تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر عمرو بن معديكرب وأخباره

فيه ١٠٣ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عمرو بن معديكرب بن عبد اللّه بن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد، وهو منبّه.

هكذا ذكر محمد بن سلّام فيما أخبرنا به أبو خليفة عنه.

وذكر عمر بن شبّة عن أبي عبيدة أنه عمرو بن معديكرب بن ربيعة بن عبد اللّه بن عمرو بن عصم بن زبيد بن منبّه بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ويكنى أبا ثور، وأمّه وأم أخيه عبد اللّه امرأة من جرم فيما ذكر، وهي معدودة من المنجبات.

أخبرنا محمد بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: عمرو بن معديكرب فارس اليمن، وهو مقدّم على زيد الخيل في الشدّة والبأس.

وروى علي بن محمد المدائني عن زيد بن قحيف الكلابيّ قال: سمعت أشياخنا يزعمون أنّ عمرو بن معديكرب كان يقال له «مائق بني زبيد»، فبلغهم أنّ خثعم تريدهم، فتأهّبوا لهم، وجمع معديكرب بني زبيد، فدخل عمرو على أخته فقال: أشبعيني إنّي غدا لكتيبة. قال: فجاء معديكرب فأخبرته ابنته فقال: هذا المائق يقول ذاك؟

قالت: نعم. قال: فسليه ما يشبعه. فسألته فقال: فرق من ذرة، وعنز رباعية. قال: وكان الفرق يومئذ ثلاثة أصوع. فصنع له ذلك.

وذبح العنز وهيّأ له الطعام. قال: فجلس عليه فسلته جميعا. وأتتهم خثعم الصباح فلقوهم، وجاء عمرو فرمى بنفسه. ثم رفع رأسه فإذا لواء أبيه قائم، فوضع رأسه فإذا لواء أبيه قد زال، فقام كأنّه سرحة محرقة، فتلقّى أباه وقد انهزموا فقال: انزل عنها، فاليوم ظلم. فقال له: إليك يا مائق! فقال له بنو زبيد: خلّه أيها الرجل وما يريد، فإن قتل كفيت مؤنته، وإن ظهر فهو لك. فألقى إليه سلاحه فركب، ثم رمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم، ثم كرّ عليهم وفعل ذلك مرارا، وحملت عليهم بنو زبيد فانهزمت خثعم وقهروا، فقيل له يومئذ: فارس زبيد.

قال أبو عمرو الشيباني: كان من حديث عمرو بن معديكرب بن ربيعة بن عبد اللّه بن زبيد بن منبه بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك - وهو مذحج - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أنّه قال لقيس بن مكشوح المراديّ، وهو ابن أخت عمرو، حين انتهى إليهم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا قيس، إنّك سيّد قومك، وقد ذكر لنا أنّ رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز، يقال له نبيّ، فانطلق بنا حتّى نعلم علمه، وبادر فروة لا يغلبك على الأمر. فأبى قيس ذلك وسفّه رأيه وعصاه، فركب عمرو متوجّها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: خالفتني يا قيس! وقال عمرو في ذلك:

أمرتك يوم ذي صنعاء أمرا بيّنا رشده
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمناني ليقتلني وأنت»
أمرتك باتّقاء اللّه تأتيه وتتّعده
فكنت كذي الحميرّ غرّه من أيره وتده
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمناني ليقتلني وأنت»

قال أبو عبيدة: حدّثنا غير واحد من مذحج قالوا: قدم علينا وفد مذحج، مع فروة بن مسيك المراديّ، على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأسلموا وبعث فروة صدقات من أسلم منهم وقال له: ادع اللناس وتألّفهم، فإذا وجدت الغفلة فاهتبلها واغز.

قال أبو عمرو الشيباني: وإنّما رحل فروة مفارقا لملوك كندة مباعدا لهم، إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كانت قبل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد حتّى أثخنوهم، في يوم يقال له يوم الرّزم، وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك بن حريم الشاعر الهمداني بن مسروق بن الأجدع، ففضحهم يومئذ، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك المرادي:

فإن نغلب فغلّابون قدماوإن نهزم فغير مهزّمينا

فلما توجّه فروة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنشأ يقول:

لمّا رأيت ملوك كندة أعرضتكالرّجل خان الرجل عرق نساها
يمّمت راحلتي أمام محمدأرجو فواضلها وحسن ثراها

فلما انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له فيما بلغنا: هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرزم؟ قال: يا رسول اللّه، من ذا الذي يصيب قومه مثل الذي أصاب قومي ولا يسوءه. فقال له: أما إنّ ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلّا خيرا! واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلّها.

قال أبو عبيدة: فلم يلبث عمرو أن ارتدّ عن الإسلام، فقال حين ارتد:

وجدنا ملك فروة شر ملكحمار ساف منخره بقذر
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وجدنا ملك فروة شر ملك»
وإنّك لو رأيت أبا عميرملأت يديك من غدر وختر
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «وجدنا ملك فروة شر ملك»

قال أبو عبيدة: فلما ارتدّ عمرو مع من ارتدّ عن الإسلام من مذحج، استجاش فروة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فوجّه إليهم خالد بن سعيد بن العاص وخالد بن الوليد، وقال لهما: إذا اجتمعتم فعليّ بن أبي طالب أميركم وهو على الناس.

ووجّه عليا عليه السلام فاجتمعوا بكسر من أرض اليمن، فاقتتلوا وقتل بعضهم ونجا بعض، فلم يزل جعفر وزبيد وأود بنو سعد العشيرة بعدها قليلة.

وفي هذا الوجه وقعت الصمصامة إلى آل سعيد، وكان سبب وقوعها إليهم أنّ ريحانة بنت معديكرب سبيت يومئذ، ففداها خالد، وأثابه عمرو الصمصامة، فصار إلى أخيه سعيد، فوجد سعيد جريحا يوم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين حصر وقد ذهب السيف والغمد، ثم وجد الغمد، فلما قام معاوية جاءه إعرابيّ بالسيف بغير غمد، وسعيد حاصر، فقال سعيد: هذا سيفي! فجحد الأعرابيّ مقالته، فقال سعيد: الدليل على أنّه سيفي أن تبعث إلى غمده فتغمده فيكون كفافه. فبعث معاوية إلى الغمد فأتى به من منزل سعيد فإذا هو عليه، فأقرّ الأعرابيّ أنّه أصابه يوم الدار، فأخذه سعيد منه وأثابه، فلم يزل عنده حتّى أصعد المهديّ من البصرة، فلما كان بواسط بعث إلى سعيد فيه، فقال: إنّه للسبيل. فقال: خمسون سيفا قاطعا أغنى من سيف واحد. فأعطاهم خمسين ألف درهم وأخذه.

وذكر ابن النطّاح أنّ المدائني حكى عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: أقبل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من غزاة تبوك يريد المدينة، فأدركه عمرو بن معديكرب الزّبيدي في رجال من زبيد، فتقدم عمرو ليلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمسك حتّى أوذن به، فلما تقدّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسير قال: حيّاك اللّه إلهك، أبيت اللعن! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ لعنة اللّه وملائكته والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر. فآمن باللّه يؤمنك يوم الفزع الأكبر». فقال عمرو بن معديكرب: وما الفزع الأكبر؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّه فزع ليس كما تحسب وتظنّ، إنّه يصاح بالناس صيحة لا يبقى حيّ إلّا مات، إلا ما شاء اللّه من ذلك، ثم يصاح بالناس صيحة لا يبقى ميّت إلا نشر، ثم تلجّ تلك الأرض بدويّ تنهّد منه الأرض، وتخرّ منه الجبال، وتنشق السماء انشقاق القبطية الجديد ما شاء اللّه في ذلك، ثم تبرز النار فينظر إليها حمراء مظلمة قد صار لها لسان في السماء، ترمي بمثل رؤوس الجبال من شرر النار، فلا يبقى ذو روح إلّا انخلع قلبه، وذكر ذنبه. أين أنت يا عمرو» قال: إنّي أسمع أمرا عظيما! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا عمرو أسلم تسلم». فأسلم وبايع لقومه على الإسلام، وذلك منصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزاة تبوك، وكانت في رجب من سنة تسع.

وقال أبو هارون السّكسكي البصريّ: حدّثني أبو عمرو المدينيّ أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان إذا نظر إلى عمرو قال: «الحمد للّه الذي خلقنا وخلق عمرا!» تعجّبا من عظم خلقه.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة عن خالد بن خداش عن أبي نميلة قال: أخبرني رميح عن أبيه قال: رأيت عمرو بن معديكرب في خلافة معاوية شيخا أعظم ما يكون من الرجال، أجشّ الصوت، إذا التفت التفت بجميع جسده. وهذا خطأ من الرواية.

والصحيح أنّه مات في آخر خلافة عمر رضي اللّه عنه، ودفن بروذة بين قمّ والريّ. ومن الناس من يقول إنّه قتل في وقعة نهاوند، قبره في ظاهرها موضع يعرف بقبد يشجان، وأنّه دفن هناك يومئذ هو والنعمان بن مقرّن.

وروى أيضا من وجه ليس بالموثوق به، أنّه أدرك خلافة عثمان رضي اللّه عنه، روى ذلك ابن النطّاح عن مروان بن ضرار عن أبي إياس البصريّ، عن أبيه، عن جويرية الهذليّ في حديث طويل قال: رأيت عمرو بن معديكرب وأنا في مسجد الكوفة في خلافة عثمان، حين وجّهه إلى الريّ، كأنه بعير مهنوء.

وقال ابن الكلبي: حدّثني أسعر، عن عمرو بن جرير الجعفي قال: سمعت خالد بن قطن يقول: خرج عمرو بن معديكرب في خلافة عثمان رضي اللّه عنه إلى الريّ ودستبي، فضربه الفالج في طريقه فمات بروذة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: أخبرني خالد بن خداش قال حدّثنا حمّاد بن زيد عن مجالد عن الشعبي: أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فرض لعمرو بن معديكرب في ألفين، فقال له: يا أمير المؤمنين ألف ههنا وأومأ إلى شقّ بطنه الأيمن، وألف ههنا وأومأ إلى شقّ بطنه الأيسر - فما يكون ها هنا؟ وأومأ إلى وسط بطنه.

فضحك عمر رضوان اللّه عليه وزاده خمسمائة.

قال علي بن محمد: قال أبو اليقظان: قال عمرو بن معديكرب: لو سرت بظعينة وحدي على مياه معدّ كلّها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حرّاها أو عبداها. فأما الحرّان فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما العبدان فأسود بني عبس، يعني عنترة والسّليك بن السّلكة، وكلّهم قد لقيت. فأما عامر بن الطّفيل فسريع الطّعن على الصوت، وأما عتيبة فأوّل الخيل إذا غارت، وآخرها إذا آبت. وأما عنترة فقليل الكبوة، شديد الكلب. وأما السّليك فبعيد الغارة، كالليث الضاري. قالوا: فما تقول في العباس بن مرداس؟ قال: أقول فيه ما قال فيّ:

إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئوازبيدا فقد أودى بنجدتها عمرو
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئوا»

وقام مغضبا وعلم أنّهم أرادوا توبيخه بالعباس.

قال علي: وقال أبو اليقظان: أحسب في اللفظ غلطا وأنه إنّما قال: «هجينا مضر»؛ لأنّ عنترة استرقّ، والعباس لم يسترقّ قطّ.

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا أحمد بن جناب عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن قيس: أن عمر رضي اللّه عنه كتب إلى سعد بن أبي وقّاص: إنّي قد أمددتك بألفي رجل عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد - وهو طليحة الأسدي - فشاورهما في الحرب ولا تولّهما شيئا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا أحمد بن جناب قال حدّثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن قيس قال: شهدت القادسية وكان سعد على الناس، فجاء رستم فجعل يمرّ بنا وعمرو بن معديكرب الزبيدي يمرّ على الصفوف يحضّ الناس ويقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسدا أغنى شأنه، فإنّما الفارسيّ تيس بعد أن يلقي نيزكه.

قال: وكان مع رستم أسوار لا تسقط له نشّابة. فقال له: يا أبا ثور، اتّق ذاك! فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية فأصاب فرسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه ثم ذبحه، وسلبه سواري ذهب كانا عليه، وقباء ديباج.

قال أبو زيد: فذكر أبو عبيدة أنّ عمرا حمل يومئذ على رجل فقتله ثم صاح: يا معشر بني زبيد، دونكم فإنّ القوم يموتون!

وقال علي بن محمد المدائني: وأخبرنا محمد بن الفضل وعبد ربّه بن نافع، عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال: حضر عمرو الناس وهم يقاتلون، فرماه رجل من العجم بنشّابة فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة فلم تنفذ، وحمل على العلج فعانقه فسقطا إلى الأرض، فقتله عمرو وسلبه، ورجع بسلبه وهو يقول:

أنا أبو ثور وسيفي ذو النّونأضربهم ضرب غلام مجنون
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أنا أبو ثور وسيفي ذو النون»
يال زبيد إنّهم يموتون

صوت

ألمم بسلمى قبل أن تظعناإنّ لنامن حبّها ديدنا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ألمم بسلمى قبل أن تظعنا»
قد علمت سلمى وجاراتهاما قطّر الفارس إلا أنا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ألمم بسلمى قبل أن تظعنا»
شككت بالرمح حياز يمهوالخيل تعدو زيما بيننا

غنى فيه الغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر. وفيه رمل بالبنصر يقال إنه لمعبد. ويقال إنه من منحول يحيى المكي.

قال أبو عبيدة في رواية أبي زيد عمر بن شبة: شهد عمرو بن معديكرب القادسية وهو ابن مائة وستّ سنين. وقال بعضهم: بل ابن مائة وعشر. وقال: ولما قتل العلج عبر نهر القادسية هو وقيس بن مكشوح المرادي، ومالك بن الحارث الأشتر.

قال: فحدّثني يونس أنّ عمرو بن معديكرب كان آخرهم، وكانت فرسه ضعيفة فطلب غيرها، فأتي بفرس فأخذ بعكوة ذنبه وأخلد به إلى الأرض، فأقعى الفرس فردّه، وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك فتحلحل ولم يقع فقال: هذا على كلّ حال أقوى من تلك، وقال لأصحابه: إنّي حامل وعابر الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر الجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وقد عقر بي القوم وأنا قائم بينهم وقد قتلت وجرّدت. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم وقد قتلت وجرّدت. ثم انغمس فحمل في القوم فقال بعضهم: يا بني زبيد، تدعون صاحبكم واللّه ما نرى أن تدركوه حيا. فحملوا فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإنّ الفارس ليضرب الفرس فما تقدر أن تتحرّك من يده. فلما غشيناه رمى الأعجميّ بنفسه وخلّى فرسه، فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور، كدتم واللّه تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال رمي بنشّابة فشبّ فصرعني وعار.

وروى هذا الخبر محمد بن عمر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن أبي عيسى الخياط. ورواه عليّ بن محمد أيضا عن مرّة عن أبي إسماعيل الهمذاني عن طلحة بن مصرّف. فذكرا مثل هذا.

قال الواقدي: وحدّثني أسامة بن زيد، عن أبان بن صالح قال: قال عمرو بن معديكرب يوم القادسية: ألزموا خراطيم الفيلة السّيوف، فإنه ليس لها مقتل إلّا خراطيمها. ثم شدّ على رستم وهو على الفيل فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط، وحمل رستم على فرس وسقط من تحته خرج فيه أربعون ألف دينار، فحازه المسلمون، وسقط رستم بعد ذلك عن فرسه فقتله.

قال علي بن محمد المدائني: حدّثني علي بن مجاهد عن ابن إسحاق قال: لمّا ضرب عمرو الفيل وسقط رستم، سقط على رستم خرج كان على ظهر الفيل فيه أربعون ألف دينار، فمات رستم من ذلك، وانهزم المشركون.

وقال الواقدي: حدّثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى آل الزبير قال: حدّثنا نيار بن مكرم الأسلمي، قال: شهدت القادسية فرأيت يوما اشتدّ فيه القتال بيننا وبين الفرس، ورأيت رجلا يفعل يومئذ بالعدوّ أفاعيل، يقاتل فارسا ثم يقتحم عن فرسه ويربط مقوده في حقوه فيقاتل، فقلت: من هذا جزاه اللّه خيرا؟ قالوا: هذا عمرو بن معديكرب.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبيّ، عن خالد بن سعيد، عن أبي محمد المرهبيّ قال: كان شيخ يجالس عبد الملك بن عمير، فسمعته يحدّث قال: قدم عيينة بن حصن الكوفة فأقام بها أياما ثم قال: واللّه مالي بأبي ثور عهد منذ قدمنا هذا الغائط - يعني عمرو بن معد يكرب - أسرج لي يا غلام. فأسرج له فرسا أنثى من خيله، فلما قرّبها إليه قال له: ويحك أرأيتني ركبت أنثى في الجاهلية فأركبها في الإسلام؟ فأسرج له حصانا فركبه، وأقبل إلى محلّة بني زبيد فسأل عن محلّة عمرو فأرشد إليها، فوقف ببابه ونادى: أي أبا ثور، اخرج إلينا. فخرج إليه مؤتزرا كأنما كسر وجبر، فقال: انعم صباحا أبا مالك. فقال: أو ليس قد أبدلنا اللّه تعالى بهذا: السّلام عليكم؟ قال: دعنا مما لا نعرف، انزل فإنّ عندي كبشا ساحّا. فنزل فعمد إلى الكبش فذبحه ثم كشط عنه وعضّاه، وألقاه في قدر جماع، وطبخه حتّى إذا أدرك جاء بجفنة عظيمة فثرد فيها فأكفأ القدر عليها، فقعدا فأكلاه، ثم قال له: أيّ الشراب أحبّ إليك: آللبن أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ قال: أو ليس قد حرّمها اللّه جل وعزّ علينا في الإسلام؟ قال: أنت أكبر سنا أم أنا؟

قال: أنت. قال: فأنت أقدم إسلاما أما أنا؟ قال: أنت. قال: فإنّي قد قرأت ما بين دفّتي المصحف فو اللّه ما وجدت لها تحريما إلا أنّه قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ

فقلنا: لا. فسكت وسكتنا! فقال له: أنت أكبر سنّا وأقدم إسلاما.

فجاءا فجلسا يتناشدان ويشربان، ويذكران أيام الجاهلية، حتى مسيا، فلما أراد عيينة الانصراف. قال عمرو: لئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنّه لوصمة عليّ. فأمر بناقة له أرحبية كأنّها جبيرة لجين، فارتحلها وحمله عليها، ثم قال: يا غلام هات المزود. فجاء بمزود فيه أربعة ألاف درهم، فوضعها بين يديه، فقال: أمّا المال فو اللّه لا قبلته. قال: واللّه إنّه لمن حباء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فلم يقبله عيينة وانصرف وهو يقول:

جزيت أبا ثور جزاء كرامةفنعم الفتى المزدار والمتضيّف
قرينت فأكرمت القرى وأفدتنانخيلة علم لم يكن قطّ يعرف
وقلت: حلال أن تدير مدامةكلون انعقاق البرق والليل مسدف
وقدّمت فيها حجّة عربيةتردّ إلى الإنصاف من ليس ينصف
وأنت لنا واللّه ذي العرش قدوةإذا صدّنا عن شربها المتكلّف
نقول: أبو ثور أحلّ حرامهاوقول أبي ثور أسدّ وأعرف

وقال علي بن محمد: حدّثني عبد اللّه بن محمد الثقفي عن أبيه، والهذليّ عن الشّعبي قال: جاءت زيادة من عند عمر بعد القادسية فقال عمرو بن معد يكرب لطليحة: أما ترى أنّ هذه الزعانف تزاد ولا نزاد، انطلق بنا إلى هذا الرجل حتّى نكلّمه. فقال: هيهات، كلّا واللّه لا ألقاه في هذا أبدا، فلقد لقيني في بعض فجاج مكّة فقال: يا طليحة، أقتلت عكاشة؟! فتوعّدني وعيدا ظننت أنّه قاتلي، ولا آمنه. قال عمرو: لكنّي ألقاه. قال: أنت وذاك. فخرج إلى المدينة فقدم على عمر رضي اللّه عنه وهو يغدّي الناس وقد جفّن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا ونهضوا، ولم يقم عمرو، فأقعد معه تكملة عشرة فأكلوا ونهضوا ولم يقم عمرو، فأقعده مع عشرة حتّى أكل مع ثلاثين ثم قال، فقال: يا أمير المؤمنين إنّه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، وقد صررت في بطن صرّتين وتركت بينهما هواء فسدّه. قال: عليك حجارة من حجارة الحرّة فسدّه به يا عمرو، إنّه بلغني أنّك تقول إنّ لي سيفا يقال له الصمصامة، وعندي سيف أسمّيه المصمّم، وإني إن وضعته بين أذنيك لم أرفعه حتّى يخالط أضراسك.

وذكر ابن الكلبي ومحمد بن كناسة أنّ جبيلة بن سويد بن ربيعة بن رباب، لقي عمرو بن معد يكرب وهو يسوق ظعنا له فقال عمرو لأصحابه: قفوا حتّى آتيكم بهذه الظعن. فقرّب نحوه حتى إذا دنا منه قال: خلّ سبيل الظّعن. قال: فلم إذا ولدتني؟ ثم شدّ على عمرو فطعنه فأذراه عن فرسه وأخذ فرسه، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما وراءك؟ قال: كأنّي رأيت منيّتي في سنانه.

وبنو كنانة يذكرون أنّ ربيعة بن مكدّم الفراسيّ، طعن عمرو بن معد يكرب فأذراه عن فرسه وأخذ فرسه. وأنّه لقيه مرّة أخرى فضربه فوقعت الضربة في قربوس السّرج فقطعه حتّى عض السيف بكاثبة الفرس، فسالمه عمرو وانصرف.

قال المدائني: حدّثني مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند قال: حمل عمرو بن معد يكرب حمالة، فأتى مجاشع بن مسعود يسأله فيها.

وقال خالد بن خداش: حدّثني أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن قال: بلغني أنّ عمرا أتى مجاشع بن مسعود فقال له: أسألك حملان مثلي، وسلاح مثلي. قال: إن شئت أعطيتك ذاك من مالي. ثم أعطاه حكمه. وكان الأحنف أمر له بعشرين ألف درهم، وفرس جواد عتيق، وسيف صارم، وجارية نفيسة، فمرّ ببني حنظلة فقالوا له: يا أبا ثور، كيف رأيت صاحبك؟ فقال: للّه بنو مجاشع ما أشدّ في الحرب لقاءها، وأجزل في اللّزبات عطاءها، وأحسن في المكرمات ثناءها، لقد قاتلتها فما أقللتها، وسألتها فما أبخلتها، وهاجيتها فما أفحمتها!!.

وقال أبو المنهال عيينة بن المنهال: سمعت أبي يحدث قال: جاء رجل وعمرو بن معد يكرب واقف بالكناسة على فرس له، فقال: لأنظرن ما بقي من قوّة أبي ثور.

فأدخل يده بين ساقيه وبين السّرج، وفطن عمرو فضمّها عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن ينزع يده، حتّى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي، مالك؟ قال: يدي تحت ساقك! فخلّى عنه، وقال: يا ابن أخي، إنّ في عمك لبقيّة!!.

وكان عمرو مع ما ذكرنا من محلّه مشهورا بالكذب: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحوي المبرّد ولم يتجاوزه. وذكر ابن النطاح هذا الخبر بعينه عن محمد بن سلام، وخبر المبرد أتمّ قال: كانت الأشراف بالكوفة يخرجون إلى ظاهرها يتناشدون الأشعار، ويتحدثون ويتذاكرون أيام الناس، فوقف عمرو إلى جانب خالد بن الصّقعب النهديّ، فأقبل عليه يحدّثه ويقول: أغرت على بني نهد فخرجوا إليّ مسترعفين بخالد بن الصّقعب يقدمهم، فطعنته طعنة فوقع، وضربته بالصمصامة حتّى فاضت نفسه! فقال له الرجل: يا أبا ثور إنّ مقتولك الذي تحدّثه. فقال: اللهم غفرا إنّما أنت محدّث فاسمع، إنّما نتحدث بمثل هذا وأشباهه لنرهب هذه المعدّيّة.

قال محمد بن سلام: وقال يونس: أبت العرب إلّا أنّ عمرا كان يكذب. قال: وقلت لخلف الأحمر وكان مولى الأشعريين، وكان يتعصّب لليمانية، أكان عمرو يكذب؟ قال: كان يكذب باللّسان، ويصدق بالفعال.

أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة: أنّ سعدا كتب إلى عمر رضي اللّه عنه يثني على عمرو بن معد يكرب، فسأله عمر عن سعد فقال: «هو لنا كالأب أعرابيّ في نمرته، أسد في تامورته، يقسم بالسويّة، ويعدل في القضية، وينفر في السريّة، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذرة» فقال عمر رضوان اللّه عليه: لشدّ ما تقارضتما الثناء.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن بكير بن مسمار عن زياد مولى سعد قال: سمعت سعدا يقول وبلغه أنّ عمرو بن معد يكرب وقع في الخمر، وأنّه قد دلّه. فقال: لقد كان له موطن صالح يوم القادسية، عظيم الغناء، شديد النّكاية للعدوّ. فقيل له: فقيس بن مكشوح؟ فقال: هذا أبذل لنفسه من قيس، وإنّ قيسا لشجاع.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمّر بن شبة وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة.

ونسخت هذا الخبر من رواية ابن الكلبي خاصة: حدثني أسعر بن عمرو بن جرير، عن خالد بن قطن قال: حدّثني من شهد موت عمرو بن معد يكرب، والرواية قريبة، وحكايتا عمر بن شبّة وابن قتيبة عن أنفسهما ولم يتجاوزاها، قالا: كانت مغازي العرب إذ ذاك الريّ ودستبى، فخرج عمرو مع شباب من مذحج حتّى نزل الخان الذي دون روذة، فتغدّى القوم ثم ناموا، وقام كلّ رجل منهم لقضاء حاجته، وكان عمرو إذا أراد الحاجة لم يجترىء أحد أن يدعوه وإن أبطأ، فقام الناس للرحيل وترحّلوا إلّا من كان في الخان الذي فيه عمرو، فلما أبطأ صحنا به: يا أبا ثور.

فلم يجبنا وسمعنا علزا شديدا، ومراسا في الموضع الذي دخله، وقصدناه فإذا به محمرة عيناه، مائلا شدقه مفلوجا، فحملناه على فرس وأمرنا غلاما شديد الذّراع فارتدفه ليعدل ميله، فمات بروذة ودفن على قارعة الطريق.

فقالت امرأته الجعفية ترثيه:

لقد غادر الركب الذين تحمّلوابروذة شخصا لا ضعيفا ولا غمرا
للشاعر الجعفيّة امرأة عمرو بن معد يكرب، اقرأ القصيدة
فقل لزبيد بل لمذحج كلّهافقدتم أبا ثور سنانكم عمرا
للشاعر الجعفيّة امرأة عمرو بن معد يكرب، اقرأ القصيدة
فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكمولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا
للشاعر الجعفيّة امرأة عمرو بن معد يكرب، اقرأ القصيدة

والأبيات العينية التي فيها الغناء، وبها افتتح ذكر عمرو، يقولها في أخته ريحانة بنت معد يكرب لمّا سباها الصّمة بن بكر، وكان أغار على بني زبيد في قيس فاستاق أموالهم وسبى ريحانة، وانهزمت زبيد بين يديه، وتبعه عمرو وأخوه عبد اللّه ابنا معد يكرب، ثم رجع عبد اللّه واتّبعه عمرو.

فأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام أنّ عمرا اتّبعه يناشده أن يخلّي عنها، فلم يفعل، فلما يئس منها ولّى وهي تناديه بأعلى صوتها: يا عمرو! فلم يقدر على انتزاعها، وقال:

أمن ريحانة الدّاعي السّميعيؤرّقني وأصحابي هجوع
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»
سباها الصّمّة الجشميّ غصباكأنّ بياض غرّتها صديع
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»
وحالت دونها فرسان قيستكشّف عن سواعدها الدّروع
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

وزاد الناس في هذا الشعر وغنّى فيه:

وكيف أحبّ من لا أستطيعومن هو للذي أهوى منوع
ومن قد لامني فيه صديقيوأهلي ثمّ كلّا لا أطيع
ومن لو أظهر البغضاء نحويأتاني قابض الموت السريع
فدى لهم معا عمّي وخاليوشرخ شبابهم إن لم يطيعوا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ينادي من براقش أو معين»

وقد أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي: وأما قصّة ريحانة فإن عمرو بن معد يكرب تزوّج امرأة من مراد، وذهب مغيرا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنّه قد ظهر بها وضح - وهو داء تحذره العرب - فطلّقها وتزوّجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، وبلغ ذلك عمرا وأن الذي قيل فيها باطل، فأخذ يشبّ بها، فقال قصيدته وهي طويلة:

أمن ريحانة الداعي السميعيؤرّقني وأصحابي هجوع
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»

وكان عبد اللّه بن معد يكرب، أخو عمرو، رئيس بني زبيد، فجلس مع بني مازن في شرب منهم. فتغنّى عنده حبشيّ عبد للمخزّم، أحد بني مازن، في امرأة من بني زبيد، فلطمه عبد اللّه وقال له: أما كفاك أن تشرب معنا حتى تشبب بالنساء؟ فنادى الحبشيّ: يا آل بني مازن! فقاموا إلى عبد اللّه فقتلوه، وكان الحبشيّ عبدا للمخزم، فرئّس عمرو مكان أخيه، وكان عمرو غزا هو وأبيّ المراديّ فأصابوا غنائم، فادّعى أبيّ أنه قد كان مساندا، فأبى عمرو أن يعطيه شيئا، وكره أبيّ أن يكون بينهما شرّ، لحداثة قتل أبيه، فأمسك عنه. وبلغ عمرا أنّه توعّده، فقال عمرو في ذلك قصيدة له أوّلها: شعر عمرو في توعد أبيّ له

صوت

أعاذل شكّتي بدني ورمحيوكلّ مقلّص سلس القياد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
أعاذل إنّما أفنى شبابيوأقرح عاتقي ثقل النّجاد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
تمنّاني ليلقاني أبيّوددت وأينما منّي ودادي
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
ولو لاقيتني ومعي سلاحيتكشّف شحم قلبك عن سواد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
أريد حباءه ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

وتمام هذه الأبيات:

تمنّاني وسابغتي دلاصكأنّ قتيرها حدق الجراد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
وسيفي كان من عهد ابن صدّتخيّره الفتى من قوم عاد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
ورمحي العنبريّ تخال فيهسنانا مثل مقباس الزّناد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
وعلجزة يزلّ اللّبد عنهاأمرّ سراتها حلق الجياد
إذا ضربت سمعت لها أزيراكوقع القطر في الأدم الجلاد
إذا لوجدت خالك غير نكسولا متعلّما قتل الوحاد
يقلّب للأمور شر نبثاتبأظفار مغارزها حداد

لابن سريج في الأوّل والثاني ثقيل بالبنصر، ولابن محرز في السادس والخامس ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى، وفي الرابع والخامس والسادس لحن للهذلي من رواية يونس.

وهذا البيت الخامس كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذا نظر إلى ابن ملجم تمثل به.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا حيّان بن بشر قال حدّثنا جرير عن حمزة الزيات قال: كان عليّ عليه السلام إذا نظر إلى ابن ملجم قال:

أريد حباءه ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

حدّثني العباس بن علي بن العباس، ومحمد بن خلف وكيع قالا: حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدّثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السّلماني قال: كان عليّ بن أبي طالب إذا أعطى الناس فرأى ابن ملجم قال:

أريد حباءه ويريد قتليعذيرك من خليلك من مراد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»

حدّثني محمد بن الحسن الأشناني قال: حدّثنا علي بن المنذر الطّريفي قال: حدّثنا محمد بن فضيل قال: حدّثنا فطر بن خليفة عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، والأصبغ بن نباتة قال: قال علي عليه السلام: ما يحبس أشقاها؟ والذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا.

قال أبو الطفيل: وجمع عليّ الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم المراديّ، فردّه مرّتين أو ثلاثا ثم بايعه، ثم قال: ما يحبس أشقاها؟ فو الذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا. ثم تمثل بهذين البيتين:

اشدد حيازيمك للموتفإنّ الموت يأتيك
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أشُدد حيازيمك للموت»
ولا تجزع من القتلإذا حلّ بواديك

رجع الخبر إلى سياقة خبر عمرو

قال: وجاءت بنو مازن إلى عمرو فقالوا: إن أخاك قتله رجل منا سفيه وهو سكران، ونحن يدك وعضدك، فنسألك الرحم وإلّا أخذت الدية ما أحببت! فهمّ عمرو بذلك. وقال:

إحدى يديّ أصابتني ولم ترد

فبلغ ذلك أختا لعمرو يقال لها كبشة، وكانت ناكحا في بني الحارث بن كعب، فغضبت، فلما وافى الناس من الموسم قالت شعرا تعيّر عمرا:

أرسل عبد اللّه إذ حان يومهإلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكراوأترك في بيت بصعدة مظلم
للشاعر كبشة الزبيدية، اقرأ القصيدة
ودع عنك عمرا إنّ عمرا مسالموهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
فإن أنتم لم تقبلوا واتّديتمفمشّوا بآذان النّعام المصلّم
أيقتل عبد اللّه سيّد قومهبنو مازن أن سبّ راعى المخزّم

فقال عمرو قصيدة له عند ذلك يقول فيها:

صوت

أرقت وأمسيت لا أرقدوساورني الموجع الأسود
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أرقت وأمسيت لا أرقد»
وبتّ لذكري بني مازنكأنّي مرتفق أرمد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أرقت وأمسيت لا أرقد»

فيه لحن من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى، نسبه يحيى المكي إلى ابن محرز، وذكر الهشامي أنّه منحول.

ثم أكبّ على بني مازن وهم غارّون فقتلهم، وقال في ذلك شعرا:

خذوا حققا مخطّمة صفاياوكيدي يا مخزّم أن أكيدا
قتلتم سادتي وتركتمونيعلى أكتافكم عبئا جديدا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «خذوا حققا مخطمة صفيا»
فمن يأبى من الأقوام نصراويتركنا فإنّا لن نريدا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «خذوا حققا مخطمة صفيا»

وأرادت بنو مازن أن تردّ عليهم الديّة لما آذنهم بحرب، فأبى عمرو، وكانت بنو مازن من أعداء مذحج، وكان عبد اللّه أخا كبشة لأبيها وأمّها دون عمرو، وكان عمرو قد همّ بالكف عنهم حين قتل من قتل منهم، فركبت كبشة في نساء من قومها وتركت عمرا أخاها وعيّرته فأحمته، فأكبّ عليهم أيضا بالقتل، فلما أكثر فيهم القتل تفرّقوا، فلحقت بنو مازن بصاحبهم بتميم، ولحقت ناشرة بني أسد، وهم رهط الصقعب بن الصحصح، ولحقت فالج بسليم بن منصور. وفالج وناشرة ابنا أنمار بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن صعب بن سعد العشيرة، وأمّهما هند بنت عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم. فقال كابية بن حرقوص بن مازن:

يا ليلتي ما ليلتي بالبلدةردّت عليّ نجومها فارتدت
من كان أسرع في تفرّق فالجفلبونه جربت معا وأغدّت
هلّا كناشرة الذي ضيّعتمكالغصن في غلوائه المتنبت

وقال عمرو في ذلك:

تمنّت مازن جهلا خلاطيفذاقت مازن طعم الخلاط
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمنت مازن جهلا خلاطي»
أطلت فراطكم عاما فعاماودين المذحجيّ إلى فراط
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمنت مازن جهلا خلاطي»
أطلت فراطكم حتّى إذا ماقتلت سراتكم كانت قطاط
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمنت مازن جهلا خلاطي»
غدرتم غدرة وغدرت أخرىفما إن بيننا أبدا يعاط
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تمنت مازن جهلا خلاطي»

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي قال المدائني: حدّثني رجل من قريش قال: كنا عند فلان القرشيّ فجاءه رجل بجارية فعنته:

باللّه يا ظبي بني الحارثهل من وفى بالعهد كالناكث
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «بالله يا ظبي بني الحارث»
يا طول ليلي وبتّ لم أنموسادى الهمّ مبطن سقمي

فأعجبته واستام مولاها، فاشتطّ عليه فأبى شراءها، وأعجبت الجارية بالفتى، فلما امتنع مولاها من البيع إلّا بشطط قال القرشي: فلا حاجة لنا في جاريتك. فلما قامت الجارية للانصراف رفعت صوتها تغنّي وتقول:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

قال: فقال الفتى القرشي: أفأنا لا أستطيع شراءك، واللّه لأشترينّك بما بلغت.

قالت الجارية: فذاك أردت. قال القرشيّ: إذا لأجبتك. وابتاعها من ساعته. واللّه أعلم.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

باللّه يا ظبي بني الحارثهل من وفى بالعهد كالناكث
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «بالله يا ظبي بني الحارث»
لا تخدعنّي بالمنى باطلاوأنت بي تلعب كالعابث
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «بالله يا ظبي بني الحارث»

عروضه من السريع، الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج، رمل بالبنصر، وفيه لسياط خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، وفيه لإبراهيم الموصليّ لحن من رواية بدل. ومنها:

صوت

يا طول ليلى وبتّ لم أنموسادي الهمّ مبطن سقمي
إذ قمت ليلا على البلاط فأبصرت ربيبا فليت لم أقم
فقلت عوجي تخبّري خبراوأنت منه كصاحب الحلم
قالت بل اخشى العيون إذ حضرتحولى وقلي مباشر الألم

عروضه من المنسرح. والشعر والغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

وذكر محمد بن الفضل الهاشمي قال حدّثنا أبي قال: كان المأمون قد أطلق لأصحابه الكلام والمناظرة في مجلسه، فناظر بين يديه محمّد بن العباس الصوليّ عليّ بن الهيثم جونقا في الإمامة، فتقلّدها أحدهما ودفعها الآخر، فلجّت المناظرة بينهما إلى أن نبّط محمد عليا فقال له علي: إنّما تكلّمت بلسان غيرك، ولو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر مما قلت! فغضب المأمون وأنكر على محمد ما قاله وما كان منه من سوء الأدب بحضرته، ونهض عن فرشه ونهض الجلساء فخرجوا، وأراد محمد الانصراف فمنعه علي بن صالح صاحب المصلّى، وهو إذ ذاك يحجب المأمون، وقال: أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين ونهض على الحال التي رأيت، ثم تنصرف بغير إذن، اجلس حتى نعرف رأيه فيك. وأمر بأن يجلس.

قال: ومكث المأمون ساعة فجلس على سريره، وأمر بالجلساء فردّوا إليه، فدخل إليه عليّ بن صالح فعرّفه ما كان من قول علي بن محمد في الانصراف، وما كان من منعه إياه، فقال: دعه ينصرف إلى لعنة اللّه. فانصرف، وقال المأمون لجلسائه: أتدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت؟ قالوا: لا. قال: إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما كان لم آمن فلتات الغضب، وله بنا حرمة، فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ حتّى سكن غضبي.

قال: وما مضى محمد عن وجهه إلّا إلى طاهر، فسأله الركوب إلى المأمون، وأن يستوهبه جرمه، فقال طاهر: ليس هذا من أوقاتي، وقد كتب إليّ خليفتي في الدار أنّه قد دعا بالجلساء. فقال: أكره أن أبيت ليلة وأمير المؤمنين عليّ ساخط. فلم يزل به حتّى ركب طاهر معه، فأذن له فدخل ومجير الخادم واقف على رأس المأمون، فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا فمسح به عينيه مرّتين أو ثلاثا، إلى أن وصل إليه وحرّك شفتيه بشيء أنكره طاهر، ثم دنا فسلّم، فردّ السلام وأمره بالجلوس فجلس في موضعه، فسأله عن مجيئه في غير وقته، فعرّفه الخبر واستوهبه ذنب محمد، فوهبه له وانصرف؛ وعرّف محمدا ذلك. ثم دعا بهارون بن خنعويه، وكان شيخا خراسانيّا داهية ثقة عنده، فذكر له فعل المأمون وقال له: الق كاتب مجير والطف له، واضمن له عشرة آلاف درهم على تعريفك ما قاله المأمون ففعل ذلك ولطف له، فعرّفه أنّه لما رأى طاهرا دمعت عيناه وترحّم على محمد الأمين، ومسح دمعه بالمنديل، فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته إلى أحمد بن أبي خالد الأحوال - وكان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون، وكلّهم يركب إليه - فقال له: جئتك لتولّيني خراسان وتحتال لي فيها. وكان أحمد يتولّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون، وغسّان بن عبّاد يتولّى إذ ذاك خراسان، فقال له أحمد: هلّا أقمت بمنزلك وبعثت إليّ حتى أصير إليك ولا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه، وسيبلغه هذا فينكره، فانصرف وأغض عن هذا الأمر وأمهلني مدّة حتّى أحتال لك. ولبث مدّة، وزوّر ابن أبي خالد كتابا عن غسّان بن عباد إلى المأمون، يذكر فيه أنّه عليل وأنه لا يأمن على نفسه، ويسأل أن يستخلف غيره على خراسان، وجعله في خريطة وفضّها بين يدي المأمون، في خرائط وردت عليه، فلما قرأ على المأمون الكتاب اغتمّ به وقال له: ما ترى؟ فقال: لعل هذه علّة عارضة تزول، وسيرد بعد هذا غيره فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه. ثم أمسك أياما وكتب كتابا آخر ودسّه في الخرائط، يذكر فيه أنه تناهى في العلّة إلى ما لا يرجو معه نفسه، فلما قرأه المأمون قلق وقال: يا أحمد، إنه لا مدفع لأمر خراسان فما ترى؟ فقال: هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب لم أستقبله، وأمير المؤمنين أعلم بخدمه ومن يصلح بخراسان منهم. قال: فجعل المأمون يسمّي رجالا ويطعن أحمد على واحد واحد منهم، إلى أن قال: فما ترى في الأعور؟ قال: إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر ونهوض فيه فعنده. فدعا به المأمون فعقد له على خراسان، وأمره أن يعسكر، فعسكر بباب خراسان. ثم تعقّب الرأي فعلم أنّه قد أخطأ، فتوقّف عن أمضائه وخشي أن يوحش طاهرا بنقضه، فمضى شهر تامّ وطاهر مقيم بمعسكره. ثم إنّ المأمون في السّحر من ليلة أحد وثلاثين يوما من عقده له، عقد اللواء لطاهر ظاهرا، وأمر بإحضار مخارق المغنّي، فأحضر وقد صلّى المأمون الغداة مع طلوع الفجر، فقال: يا مخارق، أتغني:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»
وكيف تريد أن تدعى حكيماوأنت لكلّ ما تهوى تبوع

قال: نعم. قال: هاته. فغناه فقال: ما صنعت شيئا، فهل تعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم، علويه الأعسر. فأمر بإحضاره فكأنّه كان وراء السّتر، فأمره أن يغنّيه، فغنّاه واحتفل فقال: ما صنعت شيئا أتعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم عمرو بن بانة شيخنا. فأمر بإحضاره فدخل في مقدار دخول علويه، فأمر بأن يغنيه الصوت، فغناه فأحسن فقال: أحسنت ما شئت، هكذا ينبغي أن يقال... ثم قال: يا غلام اسقني رطلا واسق صاحبيه رطلا رطلا. ثم دعا له بعشرة آلاف درهم، وخلعة ثلاثة أثواب، ثم أمره بإعادته، فأعاده فردّ القول الذي قاله، وأمر له بمثل ما أمر، حتّى فعل ذلك عشرا، وحصل لعمرو مائة ألف درهم وثلاثون ثوبا، ودخل المؤذّنون فأذّنوه بالظهر، فعقد إصبعه الوسطى بإبهامه وقال: «برق يمان، برق يمان». وكذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، قد أنعمت عليّ وأحسنت إليّ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ ما وصل إليّ فقد حضراه؟ فقال: ما أحسن ما استمحت لهما، بل نعطيهما نحن ولا نلحقهما بك. وأمر لكلّ واحد بمثل نصف جائزة عمرو، وبكر إلى طاهر فرحّله، فلما ثنى عنان دابته منصرفا دنا منه حميد الطوسيّ فقال: اطرح على ذنبه ترابا. فقال: اخسأ يا كلب! ونفذ طاهر لوجهه، وقدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علّته وسببها، فحلف له أنّه لم يكن عليلا، ولا كتب بشيء في هذا. فعلم المأمون أنّ طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد، وأمسك على ذلك. فلما كان بعد مدّة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد: لم تدع في هذه الجمعة لأمير المؤمنين؟ فقال: سهو وقع فلا تكتب به. وفعل مثل ذلك في الجمعة الثانية، وقال لعون: لا تكتب به، وفعله في الجمعة الثالثة فقال له عون: إنّ كتب التجّار لا تنقطع من بغداد، وإن اتّصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيرنا لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي. فقال: اكتب بما أحببت. فكتب إلى المأمون بالخبر، فلما وصل كتابه دعا بأحمد بن أبي خالد وقال: إنّه لم يذهب عليّ احتيالك علي في أمر طاهر، وتمويهك له، وأنا أعطى اللّه عهدا لئن لم تشخص حتّى توافيني به كما أخرجته من قبضتي وتصلح ما أفسدته عليّ من أمر ملكي لأبيدنّ غضراءك! فشخص أحمد وجعل يتلّوم في الطريق، ويقول لأصحاب البرد: اكتبوا بخبر علّة أجدها. فلما وصل الريّ لقيته الأخبار ووافاه رسل طلحة بن طاهر بوفاة طاهر، فأغذّ السير حتّى قدم خراسان، فلقيه طلحة على حدّ غفلة فقال له أحمد: لا تكلّمني ولا ترني وجهك فإنّ أباك عرّضني للعطب وزوال النعمة، مع احتيالي له وسعي كان في محبّته. فقال له: أبي قد مضى لسبيله ولو أدركته لما خرج عن طاعتك، وأمّا أنا فأحلف لك بكلّ ما تسكن به نفسك وأبذل كلّ ما عندي من مال وغيره، فاضمن له عنّي حسن الطاعة، وضبط الناحية، والإخلاص في النصيحة. فكتب أحمد بخبره وخبر طاهر وخبر طلحة إلى المأمون، وأشار بتقليده، فأنفذ المأمون إليه اللواء والخلع والعهد، وانصرف أحمد إلى مدينة السلام.

أخبرني وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: مدح ابن هرمة رجلا من قريش فلم يثبه، فقال له ابن عمّ له: لا تفعل، فإنه شاعر مفوّه. فلم يقبل منه، فقال فيه ابن هرمة:

فهلّا إذ عجزت عن المعاليوعمّا يفعل الرجل القريع
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فهلا إذ عجزت عن المعالي»
أخذت برأي عمرو وحين ذكىّوشبّ لناره الشرف الرفيع
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»

ومما قاله عمرو بن معد يكرب في ريحانة أخته، وغنّي فيه، قوله:

هاج لك الشوق من ريحانة الطرباإذ فارقتك وأمست دارها غربا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «هاج لك الشوق من ريحانة الطربا»
ما زلت أحبس يوم البين راحلتيحتّى استمروا وأذرت دمعها سربا
حتّى ترفّع بالحزّان يركضهامثل المهاة مرته الريح فاضطربا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «هاج لك الشوق من ريحانة الطربا»
والغانيات يقتّلن الرجال إذاضرّجن بالزعفران الرّيط والنّقبا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «هاج لك الشوق من ريحانة الطربا»
من كلّ آنسة لم يغذها عدمولا تشدّ لشيء صوتها صخبا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «هاج لك الشوق من ريحانة الطربا»
إنّ الغواني قد أهلكنني وأرىحبالهنّ ضعيفات القوى كذبا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «هاج لك الشوق من ريحانة الطربا»

غنّى في هذا الشعر ابن سريج خفيف ثقيل من رواية حماد، وفيه رمل نسبه حبش إليه أيضا.

وقال الأصمعيّ: هذا الشعر لسهل بن الحنظلية الغنوي ثم الضّبيني ثم الجابري، وهو جابر بن ضبينة.

قال أبو الفرج الأصبهاني: وسهل بن الحنظلية أحد أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد روى عنه حديثا كثيرا.

فذكر الأصمعيّ أنّ السبب في قوله هذا الشعر أنّه اجتمع ناس من العرب بعكاظ، منهم قرّة بن هبيرة القشيري، في سنين تتابعت على الناس، فتواعدوا وتواقفوا أن لا يتغاوروا حتّى يخصب الناس ثم قالوا: ابعثوا إلى المنتشر بن وهب الباهلي ثم الوائلي فليشهد أمرنا، ولندخله معنا. فأتاهم فأعلموه ما صنعوه، قال: فما يأكل قومي إلى ذاك؟ فقال له ابن جارم الضبيّ: إنّك لهناك يا أخا باهلة؟ قال: أمّا أنا فالغسل والنساء عليّ حرام حتّى آكل من قمع إبلك. فتفرقوا ولم يكن إلّا ذلك. وقال ابن جارم للمنتشر عند قوله: استك أضيق من ذاك! فأغار المنتشر على ابن جارم، فلما رآه ابن جارم رمى بنفسه في وجار ضبع، وأطرد المنتشر إبله ورعاءها، فقال سهل في ذلك:

هاج لك الشّوق من ريحانة الطربا

في قصيدة طويلة له حسنة. وقال في ذلك أعشى باهلة:

فدى لك نفسي إذ تركت ابن جارمأجبّ السّنام بعد ما كان مصعبا
للشاعر أعشى باهلة، من قصيدة «فدى لك نفسي إذ تركت ابن جارم»

وقال المخبل في ذلك:

إنّ قشيرا من لقاح ابن جارمكغاسلة حيضا وليست بطاهر
وأنبأتماني أنّ قرّة آمنفناك أباه من مجير وخافر
فلا توكلوها الباهليّ وتقعدوالدى غرض أرميكم بالنواقر
إذا هي حلّت بالذّهاب وذي حسىوراحت خفاف الوطء حوس الخواطر

أخبرنا أحمد بن عمار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل، قال حدّثني قعنب بن المحرز قال أخبرنا الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن محمد بن المنتشر قال: أخبرني من شهد الأشعث بن قيس وعمرو بن معد يكرب وقد تنازعا في شيء، فقال عمرو للأشعث: نحن قتلنا أباك ونكنا أمّك! فقال سعد: قوما أفّ لكما! فقال الأشعث لعمرو: واللّه لأضرّطنّك. فقال: كلّا إنها عزوز موثقة.

قال جرير بن عبد اللّه البجلي: فأخذت بيد الأشعث فنترته فوقع على وجهه، ثم أخذت بيد عمرو فجذبته فما تحلحل واللّه، لكأنّما حركت أسطوانة القصر.

وقال أبو عبيدة: قدم عمرو بن معد يكرب والأجلح بن وقّاص الفهميّ على عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، فأتياه وبين يديه مال يوزن، فقال: متى قدمتما؟ قالا: يوم الخميس. قال: فما حبسكما؟ قالا: شغلنا بالمنزل يوم قدمنا، ثم كانت الجمعة، ثم غدونا عليك اليوم. فلما فرغ من وزن المال نحّاه، ثم أقبل عليهما فقال: هيه! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، هذا الأجلح بن وقّاص، شديد المرّة، بعيد الفرّة، وشيك الكرة، واللّه ما رأيت مثله من الرجال صارعا ومصروعا، واللّه لكأنه لا يموت! فقال عمر للأجلح بن وقّاص، وأقبل عليه: هيه. قال: وأنا أعرف الغضب في وجهه، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ الناس صالحون كثير نسلهم، دارّة أرزاقهم، خصب نباتهم، أجرياء على عدوّهم، جبان عدوّهم عنهم، صالحون بصلاح إمامهم، واللّه ما رأينا مثلك إلّا من تقدمك، فنستمتع اللّه بك.

فقال: ما منعك أن تقول في صاحبك مثل الذي قال فيك؟ قال: منعني ما رأيت في وجهك. قال: قد أصبت أما لو قلت له مثل الذي قال لك لأوجعتكما عقوبة، فإن تركتك لنفسك فسوف أتركه لك، واللّه لوددت لو سلمت لكم حالكم هذه أبدا، أما إنّه سيأتي عليك يوم تعضّه وينهشك، وتهرّه وينبحك، ولست له يومئذ وليس لك، فإن لم يكن بعهدكم فما أقربه منكم.

قال أبو عبيدة: حدّثنا يونس وأبو الخطاب قالا: لما كان يوم القادسية أصاب المسلمون أسلحة وتيجانا ومناطق ورقابا فبلغت مالا عظيما، فعزل سعد الخمس ثم فضّ البقية، فأصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان، فبقي مال دثر. فكتب إلى عمر رضي اللّه عنه بما فعل، فكتب إليه أن ردّ على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ممن لم يشهد الوقعة. ففعل فأجراهم مجرى من شهد، وكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه أن فضّ ما بقي على حملة القرآن. فأتاه عمرو بن معد يكرب فقال: ما معك من كتاب اللّه تعالى؟ فقال: إنّي أسلمت باليمن، ثم غزوت فشغلت عن حفظ القرآن. قال: ما لك في هذا المال نصيب.

قال: وأتاه بشر بن ربيعة الخثعمي، صاحب جبّانة بشر فقال: ما معك من كتاب اللّه؟ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فضحك القوم منه ولم يعطه شيئا، فقال عمرو في ذلك:

إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحدقالت قريش ألا تلك المقادير
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد»
نعطى السويّة من طعن له نفذولا سويّة إذ تعطى الدنانير
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد»

وقال بشر بن ربيعة:

أنخت بباب القادسيّة ناقتيوسعد بن وقّاص عليّ أمير
وسعد أمير شرّه دون خيرهوخير أمير بالعراق جرير
وعند أمير المؤمنين نوافلوعند المثنّى فضّة وحرير
تذكّر هداك اللّه وقع سيوفنابباب قديس والمكرّ عسير
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ألم خيال من أميمة موهنا»
عشية ودّ القوم لو أنّ بعضهميعار جناحي طائر فيطير
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ألم خيال من أميمة موهنا»
إذا ما فرغنا من قراع كتيبةدلفنا لأخرى كالجبال تسير
ترى القوم فيها واجمعين كأنّهمجمال بأحمال لهنّ زفير

فكتب سعد إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه بما قال لهما وما ردّا عليه، وبالقصيدتين، فكتب أن أعطهما على بلائهما. فأعطى كلّ واحد منهما ألفي درهم.

قال: وحدّثني أبو حفص السلمي قال: كتب عمر إلى سلمان بن ربيعة الباهلي: إنّ في جندك عمرو بن معد يكرب، وطلحة بن خويلد الأسديّ، فإذا حضر الناس فأدنهما وشاورهما وابعثهما في الطّلائع، وإذا وضعت الحرب أوزارها فضعهما حيث وضعا أنفسهما. يعني بذلك ارتدادهما، وكان عمرو ارتدّ وطليحة تنبأ.

قال: وحدّثنا أبو حفص السلمي قال: عرض سلمان بن ربيعة جنده بأرمينية، فجعل لا يقبل إلّا عتيقا، فمر به عمرو بن معد يكرب بفرس غليظ، فقال سلمان: هذا هجين. فقال عمرو: والهجين يعرف الهجين! فبلغ عمر رضي اللّه تعالى عنه قوله فكتب إليه: «أمّا بعد فإنك القائل لأميرك ما قلت، وإنّه بلغني أنّ عندك سيفا تسمّيه الصمصامة، وعندي سيف أسميه مصمّما، وأقسم لئن وضعته بين أذنيك لا أقلع حتّى يبلغ قحفك». وكتب إلى سلمان يلومه في حلمه عنه.

قال: وزعموا أنّ عمرا شهد فتح اليرموك، وفتح القادسية، وفتح نهاوند مع النّعمان بن مقرّن المزني، وكتب عمر إلى النعمان: إنّ في جندك رجلين: عمرو بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد الأسدي من بني قعين، فأحضرهما الحرب وشاورهما في الأمر، ولا تولّهما عملا. والسلام.

صوت

خليليّ هبّا طالما قد رقدتماأجدّكما لا تقضيان كراكما
للشاعر قس بن ساعدة، اقرأ القصيدة
سأبكيكما طول الحياة وما الذييردّ على ذي لوعة إن بكاكما

ويروي: «ذي عولة».

الشعر لقس بن ساعدة الإيادي، فيما أخبرنا به محمد بن العباسّ اليزيديّ في خبر أنا ذاكره هاهنا.

وذكر يعقوب بن السكّيت أنّه لعيسى بن قدامة الأسدي.

وذكر العتبي أنّه لرجل من بني عامر بن صعصعة، يقال له الحسن بن الحارث. والغناء لهاشم بن سليمان، ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»