من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر ابن هرمة وأخباره ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة بن هذيل، هكذا ذكر يعقوب بن السّكّيت. وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار عن عمّه مصعب، وذكر ذلك العبّاس بن هشام الكلبيّ عن أبيه هشام بن محمد بن السائب، قالوا جميعا: هو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر بن هرمة بن الهديل بن ربيع بن عامر بن صبيح بن كنانة بن عديّ بن قيس بن الحارث بن فهر - وفهر أصل قريش، فمن لم يكن من ولده لم يعدّ من قريش، وقد قيل ذلك في النّضر بن كنانة - وفهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال من ذكرنا من النسّابين: قيس بن الحارث هو الخلج، وكانوا في عدوان ثم انتقلوا إلى بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. فلما استخلف عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه أتوه ليفرض لهم، فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر وجعل لهم معهم ديوانا. وسمّوا الخلج لأنّهم اختلجوا ممن كانوا معه من عدوان ومن بني نصر بن معاوية. وأهل المدينة يقولون: إنّما سمّوا الخلج لأنهم نزلوا بالمدينة على خلج (وواحدها خليج) فسمّوا بذلك.
ولهم بالمدينة عدد. قال مصعب: كان لإبراهيم بن هرمة عمّ يقال له هرمة الأعور، فأرادت الخلج نفيه منهم؛ فقال: أمسيت ألأم العرب دعيّ أدعياء. ثم قال يهجوهم:
رأيت بني فهر سباطا أكفّهمفمال بال - أنبوني - أكفّكم قفدا
ولم تدركوا ما أدرك القوم قبلكممن المجد إلا دعوة ألحقت كدّا
على ذي أيادي الدّهر أفلح جدّهموخبتم فلم يصرع لكم جدّكم جدّا
وقال يحيى بن عليّ حدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن المدائنيّ عن أبي سلمة الغفاريّ قال: نفى بنو الحارث بن فهر ابن هرمة، فقال:
أحاربن فهر كيف تطّرحوننيوجاء العدا من غيركم تبتغي نصري
قال: فصار من ولد فهر في ساعته.
قال يحيى بن عليّ وحدّثني أحمد بن يحيى الكاتب قال حدّثني العبّاس بن هشام الكلبيّ عن أبيه قال: كان ابن هرمة يقول: أنا ألأم العرب، دعيّ أدعياء: هرمة دعيّ في الخلج، والخلج أدعياء في قريش.
حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر قال: زرت عبد اللّه بن حسن بباديته وزاره ابن هرمة، فجاء رجل من أسلم؛ فقال ابن هرمة لعبد اللّه بن حسن: أصلحك اللّه! سل الأسلميّ أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره. فقال له عبد اللّه بن حسن: ائذن له، فأذن له الأسلميّ. فقال له إبراهيم بن هرمة: إنّي خرجت - أصلحك اللّه - أبغي ذودا لي، فأوحشت وضفت هذا الأسلميّ، فذبح لي شاة وخبز لي خبزا وأكرمني، ثم غدوت من عنده، فأقمت ما شاء اللّه. ثم خرجت أيضا في بغاء ذود لي، فأوحشت فضفته فقراني بلبن وتمر، ثم غدوت من عنده فأقمت ما شاء اللّه. ثم خرجت في بغاء ذود لي، فأوحشت، فقلت: لو ضفت الأسلميّ! فاللّبن والتمر خير من الطّوى؛ فضفته فجاءني بلبن حامض. فقال: قد أجبته - أصلحك اللّه - إلى ما سأل، فسله أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت. فقال له: ائذن له؛ فأذن له. فقال الأسلميّ: ضافني، فسألته من هو؟ فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشاة التي ذكر، وو اللّه لو كان غيرها عندي لذبحته له حين ذكر أنّه من قريش. ثم غدا من عندي وغدا عليّ الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ قلت: رجل من قريش؛ فقالوا: لا واللّه ما هو من قريش، ولكنه دعيّ فيها. ثم ضافني الثانية على أنه دعيّ في قريش، فجئته بلبن وتمر وقلت: دعيّ قريش خير من غيره. ثم غدا من عندي وغدا عليّ الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ قلت الرجل الذي زعمتم أنّه دعيّ في قريش؛ فقالوا: لا واللّه ما هو بدعيّ في قريش، ولكنّه دعيّ أدعياء قريش. ثم جاءني الثالثة، فقريته لبنا حامضا، وو اللّه لو كان عندي شرّ منه لقريته إيّاه. قال: فانخذل ابن هرمة، وضحك عبد اللّه وضحكنا معه.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثني نوفل بن ميمون قال: لقي ابن ميّادة ابن هرمة، فقال ابن ميادة: واللّه لقد كنت أحبّ أن ألقاك، لا بدّ من أن نتهاجى، وقد فعل الناس ذلك قبلنا، فقال ابن هرمة: بئس واللّه ما دعوت إليه وأحببته، وهو يظنّه جادّا. ثم قال له ابن هرمة: أما واللّه إنّني للّذي أقول:
إنّي لميمون جوارا وإنّنيإذا زجر الطّير العدا لمشوم
وإنّي لملآن العنان مناقلإذا ما ونى يوما ألفّ سؤوم
فودّ رجال أنّ أمّي تقنّعتبشيب يغشّي الرأس وهي عقيم
فقال ابن ميّادة: وهل عندك جراء؟ ثكلتك أمّك! أنت ألأم من ذلك! ما قلت إلّا مازحا.
أخبرنا به وكيع قال حدّثنا محمد بن إسماعيل قال قال عبد العزيز بن عمران: اجتمع ابن هرمة وابن ميّادة عند جميع بن عمر بن الوليد، فقال ابن ميّادة لابن هرمة: قد كنت أحبّ أن ألقاك.
ثم ذكر نحوه.
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك حدّثنا عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ قال حدّثني أبو سلمة الغفاريّ عن أبيه قال: وفدت على المهديّ في جماعة من أهل المدينة، وكان فيمن وفد يوسف بن موهب وكان في رجال بني هاشم من بني نوفل، وكان معنا ابن هرمة؛ فجلسنا يوما على دكّان قد هيّىء لمسجد ولم يسقّف، في عسكر المهديّ؛ وقد كنّا نلقى الوزراء وكبراء السلطان، وكانوا قد عرفونا؛ وإذا حيال الدّكّان رجل بين يديه ناطف يبيعه في يوم شات شديد البرد، فأقبل إذ ضربه بفأسه فتطاير جفوفا؛ فأقبل ابن هرمة علينا، فقال ليوسف: يابن عمّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - أما معك درهم نأكل به من هذا الناطف؟ فقال له: متى عهدتني أحمل الدّراهم! قال: فقلت له: لكنّي أنا معي، فأعطيته درهما خفيفا، فاشترى به ناطفا على طبق للنّاطفيّ فجاء بشيء كثير، فأقبل يتمضّغه وحده ويحدّثنا ويضحك. فما راعنا إلّا موكب أحد الوزيرين: أبي عبيد اللّه أو يعقوب بن داود. ثم أقبلت المطرّقة؛ فقلنا: مالك قاتلك اللّه! يهجم علينا هذا وأصحابه، فيرون الناطف بين أيدينا فيظنّون أنّا كنّا نأكل معك.
قال: فو اللّه ما أحد أولى بالسّتر على أصحابه وتقلّد البليّة منك يابن عمّ رسول اللّه! فضعه بين يديك. قال: اعزبّ قبحك اللّه! قال: فأنت يابن أبي ذرّ، فزبرته. قال: فقال: قد علمت أنّه لا يبتلى بهذا إلّا دعيّ أدعياء عاضّ كذا من أمّه. ثم أخذ الطبق في يده فحمله وتلقّى به الموكب، فما مرّ به أحد له نباهة إلّا مازحه، حتى مضى القوم جميعا.
وقال هارون حدّثني أبو حذافة السّهميّ قال حدّثنا إسحاق بن نسطاس قال: كان ابن هرمة مشتهرا بالنبيذ، فأتى عبد اللّه بن حسن وهو بالسّيالة، فأنشده مديحا له. فقام عبد اللّه إلى غنم كانت له، فرمى بساجة عليها فافترقت فرقتين، فقال: اختر أيّهما شئت - قال: فإمّا أن تكون زادت بواحدة أو نقصت بواحدة على الأخرى. قال: وكانت ثلاثمائة - وكتب له إلى المدينة بدنانير. فقال له: يا ابن هرمة، انقل عيالك إلينا يكونوا مع عيالنا. فقال: أفعل يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ثم قدم ابن هرمة المدينة وجهّز عياله لينقلهم إلى عبد اللّه بن حسن، واكترى من رجل من مزينة.
فبينا هو قد شدّ متاعه وحمله والكريّ ينتظره أن يتحمّل، إذ أتاه صديق له، فقال: أي أبا إسحاق، عندي واللّه نبيذ يسقط لحم الوجه. فقال: ويحك! أما ترانا على مثل هذه الحال! أعليها يمكن الشراب! فقال: إنما هي ثلاثة لا تزد عليهنّ شيئا. فمضى معه وهم وقوف ينظرون؛ فلم يزل يشرب حتى مضى من الليل صدر صالح؛ ثم أتي به وهو سكران، فطرح في شقّ المحمل وعادلته امرأته ومضوا.
فلمّا أسحروا رفع رأسه فقال: أين أنا؟ فأقبلت عليه امرأته تلومه وتعذله، وقالت: قد أفسد عليك هذا النبيذ دينك ودنياك، فلو تعلّلت عنه بهذه الألبان! فرفع رأسه إليها وقال:
لا نبتغي لبن البعير وعندناماء الزّبيب وناطف المعصار
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا زكريّا بن يحيى بن خلّاد قال: كان الأصمعيّ يقول: ختم الشعراء بابن هرمة، والحكم الخضريّ، وابن ميّادة، وطفيل الكنانيّ، ومكين العذريّ.
قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدّثني أبو حذافة السّهميّ أحمد بن إسماعيل قال: كان ابن هرمة مدمنا للشراب مغرما به؛ فأتى أبا عمرو بن أبي راشد مولى عدوان؛ فأكرمه وسقاه أيّاما ثلاثة.
فدعا ابن هرمة بالنبيذ؛ فقال له غلام لأبي عمرو ابن أبي راشد: قد نفد نبيذنا. فنزع ابن هرمة رداءه عن ظهره فقال للغلام: اذهب به إلى ابن حونك (نبّاذ كان بالمدينة)، فارهنه عنده وأتنا بنبيذ، ففعل. وجاء ابن أبي راشد، فجعل يشرب معه من ذلك النبيذ. فقال له: أين رداؤك يا أبا إسحاق؟ فقال: نصف في القدح ونصف في بطنك.
قال هارون حدّثني محمد بن عمر بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزّهريّ قال حدّثني عمّي عبد العزيز بن إسماعيل قال: مدح ابن هرمة محمد بن عمران الطّلحيّ، وبعث إليه بالمديح مع ابن ربيح، فاحتجب عنه؛ فمدح محمد بن عبد العزيز؛ وكان ابن هرمة مريضا، فقال قصيدته التي يقول فيها:
إنّي دعوتك إذ جفيت وشفّنيمرض تضاعفني شديد المشتكى
وحبست عن طلب المعيشة وارتقتدوني الحوائج في وعور المرتقى
فأجب أخاك فقد أناف بصوتهيا ذا الإخاء ويا كريم المرتجى
ولقد حفيت صبيت عكّة بيتناذوبا ومزت بصفوه عنك القذى
فخذ الغنيمة واغتنمني إنّنيغنم لمثلك والمكارم تشترى
لا ترمينّ بحاجتي وقضائهاضرح الحجاب كما رمى بي من رمى
فركب إلى جعفر بن سليمان نصف النّهار؛ فقال: ما نزعك يا أبا عبد اللّه في هذا الوقت؟ قال: حاجة لم أر فيها أحدا أكفى منّي. قال: وما هي؟ قال: قد مدحني ابن هرمة بهذه الأبيات، فأردت من أرزاقي مائة دينار. قال:
ومن عندي مثلها قال: ومن الأمير أيضا! قال: فجاءت المائتا الدينار إلى ابن هرمة، فما أنفق منها إلّا دينارا واحدا حتّى مات، وورث الباقي أهله.
وقال أحمد بن أبي خيثمة عن أبي الحسن المدائنيّ قال: امتدح ابن هرمة أبا جعفر فوصله بعشرة آلاف درهم. فقال: لا تقع منّي هذه. قال: ويحك! إنّها كثيرة. قال: إن أرادت أن تهنئني فأبح لي الشراب فإنّي مغرم به. فقال: ويحك! هذا حدّ من حدود اللّه. قال: احتل لي يا أمير المؤمنين. قال نعم. فكتب إلى والي المدينة: من أتاك بابن هرمة سكران فاضربه مائة واضرب ابن هرمة ثمانين.
قال: فجعل الجلواز إذا مرّ بابن هرمة سكران، قال: من يشتري الثمانين بالمائة!
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو سلمة الغفاريّ قال أخبرنا ابن ربيح راوية ابن هرمة قال: أصابت ابن هرمة أزمة؛ فقال لي في يوم حارّ: اذهب فتكار حمارين إلى ستّة أميال، ولم يسمّ موضعا. فركب واحدا وركبت واحدا، ثم سرنا حتى صرنا إلى قصور الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر، فدخلنا مسجده. فلمّا مالت الشمس خرج علينا مشتملا على قميصه، فقال لمولى له: أذّن فأذّن، ولم يكلّمنا كلمة. ثم قال له: أقم فأقام، فصلّى بنا، ثم أقبل على ابن هرمة فقال: مرحبا بك يا أبا إسحاق، حاجتك؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي، أبيات قلتها - وقد كان عبد اللّه وحسن وإبراهيم بنو حسن بن حسن وعدوه شيئا فأخلفوه - فقال: هاتها. فقال:
أما بنو هاشم حولي فقد قرعوانبل الضّباب التي جمعت في قرن
فما بيثرب منهم من أعاتبهإلّا عوائد أرجوهنّ من حسن
اللّه أعطاك فضلا من عطيّتهعلى هن وهن فيما مضى وهن
قال: حاجتك! قال: لابن أبي مضرّس عليّ خمسون ومائة دينار. قال: فقال لمولى له: يا هيثم، اركب هذه البغلة فأتني بابن أبي مضرّس وذكر حقّه. قال: فما صلّينا العصر حتّى جاء به. فقال له: مرحبا بك يابن أبي مضرّس، أمعك ذكر حقّك على ابن هرمة قال نعم. قال: فامحه، فمحاه. ثم قال: يا هيثم، بع ابن أبي مضرّس من تمر الخانقين بمائة وخمسين دينارا وزده على كلّ دينار ربع دينار، وكل ابن هرمة بخمسين ومائة دينار تمرا، وكل ابن ربيح بثلاثين دينارا تمرا. قال: فانصرفنا من عنده؛ فلقيه محمد بن عبد اللّه بن حسن بالسّيالة، وقد بلغه الشعر، فغضب لأبيه وعمومته فقال: أي ماصّ بظر أمّه! أنت القائل:
على هن وهن فيما مضى وهن
فقال: لا واللّه! ولكنّي الذي أقول لك:
لا والّذي أنت منه نعمة سلفتنرجو عواقبها في آخر الزّمن
لقد أتيت بأمر ما عمدت لهولا تعمّده قولي ولا سنني
فكيف أمشي مع الأقوام معتدلاوقد رميت برىء العود بالأبن
ما غيّرت وجهه أمّ مهجّنةإذا القتام تغشّى أوجه الهجن
قال: وأمّ الحسن أمّ ولد.
قال هارون: فحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال: لمّا قال ابن هرمة هذا الشعر في حسن بن زيد، قال عبد اللّه بن حسن: واللّه ما أراد الفاسق غيري وغير أخويّ: حسن وإبراهيم. وكان عبد اللّه يجري على ابن هرمة رزقا فقطعه عنه وغضب عليه. فأتاه يعتذر، فنحّي وطرد؛ فسأل رجالا أن يكلّموه، فردّهم؛ فيئس من رضاه واجتنبه وخافه. فمكث ما شاء اللّه، ثم مرّ عشيّة وعبد اللّه على زربيّة في ممرّ المنبر، ولم تكن تبسط لأحد غيره في ذلك المكان. فلمّا رأى عبد اللّه تضاءل وتقنفذ وتصاغر وأسرع المشي. فكأنّ عبد اللّه رقّ له، فأمر به فردّ عليه، فقال: يا فاسق، يا شارب الخمر، على هن وهن! أتفضّل الحسن عليّ وعلى أخويّ! فقال: بأبي أنت وأمّي! وربّ هذا القبر ما عنيت إلّا فرعون وهامان وقارون، أفتغضب لهم! فضحك وقال: واللّه ما أحسبك إلّا كاذبا. قال: واللّه ما كذبتك. فأمر بأن تردّ عليه جرايته.
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال أخبرني أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب قال: إنّما اعتذر ابن هرمة بهذا إلى محمد بن عبد اللّه بن حسن.
قال يحيى: وأخبرني أبو أيّوب عن عليّ بن صالح قال: أنشدني عامر بن صالح قصيدة لابن هرمة نحوا من أربعين بيتا، ليس فيها حرف يعجم؛ وذكر هذه الأبيات منها. ولم أجد هذه القصيدة في شعر ابن هرمة، ولا كنت أظنّ أن أحدا تقدّم رزينا العروضيّ إلى هذا الباب.
وأوّلها:
أرسم سودة أمسى دارس الطّللمعطّلا ردّه الأحوال كالحلل
هكذا ذكر يحيى بن عليّ في خبره أنّ القصيدة نحو من أربعين بيتا؛ ووجدتها في رواية الأصمعيّ ويعقوب بن السّكّيت اثني عشر بيتا، فنسختها هاهنا للحاجة إلى ذلك. وليس فيها حرف يعجم إلّا ما اصطلح عليه الكتّاب من تصبيرهم مكان ألف ياء مثل «أعلى» فإنّها في اللفظ بالألف وهي تكتب بالياء، ومثل «رأى» ونحو هذا، وهو في التحقيق في اللفظ بالألف، وإنما اصطلح الكتّاب على كتابته بالياء كما ذكرناه. والقصيدة:
أرسم سودة محل دارس الطّللمعطّل ردّه الأحوال كالحلل
لمّا رأى أهلها سدّوا مطالعهارام الصّدود وعاد الودّ كالمهل
وعاد ودّك داء لا دواء لهولو دعاك طوال الدّهر للرّحل
ما وصل سودة إلّا وصل صارمةأحلها الدهر دارا مأكل الوعل
وعاد أمواهها سدما وطار لهاسهم دعا أهلها للصّرم والعلل
صدّوا وصدّ وساء المرء صدّهموحام للورد ردها حومة العلل
- حومة الماء، كثرته وغمرته. والعلل: الشّرب الثاني. والرّده: مستنقع الماء -:
وحلّئوه رداها ماؤها عسلما ماء رده لعمر اللّه كالعسل
دعا الحمام حماما سدّ مسمعهلمّا دعاه رآه طامح الأمل
طموح سارحة حوم ملمّعةوممرع السرّ سهل ماكد السّهل
وحاولوا ردّ أمر لا مردّ لهوالصّرم داء لأهل اللّوعة الوصل
أحلّك اللّه أعلى كلّ مكرمةواللّه أعطاك أعلى صالح العمل
سهل موارده سمح مواعدهمسود لكرام سادة حمل
قال يحيى بن عليّ وحدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن أبي حذيفة قال:
إيّاك لا ألزمن لحييك من لجمينكلا ينكّل قرّاصا من اللّجم
يدقّ لحييك أو تنقاد متّبعامشي المقيّد ذي القردان والحلم
إنّي إذا ما امرؤ خفّت نعامتهإليّ واستحصدت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبّتهطوق الحمامة لا يبلى على القدم
إنّي امرؤ لا أصوغ الحلي تعملهكفّاي لكن لساني صائغ الكلم
إنّ الأديم الذي أمسيت تقرظهجهلا لذو نغل باد وذو حلم
ولا يئطّ بأيدي الخالقين ولاأيدي الخوالق إلّا جيّد الأدم
قال يحيى وحدّثني أبو أيّوب عن مصعب بن عبد اللّه عن أبيه قال: لقيني ابن هرمة فقال لي: يابن مصعب، أتفضّل عليّ ابن أذينة! أما شكرت قولي:
فما لك مختلّا عليك خصاصةكأنّك لم تنبت ببعض المنابت
كأنّك لم تصحب شعيب بن جعفرولا مصعبا ذا المكرمات ابن ثابت
- يعني مصعب بن عبد اللّه - قال: فقلت: يا أبا إسحاق، أقلني وروّني من شعرك ما شئت؛ فإنّي لم أرو لك شيئا. فروّاني عبّاسيّاته تلك.
قال يحيى: وأخبرني أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب بن عبد اللّه عن مصعب بن عثمان قال: قال ابن هرمة: ما رأيت أحدا قطّ أسخى ولا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع، وإبراهيم بن طلحة بن عمرو بن عبد اللّه بن معمر. أمّا إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكلّ شيء من الطعام، فأردت أن أنشده؛ فقال: ليس هذا وقت الشعر. ثم أخرج الغلام إليّ رقعة فقال: ائت بها الوكيل. فأتيته بها، فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، وإن شئت أعطيتك القيمة. قلت: وما أمر لي به؟ فقال: مائتا شاة برعائها وأربعة أجمال وغلام جمّال ومظلّة وما تحتاج إليه، وقوتك وقوت عيالك سنة. قلت: فأعطني القيمة؛ فأعطاني مائتي دينار. وأمّا إبراهيم بن عبد اللّه فأتيته في منزله بمشاش على بئر ابن الوليد بن عثمان بن عفّان؛ فدخل إلى منزله ثم خرج إليّ برزمة من ثياب وصرّة من دراهم ودنانير وحليّ، ثم قال: لا واللّه ما بقّينا في منزلنا ثوبا إلّا ثوبا نواري به امرأة، ولا حليا ولا دينارا ولا درهما. وقال يمدح إبراهيم:
أرّقتني تلومني أمّ بكربعد هدء واللّوم قد يؤذيني
حذّرتني الزمان ثمّت قالتليس هذا الزمان بالمأمون
قلت لمّا هبّت تحذّرني الدّهر دعي اللّوم عنك واستبقيني
إنّ ذا الجود والمكارم إبراهيم يعنيه كلّ ما يعنيني
قد خبرناه في القديم فألفينا مواعيده كعين اليقين
قلت ما قلت للّذي هو حقّمستبين لا للّذي يعطيني
نضحت أرضنا سماؤك بعد الجدب منها وبعد سوء الظّنون
فرعينا آثار غيث هراقته يدا محكم القوى ميمون
وقال هارون حدّثنا حمّاد عن عبد اللّه بن إبراهيم الحجبيّ: أنّ إبلا لمحمد بن عمران تحمل علفا مرّت بمحمد بن عبد العزيز الزّهريّ ومعه ابن هرمة، فقال: يا أبا إسحاق، ألا تستعلف محمد بن عمران! وهو يريد أن يعرّضه لمنعه فيهجوه. فأرسل ابن هرمة في أثر الحمولة رسولا حتّى وقف على ابن عمران، فأبلغه رسالته؛ فردّ إليه الإبل بما عليها، وقال: إن احتجت إلى غيرها زدناك. فأقبل ابن هرمة على محمد بن عبد العزيز فقال له: اغسلها عنّي، فإنّه إن علم أنّي استعلفته ولا دابّة لي وقعت منه في سوءة. قال: بماذا؟ قال: تعطيني حمارك. قال: هو لك بسرجه ولجامه. فقال ابن هرمة: من حفر حفرة سوء وقع فيها.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو يحيى هارون بن عبد اللّه الزّهريّ عن ابن زريق، وكان منقطعا إلى أبي العبّاس بن محمد وكان من أروى الناس، قال: كنت مع السّريّ بن عبد اللّه باليمامة، وكان يتشوّق إلى إبراهيم بن عليّ بن هرمة ويحبّ أن يفد عليه؛ فأقول: ما يمنعك أن تكتب إليه؟ فيقول: أخاف أن يكلّفني من المؤونة ما لا أطيق. فكنت أكتب بذلك إلى ابن هرمة، فكره أن يقدم عليه إلّا بكتاب منه؛ ثم غلب فشخص إليه، فنزل عليّ ومعه راويته ابن ربيح. فقلت له: ما منعك من القدوم على الأمير وهو من الحرص على قدومك على ما كتبت به إليك؟ قال: الذي منعه من الكتاب إليّ. فدخلت على السّريّ فأخبرته بقدومه؛ فسرّ بذلك وجلس للناس مجلسا عامّا، ثم أذن لابن هرمة فدخل عليه ومعه راويته ابن ربيح. وكان ابن هرمة قصيرا دميما أريمص، وكان ابن ربيح طويلا جسيما نقيّ الثياب. فسلّم على السّريّ ثم قال له: أصلحك اللّه! إنّي قد قلت شعرا أثنيت فيه عليك. فقال: أنشد؛ فقال: هذا ينشد فجلس.
فأنشده ابن ربيح قصيدته التي أوّلها:
عوجا على ربع ليلى أمّ محمودكيما نسائله من دون عبّود
عن أمّ محمود إذ شطّ المزار بهالعلّ ذلك يشفي داء معمود
فعرّجا بعد تغوير وقد وقفتشمس النهار ولاذ الظّلّ بالعود
شيئا فما رجعت أطلال منزلةقفر جوابا لمحزون الجوى مودي
ذاك السّريّ الذي لو لا تدفّقهبالعرف متنا حليف المجد والجود
من يعتمدك ابن عبد اللّه مجتديالسيب عرفك يعمد خير معمود
يا ابن الأساة الشّفاة المستغاث بهموالمطعمين ذرى الكوم المقاحيد
والسّابقين إلى الخيرات قومهمسبق الجياد إلى غاياتها القود
أنت ابن مسلنطح البطحاء منبتكمبطحاء مكة لا روس القراديد
لكم سقايتها قدما وندوتهاقد حازها والد منكم لمولود
لو لا رجاؤك لم تعسف بنا قلصأجواز مهمهة قفر الصّوى بيد
لكن دعاني وميض لاح معترضامن نحو أرضك في دهم مناضيد
وأنشده أيضا قصيدة مدحه فيها، أوّلها:
أفي طلل قفر تحمّل آهلهوقفت وماء العين ينهلّ هامله
تسائل عن سلمى سفاها وقد نأتبسلمى نوى شحط فكيف تسائله
وترجو ولم ينطق وليس بناطقجوابا محيل قد تحمّل آهله
ونؤي كخطّ النّون ما إن تبينهعفته ذيول من شمال تذايله
فقل للسّريّ الواصل البرّذي النّدىمديحا إذا ما بثّ صدّق قائله
جواد على العلّات يهتزّ للنّدىكما اهتزّ عضب أخلصته صياقله
نفى الظّلم عن أهل اليمامة عدلهفعاشوا وزاح الظّلم عنهم وباطله
وناموا بأمن بعد خوف وشدّةبسيرة عدل ما تخاف غوائله
وقد علم المعروف أنّك خدنهويعلم هذا الجوع أنّك قاتله
بك اللّه أحيا أرض حجر وغيرهامن الأرض حتّى عاش بالبقل آكله
وأنت ترجّى للّذي أنت أهلهوتنفع ذا القربى لديك وسائله
وأنشده أيضا مما مدحه به قوله:
عوجا نحيّ الطّلول بالكثب
يقول فيها يمدحه:
دع عنك سلمى وقل محبّرةلماجد الجدّ طيّب النّسب
محض مصفّى العروق يحمدهفي العسر واليسر كلّ مرتغب
الواهب الخيل في أعنّتهاوالوصفاء الحسان كالذّهب
مجدا وحمدا يفيده كرماوالحمد في الناس خير مكتسب
قال: فلمّا فرغ ابن ربيح، قال السّريّ لابن هرمة: مرحبا بك يا أبا إسحاق! ما حاجتك؟ قال: جئتك عبدا مملوكا. قال: لا! بل حرّا كريما وابن عمّ، فما ذاك؟ قال: ما تركت لي مالا إلّا رهنته، ولا صديقا إلّا كلّفته - قال أبو يحيى: يقول لي ابن زريق: حتّى كأنّ لي ديّانا وعليه مالا - فقال له السّريّ: وما دينك؟ قال: سبعمائة دينار. قال: قد قضاها اللّه عزّ وجلّ عنك. قال: فأقام أيّاما، ثم قال لي: قد اشتقت. فقلت له: قل شعرا تشوّق فيه. فقال قصيدته التي يقول فيها:
أألحمامة في نخل ابن هدّاجهاجت صبابة عاني القلب مهتاج
أم المخبّر أنّ الغيث قد وضعتمنه العشار تماما غير إخداج
شقّت سوائفها بالفرش من مللإلى الأعراف من حزن وأولاج
حتّى كأنّ وجوه الأرض ملبسةطرائفا من سدى عصب وديباج
وهي طويلة مختارة من شعره، يقول فيها يمدح السّريّ:
أمّا السّريّ فإنّي سوف أمدحهما المادح الذاكر الإحسان كالهاجي
ذاك الذي هو بعد اللّه أنقذنيفلست أنساه إنقاذي وإخراجي
ليث بحجر إذا ما هاجه فزعهاج إليه بالجام وإسراج
لأحبونّك مما أصطفي مدحامصاحبات لعمّار وحجّاج
أسدى الصنيعة من برّ ومن لطفإلى قروع لباب الملك ولّاج
كم من يد لك في الأقوام قد سلفتعند امرىء ذي غنى أو عند محتاج
فأمر له بسبعمائة دينار في قضاء دينه، ومائة دينار يتجهّز بها، ومائة دينار يعرّض بها أهله، ومائة دينار إذا قدم على أهله.
قوله: «يعرّض بها أهله» أي يهدي لهم بها هديّة، والعراضة: الهديّة. قال الفرزدق يهجو هشام بن عبد الملك:
كانت عراضتك الّتي عرّضتنايوم المدينة زكمة وسعالا
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني نوفل بن ميمون قال أخبرني أبو مالك محمد بن عليّ بن هرمة قال: قال ابن هرمة:
ومهما ألام على حبّهمفإنّي أحبّ بني فاطمه
بني بنت من جاء بالمحكمات والدّين والسّنّة القائمه
فلقيه بعد ذلك رجل فسأله: من قائلها؟ فقال: من عضّ بظر أمّه. فقال له ابنه: يا أبت، ألست قائلها؟ قال بلى. قال: فلم شتمت نفسك؟ قال: أليس أن يعضّ المرء بظر أمّه خيرا من أن يأخذه ابن قحطبة!
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا جعفر بن مدرك الجعديّ قال: جاء ابن هرمة إلى رجل كان بسوق النّبط، معه زوجة له وابنتان كأنّهما ظبيتان يقود عليهما، بمال فدفعه إليه، فكان يشتري لهم طعاما وشرابا. فأقام ابن هرمة مع ابنتيه حتّى خفّ ذلك المال، وجاء قوم آخرون معهم مال؛ فأخبرهم بمكان ابن هرمة؛ فاستثقلوه وكرهوا أن يعلم بهم؛ فأمر ابنتيه، فقالتا له: يا أبا إسحاق، أما دريت ما النّاس فيه؟ قال: وما هم فيه؟ قالتا: زلزل بالرّوضة، فتغافلهما. ثم جاء أبوهما متفازعا فقال: أي أبا إسحاق، ألا تفزع لما الناس فيه! قال: وما هم فيه؟ قال: زلزل بالرّوضة. قال: قد جاءكم الآن إنسان معه مال، وقد نفضت ما جئتكم به وثقلت عليه؛ فأردت إدخاله وإخراجي. أيزلزل بروضة من رياض الجنّة ويترك منزلك وأنت تجمع فيه الرجال على ابنتيك! واللّه لا عدت إليه! وخرج من عنده.
وروى هذا الخبر عن الزّبير هارون بن محمد الزيّات فزاد فيه، قال: ثم خرج من عندهم، فأتى عبد اللّه بن حسن فقال: إنّي قد مدحتك فاستمع منّي. قال: لا حاجة لي بذلك، أنا أعطيك ما تريد ولا أسمع. قال: إذا أسقط ويكسد سوقي. فسمع منه وأمر له بمائتي دينار؛ فأخذها وعاد إلى الرجل، وقال: قد جئتك بما تنفقه كيف شئت. ولم يزل مقيما عنده حتّى نفدت.
قال الزّبير: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز قال حدّثني عمّي عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: وافينا الحجّ في عام من الأعوام الخالية، فأصبحت بالسّيالة، فإذا إبراهيم بن عليّ ابن هرمة يأتينا؛ فاستأذن على أخي محمد بن عبد العزيز فأذن له؛ فدخل عليه فقال: يا أبا عبد اللّه، ألا أخبرك ببعض ما تستظرف؟ قال: بلى، وربّما فعلت يا أبا إسحاق. قال: فإنّه أصبح عندنا هاهنا منذ أيام محمد بن عمران وإسماعيل بن عبد اللّه بن جبير، وأصبح ابن عمران بجملين له ظالعين، فإذا رسوله يأتيني أن أجب؛ فخرجت حتى أتيته؛ فأخبرني بظلع جمليه، وقال لي: أردت أن أبعث إلى ناضحين لي بعمق لعلي أوتي بهما إلى هاهنا لأمضي عليهما، ويصير هذان الظالعان إلى مكانهما. ففرّغ لنا دارك واشتر لنا علفا واستلنه بجهدك؛ فإنّا مقيمون هاهنا حتى تأتينا جمالنا.
فقلت: في الرّحب والقرب، والدّار فارغة، وزوجته طالق إن اشتريت عود علف، عندي حاجتك منه. فأنزلته ودخلت إلى السوق، فما أبقيت فيه شيئا من رسل ولا جداء ولا طرفة ولا غير ذلك إلا ابتعت منه فاخره، وبعثت به إليه مع دجاج كان عندنا. قال: فبينا أنا أدور في السوق إذ وقف عليّ عبد لإسماعيل بن عبد اللّه يساومني بحمل علف لي، فلم أزل أنا وهو حتّى أخذه منّي بعشرة دراهم، وذهب به فطرحه لظهره. وخرجت عند الرّواح أتقاضى العبد ثمن حملي، فإذا هو لإسماعيل بن عبد اللّه ولم أكن دريت. فلما رآني مولاه حيّاني ورحّب بي، وقال: هل من حاجة يا أبا إسحاق؟ فأعلمه العبد أنّ العلف لي. فأجلسني فتغدّيت عنده، ثم أمر لي مكان كلّ درهم منها بدينار، وكانت معه زوجته فاطمة بنت عبّاد، فبعثت إليّ بخمسة دنانير. قال: وراحوا، وخرجت بالدنانير ففرّقتها على غرمائي، وقلت: عند ابن عمران عوض منها. قال: فأقام عندي ثلاثا، وأتاه جملاه، فما فعل بي شيئا. فبينا هو يترحّل وفي نفسه منّي ما لا أدري به، إذ كلّم غلاما له بشيء فلم يفهم. فأقبل عليّ فقال: ما أقدر على إفهامه مع قعودك عندي، قد واللّه آذيتني ومنعتني ما أردت. فقمت مغتمّا بالذي قال؛ حتّى إذا كنت على باب الدار لقيني إنسان فسألني: هل فعل إليك شيئا؟ فقلت: أنا واللّه بخير إذ تلف مالي وربحت بدني. قال: وطلع عليّ وأنا أقولها، فشتمني واللّه يا أبا عبد اللّه حتّى ما أبقى لي، وزعم أنّه لو لا إحرامه لضربني؛ وراح وما أعطاني درهما.
فقلت:
يا من يعين على ضيف ألمّ بناليس بذي كرم يرجى ولا دين
أقام عندي ثلاثا سنّة سلفتأغضيت منها على الأقذاء والهون
مسافة البيت عشر غير مشكلةوأنت تأتيه في شهر وعشرين
لست تبالي فوات الحجّ إن نصبتذات الكلال وأسمنت ابن حرقين
تحدّث النّاس عمّا فيك من كرمهيهات ذاك لضيفان المساكين
أصبحت تخزن ما تحوي وتجمعهأبا سليمان من أشلاء قارون
مثل ابن عمران آباء له سلفوايجزون فعل ذوي الإحسان بالدّون
ألا تكون كإسماعيل إنّ لهرأيا أصيلا وفعلا غير ممنون
أو مثل زوجته فيما ألمّ بهاهيهات من أمّها ذات النّطاقين
فلمّا أنشدها قال له محمد بن عبد العزيز: نحن نعينك يا أبا إسحاق؛ لقوله: «يا من يعين». قال: قد رفعك اللّه عن العون الذي أريده، ما أردت إلّا رجلا مثل عبد اللّه بن خنزيرة وطلحة أطباء الكلبة يمسكونه لي وآخذ خوط سلم فأوجع به خواصره وجواعره. قال: ولمّا بلغ في إنشاده إلى قوله:
مثل ابن عمران آباء له سلفوا
أقبل عليّ فقال: عذرا إلى اللّه تعالى وإليكم! إنّي لم أعن من آبائه طلحة بن عبيد اللّه. قال: ونزل إليه إسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان عندنا، فلم يكلّمه حتّى ضرب أنفه، وقال له: فعنيت من آبائه أبا سليمان محمد بن طلحة يا دعيّ! قال: فدخلنا بينهما. وجاء رسول محمد بن طلحة بن عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه إلى ابن هرمة يدعوه، فذهب إليه. فقال له: ما الذي بلغني من هجائك أبا سليمان! واللّه لا أرضى حتى تحلف ألّا تقول له أبدا إلّا خيرا، وحتى تلقاه فترضّاه إذا رجع، وتحتمل كلّ ما أزلّ إليك وتمدحه.
قال: أفعل، بالحبّ والكرامة. قال: وإسماعيل بن جعفر لا تعرض له إلّا بخير؛ قال نعم. قال: فأخذ عليه الأيمان فيهما وأعطاه ثلاثين دينارا، وأعطاه محمد بن عبد العزيز مثلها. قال: واندفع ابن هرمة يمدح محمد بن عمران:
ألم تر أنّ القول يخلص صدقهوتأبى فما تزكو لباغ بواطله
ذممت امرأ لم يطبع الذّمّ عرضهقليلا لدى تحصيله من يشاكله
فما بالحجاز من فتى ذي إمارةولا شرف إلا ابن عمران فاضله
فتى لا يطور الذّمّ ساحة بيتهوتشقى به ليل التّمام عواذله
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا أحمد بن عمر الزّهريّ قال حدّثنا أبو بكر بن عبد اللّه بن جعفر المسوريّ قال: مدح إبراهيم بن هرمة محمد بن عمران الطّلحيّ، فألفاه راويته وقد جاءته عير له تحمل غلّة قد جاءته من الفرع أو خيبر. فقال له رجل كان عنده: أعلم واللّه أنّ أبا ثابت بن عمران بن عبد العزيز أغراه بك وأنا حاضر عنده وأخبره بعيرك هذه. فقال: إنّما أراد أبو ثابت أن يعرّضني للسانه، قودوا إليه القطار، فقيد إليه.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد عن عبد اللّه بن عمر بن القاسم قال: جاء أبي تمر من صدقة عمر؛ فجاءه ابن هرمة فقال: أمتع اللّه بك! أعطني من هذا التّمر. قال: يا أبا إسحاق، لو لا أنّي أخاف أن تعمل منه نبيذا لأعطيتك. قال: فإذا علمت أنّي أعمل منه نبيذا لا تعطيني. قال: فخافه فأعطاه.
فلقيه بعد ذلك؛ فقال له: ما في الدّنيا أجود من نبيذ يجيء من صدقة عمر؛ فأخجله.
أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: قدم جرير المدينة، فأتاه ابن هرمة وابن أذينة فأنشداه؛ فقال جرير: القرشيّ أشعرهما، والعربيّ أفصحهما.
أخبرنا يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني عبد اللّه بن محمد: أنّ ابن هرمة قال يمدح أبا الحكم المطّلب بن عبد اللّه:
لمّا رأيت الحادثات كنفننيوأورثنني بؤسى ذكرت أبا الحكم
سليل ملوك سبعة قد تتابعواهم المصطفون والمصفّون بالكرم
فلاموه وقالوا: أتمدح غلاما حديث السنّ بمثل هذا! قال نعم! وكانت له ابنة يلقّبها «عيينة» - وقال الزبير: كان يلقّبها «عينة» - فقال:
كانت عيينة فينا وهي عاطلةبين الجواريّ فحلّاها أبو الحكم
فمن لحانا على حسن المقال لهكان المليم وكنّا نحن لم نلم
قال يحيى وحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبيريّ عن نوفل بن ميمون قال: أرسل ابن هرمة إلى عبد العزيز بن المطّلب بكتاب يشكو فيه بعض حاله؛ فبعث إليه بخمسة عشر دينارا.
فمكث شهرا ثم بعث يطلب منه شيئا آخر بعد ذلك؛ فقال: إنّا واللّه ما نقوى على ما كان يقوى عليه الحكم بن المطّلب. وكان عبد العزيز قد خطب إلى امرأة من ولد عمر فردّته، فخطب إلى امرأة من بني عامر بن لؤيّ فزوّجوه.
فقال ابن هرمة:
خطبت إلى كعب فرّدّوك صاغرافحوّلت من كعب إلى جذم عامر
وفي عامر عزّ قديم وإنّماأجازك فيهم هزل أهل المقابر
وقال فيه أيضا:
أبا لبخل تطلب ما قدّمتعرانين جادت بأموالها
هيهات! خالفت فعل الكرامخلاف الجمال بأبوالها
وقال هارون بن محمد حدّثني مغيرة بن محمد قال حدّثني أبو محمد السّهميّ قال حدّثني أبو كاسب قال: تزوّج ابن هرمة بامرأة؛ فقالت له: أعطني شيئا؛ فقال: واللّه ما معي إلّا نعلاي، فدفعهما إليها، ومضى معها فتورّكها مرارا. فقالت له. أجفيتني؛ فقال لها: الذي أحفى صاحبه منّا يعضّ بظر أمّه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني المسيّبيّ محمد بن إسحاق قال حدّثني إبراهيم بن سكرة جار أبي ضمرة قال: جلس ابن هرمة مع قوم على شراب، فذكر الحكم بن المطّلب فأطنب في مدحه. فقالوا له: إنّك لتكثر ذكر رجل لو طرقته الساعة في شاة يقال لها «غرّاء» تسأله إيّاها لردّك عنها. فقال: أهو يفعل هذا؟ قالوا: إي واللّه. وكانوا قد عرفوا أنّ الحكم بها معجب، وكانت في داره سبعون شاة تحلب. فخرج وفي رأسه ما فيه، فدقّ الباب فخرج إليه غلامه. فقال له: أعلم أبا مروان بمكاني - وكان قد أمر ألّا يحجب إبراهيم بن هرمة عنه - فأعلمه به، فخرج إليه متّشحا فقال: أفي مثل هذه الساعة يا أبا إسحاق! فقال: نعم جعلت فداك، ولد لأخ لي مولود فلم تدرّ عليه أمّه، فطلبوا له شاة حلوبة فلم يجدوها، فذكروا له شاة عندك يقال لها «غرّاء»، فسألني أن أسألكها. فقال: أتجيء في هذه الساعة ثم تنصرف بشاة واحدة! واللّه لا تبقى في الدار شاة إلّا انصرفت بها، سقهنّ معه يا غلام، فساقهنّ.
فخرج بهنّ إلى القوم، فقالوا: ويحك! أيّ شيء صنعت! فقصّ عليهم القصة. قال: وكان فيهنّ واللّه ما ثمنه عشرة دنانير وأكثر من عشرة.
قال هارون وحدّثني حمّاد بن إسحاق قال ذكر أبي عن أيّوب بن عباية عن عمر بن أيّوب اللّيثيّ قال: شرب ابن هرمة عندنا يوما فسكر فنام. فلمّا حضرت الصلاة تحرّك أو حرّكته. فقال لي وهو يتوضّأ: ما كان حديثكم اليوم؟ قلت يزعمون أنّ الوليد قتل؛ فرفع رأسه إليّ وقال:
وكانت أمور الناس منبتّة القوىفشدّ الوليد حين قام نظامها
خليفة حقّ لا خليفة باطلرمى عن قناة الدّين حتى أقامها
ثم قال لي: إيّاك أن تذكر من هذا شيئا؛ فإنّي لا أدري ما يكون.
أخبرني عليّ بن سليمان النحويّ قال حدّثنا أبو العبّاس الأحول عن ابن الأعرابيّ: أنه كان يقول: ختم الشعراء بابن هرمة.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال أخبرني أحمد بن يحيى البلاذريّ: أنّ ابن هرمة كان مغرما بالنبيذ، فمرّ على جيرانه وهو شديد السّكر حتى دخل منزله. فلمّا كان من الغد دخلوا عليه فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها؛ فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي:
أسأل اللّه سكرة قبل موتيوصياح الصّبيان يا سكران
قال: فنفضوا ثيابهم وخرجوا، وقالوا: ليس يفلح واللّه هذا أبدا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: أنشدني عمّي لابن هرمة:
ما أظنّ الزمان يا أمّ عمرتاركا إن هلكت من يبكيني
قال: فكان واللّه كذلك؛ لقد مات فأخبرني من رأى جنازته ما يحملها إلّا أربعة نفر، حتّى دفن بالبقيع.
قال يحيى بن عليّ - أراه عن البلاذريّ -: ولد ابن هرمة سنة تسعين، وأنشد أبا جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة قصيدته التي يقول فيها:
إنّ الغواني قد أعرضن مقليةلمّا رمى هدف الخمسين ميلادي
قال: ثم عمّر بعدها مدّة طويلة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع