تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كانت عريب مغنّية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهاية في الحسن والجمال والظّرف، وحسن الصورة وجودة الضّرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنّغم والأوتار، والرواية للشعر والأدب، لم يتعلق بها أحد من نظرائها، ولا روئي في النساء بعد القيان الحجازيّات القديمات، مثل جميلة وعزّة الميلاء وسلّامة الزرقاء ومن جرى مجراهن - على قلة عددهن - نظير لها، وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهنّ مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء، ومن نشأ في قصور الخلافة وغذّي برقيق العيش، الذي لا يدانيه عيش الحجاز، والنش بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه، وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، عن حماد بن إسحاق: قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب، ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجها، ولا أخفّ روحا، ولا أحسن خطابا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشّطرنج والنّرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حمّاد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قلت: أفسمعتها؟ قال: نعم هناك، يعني في دار المأمون، قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك، فهو أعلم مني بها، فأخبرت بذلك أبي، فضحك، ثم قال: ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي، قال: قال لي إسحاق: كانت عندي صنّاجة كنت بها معجبا، واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذ أتاني إنسان يدقّ الباب دقّا شديدا، فقلت: انظروا من هذا؟ فقالوا: رسول أمير المؤمنين، فقلت: ذهبت صنّاجتي، تجده ذكرها له ذاكر، فبعث إليّ فيها. فلمّا مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب، وأنا مثخن، فدخلت، فسلّمت، فردّ عليّ السلام، ونظر إلى تغيّر وجهي، فقال لي: أسكن، فسكنت، فقال لي: غنّ صوتا وقال لي: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء اللّه ذلك، فأمر جارية من وراء الستارة، فغنّته وضربت، فإذا هي قد شبّهته بالغناء القديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، قال: من أين قلت ذاك؟ قلت: لمّا سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أنّ صاحبته ضاربة، وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر، فلم أشكّ، فقال: صدقت، الغناء لعريب.

قال ابن المعتز: وقال يحيى بن عليّ: أمرني المعتمد على اللّه أن أجمع غناءها الذي صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت.

وأخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبه: أنه سأل عريب عن صنعتها، فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت.

وحدثني محمد بن إبراهيم قريض أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز، وأبي العبيس بن حمدون، وما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم، فقابل بعضه ببعض، فكان ألفا ومائة وخمسة وعشرين صوتا.

وذكر العتّابيّ أنّ أحمد بن يحيى حدثه: قال: سمعت أبا عبد اللّه الهشاميّ يقول - وقد ذكرت صنعة عريب -: صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول:

يا عين بكّي خالداألفا ويدعى واحدا

يريد أنّ غناءها ألف صوت في معنى واحد، فهي بمنزلة صوت واحد وحكى عنه أيضا هذه الحكاية ابن المعتز.

وهذا تحامل لا يحلّ، ولعمري إن في صنعتها لأشياء مرذولة ليّنة، وليس ذلك مما يضعها، ولا عري كبير أحد من المغنّين القدماء والمتأخرين من أن يكون صنعته النادر والمتوسّط سوى قوم معدودين مثل ابن محرز ومعبد في القدماء، ومثل إسحاق وحده في المتأخرين، وقد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله، فبلغه أن المغنين يقولون: إنما يغنى ابن سريج الأرمال والخفاف، وغناؤه يصلح للأعراس والولائم، فبلغه ذلك فتغنى بقوله:

لقد حبّبت نعم إلينا بوجههامساكن ما بين الوتائر فالنّقع

ثم توفّي بعدها، وغناؤه يجري مجرى المعيب عليه، وهذا إسحاق يقول في أبيه: - على عظيم محلّه في هذه الصناعة وما كان إسحاق يشيد به من ذكره وتفضيله على ابن جامع وغيره - ولأبي ستّمائة صوت، منها مائتان تشبّه فيها بالقديم، وأتى بها في نهاية من الجودة، ومائتان غناء وسط مثل أغاني سائر الناس، ومائتان فلسية وددت أنه لم يظهرها وينسبها لنفسه، فأسترها عليه، فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيّد ورديء، وما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية، لأن الكمال شيء تفرّد اللّه العظيم به، والنقصان جبلّة طبع بني آدم عليها، وليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها، ويلزمه اسم الضّعف واللّين، وحسب المحتجّ لها شهادة إسحاق بتفضيلها، وقلّما شهد لأحد، أو سلم خلق - وإن تقدّم وأجمع على فضله - من شينه إيّاه وطعنه عليه، لنفاسته في هذه الصناعة، واستصغاره أهلها، فقد تقدّم في أخباره مع علّوية، ومخارق، وعمرو بن بانة، وسليم بن سلام، وحسين بن محرز، ومن قبلهم ومن فوقهم مثل ابن جامع وإبراهيم بن المهديّ وتهجينه إياهم، وموافقته لهم على خطئهم فيما غنّوه وصنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع، فإذا انضاف فعله هذا بهم، وتفضيله إياها، كان ذلك أدلّ على التحامل ممّن طعن عليها، وإبطاله فيما ذكرها به، ولقائل ذلك - وهو أبو عبد اللّه الهشامي - سبب كان يصطنعه عليها، فدعاه إلى ما قال، نذكره بعد هذا إن شاء اللّه تعالى.

ومما يدلّ على إبطاله أنّ المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة بالغناء القديم والحديث، فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها، فكاد يجوز عليه، لو لا أنه أطال الفكر والتلوّم واستثبت، مع علمه بالمذاهب في الصنعة، وتقدّمه في معرفة النّغم وعللها، والإيقاعات ومجاريها.

وأخبرنا بذلك يحيى بن عليّ بن يحيى: قال: حدثني أبي عن إسحاق: فأمّا السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي، فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال: ذكر لأبي أحمد عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر عميّ أنّ الهشاميّ زعم أن أحسن صوت صنعته عريب:

صاح قد لمت ظالما

وإن غناءها بمنزلة قول أبي دلف في خالد:

يا عين بكّي خالداألفا ويدعى واحدا

فقال: ليس الأمر كما ذكر، ولعريب صنعة فاضلة متقدّمة، وإنما قال هذا فيها ظلما وحسدا، وغمطها ما تستحقّه من التّفضيل، بخبر لها معه طريف، فسألناه عنه، فقال: أخرجت الهشاميّ معي إلى سرّ من رأى، بعد وفاة أخي، يعني أبا محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأدخلته على المعتزّ، وهو يشرب، وعريب تغنّي، فقال له: يا بن هشام، غنّ، فقال: تبت من الغناء قتل سيّدي المتوكل، فقالت له عريب: قد واللّه أحسنت حيث تبت، فإن غناءك كان قليل المعنى، لا متقن ولا صحيح ولا مطرب، فأضحكت أهل المجلس جميعا منه، فخجل؛ فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها، ويعيب صنعتها، ويقول: هي ألف صوت في العدد، وصوت واحد في المعنى.

وليس الأمر كما قاله، إن لها لصنعة تشبّهت فيها بصنعة الأوائل، وجوّدت، وبرزت فيها، منها:

أئن سكنت نفسي وقلّ عويلها

ومنها:

تقول همّي يوم ودّعتها

ومنها:

إذا أردت انتصافا كان ناصركم

ومنها:

بأبي من هو دائي

ومنها:

أسلموها في دمشق كما

ومنها:

فلا تتعنّتي ظلما وزورا

ومنها:

لقد لام ذا الشوق الخليّ من الهوى

ونسخت ما أذكره من أخبارها، فأنسبه إلى ابن المعتزّ من كتاب دفعه إليّ محمد بن إبراهيم الجراحيّ المعروف بقريض، وأخبرني أن عبد اللّه بن المعتز دفعه إليه، من جمعه وتأليفه، فذكرت منها ما استحسنته من أحاديثها، إذا كان فيها حشو كثير، وأضفت إليه ما سمعته ووقع إليّ غير مسموع مجموعا ومتفرقا، ونسبت كل رواية إلى راويها.

قال ابن المعتز: حدّثني الهشاميّ أبو عبد اللّه وأخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبة قالا: كانت عريب لعبد اللّه بن إسماعيل صاحب مراكب الرّشيد، وهو الذي ربّاها، وأدّبها، وعلّمها الغناء.

قال ابن المعتزّ: وحدثني غير الهشاميّ، عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم: أنها بنت جعفر بن يحيى، وأنّ البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة.

قال: فحدثني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب: قال: حدّثني من أثق به، عن أحمد بن عبد اللّه بن إسماعيل المراكبي: أنّ أمّ عريب كانت تسمّى فاطمة، وكانت قيّمة لأم عبد اللّه بن يحيى بن خالد، وكانت صبيّة نظيفة، فرآها جعفر بن يحيى، فهويها، وسأل أمّ عبد اللّه أن تزوّجه إيّاها، ففعلت، وبلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره؛ وقال له: أتتزوّج من لا تعرف لها أمّ ولا أب؟ اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها، فأخرجها، وأسكنها دارا في ناحية باب الأنبار سرّا من أبيه. ووكّل بها من يحفظها، وكان يتردّد إليها، فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة، فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة، قال: وماتت أمّ عريب في حياة جعفر، فدفعها إلى امرأة نصرانية، وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس النخّاس، فباعها من المراكبي.

قال ابن المعتز: وأخبرني يوسف بن يعقوب: إنه سمع الفضل بن مروان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبّهتهما بقدمي جعفر بن يحيى، قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتّاب فقال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى؟.

وأخبرني جحظة قال: دخلت إلى عريب مع شروين المغني وأبي العبيس بن حمدون، وأنا يومئذ غلام عليّ قباء ومنطقة، فأنكرتني وسألت عنّي، فأخبرها شروين، وقال: هذا فتى من أهلك، هذا ابن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد، وهو يغنّي بالطّنبور، فأدنتني، وقرّبت مجلسي، ودعت بطنبور، وأمرتني بأن أغنّي فغنّيت أصواتا، فقالت: قد أحسنت يا بنيّ ولتكوننّ مغنّيا، ولكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت وطنبورك بين عوديهما، وأمرت لي بخمسين دينارا.

قال ابن المعتزّ: وحدّثني ميمون بن هارون: قال: حدّثتني عريب قالت: بعث الرشيد إلى أهلها - تعني البرامكة - رسولا يسألهم عن حالهم، وأمره ألّا يعلمهم أنه من قبله، قالت: فصار إلى عمي الفضل، فسأله، فأنشأ عمّي يقول:

صوت

سألونا عن حالنا كيف أنتممن هوى نجمه فكيف يكون؟
نحن قوم أصابنا عنت الدّهرفظلنا لريبه نستكين

ذكرت عريب أنّ هذا الشعر للفضل بن يحيى، ولها فيه لحنان: ثاني ثقيل وخفيف ثقيل، كلاهما بالوسطى، وهذا غلط من عريب، ولعله بلغها أنّ الفضل تمثل بشعر غير هذا، فأنسيته وجعلت هذا مكانه.

فأمّا هذا الشّعر فللحسين بن الضحّاك، لا يشكّ فيه، يرثي به محمدا الأمين بعد قوله:

نحن قوم أصابنا حادثالدّهر فظلنا لريبه نستكين
نتمنّى من الأمين إياباكلّ يوم وأين منّا الأمين؟

وهي قصيدة.

قال ابن المعتزّ: وحدّثني الهشاميّ: إنّ مولاها خرج إلى البصرة، وأدّبها وخرّجها وعلّمها الخطّ والنّحو والشّعر والغناء، فبرعت في ذلك كله، وتزايدت حتى قالت الشعر، وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عديّ من قوّاد خراسان، وقيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض، فكان مولاها يدعوه كثيرا، ويخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنده، فمدّ عينه إلى عريب، فكاتبها، فأجابته، وكانت المواصلة بينهما، وعشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلّما من عقب، وقيل: من خيوط غلاظ، وسترته، حتى إذا همّت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمدّة - وقد أعدّ لها موضعا - لفّت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل، ودثرتها بدثارها، ثم تسوّرت من الحائط، حتى هربت، فمضت إليه، فمكثت عنده زمانا، قال: وبلغني أنها لمّا صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنّيه به، فأعاره عودها، وهو لا يعلم أنها عنده، ولا يتهمه بشيء من أمرها، فقال عيسى بن عبد اللّه بن إسماعيل المراكبيّ، وهو عيسى ابن زينب يهجو أباه ويعيّره بها، وكان كثيرا ما يهجوه:

قاتل اللّه عريبافعلت فعلا عجيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
ركبت والليل داجمركبا صعبا مهوبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
فارتقت متّصلا بالنّجمأو منه قريبا
صبرت حتى إذا ماأقصد النّوم الرّقيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
مثّلت بين حشاياهالكيلا تستريبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
خلفا منها إذا نودي لم يلف مجيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
ومضت يحملها الخوف قضيبا وكثيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
محّة لو حرّكت خفتعليها أن تذوبا
فتدلّت لمحبّفتلقّاها حبيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
جذلا قد نال في الدّنيامن الدّنيا نصيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
أيّها الظّبي الذي تسحرعيناه القلوبا
والذي يأكل بعضابعضه حسنا وطيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
كنت نهبا لذئابفلقد أطعمت ذيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
وكذا الشاة إذا لميك راعيها لبيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
لا يبالي وبأ المرعى إذا كان خصيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة
فلقد أصبح عبد اللّه مكشخان حريبا
قد لعمري لطم الوجهوقد شقّ الجيوبا
وجرت منه دموعبكت الشّعر الخضيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة

وقال ابن المعتزّ: حدّثنا محمد بن موسى بن يونس: أنّها ملّته بعد ذلك، فهربت منه، فكانت تغنّي عند أقوام عرفتهم ببغداد، وهي متستّرة متخفيّة، فلمّا كان يوم من الأيّام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغنّي، فسمع غناءها، فعرفه، فبعث إلى عمه من وقته، وأقام هو بمكانه، فلم يبرح حتى جاء عمّه، فلبّبها وأخذها، فضربها مائة مقرعة، وهي تصيح: يا هذا لم تقتلني! أنا لست أصبر عليك، أنا أمرأة حرّة إن كنت مملوكة فبعني، لست أصبر على الضّيقة، فلما كان من غد ندم على فعله، وصار إليها فقبّل رأسها ورجلها، ووهب لها عشرة آلاف درهم، ثم بلغ محمّدا الأمين خبرها، فأخذها منه، قال: وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه، فطلبها منه، فلم يجبه إلى ما سأل، وقبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده، فاضطغن لذلك عليه، فلما ولي الخلافة جاء المراكبيّ، ومحمد راكب، ليقبّل يده، فأمر بمنعه ودفعه، ففعل ذلك الشّاكريّ، فضربه المراكبيّ وقال له: أتمنعني من يد سيّدي أن أقبّلها؟ فجاء الشّاكريّ لمّا نزل محمد فشكاه، فدعا محمد بالمراكبيّ، وأمر بضرب عنقه، فسئل في أمره، فأعفاه، وحبسه، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع، وبعث، فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمّد هربت إلى المراكبيّ، فكانت عنده، قال: وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عديّ الذي كانت عنده لمّا هربت إليه، ثم ملّته فهربت منه، وهي أبيات عدّة، هذان منها:

ورشّوا على وجهي من الماء واندبواقتيل عريب لا قتيل حروب
فليتك إن عجّلتني فقتلتنيتكونين من بعد الممات نصيبي

قال ابن المعتزّ: وأمّا رواية إسماعيل بن الحسين، خال المعتصم فإنها تخالف هذا، وذكر أنّها إنما هربت من دار مولاها المراكبيّ إلى محمد بن حامد الخاقانيّ المعروف بالخشن، أحد قوّاد خراسان قال: وكان أشقر أصهب الشعر أزرق، وفيه تقول عريب - ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس -:

بأبي كلّ أزرقأصهب اللون أشقر
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
جنّ قلبي به وليس جنوني بمنكر
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة

قال ابن المعتزّ: وحدثني ابن المدبّر قال: خرجت مع المأمون إلى أرض الروم، أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق، فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرّقّة رأينا جماعة من الحرم في العماريّات على الجمّازات وكنّا رفقة، وكنّا أترابا، فقال لي أحدهم: على بعض هذه الجمّازات عريب، فقلت: من يراهنني أمرّ في جنبات هذه العماريّات، وأنشد أبيات عيسى ابن زينب؟.

قاتل اللّه عريبافعلت فعلا عجيبا
للشاعر عيسى المراكبي، اقرأ القصيدة

بامرأة قد أخرجت رأسها فقالت: يا فتى أنسيت أجود الشّعر وأطيبه؟ أنسيت قوله:

وعريب رطبة الشّفرين قد نيكت ضروبا

اذهب فخذ ما بايعت فيه، ثم ألقت السّجف، فعلمت أنها عريب، وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: قال لنا عمر بن شبّة: كانت للمراكبيّ جارية يقال لها مظلومة، جميلة الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمّام، أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه، فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء وقد رآها عنده:

لقد ظلموك يا مظلوم لمّاأقاموك الرّقيب على عريب
ولو أولوك إنصافا وعدلالما أخلوك أنت من الرّقيب
أتنهين المريب عن المعاصيفكيف وأنت من شأن المريب
وكيف يجانب الجاني ذنوبالديك وأنت داعية الذّنوب
فإن يسترقبوك على عريبفما رقبوك من غيب القلوب

وفي هذا المعنى، وإن لم يكن من جنس ما ذكرته ما أنشدينه عليّ بن سليمان الأخفش في رقيبة مغنّية استحسنت وأظنه للنّاشى ء:

فديتك لو أنهم أنصفوالقد منعوا العين عن ناظريك
ألم يقرءوا ويحهم ما يرون من وحي طرفك في مقلتيك
وقد بعثوك رقيبا لنافمن ذا يكون رقيبا عليك
تصدّين أعيننا عن سواكوهل تنظر العين إلا إليك

قال ابن المعتز: وحدثني عبد الواحد بن إبراهيم، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، وعن محمد بن إسحاق البغويّ، عن إسحاق بن إبراهيم: أنّ خبر عريب لمّا نمي إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها، فأحضرا، وغنّت بحضرة إبراهيم بن المهديّ تقول:

لكلّ أناس جوهر متنافسوأنت طراز الآنسات الملائح

فطرب محمد، واستعاد الصوت مرارا، وقال لإبراهيم: يا عمّ كيف سمعت؟ قال: يا سيدي، سمعت حسنا، وإن تطاولت بها الأيام، وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا، فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك، وساوم بها، ففعل، فاشتطّ مولاها في السّوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار، وانتقض أمر محمّد، وشغل عنها، وشغلت عنه، فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن أفتضّها، فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عديّ، وذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم.

وقال في خبره: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد، فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد، فتظلّم إليه المراكبيّ من محمد بن حامد، فأمر بإحضاره فأحضر، فسأله عنها فأنكر، فقال له المأمون: كذبت قد سقط إليّ خبرها. وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة، ويضع عليه السّياط حتى يردّها، فأخذه، وبلغها الخبر فركبت حمار مكار، وجاءت وقد جرّد ليضرب، وهي مكشوفة الوجه، وهي تصيح: أنا عريب، إن كنت مملوكة فليبعني، وإن كنت حرّة فلا سبيل له عليّ، فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضي، فعدّلت عنده، وتقدّم إليه المراكبيّ مطالبا بها، فسأله البيّنة على ملكه إياها، فعاد متظلّما إلى المأمون، وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق، ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة.

وتظلمت إليه زبيدة، وقالت: من أغلظ ما جرى عليّ بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبيّ على داري وأخذه عريبا منها. فقال المراكبيّ: إنما أخذت ملكي، لأنّه لم ينقدني الثّمن، فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقديّ - وكان قد ولّاه القضاء بالجانب الشرقي - فأخذها من قتيبة بن زياد، فأمر ببيعها ساذجة، فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، فذهبت به كلّ مذهب ميلا إليها ومحبّة لها.

قال ابن المعتز: ولقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبّل في بعض الأيام رجلها، قال: فلما مات المأمون بيعت في ميراثه، ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم، وأعتقها، فهي مولاته.

وذكر حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنها لمّا هربت من دار محمد حين قتل تدلّت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق، وهربت إلى حاتم بن عديّ.

وأخبرني جحظة، عن ميمون بن هارون: أنّ المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار، ودعا بعبد اللّه بن إسماعيل، فدفعها إليه وقال: لو لا أنّي حلفت ألّا أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، ولكني سأولّيك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة، ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر، قيمتها ألف دينار، وخلع خلعا سنيّة، فقال: يا سيدي، إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، وأما أنا فإني ميّت لا محالة، لأن هذه الجارية كانت حياتي، وخرج عن حضرته، فاختلط وتغيّر عقله، ومات بعد أربعين يوما.

قال ابن المعتز: فحدثني عليّ بن يحيى قال: حدثني كاتب الفضل بن مروان: قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: كنت أتولّى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عريب، فأمره أن يشتريها، فاشتراها بمائة ألف درهم، فأمرني المأمون بحملها، وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى. ففعلت ذلك، ولم أدر كيف أثبتها، فحكيت في الدّيوان أن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة، والمائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلّالها، فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون، وقد رأى ذلك، فأنكره، وسألني عنه، فقلت: نعم هو ما رأيت، فسأل المأمون عن ذلك، وقال: أوجب وهب لدلّال وصائغ مائة ألف درهم، وغلّظ القصة، فأنكرها المأمون، فدعاني، ودنوت إليه، وأخبرته أنه المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق، وقلت: أيّما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت أو أثبت في الدّيوان أنها خرجت في صلة مغنّ وثمن مغنّية؟ فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطىّ، لا تعترض على كاتبي هذا في شيء.

وقال ابن المكي: حدثني أبي عن تحرير الخادم: قال:

هذه عريب دعا بها سيدها اليوم، فافتضّها.

قال ابن المعتزّ: فأخبرني ابن عبد الملك البصريّ: أنّها لما صارت في دار المأمون احتالت حتى وصلت إلى محمد بن حامد، وكانت قد عشقته وكاتبته بصوت قالته، ثم احتالت في الخروج إليه، وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت، حتى حبلت منه وولدت بنتا، وبلغ ذلك المأمون فزوّجه إياها.

وأخبرنا إبراهيم بن القاسم بن زرزور، عن أبيه، وحدّثني به المظفّر بن كيغلغ عن القاسم بن زرزور، قال: لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبّة صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم، ثم ذكرها، فرقّ لها، وأمر بإخراجها، فلما فتح الباب عنها، وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني:

حجبوه عن بصري فمثّل شخصهفي القلب فهو محجّب لا يحجب

فبلغ ذلك المأمون، فعجب منها، وقال: لن تصلح هذه أبدا، فزوّجها إيّاه.

نسبة هذا الصوت

صوت

لو كان يقدر أن يبثّك ما بهلرأيت أحسن عاتب يتعتّب
حجبوه عن بصري فمثّل شخصهفي القلب فهو محّجب لا يحجب

الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى.

قال ابن المعتزّ: وحدثني لؤلؤ صديق عليّ بن يحيى المنجّم: قال: حدثني أحمد بن جعفر بن حامد: قال: لما توفّي عمّي محمد بن حامد صار جدّي إلى منزله، فنظر إلى تركته، وجعل يقلّب ما خلّف، ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء إلى أن أخرج إليه سفط مختوم، ففضّ الخاتم، وجعل يفتحه، فإذا فيه رقاع عريب إليه، فجعل يتصفّحها ويبتسم، فوقعت في يده رقعة، فقرأها، ووضعها من يده وقام لحاجة، فقرأتها فإذا فيها قوله:

صوت

ويلي عليك ومنكاأوقعت في الحق شكّا
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
زعمت أنّي خئونجورا عليّ وإفكا
إن كان ما قلت حقاأو كنت أزمعت تركا
فأبدل اللّه ما بيمن ذلّة الحبّ نسكا
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة

لعريب في هذه الأبيات رمل وهزج، عن الهشاميّ والشّعر لها.

قال ابن المعتز: وحدثني عبد الوهاب بن عيسى الخراسانيّ، عن يعقوب الرّخاميّ: قال: كنّا مع العباس بن المأمون بالرّقة وعلى شرطته هاشم - رجل من أهل خراسان - فخرج إليّ، وقال: يا أبا يوسف، ألقي إليك سرّا لثقتي بك، وهو عندك أمانة، قلت: هاته، قال: كنت واقفا على رأس الأمين وبي حرّ شديد، فخرجت عريب، فوقفت معي، وهي تنظر في كتاب فما ملكت نفسي أن أو مأت بقبلة، فقالت: كحاشية البرد. فو اللّه ما أدري ما أرادت، فقلت: قالت لك: طعنة.

قال: وكيف ذاك؟ قلت: أرادت قول الشاعر:

رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

وحكى هذه القصة أحمد بن أبي طاهر، عن بشر بن زيد، عن عبد اللّه بن أيوب بن أبي شمر، أنهم كانوا عند المأمون ومعهم محمد بن حامد، وعريب تغنّيهم، فغنّت تقول:

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنةكحاشية البرد اليماني المسهّم:
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

فقال لها المأمون: من أشار إليك بقبلة، فقلت له طعنة؟ فقالت له: يا سيدي، من يشير إليّ بقبلة من مجلسك؟ فقال: بحياتي عليك! قالت: محمد بن حامد، فسكت.

قال ابن المعتز: وحدثني محمد بن موسى: قال: اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه، وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنين، وعريب معه على مصلّاه، فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني ابتداء.

رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليمانيّ المسهّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له: طعنة، فقال لها المأمون: أمسكي، فأمسكت، ثم أقبل على النّدماء فقال: من فيكم أومأ إلى عريب بقبله؟ واللّه لئن لم يصدقني لأضربنّ عنقه، فقام محمد، فقال: أنا يا أمير المؤمنين أو مأت إليها، والعفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت.

فقال: كيف استدلّ أمير المؤمنين على ذلك؟ قال: ابتدأت صوتا، وهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدىء بهذا الصوت إلا لشيء أومىء به إليها، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلّا إيماء بقبلة، فعلمت أنها أجابت بطعنة.

قال ابن المعتز: وحدثني عليّ بن الحسين: أنّ عريب كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد وروى غيره أنها كانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه، وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم وأصفته المحبّة من الخلفاء وأولادهم سواه.

قال ابن المعتز: وحدثني بعض جوارينا: إنّ عريب كانت تتعشّق صالحا المنذريّ الخادم، وتزوّجته سرّا، فوجّه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له، فقالت فيه شعرا، وصاغت لحنه في خفيف الثقيل وهو:

صوت

أمّا الحبيب فقد مضىبالرغم منّي لا الرّضا
أخطأت في تركي لمنلم ألق منه معوّضا

قال: فغنّته يوما بين يدي المتوكل، فاستعاده، وجعل جواريه يتغامزن ويضحكن، فأصغت إليهنّ سرّا من المتوكل، فقالت: يا سحّاقات، هذا خير من عملكنّ.

قال: وحدّثت عن بعض جواري المتوكل، أنها دخلت يوما على عريب، فقالت لها: تعالي ويحك إليّ، فجاءت. قال: فقالت: قبّلي هذا الموضع منّي فإنك تجدين ريح الجنّة فأومأت إلى سالفتها، ففعلت، ثم قالت لها: ما السبب في هذا؟ قالت: قبّلني صالح المنذريّ في ذلك الموضع.

قال ابن المعتز: وأخبرني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال: حدثني حمدون بن إسماعيل، قال: حدثني محمد بن يحيى الواثقيّ، قال: قال لي محمد بن حامد ليلة: أحبّ أن تفرغ لي مضربك، فإني أريد أن أجيئك، فأقيم عندك، ففعلت، ووافاني، فلما جلس جاءت عريب، فدخلت.

وقد حدّثني به جحظة: قال: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون: أنّ عريب زارت محمد بن حامد، وجلسا جميعا، فجعل يعاتبها، ويقول: فعلت كذا، وفعلت كذا، فقالت لي: يا محمد، هذا عندك رأي؟ ثم أقبلت عليه، فقالت: يا عاجز خذ بنا فيما نحن فيه وفيما جئنا إليه.

وقال جحظة في خبره: اجعل سراويلي مخنقتي، وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غد فاكتب إليّ بعتابك في طومار حتى أكتب إليك بعذري في ثلاثة، ودع هذا الفضول، فقد قال الشّاعر:

صوت

دعي عدّ الذّنوب إذا التقيناتعالي لا أعدّ ولا تعدّي
للشاعر هارون الرشيد، اقرأ القصيدة

وتمام هذا قوله:

فأقسم لو هممت بمدّ شعريإلى نار الجحيم لقلت مدّي

الشعر للمؤمّل: والغناء لعريب، خفيف رمل، وفيه لعلوية رمل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة:

أخبرني أبو يعقوب إسحاق بن الضحّاك بن الخصيب: قال: حدثني أبو الحسن عليّ بن محمد بن الفرات قال: كنت يوما عند أخي أبي العباس، وعنده عريب جالسة على دست مفرد لها، وجواريها يغنّين بين يدينا وخلف ستارتنا، فقلت لأخي - وقد جرى ذكر الخلفاء -: قالت لي عريب: ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتزّ، فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد. قال ابن الفرات: فأصغيت إلى بعض بني أخي، فقلت له: فكيف ترى شهوتها الساعة، فضحك ولمحته، فقالت: أيّ شيء قلتم؟

فجحدتها. فقالت لجواريها: أمسكن، ففعلن، فقالت: هنّ حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعا، وهنّ حرائر. إن حردت من شيء جرى، ولو أنها تسفيل، فصدقتها. فقالت: وأي شيء في هذا؟ أما الشهوة فبحالها، ولكن الآلة قد بطلت أو قالت: قد كلّت، عودوا إلى ما كنتم فيه.

وحدثني الحسن بن علي بن مودّة: قال: حدثني إبراهيم بن أبي العبيس: قال: حدثنا أبي: قال: دخلنا على عريب يوما مسلّمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزنيجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب، وما حضر من الوظيفة، وأغنيكم أنا وهي، قال: فقلت لها على شريطة، قالت: وما هي؟ قلت: شيء أريد أن أسألك عنه منذ سنين، وأنا أهابك؟ قالت: ذاك لك، وأنا أقدم الجواب قبل أن تسأل، فقد علمت ما هو، فعجبت لها، وقلت: فقولي، فقالت: تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو؟ فقلت: إي واللّه ذاك الذي أردت.

قالت: شرطي أير صلب، ونكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف، وجمال يحمد فقد زاد قدره عندي، وإلا فهذان ما لا بدّ لي منهما.

وحدّثني الحسن بن علي، عن محمد بن ذى السّيفين إسحاق بن كنداجيق. عن أبيه: قال: كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن، فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أنّ عندك دعوة فابعث إليّ نصيبي منها، قال: فاستأنفت طعاما كثيرا. وبعثت إليها منه شيئا كثيرا؛ فأقبل رسولي من عندها مسرعا. فقال لي: لما بلغت إلى بابها، وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجّهت إليك برسول. وهو معي، فتحيّرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم ومعه شيء مشدود في منديل ورقعة، فقرأتها، فإذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عجميّ يا غبيّ، ظننت أنّي من الأتراك ووخش الجند، فبعثت إليّ بخبز ولحم وحلواء، اللّه المستعان عليك، يا فدتك نفسي، قد وجهت إليك زلّة من حضرتي، فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوه من الأفعال، ولا تستعمل أخلاق العامة، في ردّ الظرف. فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء اللّه، فكشفت المنديل، فإذا طبق ومكبّه من ذهب منسوج على عمل الخلاف، وفيه زبدية فيها لقمتان من رقاق، وقد عصبت طرفيهما وفيها قطعتان من صدر درّاج مشوي ونقل وطلع وملح. وانصرف رسولها.

أيهما أغلى: الخلافة أم الخل الوفي؟

قال ابن المعتز: حدثني الهشاميّ أبو عبد اللّه. عن رجل ذكره، عن علّوية قال: أمرين المأمون وسائر المغنين في ليلة من اللّيالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح، فغدونا ولقيني المراكبيّ مولى عريب، وهي يومئذ عنده، فقال لي: يأيها الرجل الظالم المعتدي، أما ترقّ ولا ترحم ولا تستحي؟ عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كلّ ليلة، قال علّوية: فقلت: أمّ الخلافة زانية. ومضيت معه، فحين دخلت قلت: استوثق من الباب، فإني أعرف خلق اللّه بفضول البوّابين والحجاب، وإذا عريب جالسة على كرسيّ تطبخ، وبين يديها ثلاث قدور من دجاج، فلما رأتني قامت تعانقني وتقبّلني، ثم قالت: أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور، أو تشتهي شيئا يطبخ لك، فقلت: بل قدر من هذه تكفينا، فغرفت قدرا منها، وجعلتها بيني وبينها، فأكلنا ودعونا بالنبيذ، فجلسنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن، صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية، فقلت: وما هو؟ فقالت هو:

عذيري من الإنسان لا إن جفوتهصفا لي ولا إن كنت طوع يديه

وقالت لي: قد بقي فيه شيء، فلم نزل نردده أنا وهي حتى استوى، ثم جاء الحجّاب فكسروا باب المراكبيّ واستخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق، وأنا أغنّي الصوت، فسمع وسمع من عنده ما لم يعرفوه واستظرفوه، وسألني المأمون عن خبره، فشرحته له. فقال لي: ادن وردّده، فردّدته عليه سبع مرات. فقال في آخر مرة: يا علّوية. خذ الخلافة واعطني هذا الصاحب.

نسبة هذا الصوت

صوت

عذيري من الإنسان لا إن جفوتهصفا لي ولا إن كنت طوع يديه
وإنّي لمشتاق إلى قرب صاحبيروق ويصفو إن كدرت عليه

الشعر من الطويل وهو لأبي العتاهية، والغناء لعريب، خفيف ثقيل أول بالوسطى، ونسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة والأصبغ إلى علّوية.

قال ابن المعتز: وحدثني القاسم بن زرزور: قال: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة، وأنا حينئذ أصوغ الغناء.

قال القاسم: وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا أجود من لحنه، فمن ذلك:

لم آت عامدة ذنبا إليك بلىأقرّ بالذنب فاعف اليوم عن زللي

لحنها فيه حفيف ثقيل، ولحن الواثق رمل، ولحنها أجود من لحنه، ومنها:

أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمدحسبي بربّي ولا أشكو إلى أحد
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة

لحنها ولحن الواثق جميعا من الثقيل الأول، ولحنها أجود من لحنه.

نسبة هذين الصوتين

صوت

لم آت عامدة ذنبا إليك بلىأقرّ بالذّنب فاعف اليوم عن زللي
فالصّفح من سيند أولى لمعتذروقاك ربّك يوم الخوف والوجل

الغناء للواثق رمل، ولعريب خفيف ثقيل وذكر ذكاء وجه الرزة أن لطالب بن يزداد فيه هزجا مطلقا.

صوت

أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمدحسبي بربي ولا أشكو إلى أحد
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
أين الزمان الذي قد كنت ناعمةفي ظلّه بدنوّي منك يا سندي
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
وأسأل اللّه يوما منك يفرحنيفقد كحلت جفون العين بالسّهد
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
شوقا إليك وما تدري بما لقيتنفسي عليك وما بالقلب من كمد

الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى، وللواثق ثقيل أول بالبنصر.

قال ابن المعتز: وكان سبب انحراف الواثق عنها. وكيادها آياه، وانحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العبّاس بن المأمون ببلد الرّوم: اقتل أنت العلج ثمّ، حتى أقتل أنا الأعور الليلي هاهنا. تعنى الواثق، وكان يسهر بالليل، وكان المعتصم استخلفه ببغداد.

قال: وحدثني أبو العبيس بن حمدون قال: غضبت عريب على بعض جواريها المذكورات - وسمّاها لي - فجئت إليها يوما. وسألتها أن تعفو عنها.

فقالت في بعض ما تقوله، مما تعتد به عليها من ذنوبها: يا أبا العبيس إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي وجراءتي على كل عظيمة أيام شبابي فانظر إليها واعرف أخبارها.

قال ابن المعتز: وحدثني القاسم بن زرزور قال: حدثني المعتمد، قال: حدثتني عريب أنها كانت في شبابها يقدّم إليها برذون. فتطفر عليه بلا ركاب.

قال: وحدثني الأسديّ: قال: حدثني صالح بن علي بن الرشيد المعروف بزعفرانة: قال: تمارى خالي أبو عليّ مع المأمون في صوت، فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهي محمومة، فسألها عن الصوت فقالت فيه بعلمها، فقال لها: غنيّة، فولّت لتجيء بعود، فقال لها: غنية بغير عود، فاعتمدت على الحائط للحمّي وغنّت، فأقبلت عقرب، فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا، فما نحّت يدها، ولا سكتت. حتى فرغت من الصوت، ثم سقطت وقد غشي عليها.

قال ابن المعتزّ: وحدثني أبو العباس بن الفرات: قال: قالت لي تحفة جارية عريب: كانت عريب تجد في رأسها بردا، فكانت تغلّف شعرها مكان العلّة بستّين مثقالا مسكا وعنبرا، وتغسله من جمعة إلى جمعة، فإذا غسلته أعادته، وتتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرّحه منه بالميزان.

حدثني أحمد بن جعفر جحظة، عن عليّ بن يحيى المنجّم: قال: دخلت يوما على عريب مسلّما عليها، فلما اطمأننت جالسا هطلت السماء بمطر عظيم، فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنّيك أنا وجواريّ، وابعث إلى من أحببت من إخوانك، فأمرت بدوابيّ فردّت، وجلسنا نتحدّث، فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة، ومن كان يغنينا، وأيّ شيء استحسنا من الغناء، فأخبرتها أنّ صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخوري، فقالت: وما هو؟ فأخبرتها أنه:

صوت

تجافي ثم تنطبقجفون حشوها الأرق
وذى كلف بكى جزعاوسفر القوم منطلق
به قلق يململهوكان وما به قلق
جوانحه على خطربنار الشّوق تحترق

فوجّهت رسولا إلى بنان، فحضر من وقته، وقد بلّته السماء، فأمرت بخلع فاخرة، فخلعت عليه، وقدّم له طعام فاخر، فأكل وجلس يشرب معنا، وسألته عن الصوت، فغناها إيّاه فأخذت دواة ورقعة وكتبت فيها:

أجاب الوابل الغدقوصاح النّرجس الغرق
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
وقد غنّى بنان لنا:جفون حشوها الأرق
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
فهات الكأس مترعةكأنّ حبابها حدق

قال عليّ بن يحيى: فما شربنا بقيّة يومنا إلا على هذه الأبيات.

حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان، عن عبد اللّه بن محمد المروزيّ: قال: قال لي الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوما ومعها عدّة من جواريها، فوافتنا ونحن على شرابنا، فتحادثنا ساعة. وسألتها أن تقيم عندي، فأبت وقالت: دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظّرف، وهم مجتمعون في جزيرة المؤيّد، فيهم إبراهيم بن المدبّر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى بن منارة، وقد عزمت على المسير إليهم، فحلفت عليها. فأقامت عندنا، ودعت بدواة وقرطاس فكتبت: بسم اللّه الرحمن الرحيم وكتبت بعد ذلك في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة لم تزد عليها، وهي: أردت، ولو لا، ولعلي.

ووجهت به إليهم، فلما وصلت الرقعة عيّوا بجوابها، فأخذ إبراهيم بن المدبّر الرقعة، فكتب تحت أردت: ليت، وتحت لو لا: ماذا، وتحت لعلي: أرجو. ووجهوا بالرقعة فصفّقت ونعرت وشربت رطلا وقالت لنا: أأترك هؤلاء وأقعد عندكم؟ إذا تركني اللّه من يديه، ولكنّي أخلّف عندكم من جواريّ من يكفيكم، وأقوم إليهم، ففعلت ذلك وخلّفت عندنا بعض جواريها، وأخذت معها بعضهن، وانصرفت.

أخبرنا محمد بن خلف، عن سعيد بن عثمان بن أبي العلاء، عن أبيه قال: عتب المأمون على عريب، فهجرها أياما، ثم اعتلّت فعادها، فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لو لا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذمّ بدء الغضب أحمد عاقبة الرضا، قال: فخرج المأمون إلى جلسائه، فحدثهم بالقصة، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا؟.

حدثني محمد بن خلف، عن أبي العيناء، عن أحمد بن أبي داود: قال: جرى بين عريب وبين المأمون كلام، فكلمها المأمون بشيء غضبت منه، فهجرته. أياما، قال أحمد بن أبي دواد: فدخلت على المأمون. فقال لي: يا أحمد، اقض بيننا، فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله فيما بيننا، وأنشأت تقول:

وتخلط الهجر بالوصال لايدخل في الصّلح بيننا أحد

حدّثني محمد بن خلف قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن أحمد بن حمدون، عن أبيه، قال: كنت حاضرا مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الآخرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق، فقال لي المأمون: اركب الساعة فرس النّوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق - يعني المعتصم - فأدّ إليه رسالتي في كيت وكيت، قال: فركبت ولم تثبت مع شمعة، وسمعت وقع حافر دابة، فرهبت ذلك، وجعلت أتوقّاه، حتى صكّ ركابي ركاب تلك الدّابة، وبرقت بارقة فأضاءت وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب؟ قالت: نعم، حمدون، قلت: نعم. ثم قتل: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد، قلت: وما صنعت عنده؟ قالت عريب: يا تكش، عريب تجيء من عند محمد بن حامد في هذا الوقت خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه، تقول لها: أيّ شيء عملت عنده؟ صلّيت معه التراويح؟! أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه، يا أحمق تعاتبنا، وتحادثنا، واصطلحنا، ولعبنا، وشربنا، وغنينا، وتنايكنا، وانصرفنا، فأخجلتني وغاظتني، وافترقنا، ومضيت فأدّيت الرّسالة، ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار، وهممت واللّه أن أحدّثه حديثها، ثم هبته فقلت: أقدّم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر، فأنشدته:

ألا حيّ أطلالا لواسعة الحبلألوف تسوّى صالح القوم بالرّذل
للشاعر حمدون النديم، اقرأ القصيدة
فلو أن من أمسى بجانب تلعةإلى جبلي طيّ فساقطة الحبل
للشاعر حمدون النديم، اقرأ القصيدة
جلوس إلى أن يقصر الظّلّ عندهالراحوا وكلّ القوم منها على وصل
للشاعر حمدون النديم، اقرأ القصيدة

فقال لي المأمون: اخفض صوتك لا تسمعك عريب فتغضب، وتظنّ أنّا في حديثها، فأمسكت عما أردت أن أخبره، وخار اللّه لي في ذلك.

حدثني محمد بن أحمد الحكيمي: قال: أخبرني ميمون بن هارون، قال: قال لي ابن اليزيدي: حدثني أبي قال: خرجنا مع المأمون في خروجه إلى بلد الرّوم، فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت لي: يا يزيديّ، أنشدني شعرا قلته حتى أصنع فيه لحنا فأنشدتها:

ماذا بقلبي من دوام الخفقإذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردنّ أو دمشقلأنّ من أهوى بذاك الأفق
للشاعر إبراهيم اليزيدي، اقرأ القصيدة
فإن فيه وهو أعزّ الخلقعليّ والزّور خلاف الحق
ذاك الذي يملك منّي رقّيولست أبغي ما حييت عتقي
للشاعر إبراهيم اليزيدي، اقرأ القصيدة

قال: فتنفّست تنفّسا ظننت أن ضلوعها قد تقصّفت منه، فقلت: هذا واللّه تنفس عاشق، فقالت: اسكت يا عاجز أنا أعشق، واللّه لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس، فادّعاها من أهل المجلس عشرون رئيسا طريقا.

حدثني محمد بن خلف: قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر: قال: حدثني أحمد بن حمدون: قال: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شرّ، وكان يجد بها الوجد كلّه، فكادا يخرجان من شرّهما إلى القطيعة، وكان في قلبها منه أكثر مما في قلبه منها، فلقيته يوما، فقالت له: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى واللّه ما كان وأقرحه، فقالت له: استبدل تسل، فقال لها: لو كانت البلوى باختيار لفعلت: فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون؟ أصبر مكرها، أما سمعت قول العباس بن الأحنف.

تعب يطول مع الرجاء بذى الهوىخير له من راحة في اليأس
لو لا كرامتكم لما عاتبتكمولكنتم عندي كبعض النّاس

قال: فذرفت عيناها، واعتذرت إليه وأعتبته، واصطلحا، وعادا إلى أفضل ما كانا عليه.

حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: قال لي أبو العباس بن حمدون - وقد تجاذبنا غناء عريب - ليس غناؤها مما يعتدّ بكثرته، لأن سقطه كثير، وصنعتها ساذجة، فقلت له: ومن يعرف في الناس كلّهم من مغني الدولة العباسية سلمت صنعته كلّها حتى تكون مثله! ثم جعلت أعدّ ما أعرفه من جيّد صنعتها ومتقدّمها وهو يعترف بذلك، حتى عددت نحوا من مائة صوت مثل لحنها في:

يا عزّ هل لك في شيخ فتى أبدا
سيسليك عما فات دولة مفضل
صاح قد لمت ظالما
ضحك الزمان وأشرقت

ونحو هذا، ثم قال لي: ما خلّفت عريب بعدها امرأة مثلها في الغناء والرّواية والصّنعة، فقلت له: لا، ولا كثيرا من الرجال أيضا.

ولعريب في صنعتها:

يا عزّ هل لك في شيخ فتى أبدا

خبر أخبرني ببعضه أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن ميمون بن هارون.

وذكر ابن المعتز أن عبد الواحد بن إبراهيم بن الخصيب حدّثه عمّن يثق به، عن أحمد بن عبد اللّه بن إسماعيل المراكبيّ: قال: قالت لي عريب: حج بي أبوك وكان مضعوفا، فكان عديلي، وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار، وأكتب عنهم النوادر وسائر ما أسمعه منهم، فوقف شيخ من الأعراب علينا يسأل، فاستنشدته، فأنشدني:

يا عزّ هل لك في شيخ فتى أبداوقد يكون شباب غير فتيان

فاستحسنته، ولم أكن سمعته قبل ذلك، قلت: فأنشدني باقي الشعر، فقال لي: هو يتيم، فاستحسنت قوله وبرّرته، وحفظت البيت وغنّيت فيه صوتا من الثقيل الأول، ومولاي لا يعلم بذلك لضعفه، فلمّا كان في ذلك اليوم عشيّا قال لي: ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابيّ، وقال لك: إنه يتيم. أنشدينيه إن كنت حفظته، فأنشدته، إياه، وأعلمته أني قد غنيّت فيه، ثم غنيته له، فوهب لي ألف درهم بهذا السبب، وفرح بالصوت فرحا شديدا.

قال ابن المعتز: قال ابن الخصيب: فحدثني هذا المحدّث أنه قد حضر بعد ذلك بمجلس أبي عيسى بن المتوكل - ومن ها هنا تتصل رواية ابن عمّار، عن ميمون، وقد جمعت الرّوايتين إلا أن ميمون بن هارون ذكر أنهم كانوا عند جعفر بن المأمون، وعندهم أبو عيسى، وكان عندهم عليّ بن يحيى، وبدعة جارية عريب تغنيهم - فذكر عليّ بن يحيى أن الصّنعة فيه لغير عريب، وذكر أنها لا تدّعى هذا وكابر فيه، فقام جعفر بن المأمون، فكتب رقعة إلى عريب - ونحن لا نعلم - يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة، ففعلت، فكتبت إليه بخطها: بسم اللّه الرحمن الرحيم.

هنيّا لأرباب البيوت بيوتهموللعزب المسكين ما يتلمّس

أنا المسكينة، وحيدة فريدة بغير مؤنس، وأنتم فيما أنتم فيه، وقد أخذتم أنسى ومن كان يلهيني، تعني جاريتها: بدعة وتحفة - فأنتم في القصف والعزف، وأنا في خلاف ذلك، هناكم اللّه وأبقاكم، وسألت - مدّ اللّه في عمرك - عما اعترض فيه فلان، والقصّة في هذا الصوت كذا وكذا، وقصّت قصّتها مع الأعرابيّ كما حدّثت به، ولم تخرم حرفا منها، فجاء الجواب إلى جعفر بن المأمون فقرأه وضحك. ثم رمى به إلى أبي عيسى، ورمى به أبو عيسى إليّ، وقال: اقرأه، وكان عليّ بن يحيى جالسا إلى جنبي، فأراد أن يستلب الرقعة، فمنعته، وقمت ناحية، فقرأتها: فأنكر ذلك، وقال: ما هذا؟ فورّينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة، وكان - عفا اللّه عنا وعنه - مبغضا لها.

قال ابن المعتز: وحدثني أبو الخطّاب العبّاس بن أحمد بن الفرات، قال: حدّثني أبي، قال: كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذا غنّى بعض من كان هناك:

يا بدر إنّك قد كسيت مشابهامن وجه ذاك المستنير الّلائح
وأراك تمصح بالمحاق، وحسنهاباق على الأيام ليس ببارح

فضحكت عريب وصفّقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف خبر هذا الصّوت غيري، فلم يقدم أحد منا على مسألتها عنه غيري، فسألتها، فقالت: أنا أخبركم بقصته، ولو لا أن صاحب القصّة قد مات لما أخبرتكم، إن أبا محلّم قدم بغداد، فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك، فاطّلعت أمّ محمد ابنة صالح يوما، فرأته يبول، فأعجبها متاعه. وأحبّت مواصلته، فجعلت لذلك علّة بأن وجّهت إليه تقترض منه مالا، وتعلمه أنّها في ضيقة وأنّها تردّه إليه بعد جمعة، فبعث إليها عشرة آلاف درهم، وحلف أنّه لو ملك غيرها لبعث به، فاستحسنت ذلك وواصلته، وجعلت القرض سببا للوصلة، فكانت تدخله إليها ليلا، وكنت أنا أغنّي لهم، فشربنا ليلة في القمر، وجعل أبو محلّم ينظر إليه، ثم دعا بدواة ورقعة، وكتب فيها قوله:

يا بدر إنك قد كسيت مشابهامن وجه أمّ محمد ابنة صالح

والبيت الآخر، وقال لي: غنّي فيه، ففعلت واستحسنّاه وشربنا عليه، فقالت لي أم محمد في آخر المجلس: يا أختي، قد تنبّلت في هذا الشعر إلا أنّه سيبقى عليّ فضيحة آخر الدهر، فقال أبو محلّم: وأنا أغيّره، فجعل مكان أمّ محمد ابنة صالح، «ذاك المستنير اللائح». وغنّيته كما غيّره، وأخذه الناس عني، ولو كانت أمّ محمد حيّة لما أخبرتكم بالخبر.

فإنّ الشعر لأبي محلّم النّسّابة، والغناء لعريب ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى من رواية الهشاميّ وغيره، وأبو محلّم اسمه عوف بن محلّم.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، عن ميمون بن هارون: قال: كتبت عريب إلى محمد بن حامد - الذي كانت تهواه - تستزيره، فكتب إليها: إني أخاف على نفسي، فكتبت إليه.

صوت

إذا كنت تحذر ما تحذروتزعم أنك لا تجسر
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
فمالي أقيم على صبوتيويوم لقائك لا يقدر

فصار إليها من وقته.

لعريب في هذين البيتين وبيتين آخرين بعدهما لم يذكرا في الخبر رمل، ولشاريه خفيف رمل، جمعا من رواية ابن المعتز، والبيتان الآخران:

تبيّنت عذري وما تعذروأبليت جسمي وما تشعر
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة
ألفت السّرور وخلّيتنيودمعي من العين ما يفتر
للشاعر عريب المأمونية، اقرأ القصيدة

وذكر ميمون في هذا الخبر أن محمد بن حامد كتب إليها يعاتبها في شيء كرهه، فكتبت إليه تعتذر، فلم يقبل، فكتبت إليه بهذين البيتين الآخرين اللذين ذكرتهما بعد نسبة هذا الصوت.

صوت

أحببت من شعر بشّار لحبكمبيتا، كلفت به من شعر بشّار
يا رحمة اللّه حلّي في منازلناوجاورينا فدتك النّفس من جار
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذا ابتهلت سألت الله رحمته»
إذا ابتهلت سألت اللّه رحمتهكنيت عنك وما يعدوك إضماري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذا ابتهلت سألت الله رحمته»

الشعر لأبي نواس منه البيت الأول، والثاني لبشار ضمنّه أبو نواس، والغناء لعريب ثقيل أول بالبنصر، ولعمرو بن بانة في الثاني والثالث رمل.

وهذا الشعر يقوله أبو نواس في رحمة بن نجاح عمّ نجاح بن سلمة الكاتب.

أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد النحويّ: قال: كان بشار يشببّ بامرأة يقال لها رحمة، وكان أبو نواس يتعشق غلاما اسمه رحمة بن نجاح، عم نجاح بن سلمة الكاتب، وكانت متقدما في جماله، وكان أبوه قد ألزمه وأخاه رجلا مدنيا، وكان معهم كأحدهم، وأكثر أبو نواس التّشبيب برحمة في إقامته ببغداد وشخوصه عنها، وكان بشار قد قال في رحمة المرأة التي يهواها.

يا رحمة اللّه حلّي في منازلناحسبي برائحة الفردوس من فيك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»
يا أطيب الناس ريقا غير مختبرإلا شهادة أطراف المساويك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»

فقال أبو نواس، وضمّن بيت بشّار.

أحببت من شعر بشار لحبّكمبيتا كلفت به من شعر بشّار
الأبيات الثلاثة

وقال فيه:

يا من تأهّب مزمعا لرواحمتيمّما بغداد غير ملاح
في بطن جارية كفتك بسيرهارملا وكلّ سباحة السّبّاح
بنيت على قدر ولاءم بينهاصنفان من قار ومن ألواح
وكأنها - والماء ينضح صدرهاوالخيزرانة في يد الملّاح -
جون من الغربان يبتدر الدّجىيهوي بصوت واصطفاق جناح
سلّم على شاطى الصّراة وأهلهاواخصص هناك مدينة الوضّاح
واقصد - هديت - ولا تكن متحيّرافي مقصد عن ظبي آل نجاح
عن رحمة الرحمن واسأل من ترىسيماه سيما شارب للرّاح
فإذا دفعت إلى أغنّ وألثغومنعّم ومكحّل ورداح
وكشمسنا وكبدرنا حاشى التيسمّيتها منه بنور أقاحي
فاقصد لوقت لقائه في خلوةلتبوح عني ثمّ كلّ مباح
واخبر بما أحببت عن حالي التيممساي فيها واحد وصباحي

قال: فافتدى أبو رحمة من أبي نواس ذكر ابنه بأن عقد بينه وبينه حرمة، ودعاه إلى منزله، فجاءه أبو نواس والمدينيّ لا يعرفه، فمازحه مزاحا أسرف عليه فيه، فقام إليه رحمة، فعرفه أنه أبو نواس، فأشفق المدينيّ من ذلك، وخاف أن يهجوه ويشهّر اسمه، فسأل رحمة أن يكلمه في الصفح له والإغضاء عن الانتقام، فأجابه أبو نواس وقال:

اذهب سلمت من الهجاء ولذعهوأما ولثغة رحمة بن نجاح
لو لا فتور في كلامك يشتهىوترفّقي لك بعد واستملاحي
وتكسّر في مقلتيك هو الذيعطف الفؤاد عليك بعد جماح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذهب نجوت من الهجاء ولذعه»
لعلمت أنك لا تمازح شاعرافي ساعة ليست بحين مزاح
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إذهب نجوت من الهجاء ولذعه»

صوت

أأبكاك بالعرف المنزلوما أنت والطّلل المحول؟
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أأبكاك بالعرف المنزل»
وما أنت ويك ورسم الدّياروسنّك قد قاربت تكمل؟
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أأبكاك بالعرف المنزل»

عروضه من المتقارب، والشعر للكميت بن زيد الأسديّ، والغناء لمعقل بن عيسى أخي أبي دلف العجليّ، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر، وهذان البيتان من قصيدة مدح الكميت بهما عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاصي بن أمية.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثني الحسن بن عليل العنزيّ، عن عليّ بن هشام، عن محمد بن عبد الأعلى بن كناسة: قال: كان بين بني أسد وبين طيء بالحصّ - وهي قريبة من قادسيّة الكوفة - حرب، فاصطلحوا وبقي لطيء دماء رجلين، فاحتمل ذلك رجل من بني أسد، فمات قبل أن يؤدّيه، فاحتمله الكميت بن زيد، فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة، فمدحه بقوله:

أأبكاك بالعرف المنزلوما أنت والطّلل المحول
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «أأبكاك بالعرف المنزل»

فأعانه الحكم بن الصلت الثقفيّ، فمدحه بقصيدته التي أولها:

رأيت الغواني وحشا نفورا

وأعانه زياد بن المغفّل الأسديّ، فمدحه بقصيدته التي أولها:

هل للشباب الذي قد فات من طلب؟

ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء، فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين، والثلاث المائة، وأكثر وأقل، قال: وكانت دية الأعرابي حينئذ ألف بعير ودية الحضريّ عشرة آلاف درهم، وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم، فأدّى الكميت عشرين ألفا عن قيمة ألفي بعير.

نسبة ما في أشعار الكميت هذه من الأغاني

صوت

منها:

هل للشباب الذي قد فات من طلبأم ليس غابره الماضي بمنقلب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هل للشباب الذي قد فات من طلب»
دع البكاء على ما فات من طلبفالدهر يأتي بألوان من العجب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هل للشباب الذي قد فات من طلب»

غنّاه إبراهيم الموصليّ خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»