لي يخيل أننيفي روضة أنف ضحاء نهار
أن لم يصورك المصور لي فقدصُوّرت بالمأثور من أشعاري
أو أن يكن وأراك لحد ضيقفالأرض عندي اليوم أضيق دار
أو أن تكن عني حجبت فإنمابقيتْ حلال خوالج الأفكار
لا أنسينك أو أحين فما أتىحين عليّ خلا من استذكار
ولا رثينك ما بقيت وأن أمُتفليتلون رثاك عني القاري
يا حسرة عدم التبصر بعدهاعدم التبصر في احتمال خساري
كثر المعاين لي وقل معاونيوكوت حشاي شماتة الزوار
فرويتُ بيتاً قاله من ذاق ماقد ذقت من ثكل ووحشة جار
جاورت أعدائي وجاور ربهشتان بين جواره وجواري
يا فجعة نزلت فحطم كاهليتأويقها وأبان قصم فقاري
في ليلة فارقت فيها ناظريأبدا وفارقني على إجبار
لا غرو أن يك قد سرى جنح الدجىعن ناظريّ فكل نجم سار
قد كنت أطمع أن يعيش مهنأًبعدي ويبلغ أطول الأعمار
ووددت لو أن ذقت حتفي قبلهلكن خيار الله غير خياري
وسَّدته بيديّ رغماً ليتههو كان وسدني على إيثاري
عيني إليه رنت وما لي حيلةيا ليت من نظرِ مُنَى إنظار
قصرت يدي عن كف ما أودى بهأن القصور مظنة الأقصار
لهفي عليه وطرفه لي يشتكيإذ كان لم يقدر على الأخبار
لهفي عليه على السرير موسّداًولو استطعت لكان فوق يساري
لكن أدنى اللمس كان يزيدهألماً فكان يؤوه من أشعاري
ويئنّ أنة مستجير واجفاًكالطير قُرّ فبات دون قرار
حتى خشيت الدمع يؤلم جسمهلما عليه همي كودْق جار
يا رعشة أودت به قد أورثتقلبي الوجوب ولوعة التذكار
ليت النفوض أقرّ عيني بعد أنسخنت بنفض فيه ذي إقرار
لهفي عليه في الظلام معانقيوكرايَ من شفق أليم غرار
لهفي عليه والغناء ينميهوإذا سكتّ صبا إلى الإكثار
لهفي عليه وهو يأخذ من يديويعيد ما يعطوه لاستغزار
لهفي عليه وهو لائك رُدْنهبلآلئٍ وضاحة ودراري
يا يوم أنشبت المنيةُ فيهطفلاً لا يطيق عوالق الأظفار
يا خطة عالت فسوَّت بينحتفي والحياة إلى مدى مقدار
قد كان يحلو العيش حين يلوح ليوالآن مرّ فصار ذا أمرار
لا البعد يسليني ولا طول المدىوتخالف الأعصار والأمصار
ما تنقضي الحسرات أو أقضي أميًفبذا عليّ جرى قضاء الباري
كلا ولا تطفي أواري عبرتيولئن همت في الصب كالأمطار
فالنار إلا النار ثكل تنطفيوالماء إلا الدَّمع ضد النار
يا ليت راهي العيش يوماً راجعوفداء مربوب أبوه الهاري
فأكون فاديَ عمر نجليَ لاقياحتفي لقاء القانع المختار
داريت ما لا ضير فيه لأجلهفاليوم لست لما بضير أداري
أن المنية والأماني بعدهسيان مستويان في استئثاري
فلتفعل الأيام بي ما تشتهيما بعد هذا الخطب من أضرار
ولتذهب الآمال عني أننيلم يبق لي في العيش من أوطار
من ذاق ثكلاً مثل ثكلي فاجعافليُقصرنَّ اليوم عن أصْباري
وليبكينّ معي ويحملني علىفرط البكاء بمدمع مدرار
ما هدّ ركن الصبر مثل الثكل أوحَسَم المطا كحسامه البتّار
الطفل يقضي مرة لكنمايقضي أبوه فبله بمرار
تمروه في نزع أبنه وخفوتهأدوار حين أيّما أدوار
هيهات من قد أشبهت أطوارهفي فقده أوطاره أطواري
أو أنّ في سوء الأسى لي أسوةأو أن في طول الحياة قصاري
لن ينفع الإنسان شيئاً حرصهكلَّ إلى أجل على مقدار
الموت غاية كل حيّ يستوييه ذرو الأيسار والأعسار
والسابقون يضعهم يوممع المتأخرين إلى ثرىً منهار
لكن يوم الطفل أفجع حيث لميعرف له مضمار سعي دار
ما لذّ طعم العيش إلاّ من عداهالثكل لا من كان ذا أيسار
فالرزء في الأموال مثل الشعر ترزأه فينبت خِلفة الأطوار
فليهْنِ من عاشت بنوه عيشهوليصف مورده عن الأكدار
بعض الزوايا قد يساغ وبعضهايبقى شجا يشجي مدى الأعصار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع