تجاوز إلى المحتوى

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (ت ١٣٠٤هـ)

وصف باريس

كان وصول الفارياق إلى هذه مدينة الشهيرة في ذات ليلة ضباب فكانت عيناه معمشتين عن رؤية ما فيها من الخصائص. فلما أصبح أخذ يطوف في شوارعها كالمتفرّغ المتبطل فإذا بها ملآنة من المزالج والمزالق والروامج والروامق والجرائي والأطناء والرباي والملمُوات والجَذّابات والرُجَب والروب والفخوت والحراج واللُبَج والبياحات والنصاحات والمصايد والفخاخ والشواصر والنوامير والقحازات والدحاحيس والمفاقيس والشصوص والبيضاوات والقُفّاعات والمجازف والخواطيف والعواطيف والكُفف والربَق والطبق والعوادق والنُشَق والعلاليق والأوهاق والشباك والأشراك والشَوْدكات والأحابيل والكوابيل والشهوم والمصالي. فظهر له أن قوام كل شيء وعتاده وملاكه وقطبه العاصمة متوقف على وجود امرأة. فجميع الصُؤب والكُلَب والحوانيت والكُفُت والقرابج والكرابج والكناديج والمفاتح والمحاسب والمثابر والأنبار والمخازن والمحارف والمصانع والفناتق والفنادق والدكاكين والقرابق والبلاّنات والمنامات والحانات والخانات والأفدية والمطاعم والمشارب تديرها نساء وأي نساء. وما من كَعْب أو تأريجٍ أو أوارجة أو أنجيدج أو بُرْجان أو جُذاء أو برْنامِج أو عهده أو محضر أو جذر أو وصر أو قِط أو نداق أو صكّ أو فذلكة أو سيّال أو ترقيم أو ترقين أو جداء إلا وتتعاطاه المرأة هنا. واللبيب من الرجال من أتخذ في حانوته أو محترفه رامجاً مليحاً يلوّح به للشارين والمجتازين في السبيل. ولا فرق بين أن يكون ذلك الرامج من أهل بيته أو غريباً وإنما العبرة بانفقاس الفخ على أعناقهم.

هذا وقد اختصت نساء باريس بصفات لا يشاركنهن فيها أحد من نساء الإفرنج. فمن ذلك أنهن يتكلمن بالغنة والحنة والنشيج والهُزامج والترنجح والتطريب والسكت والحبرة والنبرة والأجشّ والتعثيث والرجيع والأضجاع والقُطْعة والتغريد والتهويد والمد والترسيل والترتيل والفصل والوصل والزجل والهلهلة والإدغام والترخيم والتدنيم والترنيم والروْم والإشباع والتفخيم والإمالة والتنعيم والتنغيم والتحزين والحنين والجدن والتلحين والطثن والشجو والترنية. حتى ينتشي السامع فلا يعلم بعد ذلك هل هن يفككن أزرارة أوفقاره. ومن ذلك تغيير الزي في كل برهة وبهن تقتدي سائر النساء فلو لبست إحداهن مثلاً عبْعبا أو حزقت ثوبها لعبّ الناس حب ذلك العبعب وصار التحزيق سنة فيهم. وعنهن يؤخذ أيضاً تقصيب الشعر وسَبْته وتسريحه وتسميده وتجميره وصفره وتطويره وتنفيشه وعفصه وتصفيفه وزرقلته وتشكيله وفرقه وكدْحه وكدهه وأدّراؤه وجدله وتفتيله وتغبيته ومشطه الكُعْكُبّة والمقدّمة واتخاذ قصة منه أو قزَّعة أو قنزعة وجعله مكرهفاً أو مسبلاً. ومن ذلك أنه لطول ترددهن على مواضع الرقص يحسبن كل مكان يطأنه مرقصاً. فترى المرأة منهن تمشي في الأسواق والشوارع وهي تميد وتميل وتتخلع وتتفكك. ويا ليت مولانا صاحب القاموس كان يعرف البُلْكي والمازركي والسوتشكي والكدريل والريدوقي والفلس وغيرها من ضروب الرقص حتى أوريها عنه هنا في حق الماشيات في باريس. ومن ذلك تحكمهن على الرجال وتعززهن عليهم في كل حال وبال. فترى الرجل يماشي المرأة وقلبه بين رجليها. وإذا خلا معها في البيت فهي الآمرة الناهية المستعلية القاضية. وهو المُصحِب المِصحاب المُدربح المُدلبح المُدمّح المكبوح المعنوج المصوّب المدبّخ المتزيّخ المختضَد المُسجد المعتسَر المشروس المتضع. ولا يزلن طول الدهر وحاماً ولا حَبَل. وبرمن أن يكون لهن كل شيء صهابيّا مؤربّا مرفّلا موفَّراً مؤَّفلاً مسبغاً ضافياً مرتبزاً وافياً تاماً كاملاً. حتى أن اللغة الفرنساوية مبنية على هذا الروحم. وذلك أنهم يحذقون في اللفظ أواخر جميع الألفاظ المذكورة وينطقون بها في المؤنثة. وعلى ذلك قول الفارياق.

عند الفرنسيس المؤنث واجبتبليغ آخره إلى الأسماع
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
وهو الدليل على تؤوق نسائهمطبعاً على التبليغ والإشباع
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
أو أنه صفة الكمال لهن أنيك ممكناً يوماً لذات قناع
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

وكان أحد التيتائيين من نحاتهم غاظه ذلك فجعل من بعض قواعد لغتهم تغليب المذكر على المؤنث. ولكن هيهات فإن امرأة واحدة هنا تقوى على عشرين ذكراً. ومن ذلك عنوان جمالهن مكتوب على جباههن نظماً ونثيراً. فمن النظم

مَلَكُ الجمال أعزّ من ملك لهجند وأعوان وعرش أرفع
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ذو المُلك تتبعه الجنود تكلفاًولذي الجمال الناس طوعاً تتبع
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

ومنه

من حارب العين خانته مضاربهوليس يجديه شحذ السيف عن جلده
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
فمضرب السيف مشحوذ على حجرومضرب الطرف مشحوذ على كبده
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

ومن النثر. الكلام بالغنّة، شفاء من العُنة. فرط التنهيد أبلغ في التهنيد. الخَدَل جلاء المقل. ضخم الحماة يفتح اللهاة. صغر الأقدام يقزح الأدام. كم صريع في السوق من كشف السوق. أن إبراز الترائب كاشف غمّ النوائب أن العَبعَب أملأ للعين واحب. أن الأعجان داعي الافتتان. أن النّوَق أصل الشَنَق. لا تفكن إلا ويزيله التبهكن. التهييم أدعى للتهييم والتتيّم المغاضنة دليل المحاضنة. غلائل الصيف أمضى من السيف. لا فرار بعدَّ الافترار. لا عاصم بعد كشف المعاصم. توهج الطيب. أشوق للحبيب. رب ابتسامة جلبت غرامة. العين غزالة. والقامة فتالة. الحسن معبود. والدينار منقود. الدينار فكلك الأزرار. من أكثر من الصلة نال ما أمله البضع لذي الدنيا والدنيا لذي البضع. من ذاق عرف ومن غازل هرف. إلى الملهى إلى الملهى. فبادر ثم لا تله. وعللها بكاس ثم عما شئت فاسألها.

والحاصل أن الفرق بين عنوان جمال الفرنساويات وجمال الإنكليزيات هو إن الأول من قبيل التداوي من الشيء بضده. والثاني من قبيل التداوي منه بجنسه. وذلك أن العنوان الأول هو ناطق عن الونى والفتور والترهل والتربخ والاسترسال والاسترخاء والاسترخاخ والاسترخاف والرشرشة والنشنشة والانحرار والثملطة والثلمطة والختت والهنبتة واللوثة والهلاث والابثئجاج والطرشحة والامرخداد والترترة والتختر والفيشوشة والتعة والخراعة واللخع والطريقة والرهوكة والثرطلة والغدن والانثطاء المستدعية لنقائضها من الاشتداد والتصلب والاتمئرار والتأتب والتقسح والتقسب والتوتر والتعلب والتعرد والتعلد والانزاز والتأدد والعص والاستعزاز والتأيد والكأن والاتكاع والتكلد. وجمال أولئك عنوان على هذه الصفات المستدعية لنظائرها وكلاهما في المرأة حسن. ومن ذلك أنهن يرين التقليد في الحب والزي معرة فكل واحدة منهن تجتهد في فنها حتى تصير قدوة لغيرها. أما في الزي فمنهن من تقبب صدرها بقدر ما تقبب نساء الإنكليز بتائلهن. ومنهن من تتخذ لها قبَّتين من قبل ومن دبر. حتى تكون إذا مشت عائقة أساتها ومواجهها. وكشف الساق لإبراز الحماة ونظافة الجوارب مطرد لهنّ. فأما في الحبَّ فمنهن من تريد على صفات المدقم الصفة التي ذكرها أبو نواس في الهمزية. ومنهن من يؤثر التجضّم الكمري أو الامتلاج القنبي. وأكثر الناس حرصاً على هذا الشيوخ المحنكون. فإمصاصهم وتبظيرهم ليس من السب في شيء. ومنهن من تجمع بين اللذتين الخرنوفية والفنقورية ولها سعران. ومنهن من تزيد على ذلك ما أراد الشيخ جمال الدين ابن نباتة من شوص الفرخ وله ثلاثة أسعار. ومنهن من تزيد عليه الشوص بالأخمصين وله أربعة. ومنهن من تمكن من قفط النودلين وثغر ما بينهما مجرداً. ومنهن من تضيفه إلى اللذتين المذكورتين مع شوص الفرخ بأنامل وأخامص وهو أغلى ما يكون. ومنهن من تتفاحل وتتقمد على أخرى مثلها. وهذا النوع عزيز لا يراه إلا الموسرون. ومنهن من تتعاطى الحرفة التترسية وهو قرع الترس بالترس.

ومن أغرب ما يكون أن بعض شيوخ الفرنساوية الذين يشب فكرهم وتخيلهم لهرم أجسامهم ووهن حركتهم يؤثرون على جميع الأنواع المذكورة التلمُّط بالعذرة وذلك بأن يتضجع أحدهم وهو عريان ويأمر من تستوي فوقه وتملأ فمه. ومنهم من يستغني عنه بشرب الزغرب من مشخبه زُغلة زُغله أو بمص القنب. وقد يجتمع رجال بواحدة فيقيمونها بين أيديهم عريانة ويقعد لدى قبلها ودبرها اثنان. ويأخذ آخر في صب الشراب من فوق صدرها وظهرها. فيبادر إليه الرجلان فأغرين أفواهمها ويشربانه عند مروره على السميَّن والنساء المثريات المغتلمات يستعملن رجالاً يقودون إليهن كل من رأوه أبتع من الرجال ولا سيما من أهل الريف. فيدخلون عليهن في بعض الديار وهن متبرقعات كيلا يُعرَفن ثم يأجرنهم على ذلك. وفي الجملة فإن كل ما يخطر ببال النحرير من أمور الفسق يراه الإنسان في باريس بعينه بالعَيْن.

وأعلم أن أهل باريس قد اصطلحوا على أمور في المعاش والنساء تميزوا بها عمن سواهم. أما في المعاش فإن من يأكل منهم في المطاعم الشائعة فأنه يشارط صاحب المحل أو بالحري صاحبته على أن يعطيها في الشهر قدراً معلوماً ويأكل عندها شيئاً معلوماً. فتعطيه تذاكر تؤذن بعدد المرات فيدفع ثمنها ثم يعيدها عليها فيودّي عن كل غداء أو عشاء تذكرة. فيتوفر عليه في ذلك ربع المصروف. وقس عليه الحمامات والملاهي وما أشبهها. فأما أمر النساء فإن أصحاب البيع والشراء لما كانوا قد اتخذوا لإدارة أشغالهم نساء حساناً كما سبقت إليه، فإذا خرجن في الليل بعد انقضاء أشغالهن ترصدتهن الرجال ودعوهن إلى مواضع الأكل والقهوة والرقص واللعب. فتذهب كل واحدة مع من تحب. فمتى رافقته إلى أحد هذه المواضع علم أن حقه صار لازب. فأما أن يستوفيه منها تلك الليلة فقط أو يوافقها على إعادة الوصل في كل أسبوع مثلاً مرتين أو ثلاثاً وإن يعطيها في آخر الشهر أُجرة معلومة. وما بقي لها من الساعات فإنها تؤجره لآخرين بأجرة معيَّنة. فترى للواحدة منهن عدة عشاق تواصلهم في أوقات مختلفة من الليل والنهار. ومع ذلك فلا تزال تلقب بُدمْوازل وهي كلمة تطلق على الأبكار على وجه التعظيم. ومعناها سيدة غير ذات بعل. ومنهم من يتصدى لمعرفة هؤلاء البنات من المراقص. فيعمد الرجل إلى بنت ويدعوها للرقص. فإذا أعجبته وأعجبها دعاها للشراب في موضع مخصوص في المرقص وعقد عليها عقد الزيارة الشهري. ومن عامل واحدة منهن مشاهرة لم ينفق عليها نصف ما ينفقه لو قضاها على مرة على حدتها وللنساء رخصة في باريس إن يدخلن جميع المراقص العمومية من دون أن يدفعن شيئاً اجتذاباً للرجال بكثرتهن. ولكن عليهن أن يرقصن معهم إذا استرقصوهنَّ. إلا إذا اعتذرن لهم بعذر يقبلونه كأن تقول المدعوة مثلاً قد دعاني آخر من قبلك فلا بد لي من أن أرقص معه أو نحو ذلك. ثم لا حرج أيضاً على من اكترى في منزل بيتاً مفروشاً كان أو غير مفروش إن تزوره صاحبته في مسكنه. شواء كانت من النوع الذي ذكرناه أعني من النساء اللائي بمنزلة بين الحرائر والزواني أو من غيره. وإن تبيت عنده على علم من الجيران والسكان. فإن منزلة هذا عند منزلة أهل باريس كمنزلة المتزوج. ولا فرق عند أهل باريس بين امرأة متزوجة لها سبعة بنين وسبع بنات تربيهم في تقوى الله وطاعة الملك وبين قحيبة تبيع عرضها لكل إبن سبيل وتتفنشخ لكل مجتاز في الطريق كما تقول التوراة.

وهناك أسباب أخرى كثيرة للفساد في الديار. وذلك أنه لما كانت جميع الأشغال في باريس تديرها النساء وكان منهن غسالات وخدامات لهن يأخذن ثياب السكان وخياطات وفرّاشات وبياعات للمأكول والمشروب والملبوس، أمكن الرجل أن يصاحب واحدة منهن فتأتيه مياومة إذا شاء بججة إنها تقضيه شيئاً أو تبيع له حاجة أو ملايلة أو مشاهرة أو مساوعة أو محاينة وذلك ممنوع في لندرة. بل ربما صاحب الرجل امرأة من نفس الدار التي يسكنها. لآن ديار هذه المدينة العامرة لما كانت تشتمل على عدة طبقات وكان أصغرها يحوي في الأقل عشرين ما بين رجال ونساء. أمكن للرجل أن يعاشر إحدى جارته. بل المتزوجون المقيمون في هذه الديار لا يأمنون على نسائهم وبناتهم لأن الرجل إذا خرج من بيته وخالفه فيه جاره إلى زوجته مائة مرة في اليوم لم يمكنه أن يعلم ذلك لقرب ما بين المسكين. ولهذا كان أهل باريس أقلّ غيرة على نسائهم من جميع الناس. لأنهم ربوا على هذا ولا مناص لهم منه. ولا يمكنهم أن يربوا أطفالهم عندهم خوفاً من تضجر الجيران منهم. وإنما يبعثونهم إلى الريف من أول أسبوع ميلادهم فيربون في أحجار المراضع وهي عادة حميدة من جهة أن الأطفال يتقوّون هناك بطيب الهواء. وهناك سبب آخر أن المُطفل بترشيحها ولدها وتربيته تخسر من نفع حرفتها أكثر مما تعطيه للظئر لأن نساء باريس يباشرون الحرف ولا يرين في التكسب عاراً بأي وجه كان. وهن في البيع والشراء أشط من الرجال ومن تكن جميلة تتقاضَ على النظر إلى جمالها شيئاً زائداً على الثمن. ثم أن حالة الرجال مع النساء على المنوال الذي ذكرناه تعد عند هؤلاء الناس من المصالح المهمة المرتبة المطردة. بمعنى أنه ليس من دار إلاّ ويحصل فيها وصال بين الرجال والنساء مع مراعاة حرمة كل من الزائر والمزور. ومع عدم الإخلال بالوقت الموقوت لكيلا يحصل تعطيل للمزور في شغله. ومع مجانبة ما يسوء الجيران من لغط وعربدة. ولا تكاد ترى في باريس كلها فقيرة أو مومسة تطوف في الليل وهي سكرى كما ترى في لندرة. وندر وجود إحداهنَّ في متأخر الليل. وقلّ من آذت زائرها أو قاصدها.

وهناك فرق آخر بين نساء الفرنسيس والإنكليز من جهة الخُلق لا الخَلق فالظاهر من نساء الإنكليز في الغالب الكِبر والأنَفَة والصُلف. والظاهر من نساء الفرنسيس اللين والبشاشة. إلا أن نساء الإنكليز لا يتدللن على الرجال ولا يجشمنهم الترف والتحف والولائم والملاهي والمنازه والفرج. فأكلة من الكباب وكرعة من المزر تكفيان في استجلاب رضاهن. وليس عندهن من الورم والمحال. والخلب والاختتال. والدها والنكر والاحتيال ما عند نساء باريس. فإما أن تحب إحداهن مثلا وترضى معه بالكثير والقليل وأما أن تصرمه. فأما نساء باريس فمهما يظهر منهن من الملاينة والمباغمة، والملاطفة والملاءمة. فإذا عاشرت واحدة منهن وشعرَتْ بأنك ارتبقت في هواها ورُقبت تبغنجت عليك وتدللت. وتصلّفت وتمحّلت. وأوهمتك أن مجرد كلامها معك منّة. وأن إرضاءها والخضوع لها سنة وإن كثيراُ في عشقها متيمون ناحلون هائمون ناسمون. حتى تستقل عليها كل كثير من الصلات والهدايا فتقبل منك ما تقبل وأنت لها من الشاكرين. وإذا دعوتها لوليمة فلا بد من إروائها من الرحيق المختوم. وتوحيمها بأفخر المطعوم. فتلتهم ما تلتهم وتشتفّ ما تشتف وهي متشبعة متعففة. متمنعة متظرفة. فإذا ضحكت حسبت أن ليس لضحكها من نظير. وإذا مشت ودت لو كان خطوها على الديباج والحرير. حتى إن هذا التصلف أيضاً صفة ملازمة للمتزوجات. فإن المرأة المتزوجة في باريس تغرّم زوجها على كسوتها فقط ما ينفقه المتزوج من الإنكليز على جميع أهله. فدأب الرجل في باريس وهمه وشغله إرضاء زوجته وهيهات أن ترضى وما أحسن ما قيل في هذا المعنى:

لا يعجب الزوج إلا أن تكون بمنتحب محفوفة أولا فاعنات
وكيف يرضى أمرء يحمي حقيقتهبالقِرن والقَرن أفتوا بها النات

وقال

وداخلة الإنسان تفسد كلهاإذا أصبحت زوج له أم خارجه
ويخرج عنه الحلم لو قيل مرةله هي في البيت الفلاني والِجَه

ولهذا يقال في المثل السائر عند الفرنساوية أن باريس نعيم النساء ومطهر الرجال وجحيم الخيل. ولما كانت حالة الرجال مع النساء هكذا كان ثلاثة أرباع سكان باريس مسافحين. ونصف الربع الأخير متزوجين زواجاً شرعياً والباقي منقطعون عن النكاح. كذا أخبرني من يوثق بكلامه. ثم أن المومسة من الإنكليز تعرف نفسها أنها حرة أيضاً أن الناس يعرفونها كذلك. فلا تكلفهم احترامها. ولا تسومهم إعظامها. فإما البغي من الفرنسيس فعندها إن مجرد استبضاعها للبضع يؤهلها لأن يكرمها الناس ويداروها. ويجلوها ويسانوها. وذلك لعدم استغنائهم عنها. وجرّهم النفع منها. وقد تقدم أن الفرنساوية لا يفرقون بين الحرة والبغي وبقي هنا أن نقول أنهم أشد الناس شبقاً إلى البعال. وأقرمهم إلى السفاح. وناهيك إنهم في الفتنة الكبيرة التي حدثت في سنة أقاموا امرأة عريانة على مذبح إحدى الكنائس وسجدوا لها. فصوّر لخاطرك أيها القارئ كيف تكون الرجال والنساء في هذه المدينة في ليالي الشتاء البارد الطويلة وكم من ملهى يغص بهم وبهن وكم من مآب. وكم من مائدة تميد لهم بالطعام والشراب. وكم من سرر تهتزّ. ومضاجع تأزّ. وأجناب تلزّ. وأوطاب تمزّ. وأوتار تنزّ. أنشدني الفارياق لنفسه في وصف باريس وأجازني روايته:

وفي باريس لذات كما فيجنان الخلد جير وحور عين
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
ولكن شأنهن دوام طمثلكل أربعون من القرين
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

وقال في الراقصات

لله در الراقصات لنا علىنغم المثاني حيث تجلى الكوب
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
لو كان يوماً وطؤهن عليّ لمتثقل لديَّ من الزمان خطوب
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة

وقال في رامج

ذي الباريزية طلعتهاكالصبح بها قلبي مغرم
للشاعر أحمد فارس الشدياق، اقرأ القصيدة
في الليل أربد تحيتهافأقول لها بُن جُوْر مادم

قال وكما أن الغريب المسكين ينشرح صدره وينجلي بصره بمشاهدة تلكم الحكاكات للأعتاب في لندرة على الصفة التي تقدم ذكرها. كذلك تقر عينه أمثالهن في باريس طائفات في الشوارع والأسواق من دون غطاء على رؤوسهن ولا ساتر لخصورهن وما يليها. بخلاف عادة النساء في لندرة فإنهن لا يخرجن إلا ملتحفات. قال وعندي إن هاتين الخلتين وهما حك الأعتاب والخروج من دون التحاف هما السبب في قلة وجود العميان في هاتين المدينتين السعيدتين. وقلما ترى في رجالها احول أو أزور أو أحوص أو أخوص أو أرمص أو أكمس أو أعشى أو أخفش أو أعفش أو أعمش أو أعبش أو أغمش أو أرمش أو امتش أو ذادوش أو مدش أو طخش أوغطش أو غفش أو طفنشئاً أو غطمَّشاً أو مغطرشاً. أو مطغمشاً أو مطرفشاً أو مطفرفشاً أو مطنفشاً أو مدنفشاً أو مدنقشاً. فعلى كل من كان في بلادنا أعمش ذا عين أن يقصد هذه البلاد ليجلو بصره بهذه المناظر الأنيقة. وليستصحب معه أيضاً لهذه الجلاء جلاء أي لقباً يبني عن شرف وسيادة. فإن القوم يعظمون هذه الزنمة ولا يرون للإنسان فضلاً بغيرها. وعلى فرض تحرجه من الانتحال والتزوير فإن غناه يكسبه إياها من عندهم. لأنه متى كان غنياً وجعل دأبة أن يتردد على مواضع اللهو والحظ لم يلبث ان يتعرف بزمرة من الكبراء السعداء وإن يزورهم في مغانيهم. وحٍ يسمونه بسمة شرف تشريفاً له وتشرّفاً به إذ لا يزورهم إلا الشريف مثلهم. فأما حرص النساء على هذه الزنمة وخصوصاً نساء الإنكليز فهو أوسع من أن يحصر في هذا الكتاب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الساق على الساق في ما هو الفارياق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.