تجاوز إلى المحتوى

من «وصايا الملوك» لدعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ)

وصية عمرو بن الحارث

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن عمرو بن الحارث وصى ابنه الحارث الخطّار الذي كانت تسميه العرب الحارث الأعرج قال: وكان عمرو بن الحارث كاهناً، يخبر بالكوائن، وينذر منها، فأنشأ يقول: " من البسيط "

يا حارِ إنِّي أرى دُنيايَ صائِرةًمنِّي إليكَ وقد قامَتْ على ساقِ
غداً ستجتازُها دُونِيْ وتَملِكُهَاإنْ يأذنِ اللهُ لي فيها بتفراقِ
ما يقتِنيْ المُلكَ إلاَّ من تبوَّأهُعندَ النَّوائِبِ مِنْ ماضٍ ومن باقِ
والنَّاسُ سرحُ رِباعٍ والمُلوكُ لهُمْما بينَ راعٍ وحفَّاظٍ وسوَّاقِ
ولا يحُوطُ ولا يرعَى الأنامَ سوىمن في ذُرَى المجدِ عالٍ في العُلى راقِ
ماضِي العزيمةِ ذي حَزْمٍ وذي فِطنٍمُوفٍ لدى العقدِ من عهدٍ وميثاقِ
تفِيضُ كالبحرِ ذي الأمواجِ راحتُهُبنائِلٍ مُستهِلِّ السَّيبِ دفَّاقِ
فإنْ ألمَّتْ عوانٌ للحُرُوبِ وقىمِنها الَّذي لا يقيهِ دافِعٌ واقِ
بذابلٍ من قنا الخطِّيِّ يقدمُهُوصارمٍ كشُعاعِ الشَّمس برَّاقِ
هيَ الوصِيَّةُ فاحفظهَا كما حُفِظَتْلِلمُلكِ عن كُلِّ فَتَّاقٍ ورتَّاقِ

قال محمد بن علي: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الحارث الأعرج حفظ الوصية، وعمل بها، وثبت عليها، وملك بعد أبيه عمرو بن الحارث ما كان يملك من البلاد وقبائل العرب، وهو الذي ذكره النابغة في شعره الذي مدح فيه ابنه عمرو بن هند حيث يقول:

عليَّ لعمروٍ نِعمةٌ بعدَ نعمةٍلوالدِهِ ليستْ بذاتِ عقاربِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»
حلفتُ يميناً غيرَ ذِي مثنويَّةٍولا عِلمَ إلاّ حُسنُ ظنٍّ بغائبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
لئِن كانَ بالقبرينِ قبرٍ بجلِّقٍٍوقبرٍ بصيداءَ الَّذي عندَ حاربِ
وما الحارثُ الجفنيُّ سيِّدُ قومهِلملتمسٍ بالجمعِ أرضَ المُحاربِ
على عارفاتٍ للطِّعَانِ عوابسٍبهِنَّ كُلُومٌ بينَ دامٍ وجالبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
إذا استنزِلُوا عنهُنَّ للموتِ أرقلُواإلى الموتِ إرقالَ الجمالِ المصاعبِ
ولا عيبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سُيُوفهُمْبِهنَّ فُلُولٌ من قراعِ الكتائِبِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

ويقال: إن القبرين الذين ذكرهما النابغة، أحدهما قبر جفنة بن مارية، والآخر قبر الحارث الأكبر بن ثعلبة بن جفنة. وأما قبر عمرو بن الحارث ففي خلان من أرض الشام، وقد ذكره النابغة في شعره حيث يقول:

وآب مصلوه بغير جليَّةٍوغودر في خلان حزمٌ ونائلُ

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الحارث الأعرج بن عمرو بن الحارث الأكبر وصَّى ابنه أبا منذر واسمه عمرو المحرق بن هند. وهند بنة عوف الشيباني، أمها البرصاء بنة مرّة فقال: " من البسيط "

يا عمرُو دُونَكَ أرضَ الشَّام دُونكهَايا عمروُ إنَّ لها شأناً من الشَّانِ
يا عمرُو فيها لكَ المُلكُ الَّذي ملكتْأولادُ جفنةَ من أولادِ غسَّانِ
لا تكذبنَّ فخيرُ القولِ أصدقُهُوالمرءُ يكذِبُ في سرِّ وإعلانِ
ما مِثلُ مُلكِكَ مُلكٌ حازَهُ ملِكٌمن نسلِ حميرَ أو من نسلِ كهلانِ
إلاَّ التَّبابِعةُ الغُرُّ الَّذين لهُمْكانتْ تدِينُ مُلوكُ الإنسِ والجَانِ
أبناءُ قيصرَ قدْ كانتْ تدينُ لهُمْوكانَ دانٍ لهُم كِسرى بنُ ساسانِ
إنَّ المُلوكَ رُعاةُ النَّاسِ حينَ لهُمْما كانَ في الأرضِ من عِزٍّ وسُلطانِ
كُنْ خيرَ راع إذا استرعاكَ ربُّهمُإياهُمُ ولنا كُنْ خَيرَ ما ثانِ
كم أُوصِكَ اليومَ إلاَّ بالَّذي حَفِظتْعن الأوائلِ من أبناءِ قحطانِ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن عمرو المحرِّق وهو ابن هند بنة عوف الشيباني حفظ وصية أبيه، وثبت عليها، وعمل بها، وملك ما ملكت آباؤه من البلاد وقبائل العرب.

ويقال: إنه سمي محرِّقاً على وقت كبر سنه، وذلك أن أخاً له يقال له " أسعد "، وكان مسترضعاً في تميم، فخرج إليهم عمرو بن هند، فقتل من تميم مقتلة عظيمة، ثم أخذ منهم مائة رجل أحياء، فضرجهم في النار، وحرقهم، فلذلك سمي محرّقاً. وقد ذكر ذلك ابن غالب التميمي في شعره حيث يقول:

أينَ الَّذين بنارِ عمروٍ حُرِّقوابلْ أينَ أسعدُ فيهمُ المُستَرضَعُ

وقد ذكر ذلك الأعشى في شعره حيث يقول:

أبناء قوم قُتِّلوايوم القُصيبَةِ من أوارهْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»
والعود يُعصر ماؤهولكلِّ عيدانٍ عُصارهْ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

وقد ذكر ذلك الطرماح في شعره الذي يقول فيه: " من البسيط "

ودارمٌ قد قذفنا منهُمُ مائةًفي جَاحم النَّار إذ ينزُون في الخُددِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إنَّ الفؤادَ هفَا للبائنِ الغردِ»
ينُزون بالمُشتَوى منها ويوقدهاعمروٌ، ولولا شحومُ القومِ لم تقدِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إن الفؤاد للبائن الغرد»

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن عمرو المحرق وصّى ابنه الأيهم فقال:

إنَّ الشَّآمَ وما حوتْ لِيَ أرضُهَالَكَ بعدَ يومِيْ كُلُّها يا أيهمُ
قدْ سستُها وملكتُهَا ليَ حِقبةًوكذاكَ تملكُهَا ومُلكُكَ يعظُمُ
فإذا ملكتَ وصرتَ صاحِب أمرِهَابعديْ فَحُطهَا بالّتي هيَ أقومُ
أحسِنْ إلى من كانَ فيها مُحسِناًواعدلْ فمهما تستطِعْ فتقدَّمِ
منْ نائلٍ وسماحَةٍ تعلُو بِهَالبنيْ أبيكَ سناؤُهَا المُتعظِّمُ
والجارُ والمولَى فلا تخذُلهُمَافكِلاهُمَا لكَ صَاحبٌ لا يُسلَمُ
وعلى العَشيرةِ كُنْ عطُوفاً إنَّهالبنيْ أبيكَ صناعَةُ لا تُهزمُ
هاتا وصاتِي إنني أوصيكهافاعمَلْ بِها دُونَ الورى يا أيهمُ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن الأيهم بن عمرو المحرِّق حفظ هذه الوصية، وعمل بها، وثبت عليها، وملك ما كان يملك أبوه عمرو المحرق.

والأيهم الذي يقول فيه النابغة، يوم قال له عمرو بن الحارث المحرق: امدح لي يا أخا ذبيان هذا الغلام، فقال: " من السريع "

هذا غُلامٌ حسنُ وجهُهُمُستقبلُ الخيرِ سريعُ التَّمامْ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «هذا غلام حسن وجهه»
للحارِثِ الأكبرِ والحارثُ الأعرجِ والأصغرِ خيرِ الأنامْ
ثُمَّ لهندٍ ولِهندٍ إلىجَدَّاتِ صِدقٍ وجُدودٍ كِرامْ
خمسةْ آباؤُهُمْ وهمُهُمْ خيرُ مَنْ يشربُ صوبَ الغمامْ

وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الأيهم بن عمرو المحرق وصى ابنه جبلة بن الأيهم بن عمرو المحرق بن الحارث الخطار وهو الأعرج بن عمرو بن الحارث الأكبر بن ثعلبة بن جفنة بن ثعلبه بن عمرو بن عامر بن حارثة الأحساب بن امرئ القيس بن ثعلبه بن مازن بن الأزد، فقال له: يا بني إنك لمالك الشام بعدي، وإنك لصاحب أمرها دون ولدي، وإنك لفي أوان التعطيل لهذا الأمر الذي أوتيناه دون غيرنا، فإذا رأيت ذلك فانظر لنفسك ما يزينها والتمس لقومك ما يصونهم.

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن جبلة بن الأيهم لم يزل ملكاً مطاعاً في قومه غسان، يحبى إليه خراج الشام وتطيعه قبائل العرب فيها. فبعث رسول الله ﷺ تسليماً وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فتوفي رسول الله ﷺ فجلس أبو بكر، وأقام في الخلافة ما أقام وجبلة بن الأيهم ملك الشام. فلما كان في زمان عمر بن الخطاب أسلم جبلة بن الأيهم، وقدم المدينة في خمسمئة فارس من قومه أصحاب التيجان، وسار منها حتى دخل مكة حاجّاً. ويقال: إنه كان يطوف ذات يوم من أيام الحج عليه إزار وشي ورداء وشي، فوطئ إزاره رجل من فزارة، قال: فلطمه جبلة بن الأيهم لطمة هشّم بها أنفه، فقال: فأقبل الفزاري ودمه يسيل على صدره، حتى وقف على عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين أنصفني من هذا الملك الجبار جبلة بن الأيهم الجفني، لطمني لطمة، فتركني على هذه الحالة، قال: فدعا عمر بن الخطاب بجبلة بن الأيهم، فقال له: علام لطمت هذا الرجل؟ فقال له جبلة بن الأيهم: وطئ إزاري، فقال عمر بن الخطاب: أما أنت فقد أقررت، فإما تعطيه لطمة بلطمته، وإما أن ترضيه من مالك، فقال جبلة بن الأيهم: لا أفعل شيئاً مما ذكرت يا أمير المؤمنين، وهم جبلة بن الأيهم أن يثير الفتنة بينه وبين عمر بن الخطاب. قال: فدخل إليه الناس فكلموه، وسكنوا بعض ما كان به من الغضب، وناشدوه بالله ألا يجعلها فتنة، فأجابهم جبلة بن الأيهم إلى ذلك. فلما كان في بعض من الليل مضى إلى الشام جبلة بن الأيهم فيمن معه، ودخل في النصرانية، ومضى حتى دخل بلد الروم على هرقل بن قيصر مغضباً حنقاً عاتباً على عمر بن الخطاب.

وهذا مختصر من خبر جبلة بن الأيهم، والشرح يطول في ذلك. ويقال: إنه ندم على ما كان من تركه الإسلام ودخوله في النصرانية. وقال في ذلك شعراً، يقول فيه:

تنصَّرتُ للإشفاقِ مِن عارِ لطمةٍوما كانَ فيها لو تصبَّرتُ من ضررْ
تحمَّلِني منها لجاجٌ ونخوةٌفبعتُ لها العينَ الصحيحةَ بالعورْ
فياليتَ لي بالشَّامِ أدنى معيشةٍأجاورُ قومِي داني السَّمعِ والبصرْ
وياليتْ أُمِّيْ لم تلدنيْ وليتنِيْرجعتُ إلى القولِ الَّذِي قالَ لي عُمرْ
وياليتني أرعى المخاضَ بعُقرةٍوكُنتُ أَسيراً في ربيعةَ أو مُضرْ

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: ولقد كان لجبلة بن الأيهم عند دخوله في النصرانية أخبار وأحاديث، يطول شرحها، وهو الذي يقول فيه حسان بن ثابت الأنصاري لما وصل به بره من أرض الروم حيث يقول:

إنَّ ابن جفنةَ من بقيَّة معشرٍلم تغذُهُم آباؤهُمْ باللُّومِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن ابن جفنة من بقية معشر»
لم ينسنيْ بالشَّامِ إذ هُو ربُّهاكلَّا ولا مُتنصِّراً بالرُّومِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن ابن جفنة من بقية معشر»
يُعطِي الجزيلَ ولا يراهُ عندهُإلاّ كبعضِ عطيَّةِ المذمُومِ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن ابن جفنة من بقية معشر»
جالَستُهُ يوماً فقرَّبَ مجلِسيْوسعى عليَّ براحةِ الخرطُومِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «وصايا الملوك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.